الخميس، 10 يناير، 2013

الإعلان الإلهى عن اسم "يهوه"



الإعلان الإلهى عن اسم "يهوه"
دراسة فى المعانى الدلالية والسياقية للفعل יָדַע فى (خر 6 : 3)


فادى عاطف



تقديم


                فى القرن السابع عشر بدأت حركة الدراسات النقدية للكتاب المقدس تزدهر، متأثرةً فى ذلك الوقت بالتيار المادى المحيط فى الفكر الفلسفى. ومن اهم نتائج الدراسة النقدية التاريخية للكتاب المقدس، وبخاصةً اسفار الشريعة (التوراة)، ما يُعرف بـ "الفرضية الوثائقية"، المعروفة فى الأدبيات العربية بـ "نظرية المصادر". وهى فرضية تم تطويرها بشكل كبير على يد المستشرق الألمانى يوليوس فيلهاوزن فى القرن التاسع عشر. دعاها "فرضية" لأنه لا يوجد أى ادلة حسية، أى وثائقية، تدعمها أو تثبتها. والهدف من هذه الفرضية هو محاولة تفسير بعض الظواهر الأدبية الموجودة فى اسفار الشريعة، مثل الإستخدامات المختلفة للأسماء الإلهية (يهوه، الوهيم)، التكرارات و التناقضات[1]. فأفترض فيلهاوزن أن اسفار الشريعة فى حقيقتها ليست من تأليف كاتب واحد، موسى أو غيره، بل قال أنها عبارة عن مجموعة من الوثائق التى تم تحريرها ودمجها معاً فى شكل كتاب واحد. وهذه التكرارات والتناقضات هى الأثر الذى تركه المحرر خلفه[2]. غير أن الأساس التاريخى الذى بُنيت عليه النظرية هو الإعلان الإلهى الذى قدمه الله عن اسمه لموسى فى (خر 6 : 3). ففى هذا العدد نقرأ أن الله أعلن عن اسمه "يهوه" لموسى، والقراءة السريعة لهذا العدد قد تجعلنا نصل إلى أن هذا الإسم لم يُعلن عنه قبل ذلك، رغم أنه معروف بالفعل. فما المقصود بالتحديد من معرفة الاسم فى هذا العدد؟ هذا ما سيبحثه الباحث.

