الثلاثاء، 20 أكتوبر، 2015

الله أقام يسوع: فحص تاريخى لشهادة الأناجيل الإزائية للقيامة

المقدمة

        إن قيامة يسوع من الموت هى الوجه الآخر لعمل المسيح على الصليب. لا نستطيع أن نفصل بين الصليب والقيامة، فهما كحدثان يعتبران معاً عمل الفداء المُعلن للبشرية. وفى هذا البحث يود الباحث أن يستقصى بعض الاسئلة الهامة المتعلقة بقيامة يسوع من الموت بمنهج تاريخى بحت فى الأناجيل الإزائية.
        كيف يجب أن نقرأ الكتاب المقدس؟
        هل الكتاب المقدس يثبت أن يسوع قد قام من الموت فعلاً؟
        هل لدى الأناجيل الإزائية دليل يمكن أن يشرح قيامة المسيح من خلفية تاريخية؟
        ما الأدلة التى تقدمها الأناجيل الإزائية؟ ما هو مدى تماسكها؟
        إن هذه الاسئلة وغيرها يود الباحث أن يتحرى إجاباتها لكى ما يجيب على سؤال تاريخية قيامة يسوع من الموت فى هذه الدراسة.

الصحوة التاريخية


        الطريقة التى كان يتم التعامل بها طوال التاريخ مع الكتاب المقدس هو أنه كلمة الله المقدسة التى اوحى بها لأنبياؤه ورسله وتلاميذه الذين سجلوا كل ما اراد أن يصل لشعبه. غير أن هذه الطريقة لم تعد هى الطريقة القياسية فى فهم طبيعة الكتاب المقدس بدايةً من القرن التاسع عشر. هناك عدة مراحل تطور عبرها الفكر البشرى حتى القرن التاسع عشر، واهم هذه المراحل:
·        عصر النهضة Renaissance: الذى بدأ فى القرن الرابع عشر حتى القرن السابع عشر حيث ازدهرت الحركات الثقافية وانتشرت دراسة اللغات القديمة والأدبيات الكلاسيكية. إن أهم ما قدمه هذا العصر للفكر البشرى هو الرجوع مرة أخرى لدراسة اللغات القديمة بعدما كانت اللاتينية هى اللغة الرئيسية فى اوروبا. والرجوع لدراسة المصادر بلغاتها القديمة كان يعنى أيضاً أن هناك كتاب مقدس سوف يُدرس بلغاته الأصلية؛ العبرية واليونانية. يقول نيل:"إن اسس النقد الكتابى الحديث تم وضعها فى عصر النهضة مع إحياء معرفة اللغة اليونانية ونشر وتحرير المصادر القديمة"[1].
·        عصر الإصلاح Reformation: ففى القرن السادس عشر خرج الكتاب المقدس للنور. لم تعد السلطة الكنسية هى الحاكمة فى تفسير النص اللازم للايمان والتطبيق فى الحياة اليومية. الآن طُبِع الكتاب المقدس، ويُنشر بين كافة البشر. واستطاع المصلحين أن يترجموه إلى اغلب اللغات الأوروبية. ومع إتاحة الكتاب المقدس امام الجميع استطاع الناس أن يدرسوه. هذه الدراسة كانت تهدف إلى إستكشاف إلى أى مدى كانت الكنيسة المعاصرة أمينة وحريصة إلى الايمان الأول. وكان شعار الإصلاح العظيم "الكتاب المقدس فقط" Sola Scriptura يدعو للتساؤل: لو أن الكتاب المقدس وحده فقط هو مصدر السلطة فى حياة الكنيسة المسيحية، فما هى السلطة القائمة على تفسيره وشرحه؟ فإن النص الكتابى، مثله مثل أى نص، يمكن أن يتم تفسيره بأكثر من معنى وطريقة. بل إن قراءة النص من فرد لآخر تعنى أنه سيُفهم بطريقة مختلفة من فرد لآخر. وهنا لجأ المصلحين إلى "العقل" كسلطة تفسير النص الكتابى عبر التفسير اللغوى التاريخى.
·        عصر التنوير Enlightenment: الذى كان سائداً فى القرن الثامن عشر، وهو لقب يُعطى لوصف الوقت الذى فيه ازدهرت الفلسفة الأوروبية بشكل كبير جداً؛ للدرجة التى بها تُوضع فلسفة هذا القرن فى مقابلة مع فلسفة التاريخ السابقة له. لقد كان هذا الحراك الفلسفى جزء من سياق اوسع سُمِى بـ "عصر العقلانية" Rationalism. إننا فى هذا العصر نرى فلاسفة عظام بدايةً من رينيه ديكارت مروراً بجون لوك وجان جاك روسو واخيرأ كانط. هؤلاء الفلاسفة أعادوا فهم وصياغة نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا Epistemology) من جديد. إنهم بذلك يتشككون فيما يعرفونه وكيف يمكنهم أن يعرفونه. و ظهور الربوبية Deism فى ذلك الوقت كان نتيجة لهذه الدراسات.
·        عصر النقد الكتابى Biblical Criticism: إنه القرن التاسع عشر حيث بدأت هذه التطورات المعرفية التى تحدث فى فروع دراسية مثل التاريخ والأدب واللغات، بل وحتى المعرفة، تأخذ منحى مؤثر على كيفية فهم الكتاب المقدس. إنه عصر لا يتم فيه التسليم بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله وأن موسى كتب التوراة وأن الشمس وقفت ليشوع ويسوع مشى على الماء. عصر تأثر كثيراً بالفلسفة المادية التى تسعى لتفسر كل حدث بطريقية طبيعانية[2]. فى هذا الزمان علينا أن نقبل التفسير الأسهل بدلاً من الأصعب، والتفسير الأسهل هو الذى يفترض سبب طبيعى وراء الحدث وليس سبب خارق للطبيعة. ومن هذا المنطلق بدأ هؤلاء النقاد فى دراسة الكتاب المقدس واحداثه وتفسيرها بهذا المنطق. لقد آمنوا أن هناك حقيقة روحية خلف كل حدث تاريخى. فالمهم بالنسبة لهم ليس الحدث التاريخى، بل الحقيقة الروحية التى عليهم أن يستخرجوها من الحدث. لكن بينما هم يفعلون ذلك، اخذوا طريقاً متوسطاً بين الربوبيون والمؤمنون بحقيقة هذه المعجزات. لقد اهملوا التاريخ واهتموا باللاهوت فأصبح ليس من المهم أن نهتم بالحدث التاريخى نفسه بقدر ما يجب أن نهتم بما يعنيه لنا. فسواء حدثت المعجزة أم لم تحدث، فإن هذا لن يكون ذا اختلاف كبير. هؤلاء هم "اللاهوتيون العقلانيون"[3]. وفى القرن العشرين، حينما مثل كارل بارت اللاهوت الجدلى، ورودولف بولتمان اللاهوت الوجودى، شدد كلاهما على أهمية "عقيدة القيامة"، بينما تجاهل كلاهما، وهما نقيضين فى اللاهوت المسيحى الحديث فى القرن العشرين، "تاريخية القيامة"[4].