مشكلة الإعلان عن الاسم

                بعد أن رجع موسى من الصحراء حيث كان قد قضى اربعين عاماً هناك، وقد ظهر له الله يطلب إليه أن يرجع ليخلص شعبه، التقى موسى فرعون لأول مرة (خر 5). وكان قلب فرعون قد تقسى على شعب اسرائيل، فأزاد عملهم اليومى اكثر لأجل أنهم تجرأوا وطلبوا الخروج من ارض مصر ليعبدوا الرب. فما كان من شيوخ اسرائيل إلا أن قابلوا موسى وهارون فور خروجهم من قصر فرعون ليخبروهم بما يحدث مع الشعب. فذهب موسى ليصلى بلهجة حادة مع الله قائلاً:"لماذا اسأت إلى هذا الشعب؟ لماذا ارسلتنى؟ .... وانت لم تخلص شعبك!" (خر 5 : 22 – 23). فأجابه الله قائلاً بأنه سوف يشهد كيف سيخرجهم الله من مصر بيد قوية، وكيف أنه، موسى، سوف يرى ويختبر بنفسه اتمام الوعد. ثم يقدم الله لموسى الإعلان قائلاً:"وَانَا ظَهَرْتُ لابْرَاهِيمَ وَاسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِانِّي الْالَهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَامَّا بِاسْمِي «يَهْوَهْ» فَلَمْ اعْرَفْ عِنْدَهُمْ" (خر 6 : 3).
                وبناءً على هذا العدد الأخير تم بناء النظرية بشكل كامل[3]. ففى الواقع، لم يكن موسى أول من يعرف الإسم "يهوه". نرى فى سفر التكوين امثلة عديدة ومتباينة عُرِف فيها الاسم يهوه. فبحسب النص العبرى القياسى للعهد القديم[4]، جاء الإسم "يهوه" فى سفر التكوين 162 مرة، فى نحو 34 مرة جاء على فم شخصيات، وفى كثير من هذه المرات يقومون بتوجيه خطاباً مباشراً لله، منادين اياه "يهوه"[5]. ففى عصور الآباء الذين سبقوا موسى، نرى أنه بدايةً من عصر "آنوش" يقول الكتاب "حِينَئِذٍ ابْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِاسْمِ الرَّبِّ" אָז הוּחַ֔ל לִקְרֹ֖א בְּשֵׁ֥ם יְהוָה (تك 4 : 26). ورغم أن هذا النص لا يعنى بالضرورة أنهم بدأوا فى عبادة الله باسمه "يهوه" منذ ذلك العصر، فربما يكون موسى قد قام بتحرير النص كما سنرى فيما بعد، إلا أن من هذا العدد، وربما قبله ايضاً، نلاحظ أن الكثيرين استخدموا اسم "يهوه"، مثل:
·        حواء ولدت قايين وقالت:"اقْتَنَيْتُ رَجُلا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ" קָנִ֥יתִי אִ֖ישׁ אֶת־יְהוָֽה (تك 4 : 1).
·   لامك حينما ولد نوح قال عنه:"هذَا يُعَزِّينَا عَنْ عَمَلِنَا وَتَعَبِ أَيْدِينَا مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ الَّتِي لَعَنَهَا الرَّبُّ" זֶ֞֠ה יְנַחֲמֵ֤נוּ מִֽמַּעֲשֵׂ֙נוּ֙ וּמֵעִצְּב֣וֹן יָדֵ֔ינוּ מִן־הָ֣אֲדָמָ֔ה אֲשֶׁ֥ר אֵֽרְרָ֖הּ יְהוָֽה (تك 5 : 29).
·   نوح وهو يبارك ابنه سام قال:" مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ" בָּר֥וּךְ יְהֹוָ֖ה אֱלֹ֣הֵי שֵׁ֑ם וִיהִ֥י כְנַ֖עַן עֶ֥בֶד לָֽמוֹ (تك 9 : 26).
·   ابراهيم وهو يرفض أن يأخذ عطايا ملك سدوم قال:"رَفَعْت يَدِي إِلَى الرَّبِّ الإِلهِ الْعَلِيِّ مَالِكِ السَّمَاءِ َالأَرْضِ" הֲרִימֹ֙תִי יָדִ֤י אֶל־יְהוָה֙ אֵ֣ל עֶלְי֔וֹן קֹנֵ֖ה שָׁמַ֥יִם וָאָֽרֶץ (تك 14 : 22).
بل فى حادثتين فريدتين فى سفر التكوين، يخاطب الله افراد معرفاً نفسه بأنه "يهوه"، وهم:
·   ابراهيم حينما كان يخاطبه الله ليقطع معه العهد، كلمه الله قائلاً:" أَنَا الرَّبُّ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هذِهِ الأَرْضَ لِتَرِثَهَا" אֲנִ֣י יְהוָ֗ה אֲשֶׁ֤ר הוֹצֵאתִ֙יךָ֙ מֵא֣וּר כַּשְׂדִּ֔ים לָ֧תֶת לְךָ֛ אֶת־הָאָ֥רֶץ הַזֹּ֖את לְרִשְׁתָּֽהּ (تك 15 : 7). ففى هذا العدد قام الله بتعريف نفسه باسم "يهوه" فى خطاب مباشر منه لإبراهيم.
·   يعقوب وهو فى طريقه إلى حاران هارباً من وجه اخيه عيسو، فى المكان الذى كلمه الله فى حلم ودعاه بيت ايل، يقول الله مخاطباً يعقوب:" أَنَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ. الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ مُضْطَجِعٌ عَلَيْهَا أُعْطِيهَا لَكَ وَلِنَسْلِكَ" רָהָ֣ם אָבִ֔יךָ וֵאלֹהֵ֖י יִצְחָ֑ק הָאָ֗רֶץ אֲשֶׁ֤ר אַתָּה֙ שֹׁכֵ֣ב עָלֶ֔יהָ לְךָ֥ אֶתְּנֶ֖נָּה וּלְזַרְעֶֽךָ (تك 28 : 13).
فهاتين الحادثتين لا تختلفان ابداً عن حادثة اعلان الله عن اسمه "يهوه" لموسى. وبناء على هذا افترض النقاد أنه لابد من وجود عدة وثائق تم دمجهم معاً فى اسفار الشريعة، الأول هو الإيلوهيمى، الذى يستخدم اسم ايلوهيم لله، والثانى اليهوى الذى يستخدم اسم يهوه لله، والثالث الكهنوتى الخاص بشرائع الكهنة، والرابع التثنوى الخاص بسفر التثنية. وبناءً على ورود اسم الله "يهوه" فى سفر التكوين بهذه الكثرة، فسروا بأن المقطع الوارد فيه (خر 6 : 3) ينتمى للمصدر الكهنوتى الذى فيه يُعرف الله باسم "يهوه" أو "ايل شداى"، أى الله القدير[6].
فالسؤال، اذن، الذى تطرحه الفرضية الوثائقية هو: إن كان العديد من الآباء قد عرفوا الله باسمه "يهوه"، وخاطبوه بشكل مباشر باسمه "يهوه"، والله نفسه قد عرف نفسه لهم باسمه "يهوه" فى بعض الاحيان، فكيف يقول فى (خر 6 : 3) بأنه لا احد من الآباء قد عرفه بإسم "يهوه" من قبل، وأنه يعلن هذا الاسم لأول مرة لموسى؟ يود الباحث أن يوضح بأنه لا يضع رداً شاملاً أو تفنيداً كاملاً للفرضية الوثائقية فى هذا البحث، وانما يتناول نقطة واحدة بالتحديد، وهى المعنى الدلالى Semantic والسياقى Contextual لمفهوم معرفة اسم "يهوه" كما ورد فى (خر 6 : 3)، فى محاولة للبحث عن إجابة صحيحة لهذا السؤال.

المعنى الدلالى

                المقصود بالمعنى الدلالى هو الدلالات التى تشير إليها الكلمات، فكل كلمة بدون سياق لها العديد من الدلالات والمعانى. والنص محل البحث، (خر 6 : 3)، يستخدم الفعل נוֹדַ֖עְתִּי ، وهو فعل فى وزن نفعل، فى الزمن التام، مع ضمير المتكلم المفرد. هذا الفعل مُشتق من الجذر فى شكله البسيط، فى وزن قل، יָדַע والذى يُترجم بشكل طبيعى فى اللغة العربية إلى "عرف". ولكن فى اللغة العبرية، وفى الإستخدام الكتابى العبرى، لا يعنى هذا الفعل مجرد المعرفة العادية بحسب معناه الدلالى. بل له معانى اكثر من ذلك كلها تُشتق من المعرفة الإختبارية، ومن امثلته ما يلى:
·   يسمى كتاب التكوين العلاقة الجنسية الكاملة بين الرجل والمرأة انها معرفة:" وَعَرَف آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ" וְהָ֣אָדָ֔ם יָדַ֖ע אֶת־חַוָּ֣ה אִשְׁתּ֑וֹ (تك 4 : 1)، مستخدماً نفس الفعل العبرى יָדַע المُترجم "عرف". وهذا يشير إلى أن معنى الفعل يحتوى الخبرة الجنسية التى بها "يعرف" الزوج زوجته بشكل اختبارى ملموس[7]. يتكرر نفس الإستخدام بنفس هذه الطريقة عن قايين وزوجته (تك 4 : 17)، ثم عن آدم وحواء ثانيةً (تك 4 : 25). كذلك نقرأ عن اهل سدوم وعمورة الذين كانوا يريدون اقامة علاقات جنسية شاذة مع ملاكى الرب الذين زاروا لوط أن كتاب التكوين اسمى هذه العلاقات معرفة:"أَيْنَ الرَّجُلاَنِ اللَّذَانِ دَخَلاَ إِلَيْكَ اللَّيْلَةَ؟ أَخْرِجْهُمَا إِلَيْنَا لِنَعْرِفَهُمَا" אַיֵּ֧ה הָאֲנָשִׁ֛ים אֲשֶׁר־בָּ֥אוּ אֵלֶ֖יךָ הַלָּ֑יְלָה הוֹצִיאֵ֣ם אֵלֵ֔ינוּ וְנֵדְעָ֖ה אֹתָֽם (تك 19 : 5). وتتكرر نفس التسمية فى (تك 19 : 8؛ 24 : 16؛ 38 : 26)
·   يسمى الله اختياره لإبراهيم أنه قد "عرف" ابراهيم:" لأَنّ عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ" כִּ֣י יְדַעְתִּ֗יו לְמַעַן֩ אֲשֶׁ֙ר יְצַוֶּ֜ה אֶת־בָּנָ֤יו וְאֶת־בֵּיתוֹ֙ אַחֲרָ֔יו וְשָֽׁמְרוּ֙ דֶּ֣רֶךְ יְהוָ֔ה (تك 18 : 19). وفى اغلب الترجمات الإنجليزية يتم ترجمة الفعل יְדַעְתִּ֗יו إلى "اخترته I have chosen him". كما يسمى الله "اختبار" ابراهيم انه قد علم:" لأَنّ الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي" כִּ֣י׀ עַתָּ֣ה יָדַ֗עְתִּי כִּֽי־יְרֵ֤א אֱלֹהִים֙ אַ֔תָּה וְלֹ֥א חָשַׂ֛כְתָּ אֶת־בִּנְךָ֥ אֶת־יְחִידְךָ֖ מִמֶּֽנִּי (تك 22 : 12). لأن الله لم يعلم ويعرف قبل أن يرى عمل ابراهيم، ولكن المعرفة هنا يُقصد بها الرؤية، أى المعرفة الإختبارية التى لمست طاعة ابراهيم وخوفه الله.
·   يوسف وهو يريد أن يختبر امانة اخوته يسميها "معرفة" حيث يقول:" بِهذَا أَعْرِفُ أَنَّكُمْ أُمَنَاءُ. دَعُوا أَخًا وَاحِدًا مِنْكُمْ عِنْدِي، وَخُذُوا لِمَجَاعَةِ بُيُوتِكُمْ وَانْطَلِقُوا" בְּזֹ֣את אֵדַ֔ע כִּ֥י כֵנִ֖ים אַתֶּ֑ם אֲחִיכֶ֤ם הָֽאֶחָד֙ הַנִּ֣יחוּ אִתִּ֔י וְאֶת־רַעֲב֥וֹן בָּתֵּיכֶ֖ם קְח֥וּ וָלֵֽכוּ (تك 42 : 33). بهذه الكلمات يريد يوسف أن يقول أنه يريد أن يختبر أنهم امناء، يريد أن يتأكد أنهم امناء، أو يريد أن يكون عقيدة بداخله بأنهم امناء. القصد واضح، المعرفة اختبارية وليست مجرد علم.