الكتاب المقدس كتاب تاريخى


        ظهور الحركة الأصولية Fundamentalism فى بدايات القرن العشرين كان رد الفعل الطبيعى لهذه المدرسة النقدية التى تتحدى ثوابت الايمان المسيحى التاريخى. أكدت هذه الحركة على تمسكها بالرؤية التاريخية للمسيحية تجاه الكتاب المقدس. إنه كلمة الله المُوحى بها والتى، بالتالى، لا تشتمل سوى على حق حرفى. لكن الخطر الكبير لردة الفعل هذه كان التجاهل التام لحقيقة أن الكتاب المقدس كان كتاباً تاريخياً فعلاً[5]. أى أن الكتاب المقدس يحتوى على احداث كثيرة وقعت وحدثت بالفعل فى حدود التاريخ. إن التاريخ هو الحدث الذى يقع فى إطار الزمان والمكان. وكل ما هو خاضع لإطار الزمان والمكان يمكن فحصه والتأكد من هويته.
        الكنيسة المسيحية غفلت عن هذه الحقائق فى اوقات طويلة، وربما ظهور هذه الحركات النقدية كان مشجعاً للكنيسة أن تعود مرة أخرى للكتاب المقدس لتدرس هويته وحقيقته بطريقة أكثر واقعية. ومعنى أن الكتاب المقدس كتاب تاريخى هو أنه مثله مثل كل كتب التاريخ. إنه وثيقة كتبها كتاب فعليون فى اماكن فعلية فى أزمنة فعلية يشرحون فيه احداث يدعون أنها حدثت ووقعت بالفعل. إنها هذه الحِرَفيَّة المهنية التى تجعل مؤرخ مثل لوقا يكتب:" (1) وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ (2) إِذْ كَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِياً عَلَى الْيَهُودِيَّةِ (3) وَهِيرُودُسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ (4) وَفِيلُبُّسُ أَخُوهُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ وَكُورَةِ تَرَاخُونِيتِسَ (5) وَلِيسَانِيُوسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الأَبِلِيَّةِ (6) فِي أَيَّامِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا (7) كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ" (لو 3: 1 -2). فمن النقطة الأولى إلى السادسة يقول لوقا أن هناك سياق تاريخى حقيقى لما يريد أن يكتبه لنا. وفى النقطة السابعة ينتقل بنا إلى العنصر الإيمانى (أن الله كلم يوحنا المعمدان). إنه ايمان متجزر فى عمق التاريخ الحقيقى.
        إن هذا لا يعنى لنا سوى شى ء واحد: كل ما فى الكتاب المقدس من احداث يمكن فحصه بالمنهج التاريخى العلمانى. الكتاب المقدس ليس استثناء لكل الوثائق التاريخية التى يستطيع المؤرخ أن يوظف منهجيته العلمية فى فحصها عن طريق "المنهج التاريخى النقدى" Historical Critical Method. إن هذا يعنى بالنسبة لنا أن ما فى الكتاب المقدس من احداث ليس حقيقى فقط لأن الكتاب المقدس كلمة الله المعصومة، بل هو حقيقى لأنه حدث بالفعل فى إطار الزمان والمكان. ومادام الحدث يدعى انه وقع فى اطار "الزمكان" فالمؤرخ يستطيع أن يستقصى مدى صحته من عدمها عن طريق منهجه التاريخى النقدى وليس عن طريق الايمان. كمثال، فإن البحر الأحمر ليس بالضرورة قد إنشق امام شعب اسرائيل، بل ربما يكون الشعب قد سار فى منطقة يابسة مرتفعة فى وسط البحر (وهو نفس التفسير الذى يتم تقديمه لسير يسوع على الماء). المهم هنا هو أن الشعب عاد ليرث الأرض الموعودة. لكن حينما ضاع السياق التاريخى الحقيقى للقيمة اللاهوتية فى النص الكتابى لم يعد الكتاب المقدس كتاب حقيقى، بل إن الحقيقة اللاهوتية نفسها لا يمكن أن تظل موجودة وسط طبقات كثيرة من التفسيرات البشرية لما حدث حقاً فى التاريخ.

القيامة كحدث تاريخى اعجازى


        بناءاً على هذه المقدمة التاريخية، اصبح من الواضح لدينا أن قيامة يسوع من الموت هى ايضاً حدث تاريخى وقع فى زمان محدد ومكان محدد. لقد صُلِب يسوع فوق الصليب، وهو حدث تاريخى لا يمكن الشك فيه أبداً لدرجة أن احد ابرز علماء العهد الجديد الملحدين اليوم، بارت ايرمان، يقول عن هذا الحدث:"إن اكثر عنصر ثابت فى التقليد عن يسوع هو أنه قد صُلِب بأمر من الحاكم الرومانى لليهودية، بونطيوس بيلاطس. إن حدث الصلب مُوثق بشكل مستقل فى عدد واسع من المصادر، كما أنه ليس من ذلك النوع من الأحداث الذى سيحب المؤمنين أن يخترعوه عن الشخص الذى يعلنون أنه ابن الله القوى"[6]. جون كروسان يؤكد ايضاً:"إن صلب يسوع حدث مُؤكد مثلما يمكن لأى حدث تاريخى أن يكون مؤكداً"[7]. ماركوس بورج يؤكد:" اكثر حقيقة مُؤكدة عن يسوع التاريخى هو أنه قد تم اعدامه كثائر سياسى"[8]. إن كافة المؤرخين، سواء المؤمنين أو غير المؤمنين، يتفقون على أن، بتطبيق المنهج التاريخى النقدى الذى يتم تطبيقه على كافة الوثائق التاريخية الكلاسيكية لتحرى مدى دقتها، على الوثائق التاريخية المتوفرة لدينا عن حياة يسوع، فإن من الثابت لدينا أن يسوع قد عُلِق على الصليب ومات هناك. لكن التلاميذ بعد ثلاثة أيام إدعوا أن يسوع قد قام من الموت، وهو الحدث التاريخى الذى يود الباحث أن يقدم فحصه النقدى للشهادة الإنجيلية بشأنه.
        لقد بدأت المسيحية واستمرت كديانة وعقيدة قلبت تاريخ العالم رأساً على عقب فقط لأن التلاميذ آمنوا أن يسوع قد قام من الموت وأنه ظهر لهم جميعاً. لهذا هى محل إهتمام الباحث فى هذه الدراسة. ولكن قبل هذه الدراسة نحتاج أن نضع سؤال رئيسى: هل القيامة، أى عودة يسوع إلى الحياة مرة أخرى، يمكن فحصها تاريخياً؟ ولكى يتضح مغزى هذا التساؤل، نحتاج أن نفهم أن حدود عمل المؤرخ تقع فى إطار الطبيعة. بكلمات أخرى، لا يستطيع المؤرخ أن يثبت أن الله موجود أم لا، ذلك لأنه يفحص فيما قد مضى من احداث فعلية حقيقية وقعت فى العالم المادى وليس فيما وراؤه. فالسؤال اذن: هل يستطيع المؤرخ أن يثبت أن "معجزة" قد حدثت؟ أم أن المعجزة هى بكل المقاييس التفسير الأصعب للأدلة المتوفرة؟ هذا مثل بسيط لفهم كيفية تفسير الأدلة التاريخية: لنفترض أن شخص ما كان فى غرفة وبها كرسى وخرج واغلق باب الغرفة بإحكام جيد جداً وتأكد أنه لا وسيلة لأحد للدخول. ثم عاد وفتح الغرفة ووجدها كما تركها، غير أن شيئاً واحداً تغير: الكرسى غير موجود. بحسب الفكر المتشكك، فإن التفسير الأسهل لإختفاء الكرسى هو أن شخص ما دخل الغرفة واخذ الكرسى. لكن إن كانت كل الأدلة تشير إلى أن أحداً لم يدخل الغرفة، فهل من الممكن قبول التفسير الصعب، بأن الكرسى اختفى من تلقاء نفسه، أو أن قوة عليا (الله؟) أخفته؟ هذه هى الطريقة التى بها يحاول البشر دائماً تفسير قيامة يسوع من الموت. فمن بداية القصة فى القرن الأول، سعى رؤساء الكهنة إلى تفسير إختفاء جثمان يسوع بشكل طبيعى إذ قالوا للحراس:" قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلاً وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ" (مت 28: 13). إنها محاولة لتفسير حقيقة القبر الفارغ بطريقة طبيعية. ولكن، إن كانت الأدلة كلها تشير إلى أن أحداً لم يدخل إلى قبر يسوع وهو ميت فيه، فهل هذا يحملنا على قبول التفسير الأصعب، الخارق للطبيعة، بأن الله قد أقام يسوع حقاً من الموت كما كرز التلاميذ؟ يكتب ايرمان:"إن المعجزات بالطبيعة احداث غير محتملة جداً. بمعنى أن فرص حدوث المعجزة هى فرص ضئيلة جداً وبعيدة بالمقارنة مع اشياء اخرى غريبة تحدث فى عالمنا ليست غير محتملة جداً فى ذاتها لدرجة اننا نسميها "مستحيلة" الحدوث"[9].
        الفيلسوف المسيحى وليام لين كريج يضع تمييزاً هاماً يساعد فى فهم المشكلة فى طرح ايرمان، وهو التمييز بين طبيعة الأدلة المتوفرة، وطبيعة التفسير الذى يقدمه المؤرخ للأدلة المتوفرة[10]. فالمقصود بالأدلة المتوفرة هو كافة المعلومات التى لدى المؤرخ والتى يحاول أن يفهمها جيداً عن طريق وضع تفسير جيد يفسر كافة هذه الأدلة. ولنأخذ مثال القيامة: فواحد من الأدلة هو أن جميع التلاميذ أكدوا على أنهم قد رأوا يسوع حياً. هذا التقرير الذى تسجله الأناجيل فى حد ذاته ليس خارقاٌ للطبيعة. تسجيل هذا التقرير فى حد ذاته ليس امراً خارقاً للطبيعة حتى يسهل تقييمه تاريخياً. وهذا هو المفتاح لحل المعضلة التى يقدمها ايرمان من فلسفة التاريخ: إن المؤرخ لا يقوم بالحكم على التفسير (الذى قد يكون خارق للطبيعة) بل على الأدلة الموجودة فى حدود الطبيعة. وايرمان نفسه قال لاحقاً:"بالطبع لا يوجد مشكلة لدى المؤرخين فى الحديث عن الإعتقاد فى قيامة يسوع. ذلك لأن هذه حقيقة تاريخية أن بعضاً من تابعى يسوع آمنوا بأنه قد أُقِيم من الموت بعد وقت قليل من إعدامه"[11].
        احد الطرق الأخرى التى يصيغ بها ايرمان اعتراضه هى أن المؤرخ ليس لديه طريقة للوصول إلى مُسبب خارق للطبيعة لحدوث الحدث. فالمؤرخ مثلاً لا يستطيع أن يفترض أن هناك إله (مُسبب خارق للطبيعة) يجعل الحدث (قيامة يسوع) يحدث. وهذا الإعتراض فى الحقيقة يمكن الرد عليه فى نقطتين:
·        لا حاجة للمؤرخ أن يكون لديه مسبب يمكن الوصول إليه، ذلك لأن هذا التعقيد نفسه موجود حتى فى الفيزياء الحديثة. هناك مسببات لأحداث كثيرة تحدث على كافة المستويات لا يمكن للفيزيائى الوصول إليها[12]. وهو يفترض وجود هذه المسببات، رغم أنه لم يراها وليس لديه وصول إليها، لأن الدليل قاده إلى ذلك. الأمر كذلك حتى فى علوم اخرى؛ فنحن ليس لدينا وصول للديناصورات، ورغم ذلك فإن العلماء  يعتبرونها افضل تفسير للدليل المتاح لدينا. إنها حقيقية لأن لدينا دليل يقول ذلك، وليس لأننا نستطيع أن نصل إليها.
·        النقطة الثانية والهامة هى أن المؤرخ ليس فقط ليس لديه وصول للمسبب الخارق للطبيعة، بل إنه ليس لديه أى وصول لأى مسبب لأى حدث تاريخى اصلاً. إن ما حدث فى الماضى قد حدث فعلاً، والفارق بين التاريخ كعلم نظرى والعلوم التجريبية هى أن الحدث التاريخى يحدث مرة واحدة فقط بينما العلم التجريبى يمكن أن تُعاد فيه التجربة اكثر من مرة للوصول إلى نتائج ثابتة. لهذا فنحن نعرف ونستنتج ما حدث فى الماضى عن طريق الدليل موجود فى الحاضر فقط. فإن صفة عدم الوصول Inaccessibility ليست خاصية إبستمولوجية تفرق بين المسببات الطبيعية من الخارقة للطبيعة.[13]
إن السؤال الخطير الذى يوجهه كريج لتحديات ايرمان هى: لماذا على المؤرخ أو الفيلسوف أن يمتنع عن الوصول إلى تفسير ما بين يديه من حقائق من اجل عقبة منهجية فقط؟ بطريقة اخرى، لماذا يفترض ايرمان أن المسبب الخارق للطبيعة لا يمكن الوصول إليه؟ لماذا يجب أن نستبعد أى مسبب خارق للطبيعة من الحسبان؟ إن هذه المنهجية فى التعامل مع التاريخ تتضمن بطريقة غير مباشرة إنكاراً إبستمولوجياً لوجود الله بل وتجعل من نظرية المعرفة بكاملها شىء مادى فقط. بهذا فإن ما هو حقيقى هو ما يمكن أن نلمسه بالحواس الخمس أو ما يمكن أن ندركه بالإدراك الحسى فقط. المؤرخ كريج كينر يصف هذا المنهج قائلاً:"هذه الطريقة فى الإقتراب للموضوع تفترض بالضرورة تعريفاً طبيعانياً خاصاً للتاريخ، وهو الأمر الغير محايد تماماً بل وفى الحقيقة إنه إستدلال دائرى فى هذه الحالة"[14]. فلكى يستبعد المؤرخ أى مسبب إلهى لأى حدث فإن هذا يعنى أنه يستبعد وجود إله من نظريته المعرفية، مما يستوجب أولاً على المؤرخ أن يثبت عدم وجود الله. يتسائل كينر:"هل من الضرورى فلسفياً إستبعاد السؤال عن الله كمسبب ممكن للأحداث؟ ... إن كان كذلك، ألسنا بهذا نفترض الإلحاد  ... أو الربوبية؟"[15].