وفى خارج كتاب التكوين، وعبر صفحات بقية كتب العهد القديم، نلاحظ هذا المعنى للفعل יָדַע. مثل:
·   يتكلم يشوع عن ردة فعل امتلاك الشعب للأرض قائلاً:"وَهَا أَنَا الْيَوْمَ ذَاهِبٌ فِي طَرِيقِ الأَرْضِ كُلِّهَا. وَتَعْلَمُونَ (וִידַעְתֶּ֞ם) بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ وَكُلِّ أَنْفُسِكُمْ أَنَّهُ لَمْ تَسْقُطْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْكَلاَمِ الصَّالِحِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ عَنْكُمُ." (يش 23 : 14). فالعلم المقصود هنا ليس مجرد علم ذهنى ولا معرفة عقلية، بل هى معرفة فى القلب، اى معرفة الإختبار والرؤية التى تتحقق امام عيونهم.
·   ويتكلم حزقيال عن انتقام الرب واثره على اسرائيل:"وَأَجْعَل نَقْمَتِي فِي أَدُومَ بِيَدِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ، فَيَفْعَلُونَ بِأَدُومَ كَغَضَبِي وَكَسَخَطِي، فَيَعْرِفُونَ (וְיָֽדְעוּ) نَقْمَتِي، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ" (حز 25 : 14). فمعرفة الإنتقام المقصودة هنا هى ادراك واختبار الشعب كيف سينتقم الرب له.
·   بل إن اشعياء النبى حينما تكلم بالنبوة عن آلام مخلصنا قال عنه:"مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ (וִיד֣וּעַ) الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ" (اش 53 : 3). فالكلمة المُترجمة "مختبر" فى العربية هى الفعل العبرى יָדַע ولكن فى تصريف اسم المفعول فى حالة الإضافة.
والأمثلة كثيرة جداً عن هذه المعرفة الإختبارية (انظر 1 صم 16 : 18؛ 2 صم 7 : 20؛ 1 ملو 9 : 27؛ اى 19 : 13؛ ار 2 : 8)[8]. بل إن الرب يتكلم عن نفسه وعن اسمه قائلاً:" لِذلِكَ هأَنَذَا أُعَرِّفُهُمْ هذِهِ الْمَرَّةَ، أُعَرِّفُهُمْ يَدِي وَجَبَرُوتِي، فَيَعْرِفُونَ (וְיָדְע֖וּ) أَنَّ اسْمِي يَهْوَهُ." (ار 16 : 21)[9]، فهل كان الرب يقصد أنهم لم يكونوا يعرفوا "اسمه يهوه" بعد؟ أم انهم لم يكونوا قد اختبروا قوة الاسم وهذا الجانب من شخصيته الذى يمثله هذا الاسم؟ من الواضح أن النص وسياقه يوضحان التفسير الثانى.
من هذا كله نستنتج أن الفعل العبرى יָדַע "عرف" يحمل الكثير من الدلالات التى تظهر فى العديد من السياقات. ويتضح لنا أنه لا يعنى مجرد المعرفة أو العلم الذهنى العقلى المجرد، بل يحمل اكثر من ذلك، وهو المعرفة التى تتضمن الإختبار والتلامس والقرب. ونفس هذه المعانى متضمنة فى كافة مشتقات وتصريفات الفعل.
بهذا يتضح لنا أن فهم الفعل נוֹדַ֖עְתִּי "أُعرف" فى (خر 6 : 3) لا يجب أن يُفهم بشكل تلقائى على أن المقصود به المعرفة العقلية الذهنية المجردة، أو مجرد علم المعلومة أو تعلمها، بل يجب أن يُدرس الفعل والنص بأكمله فى ضوء سياقه، لتحديد المعنى المقصود بالمعرفة فى هذه الحالة تحديداً.