الأناجيل الإزائية كوثائق تاريخية


        احد اهم الأبعاد التى لا يلتفت إليها المؤمنين فى الكنيسة اليوم هى أن الأناجيل ليست كلمة الله فقط، بل هى وثائق تاريخية حقيقية يمكن الوثوق فيها. ويُقصد بذلك أن الأناجيل ليست مجرد تاريخ ايضاً، بل انها تاريخ، يتبين بعد فحصه، انه تاريخ حقيقى. لدينا فى الأناجيل اربعة رجال كتبوا اربعة كتب تاريخية تسرد سيرة حياة يسوع. وهذا يحتم علينا ان نسأل: ما الذى يجعلنا نثق فى الأناجيل لهذا الحد؟ اليس خلف التاريخ لاهوت؟ اليس خلف القصة هدف كتب الإنجيلى القصة لأجله؟
        جيمس روبينسون، استاذ الأديان فى جامعة كلاريمونت، واحد ابرز علماء البحث الثانى عن يسوع، يؤكد أن الإكتشاف التفسيرى الذى حدث فى القرن العشرين من أن خلف كل قصة فى حياة يسوع هناك لاهوت، هذا الإكتشاف يضعف القيمة التاريخية للقصة. بكلمات اخرى، لو كان البشير لديه غرض يريد أن يوصله من القصة التى يسردها، فإن ذلك يعنى أن الهام لديه هو غرضه؛ وليس التاريخ. يؤكد روبينسون أن:" كل التقليد المتوفر عن يسوع استطاع أن يصل لنا فقط بالحد الذى خدم به حياة وعبادة الكنيسة البدائية".[16] انه يعنى بذلك أن الكنيسة استخدمت ما لديها من تقاليد عن يسوع فيما يفيد فقط حياة الكنيسة. فإذا احتاجت الكنيسة فى مواقف مختلفة ان تسأل ما الذى عليه أن تفعله حيال هذا الموقف، فإنها كانت تسأل: ما الذى كان ليفعله يسوع فى موقف كهذا؟ ثم انهم لم يكتفوا بالإجابة، بل اختلقوا الإجابة وصدقوها. وبالتالى فالحدث يصبح تاريخياً فقط اذا كان لا يخدم اغراض الكنيسة!
        هذا المنهج فى الإقتراب من الأناجيل الاربعة كان الأساس لمدرسة نقد الشكل Form Criticism ونقد التقليد Tradition Criticism. وهناك العديد من الإجابات التى قدمها العلماء لهذا الطرح. والمعالجة الرئيسية لهذا الطرح كانت كالتالى: ما الذى يجعل المؤرخ يجب أن يفترض سوء الظن فى تعامله مع الأناجيل لأنها تحتوى تاريخ ولاهوت؟ فما هو الدليل بالضبط على أن الأناجيل، لانها تحتوى لاهوت، يجب أن تزور التاريخ أو تقوم بإختلاقه؟ إن السبب الوحيد الذى يثبت عدم تاريخية شىء هو أن يستنتج المؤرخ بآلياته التاريخية أن الحدث لا يمكن أن يكون تاريخياً. لكن، وكما رأينا فى كيفية معالجة المعجزة، فإن هذه الطريقة فى فهم الأناجيل تفترض أن اللاهوت يجب أن يزور التاريخ ويغيره. ببساطة، لا تسلسل منطقى فى هذا الفكر.

دليل القيامة التاريخى فى الأناجيل


        تقدم لنا الأناجيل الإزائية، متى ومرقس ولوقا، شهادة متماسكة عن قيامة يسوع من الموت. وهذه الشهادة تقدم لنا تفاصيل قد تكون متنوعة ومتباينة بين إنجيل وآخر، ولكنها فى المجمل العام قصة واحدة. واليوم فإن الكثير من العلماء المتشككين يعتبرون وجود مجرد اختلافات بين قصة القيامة فى متى ولوقا فإن هذا يعنى أن القصة بالكامل ليست حقيقية. هذا الزعم يعنى ببساطة أن كل الروايات لدينا يجب أن تكون متوافقة بنسبة مطلقة. وهذا يعنى أن اى اختلاف فى اى من الأناجيل يعنى بالضرورة أن شهادة الإنجيل كله مزيفة.
        لكن بالفحص الدقيق للشهادات الإنجيلية نستطيع أن نصل إلى أن هناك جوهر واحد لنفس الروايات الكتابية: يسوع قد قام من الموت فى اليوم الثالث لصلبه بعد أن تم دفنه فى قبر جديد وقد ظهر لتلاميذه وعاش معهم لفترة قبل أن يرتفع. فى كافة مقاطع القيامة فى الأناجيل الأربعة (مت 28؛ مر 16؛ لو 24؛ يو 20) يمكننا أن نجد هذه الخلاصة الجوهرية لأحداث قيامة يسوع.
        هناك عدة خواص مذهلة فى الروايات الإنجيلية الأربعة عن قيامة يسوع من الموت لا يمكن تفسيرها دون الإقرار بقناعة مؤلفى الأناجيل الأربعة بقيامة يسوع حقاً. هذه الخواص هى[17]:
·        روايات القيامة فى الأناجيل الأربعة لم يتم وضعها فى سياق كتابى. رغم أن الشهادة المسيحية التاريخية كانت أن "يسوع قد قام بحسب ما فى الكتب"، كما فى تتمة قانون الايمان، فإن احداث قيامة يسوع لم يتم صياغتها داخل اطار كتابى. هذا يعنى أننا لا نجد قيامة يسوع كإتمام لنبوات أو اصداء أو ظلال فى العهد القديم. لا يستخدم متى أو مرقس أو لوقا قيامة يسوع لإثبات أنها تتميم أو تكميل لظلال فى العهد القديم. وهذا مفاجىء لأن القصة لو كانت غير حقيقية، فإننا نتوقع أن تأتى فى سياق مسيحى مُفتعل. لو كانت القصة عبارة عن تقاليد مسيحية مخترعة لاحقاً، فلماذا تناقض الرواية الطريقة التى بها فهم المسيحيون قيامة يسوع على انها جوهر العهد القديم، والمنظر الذى كان يتطلع إليه الأنبياء؟ رغم أن الأناجيل الأربعة مليئة بالتوثيقات الكتابية من انبياء العهد القديم، وتجعل من كل احداث حياة يسوع تتميم لمعانى وظلال موجودة بالفعل فى تاريخ اسرائيل، فإنها تصمت تماماً عند حادثة القيامة. بتعبير ن. ت. رايت، الأناجيل بهذا تشبه الاوركسترا التى تعزف مقطوعة موسيقية مذهلة فى تناغم تام (طوال حياة يسوع)، إلى أن نصل للقيامة، فكأن كل الآلات تصمت وتنطق الفلوت منفردة[18]. بكلمات اخرى، روايات القيامة عبارة عن سرد قصصى بسيط جداً، لا يوجد به اى انواع من الزخرفة التى عادةً ما تصاحب القصص المقصود بها التضخيم الاسطورى.
·        روايات القيامة تفتقد الرجاء المسيحى فى القيامة العامة. لو كانت قصة القيامة قصة مسيحية مخترعة لتلبى احتياجات الكنيسة، كما يدعى كثير من النقاد، فإنه من الغريب أن هذه القصص لا تعكس رغبة المسيحيين ورجاؤهم فى القيامة العامة لأجسادهم الشخصية. فحص سريع لتاريخ التطبيق الشخصى لقيامة يسوع سيظهر سريعاً أن قيامة يسوع من الموت كانت الدافع لايمان المسيحيين فى قيامتهم الشخصية من الموت، حتى من اقدم مراحل تطور الايمان المسيحى (أع 26: 23؛ 1 كو 15: 12؛ كو 1: 18؛ 1 بط 1: 3). إن هذا لا يعنى فقط أن قصة القيامة فى الأناجيل الأربعة لا تحتوى على أى عناصر مسيحية لاحقة، بل انها ايضاً منفصلة تماماً عن اللاهوت المبنى على هذا الحدث فى بقية كتب العهد الجديد. بكلمات اخرى، الأفكار اللاهوتية المبنية على قيامة المسيح كحدث تاريخى وقع فعلاً، غير موجودة فى السرد التاريخى للقيامة فى الاناجيل الأربعة. وكأن الأناجيل الأربعة، خاصةً الإزائية، تقدم لنا التاريخ لأجل التاريخ فقط. كأن البشيرين يقولون لنا: يكفى لنا أن نذكر تفاصيل ما حدث فجر الأحد، ولكم أنتم ان تدركوا معنى ذلك على حياتكم. يعلق رايت قائلاً:"لو كان كل ما لدينا هو قصص صلب يسوع والقيامة لما عرفنا أن احداً ما قد فسر قصص القيامة على انها تزودنا بالأساس الذى عليه نبنى رجاؤنا المستقبلى فيما بعد القبر"[19].