المعنى السياقى

                   قبل أى دراسة لسياق النص يجب أن نلقى الضوء على أحد المفاتيح الهامة فى فهم هذا النص بطريقة صحيحة يقدمها لنا جيرهارد فوس قائلاً:"إن موسى لا يمكن أن يكون قد أُرسِل إلى اخوته ليدعوهم إلى اله آبائهم الذى نسوه، وها هو يقدم لهم اسماً جديداً لذلك الإله"[10]. وهذه الملاحظة منطقية جداً، فلا يمكن أن يطلب موسى اسم الله الذى سيخبر الشعب بأنه ارسله ثم يعطيه الله اسماً جديداً لا يعرفه الشعب اصلاً. ذلك لأن أى دلالة أو علامة فى ذلك يقدمها للشعب؟ لذلك فإننا لا نستطيع منطقياً أن نفترض عدم معرفة الشعب بهذا الاسم مسبقاً.
                وأى بحث جاد لمعرفة القصد من وراء "معرفة" الاسم فى هذا النص يجب أن تتضمن تساؤل عن علاقة تقديم هذا الإعلان الجديد عن الإسم بما ورد بعد ذلك من اشارات للعهد الذى قطعه الرب مع آباء شعب اسرائيل. ولو أننا افترضنا أن هناك اعلان جديد عن اسم إلهى لم يعرفه اسرائيل من قبل معرفة عقلانية ذهنية مجردة، فإن النص لا معنى له ولا علاقة له بما يليه من تذكر للعهد وتنفيذ له.
                لقد كان موسى يؤنب الله لأنه ارسله لفرعون، فأزاد فرعون قساوته على شعب اسرائيل، ولم يخرج الشعب من ارض مصر فوراً. ويعود الله الآن ليقول لموسى: سوف ترى كيف سأحقق العهد الذى قطعته مع آباء اسرائيل قديماً. يقول الله ببساطة أنه الآن سوف يفى بهذا الوعد؛ سوف يكمل عهده مع ابراهيم واسحق ويعقوب. فربما يكون هؤلاء الآباء قد اختبروا قدرة الله وقوته، عرفوا واختبروا "الله القدير" אֵ֣ל שַׁדָּ֑י، ولكنهم لم يختبروا ابداً الاسم "يهوه"، حتى وإن كانوا عرفوه. فالأول يشير إلى اعمال القدرة الإعجازية الإلهية التى ظهرت فى حياة ابراهيم واسحق ويعقوب، مثل أن تنجب زوجاتهم العواقر الثلاث وغير ذلك، ولكنهم لم يختبروا ابداً "اتمام العهد". صحيح أن ابراهيم نال الوعد، ولكن اتمام هذا العهد لا يمكن دون تحقق امرين: الشعب والأرض. فعهد الله مع ابراهيم هو أن يصير أمة عظيمة، وتسكن هذه الأمة فى ارض كنعان. لم يصر ابراهيم أمة عظيمة إلا بعد أن تكاثر نسله وعاش فى العبودية فى مصر، كما لم يرث (نسل) ابراهيم الأرض إلا بعد أن دخلها وحارب وانتصر وامتلك الأرض فى زمن يشوع. قبل كل ذلك، لم يتحقق العهد. عاش ابراهيم جنباً إلى جنب مع الكنعانيين فى الأرض. لم يمتلكها! بالتأكيد نال ابراهيم الوعد بابن وتحقق هذا الوعد، ولكن ليس هذا هو العهد كاملاً. العهد هو أن يصير ابراهيم أمة عظيمة وترث هذه الأمة ارض كنعان، والغرض من وجود الشعب والأرض هو أن يصير هناك علاقة عهد بين الشعب والرب، فيصير الشعب شعباً للرب ويصير الرب إلهاً للشعب. يقول والتون، ماثيو، وتشافالاز:
"فى تكوين 17 : 1 و 35 : 11 كان اسم ايل "الله القدير" هو الذى ارتبط بعناصر العهد التى تم ادراكها خلال زمن حياة الآباء. على عكس ذلك، يرتبط اسم "يهوه" بالوعود طويلة الأجل. خاصة الوعود الخاصة بالأرض، بحيث أنه يمكن أن يُقال عن حق إن الآباء لم يختبروا هذا الاسم"[11].
سوف يتحقق الوعد الآن، وعد الأرض الموروثة، وهذا يتطلب أن يعرف الشعب، بل يختبر الشعب، جانب آخر من شخصية الله[12]. وهذا يتضح من خلال نقطتين هامتين عن النص العبرى لـ (خر 6 : 3):
·   يقول الله انه اعلن نفسه للآباء قديماً باسم "ايل شداى":  אֵרָ֗א אֶל־אַבְרָהָ֛ם אֶל־יִצְחָ֥ק וְאֶֽל־יַעֲקֹ֖ב בְּאֵ֣ל שַׁדָּ֑י ، ونلاحظ وجود حرف الجر בְּ قبل اسم "ايل شداى"، اى أنه عُرِف "بإيل شداى". وتصنيف حرف الجر فى هذا السياق هو "باء الهوية" Beth Essentiæ (أو Beth of Identity)، وهى بحسب تعريف بروس ولتكى وم. اوكونر لها:"تشير إلى الأهلية أو الهوية أو الوظيفة أو الصفة التى بها يتصرف الفاعل"[13]. بكلمات اخرى، استخدام حرف الجر الباء هنا يشير إلى أن الله يتكلم عن هويته، او وظيفة وصفة هويته (اسمه) الذى تكلم به لابراهيم واسحق ويعقوب: هو الله القدير، القوى. النقطة الهامة هى وجود التناظر بين هذه الهوية (ايل شداى) من جهة، و هوية (يهوه) من جهة اخرى. فالله الآن يقول: וּשְׁמִ֣י יְהוָ֔ה לֹ֥א נוֹדַ֖עְתִּי לָהֶֽם، اى لم يُعلن بعد هذا الجانب الوظيفى من هوية الله؛ اختبار اسم يهوه لم يُعلن بعد[14].