·        صورة يسوع فى روايات القيامة ليست صورة القيامة الممجدة فى تاريخ اسرائيل. لو أن العلماء المتشككين موفقين فى زعمهم بأن قصة القيامة اختلقها المسيحيين الأوائل نتيجة تأملاتهم وانعكاساتهم لنصوص القيامة فى العهد القديم، فإننا يجب أن نتوقع أن نجد تلك الصورة الممجدة العظيمة التى هى جزء رئيسى فى مفهوم قيامة العهد القديم. يسوع لا يظهر فوق سحابة يشع نوراً ممجداً. وحتى الأحداث التالية ذات الصلة بقيامة يسوع لم تؤثر فى كيفية سرد البشيرين لأناجيلهم. يسوع لا يظهر فى الأناجيل الإزائية كما ظهر لبولس فى الطريق إلى دمشق. يسوع لا يظهر للتلاميذ فى الأناجيل الأربعة كما يظهر ليوحنا فى رؤيته الشخصية. بطريقة ما، يسوع يبدو فى روايات القيامة فى الأناجيل الإزائية كإنسان اكثر منه كإله. هذا لا يعنى تجاهل الطرق الغير طبيعية التى بها يظهر ويختفى يسوع، ولا يعنى اننا يجب أن ننكر العنصر السماوى الجديد الذى اصبح عليه جسد يسوع. لكن ببساطة، يسوع كان فى هذه الروايات فى صورة غير مماثلة لصور القيامة فى تاريخ اسرائيل.
·        النساء كالدليل الإنجيلى الأول لإكتشاف قيامة يسوع. وهذه تعد اكثر الخواص إدهاشاً فى الأناجيل الإزائية. كل الأناجيل، حتى يوحنا، يذكروا ويؤكدوا فى تماسك تام وغريب أن اول من اكتشف قيامة يسوع من الموت كان مجموعة من النساء. هناك دراسات كثيرة، تاريخية وادبية، تمت على مدار القرن الماضى فى محاولة لوضع هذا الدور النسائى فى وضعه اليهودى الصحيح. الشىء الوحيد المؤكد لدينا هو أن النساء كانوا بمثابة "درجة ثانية" فى المجتمع اليهودى. كان مجتمعاً ذكورياً بكل معنى الكلمة. شهادة المرأة اليهودية لم تكن ذات قيمة، بل لم يكن يُعتد بها[20]. إن هذه الشهادة النسائية مكروهة فى المجتمع لدرجة أن رايت يقول:"حتى لو افترضنا أن مرقس قد اخترع اغلب مادة إنجيله، وانه قد فعل هذا فى وقت ما فى منتصف ستينات القرن الأول، فإنه من غير الممكن له أو لغيره فى هذه المرحلة أن يكتب اسطورة يدافع بها عن حقيقة القبر الفارغ ويجعل من نساء أول من يجدونه"[21]. يوسيفوس يقدم شهادته قائلاً:"لا دليل يُقبل من النساء بسبب طيش وتهور جنسهم"[22]. وجاء فى المشنا:"إن الشريعة المختصة بقسم الشهادة (لا 5: 1) تتعلق فقط بالرجال وليس بالنساء"[23]. السؤال الذى يطرح نفسه الآن هو: إن كان مرقس، وهو أقدم الأناجيل الإزائية، قد اخترع هذه القصة لهدف ايديولوجى لديه، فهل من المعقول أن يستخدم نساء كحجته الأولى؟ وهل من المعقول أن لوقا ومتى ينقلان عن مرقس هذا الخطأ دون وعى او ادراك له؟[24]
·        القبر الفارغ حقيقة. بعد أن قام يوسف الرامى بدفن يسوع فى القبر الجديد، فإننا نُفاجأ بأن قبر يسوع قد وُجِد فارغاً صباح الأحد. تؤكد كافة المصادر على أن مجموعة النساء قد اكتشفوا القبر فارغاً حينما ذهبن هناك لتطييب جسد يسوع. قصة القبر الفارغ موجودة فى كل من: انجيل مرقس، انجيل لوقا، انجيل متى (بالإضافة لإنجيل يوحنا)، كما انها موجودة فى المصدر الإزائى Q، موجودة فى مصادر متى M وموجودة فى مصادر لوقا L. لا نستطيع أن ننتزع حقيقة القبر الفارغ تاريخياً وادبياً بسهولة من السياق العام لرواية قيامة يسوع. النساء وجدن قبر يسوع فارغاً، والتلاميذ بعد ذلك وجدوا قبر يسوع فارغاً. وحتى يومنا هذا مازال القبر فارغاً. الأهمية التأريخية Historigraphical لرواية القبر الفارغ هى أن المؤرخ يجب أن يفسر هذه الحقيقة؛ لماذا قبر يسوع فارغاً؟ لا نستطيع أن نتجاهل هذه الحقيقة ببساطة ولا أن نتجنبها كدليل لا يحتاج لشرح. تقدم كافة المصادر البدائية إجابة متماسكة: القبر فارغاً لأن يسوع قد قام من الموت وتركه.

قناعة التلاميذ بالرب المُقام


        إن الدليل الرئيسى الذى تقدمه الأناجيل الأربعة، وخاصةً الإزائية، هو قناعة التلاميذ الثابتة والراسخة فى التقليد التاريخى والأدبى بأنهم قد رأوا المسيح القائم من الموت. لا يُقصد من ذلك أن الحقيقة الثابتة هى أن المسيح قد ظهر للتلاميذ، بل أن التلاميذ:
·        قد إدعوا أنهم رأوا يسوع الناصرى قائماً من الموت جسمانياً.
·        وانهم قد صدقوا هذا الإدعاء. صدقوا أنهم رأوا يسوع الناصرى بعد موته على الصليب.
إن هذه الحقيقة الهامة هى الحقيقة المحورية اليوم فى الحوار العلمى حول تاريخية قيامة يسوع من الموت. بدون أن يعتقد التلاميذ أن يسوع قد قام من الموت، فكيف ولماذا نشأت المسيحية؟ بكلمات اخرى، ما هى الرسالة التى تحملها بالضبط المسيحية بعيداً عن قيامة يسوع؟ إن هذا السؤال يقودنا لأن نفحص هذين الدليلين: هل إدعى تلاميذ يسوع انهم رأوه حياً فعلاً بعد موته؟ وهل صدقوا هذا الإدعاء؟
أولاً: لقد إدعى التلاميذ أنهم رأوا يسوع المُقام بعد موته. وهذا قد تم فى عدة احداث. الاناجيل الإزائية، المحصور فيها هذا البحث، تؤيد ذلك بكل تماسك. جارى هابيرماس ومايكل ليكونا يؤكدان:
"إن المصادر التى لا يمكن تجاهلها هى الأناجيل نفسها. لا يهم مدى تشكك الناقد تجاه الأناجيل، فإن المقبول بشكل عام هو أن كل الأربع اناجيل (متى، مرقس، لوقا – اعمال، يوحنا) قد كُتِبوا خلال القرن الأول الميلادى. كل إنجيل يشهد لقيامة يسوع، واعمال الرسل هو تتمة الإنجيل الثالث، لوقا. إن هذا يعنى أن هناك اربعة مصادر تم كتابتهم خلال 70 عاماً بعد يسوع على الأكثر تنقل لنا إدعاءات التلاميذ أن يسوع قد قام من الموت"[25].
ثانياً: لقد آمن التلاميذ انفسهم أن يسوع قد قام من الموت. لم يكن التلاميذ يدعون مجرد إدعاء فارغ، بل كان إدعاء مبنى على عقيدة داخلية حقيقية بأن ما رأوه ليس خيالاً، ولا هلوسات، ولا مجرد رؤى أو خبرات دينية. أكد التلاميذ أن ما رأوه كان حقيقةً. وهنا يجب أن نقارن جيداً بين حالة التلاميذ قبل القيامة وبعد القيامة. السؤال الذى يفرض نفسه فى هذه النقطة: هل كانوا يتوقعون أن يسوع سيقوم؟ لماذا تبدل الحال وتغير من يأس تام وخوف ورعب كبير إلى شجاعة وقوة وجرأة فى اعلان كرازتهم: يسوع قد مات لغفران الخطايا واقيم لأجل تبريرنا.
يؤكد هابيرماس وليكونا:
"بعد موت يسوع تغيرت حياة التلاميذ لدرجة أنهم تحملوا الإضطهاد وحتى الإستشهاد. إن قوة الإقتناع هذه تؤكد أنهم لم يكونوا يدعون فقط أن يسوع قد قام من الموت وقد ظهر لهم لينتفعوا منه شخصياً. لقد آمنوا بذلك. قارن هذه الشجاعة بشخصياتهم عندهم قُبِض على يسوع وحينما أُعدِم. لقد رفضوه وتركوه ثم اختبأوا مرتعبين. ثم بعد ذلك، عرضوا نفسهم للخطر حينما أعلنوا على الملأ ان المسيح قام"[26].
كيف تغيرت حالة التلاميذ من مرحلة ما قبل القيامة إلى مرحلة ما بعد القيامة؟
لا يملك الباحث تفسير لهذا السؤال سوى بالإجابة التى تقدمها الاناجيل: الله اقام يسوع من الموت

الخاتمة


        إن البحث فى قيامة يسوع التاريخى من الموت هو بحث ضخم وكتب فيه مئات العلماء مئات الكتب والابحاث. لكن فى هذا البحث حاول الباحث أن يقدم عرض فلسفى وتاريخى وادبى للأدلة التى تؤيد قيامة يسوع من الموت كأفضل تفسير للدليل الكتابى.
        استعرض الباحث تاريخ التطور الذى حدث فى تعامل العلماء مع الكتاب المقدس إلى أن وصل لعصر النقد الكتابى. وقد بيّن الباحث كيف اثرت طبيعانية العصر العقلانى على كيفية قراءة الكتاب المقدس وما فيه من معجزات، وخاصةً قيامة يسوع من الموت. وقد عرض الباحث نقداً للادلة الفلسفية التى تعارض معجزة القيامة كحدث تاريخى كما تنقله الاناجيل الإزائية. ثم انتقل الباحث إلى فحص الشهادة التاريخية التى تقدمها الأناجيل الإزائية، متعرضاً إلى اهم الأدلة والبراهين التى قدمها العلماء لصالح تاريخية قيامة يسوع من الموت. واختتم الباحث دراسته بعرض الدليل الأهم وهو كيفية نشأة المسيحية وتغير حالة التلاميذ كدليل وبرهان على أن يسوع قد قام من الموت.
        لقد كانت قيامة يسوع من الموت هى معجزة المسيحية، وقد قامت المسيحية فقط على هذا الاساس. لذا فإن قيامة يسوع من الموت ستبقى شعار المسيحية، ما عبر بولس:
"إن لم يكن المسيح قد قام، فباطل هو ايمانكم. انتم بعد فى خطاياكم" (1 كو 15: 17).

المراجع


اولوجيوس البراموسى، الحياة اليهودية فى عصر المسيح، (وادى النطرون: البراموس 2012(.
Craig, William Lane, Reasonable Faith: Christian Faith and Apologetics, (Wheaton, Illinois: Crossway Books 2008).
Craig, William Lane, Assessing New Testament Evidence for The Historicity of The Resurrection of Jesus, (New York: The Edwin Mellen Press 1989).
Ehrman, Bart D., The New Testament: A Historical Introduction to The Early Christian Writings, 4th edition, (Oxford:  Oxford University Press, 2008).
Ehrman, Bart D., Jesus: Apocalyptic Prophet of The New Millennium, (Oxford: Oxford University Press 1999).
Habermas, Gary R., The Historical Jesus: Ancient Evidence for The Life of Christ, (Joplin, Missouri: College Press Publishing Company 1996).
Habermas, Gary R., Michael R. Licona, The Case for The Resurrection of Jesus, (Grand Rapids, Michigan: Kregel Publications 2004).
Keener, Craig S., The Historical Jesus of The Gospels, (Grand Rapids, Michigan: Eerdmans 2009).
Mason, Steve, Flavius Josephus: Translation and Commentary, Vol. 3, (Leiden: Brill 2000).
Neusner, Jacob, The Mishnah: A New Translation, (New Haven and London: Yale University Press 1988).
O'Neill, J. C., Biblical Criticism, in: The Anchor Bible Dictionary, Vol. 1 (New York: Doubleday 1992 ).
Wright, N. T., The Resurrection of The Son of God, (Minneapolis: Fortress 2003).