·   نقطة هامة أخرى تتضح من التصريف العبرى للفعل فى (خر 6 : 3)، وهو وجود الفعل فى وزن "نفعل"، وهو الوزن المبنى للمجهول للشكل البسيط للفعل. وهذا يحمل دلالة لمعنى الفعل فى هذا العدد، لأن الله لا يقول أنه "لم يجعلهم يعرفوه باسم (يهوه)"، لأنه لو اراد أن يقول ذلك لأستخدم وزن عبرى آخر هو وزن "هفعيل" الذى يحمل معنى تسبيبى، أى أن الله هو المسبب ليعرفوا اسمه. بكلمات اخرى، لا يوجد أى دلالة سببية فى الفعل؛ الكاتب لا يريد أن يقول أن الله لم يجعلهم يعرفوه بهذا الاسم، وبالتالى لم يعلن لهم هذا الاسم. بل ببساطة، هم لم يعرفوا هذا الاسم[15].
بالإضافة لذلك، لا يجب أن ننسى كيف سيتم بلورة إتمام العهد: الأمة العظيمة، والأرض الموعودة. فلم يكن يمكن للوعد أن يتحقق دون أن يصبح نسل الآباء، الذين قطع الله العهد معهم، شعباً عظيماً، وبذلك يمكنهم أن يرثوا الأرض. إن هذا يحدث الآن فقط. فكما اختبروا "اله القوة" سيختبروا الآن "اله العهد"[16]. والله يوضح هذه البلورة فى الأعداد 4 – 7. ولعل احد اهم هذه الإشارات التى توضح قصد الله تأتى فى عدد 7:"وَأَتَّخِذُكُم لِي شَعْبًا، وَأَكُونُ لَكُمْ إِلهًا. فَتَعْلَمُونَ וִֽידַעְתֶּ֗ם أَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمُ الَّذِي يُخْرِجُكُمْ مِنْ تَحْتِ أَثْقَالِ الْمِصْرِيِّينَ". وهذه الدلالة الإختبارية للفعل "فتعلمون" الذى هو نفسه الفعل العبرى יָדַע تلقى مزيداً من الضوء على معنى المعرفة المقصودة. فهذا الشعب الآن على وشك الخروج من عبودية مريرة استمرت لقرون، ويقدم له الله نفس صياغة العهد المعتادة "اسرائيل يكون شعب الرب، والرب يكون اله اسرائيل". وبعد أن يتم هذا التحرير بالخروج من مصر، "سيعلم" شعب اسرائيل أن إلههم هو الرب؛ أى سيختبروا سيادته وتنفيذه لعهده الذى قطعه مع آبائهم. وفى نفس سياق السرد القصصى فى الخروج، نرى أن المصريين قِيل عنهم:"فَيَعْرِفُ וְיָדְע֤וּ الْمِصْرِيُّونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ حِينَمَا أَمُدُّ يَدِي عَلَى مِصْرَ وَأُخْرِجُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَيْنِهِمْ" (خر 7 : 5). فالإسرائيليين سيعرفون (سيدركون، يختبرون) الرب والمصريون سيعرفون (سيدركون، يختبرون) الرب، كل بطريقته. فخلاص الرب مُقدم لإسرائيل، وبهذا سيعرفه الشعب العبرانى. ودينونة الرب مُقدمة لمصر، وبهذا سيعرفه الشعب المصرى (انظر ايضاً خر 14 : 4).
                وبالإضافة لهذه الملاحظات على النص العبرى، فهناك عدة ملاحظات تتعلق ببعض الألفاظ الواردة فى النص، وهى:
·   ايل شداى ليس اسماً. فرغم أن الله يعلن عن نفسه 6 مرات فى كتاب التكوين بـ "ايل شداى"، إلا أنه لم يكن يريد أن يُفهم هذا على أنه اسم. لكن المعنى المباشر هو الوصف المصحوب، أى الله القادر على كل شىء. وهذا ليس اسماً بقدر ما هو احد صفات الله التى يعلنها عن نفسه. فى الحقيقة، كل اسماء الله ما عدا "يهوه" هى صفات لله. يهوه هو الاسم الوحيد[17]. ان هذا واضح ايضاً من خلال الاصل الإيتمولوجى للكلمة العبرية שַׁדָּ֑י التى يقترح البعض أنها يجب أن تترجم "جبل الله" أو "صدر الله" أو "الله العالى"[18].
·   المقصود من "اسم الله" هو "هوية الله الكاملة". فعبر صفحات كتب العهد القديم بأكملها، لا يعنى "اسم" الله مجرد تعريف له أو علم يُنادى به الله. بل اكثر من ذلك، اسم الله هو شخصية الله كاملة، تنعكس فيه طبيعته وكينونته وصفاته.
وبالإضافة إلى ذلك، يقول مونت سميث:
"اللفظة العبرية "يادَع، יָדַע" مصطلح عبرى آخر مرتبط بالعهد ... وتعنى "يادَع" أن يكون للمرء "علاقة عهد مع" ... حين يُقال أنك تعرف شخصاً ما، فهذا يعنى وجود علاقة عهد رسمية تربطك به ... كانت الكلمة "يادَع، יָדַע" تُستعمل كمصطلح فنى فى المعاهدات الدولية للشرق الأدنى القديم بمعنى، "أن تكون فى عهد مع" وقد وظف موسى النبى وكُتاب عبرانيون آخرون هذه اللفظة بنفس المعنى"[19].
من خلال هذه الملاحظات بأكملها يستنتج الباحث أن التفسير الصحيح والفِهم الدقيق للنص (خر 6 : 3)، المبنى على النص العبرى الأصلى، من خلال دلالات معانى الكلمات وسياق النص، أن ما قصده كاتب سفر الخروج، سواء قبلنا أنه موسى أو رفضنا، لم يكن أن الله لم يعلن اسم "يهوه" من قبل، بل إن الشعب قد عرف اسم "يهوه" قبل موسى، فى عصور الآباء، ولكنه لم يختبر هذا الاسم، كاسم الله الوحيد، اله العهد، إلا بخروج الشعب من ارض مصر. عند هذه النقطة من تاريخ اسرائيل بدأ الشعب فى ادراك العلاقة الخاصة، الشخصية جداً، التى بدأت بينه وبين الله. إنه كما لو اراد الله أن يقول:"لقد اظهرت نفسى ... فى شخصية ايل شداى، ولكن فى الشخصية التى يعبر عنها اسمى يهوه، فإننى لم اجعل نفسى معروفاً بهذا الاسم"[20].

تفسيرات اخرى

                رغم أن الباحث يجادل هنا لتوضيح أن المعنى الحقيقى لنص (خر 6 : 3) هو معرفة الشعب ليهوه بإدراكه كإله اتمام العهد، فإن هذا لا يعنى عدم وجود تفسيرات اخرى ممكنة. بل رأى الباحث أن هناك بعض الآراء التى يجب وضعها فى الإعتبار، ويمكن ذكرها بايجاز فيما يلى:
·   تفسير النص العبرى كسؤال وليس جملة خبرية. فبعض العلماء قاموا ببعض الإجتهادات التى تلقى الضوء على جوانب الجملة العبرية، وفسروها أن الله يقدم تساؤل لموسى[21]. بمعنى أن الله يقول:"وانا ظهرت لإبراهيم واسحق ويعقوب بأنى "الله القدير"، وأليس انى عُرِفت لهم باسم يهوه؟". والسبب فى عدم وضوح النص إن كان سؤالاً أو خبراً هو أن فى اللغات السامية بشكل عام يمكن أن تكون نبرة الصوت هى التى توضح ما اذا كان النص سؤالاً أو خبراً.
·   تحرير موسى لإسم الله فى التكوين. وهذا الرأى يقول بأن الله كان يعلن عن اسمه "يهوه" لأول مرة فى (خر 6 : 3)، وبعد ذلك حينما كتب موسى اسفار الشريعة، قام بتحرير اسم الله فى التكوين ليضع "يهوه" فيه[22].

تقييم التفسيرات

بمقارنة هذه التفسيرات معاً، يتضح لدى الباحث بأن التفسير الأول هو الأكثر دقة والتزاماً بالنص العبرى. والقاعدة فى ذلك: التفسير الصحيح هو الذى يفسر كل الأدلة والبيانات معاً بطريقة منسجمة وواضحة ومقبولة منطقياً. ويمكن تقييم التفسيرين الثانى والثالث كما يلى:
·   تفسير النص العبرى كسؤال وليس جملة خبرية هو تفسير يفترض شىء ليس موجود فى النص المكتوب. فحتى إن كان من الجائز أن تكون نبرة الصوت قد عبرت عن الجملة فى صيغة سؤال، فإنه لا طريق لدينا لمعرفة هذا أو التأكد منه بأى صورة. وعليه يبقى التزامنا بالنص المكتوب، الذى لم يستخدم أى من ادوات الاستفهام العبرية، والتى كان من الممكن لموسى أن يستخدمها ليجعل النص واضحاً للشعب. ورغم أن هذا التفسير يسهل الكثير، فيجعل اسم "يهوه" معروفاً عند الشعب سابقاً، إلا أنه يفترض اكثر مما يجب فى النص[23].
·   التفسير الذى يقول بأن اسم "يهوه" فعلاً لم يكن معروفاً لدى الآباء سابقاً يتجاهل الكثير من الأدلة والحقائق المتوفرة. فهو يتجاهل معنى الفعل "عرف" فى العبرية، كما أنه يفترض بصورة تخمينية أن موسى قام بتحرير اسماء الله فى التكوين، دون أن يقدم أدلة على ذلك، ولا أن يشرح أو يفسر السبب الذى لأجله سيغير موسى اسم الله للأسم "يهوه".
لذا يعتقد الباحث أن الرأى الأكثر صحة وصواباً هو الذى جادل له منذ البداية، وهو أن الله قد أعلن عن اسمه "يهوه" كثيراً للآباء، ولكنه الآن يقول للشعب أنهم سوف يختبروا هذا الجانب من شخصية الله الذى يعبر عنه الاسم "يهوه"، وهو انه سيتمم عهده مع آبائهم الآن. كما قال جون كولينز:"إن هذا المقطع يذهب اكثر ليربط بين اعلان الاسم والوعد بالتحرير من العبودية فى مصر ... فالإسرائيليين لن يعودوا يخدموا المصريين فيما بعد بل بدلاً من ذلك سيخدموا يهوه"[24]. والسبب وراء هذه القناعة هو أن هذا التفسير يفسر كافة الأدلة والبيانات والحقائق المتوفرة فى هذه الحالة، كما أنه منطقى جداً، ويتوافق مع الشكل العام للإستخدام الكتابى للمعرفة.

العارفون اسمك

                إن معرفة الله للشعب القديم لم تكن معرفة مجردة ذهنية عقلانية، فهى لم تكن ببساطة معرفة "عن" الله، بل هى معرفة تتضمن اختبار وشركة وعلاقة. معرفة الشعب القديم لله لم تكن مجرد معلومات عن الله، بل اختبار فى عصر الآباء لقوة وشدة عمل الله، ثم فى عصر الشعب فيما بعد ادراك واحساس وفِهم لتحرير من عبودية وفك وعتق من الأسر ليعبد الشعب الرب وحده فقط. معرفة الله كما اراد لنا هو أن نفهمها ليست مجرد كلمات جوفاء، بل شركة وخبرة حقيقية لطبيعة الله. وليس هذا خاصاً بالإسرائيليين قديماً فقط، بل هو اعلان الله لنا اليوم فى حياتنا، كشعب الرب الجديد، الذى يجب أن يسعى لمعرفة الله بشكل اختبارى من خلال شركة حقيقية مع الله وتواصل قوى معه.
                لن يكون الله سعيداً بعلماء واساتذة متخصصين فى طبيعته واعلانه دون خبرة شخصية لهم معه، بل هو يسعد اكثر حينما ترفعنا هذه المعرفة عن شخصه لندخل إلى معرفته شخصياً. واختبار شخصية الله لا ينتهى، فكما اختبر الآباء وجهاً من أوجه شخصيته، ثم اختبر الشعب فيما بعد وجهاً جديداً، نحن ايضاً اليوم يمكننا أن نختبر ونعرف اوجه شخصية الله كل يوم. وهذا يعلمنا كيف أن معرفة الله لا ينالها فرد بمفرده، بل يقبلها مجتمع القديسين بأكمله، لأن الله لا يمكن إدراكه كاملاً.