[1] J. C. O'Neill, Biblical Criticism, in: The Anchor Bible Dictionary, Vol. 1 (New York: Doubleday 1992 ), 727.
[2] يقول الباحث "طبيعانية" Naturalistic وليس "طبيعية" Natural بمعنى أنها عقيدة ترتكز فى فى جوهر الرؤية الكونية Worldview لهؤلاء النقاد. أن نقطة إنطلاقهم فى تفسير كافة الأحداث هى الطبيعة وليس ما هو خارق للطبيعة,
[3] William Lane Craig, Reasonable Faith: Christian Faith and Apologetics, (Wheaton, Illinois: Crossway Books 2008), 343.
[4] Ibid, 348.
لقد اعتبر كارل بارت أن القيامة تتلاقى مع التاريخ بنفس الطريقة التى يتلاقى بها المماس مع الدائرة؛ أى أنهما لا يتلاقيان أبداً. اما رودولف بولتمان فإشتهر لاهوته الوجودى بدعوته إلى تنقية الكرازة المسيحية من الأساطير Demythologizing، واعتبر أن الذين يعيشون فى عصر الإنارة بالكهرباء والفيزياء الكمية لا يمكنهم أن يظلوا متمسكين بقصة جثمان عاد للحياة مرة أخرى. لكن مع منتصف القرن العشرين وضع ارنست كاسيمان، احد تلاميذ بولتمان، بداية جديدة للبحث فى سؤال يسوع وهى المرحلة المعروفة بـ "البحث الثانى عن يسوع" والتى ازدهرت بدراسة الوثائق الأبوكريفية. ومع ثمانينات القرن العشرين بدأ "البحث الثالث عن يسوع"، وهى المرحلة التى مازالت مستمرة حتى الآن، والتى تحاول أن تضع يسوع فى إطاره وسياقه اليهودى.
[5] لا يقول الباحث أنه "كتاب تاريخ" بمعنى أن هدفه تأريخ الأحداث، بل أنه "كتاب تاريخى"، أى رغم أن هدفه ليس تأريخ احداث إلا أن به احداث تاريخية كثيرة. إنه كتاب يحكى القصة (التاريخ) ويشرح هذه القصة ايضاً (اللاهوت).
[6] Bart D. Ehrman, The New Testament: A Historical Introduction to The Early Christian Writings, 4th edition, (Oxford:  Oxford University Press, 2008), 261-262.
[7] J. D. Crossan, Jesus: A Revolutionary Biography,  145, quoted in Gary R. Habermas, The Historical Jesus: Ancient Evidence for The Life of Christ, (Joplin, Missouri: College Press Publishing Company 1996), 127.
[8] Marcus J. Borg, Jesus: A New Vision, 179, quoted in Habermas, Op. Ct., 127.
[9] Bart D. Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet of The New Millennium, (Oxford: Oxford University Press 1999), 228.
[10] Craig, Reasonable Faith, 351.
[11] Ibid, 231.
[12] مثل الأوتار Strings والأغشية البعدية العليا فى نظرية الاوتار (التى تسعى لتفسير نشأة الكون).
[13] Craig, Reasonable Faith, 352-353.
[14] Craig S. Keener, The Historical Jesus of The Gospels, (Grand Rapids, Michigan: Eerdmans 2009), 381.
[15] Ibid.
[16] James M. Robinson, A New Quest of The Historical Jesus (London: SCM Press 1959), 37.
[17] N. T. Wright, The Resurrection of The Son of God, (Minneapolis: Fortress 2003), 599-608.
[18] Ibid, 600.
[19] Ibid, 604.
[20] انظر بشكل عام دراسة العالم البريطانى ريتشارك بوكام:
Richard J. Bauckham, Gospel Women: Studies of The Named Women in The Gospels (Grand Rapids, Michigan: Eerdmans), 258, cited in Wright, Op. Ct., 607.
يذكر الراهب اولوجيوس البراموسى:"وقد نظر التلمود إلى المرأة باعتبارها شيئاً وليس شخصاً، وان المرأة تساوى صفراً بحيث اذا كان مطلوب حضور عشرة رجال فى المجمع (الكنيست) ثم حضر تسعة فقط، فإن مليون امرأة لن يكين كبديل لرجل واحد، فإن الأطفال والنساء غير محسوبين فى العدد اليهودى". اولوجيوس البراموسى، الحياة اليهودية فى عصر المسيح، (وادى النطرون: البراموس 2012)، 265.
[21] Wright, Op. Ct., 607.
[22] Josephus, Antiquities of The Jews 4: 219, Steve Mason, Flavius Josephus: Translation and Commentary, Vol. 3, (Leiden: Brill 2000), 412.
[23] Mishna, Shabuot 4:1 Jacob Neusner, The Mishnah: A New Translation, (New Haven and London: Yale University Press 1988), 626.
وليام لين كريج يقتبس من احد المصادر الرابينية قوله:"لتحترق كلمات الناموس سريعاً افضل من أن تعطى لإمرأة".
J Sotah 19a, William Lane Craig, Assessing New Testament Evidence for The Historicity of The Resurrection of Jesus, (New York: The Edwin Mellen Press 1989), 190.
[24] لكى نفهم مدى قوة هذه الحجة يجب أن نعلم أن ن. ت. رايت يستخدمها وحدها للرد على نقد رودولف بولتمان لحقيقة القبر الفارغ ووصفها بـ "الاسطورة الدفاعية". انظر:
Wright, Op. Ct., 625.
[25] Gary R. Habermas, Michael R. Licona, The Case for The Resurrection of Jesus, (Grand Rapids, Michigan: Kregel Publications 2004), 53.
[26] Ibid, 56.