الخاتمة

                رغم أن الباحث لم يتعرض لنقد الفرضية الوثائقية، إلا أن بالبحث فى الأساس الذى عليه بُنِيت هذه الفرضية يتضح أنه لم يتم دراسة هذا النص بشكل كافى من قِبل العلماء النقديين. عرض الباحث المعنى الصحيح للفعل "عرف"، وكيف يجب فِهمه فى (خر 6 : 3) من خلال الاستخدام الكتابى العبرى للفعل وذلك فى المعنى الدلالى للفعل. ثم تطرق الباحث إلى المعنى السياقى الذى أوضح فيه اعلان الله لموسى والشعب كإله العهد. ثم عرض الباحث التفسيرات الأخرى وبيّن اسباب رفضها واسباب قبول التفسير الأول. واختتم الباحث بعرض علاقتنا اليوم بهذه الاعلانات الإلهية القديمة للشعب الاسرائيلى.

المراجع

المراجع العربية

سميث، مونت و. العهد: رحلة من الاغتراب إلى المصالحة. ترجمة ق. عاطف المرفوض. القاهرة: دار جذور للنشر 2012.
فوس، جيرهارد. علم اللاهوت الكتابى. ترجمة عزت زكى. القاهرة: دار الثقافة 1982.
كايزر، ولتر س.، بيتر هـ. دى يدز، ف. ف. بروس، ومانفريد ت. بروتش. اقوال صعبة فى الكتاب المقدس. الجزء الأول، المقدمات واسفار الشريعة. القاهرة: دار الثقافة 2011.
كول، ر. آلان، الخروج، التفسير الحديث للكتاب المقدس، (القاهرة: دار الثقافة 1989).
ماكدويل، جوش، برهان جديد يتطلب قرار، (القاهرة: دار الثقافة 2004).
والتون، جون هـ.، فيكتور هـ. ماثيوز، مارك و. تشافالاز، الخلفية الحضارية للكتاب المقدس: العهد القديم، الجزء الأول اسفار الشريعة، (القاهرة: دار الثقافة 2012).

المراجع الإنجليزية

Biblia Hebraica Stuttgartensia, (Germany; The German Bible Society 1997).
Brown, F., S. Driver, C. Briggs, The Brown-Driver-Briggs Hebrew and English Lexicon, (Peabody, Massachusetts: Hendrickson Publishers 2008).
Clines, David J. A., Pentateuch, in: Michael D. Coogan, Bruce M. Metzger, The Oxford Companion to The Bible, (New York: Oxford University Press 1993).
Collins, John J., Introduction to The Hebrew Bible, (Minneapolis: Fortress Press 2004).
Coogan, Michael D., The Old Testament: A Historical and Literary Introduction to The Hebrew Scriptures, (New York, Oxford; Oxford University Press).
Holladay, William L., A Concise Hebrew and Aramaic Lexicon of The Old Testament, (Leiden; Brill 2000).
The New English Translation (NET Bible) with Notes, (Biblical Studies Press, L.L.C. 2005).
Tigay, Jeffrey H., Exodus, in: Adele Berlin, Marc Zvi Brettler, The Jewish Study Bible, (New York: Oxford University Press 2004).
Sparks, Kenton L., God's Word in Human Words: An Evangelical Appropriation of Critical Biblical Scholarship, Grand Rapids, Michigan: Baker Academic, 2008.
Waltke, Buce K., M. O'Connor, An Introduction to Biblical Hebrew Syntax, (Indiana: Eisenbrauns 2004).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] التى يدعوها هم تناقضات حقيقية Contradictions وان كان الباحث يراها تناقضات ظاهرية Paradoxes. لعرض مُفصل للفرضية من وجهة نظر نقدية انظر:
David J. A. Clines, Pentateuch, in: Michael D. Coogan, Bruce M. Metzger, The Oxford Companion to The Bible, (New York: Oxford University Press 1993), 579-582.
[2] Michael D. Coogan, The Old Testament: A Historical and Literary Introduction to The Hebrew Scriptures, (New York, Oxford; Oxford University Press), 2006, 23-27.
[3] Kenton L. Sparks, God's Word in Human Words: An Evangelical Appropriation of Critical Biblical Scholarship, (Grand Rapids, Michigan: Baker Academic, 2008), 11.
[4] Biblia Hebraica Stuttgartensia, (Germany; The German Bible Society 1997).
[5] The New English Translation (NET Bible) with Notes, (Biblical Studies Press, L.L.C. 2005), 132.
[6] Coogan, The Old Testament, P. 25
[7] غير واضح للباحث المثال المذكور فى (تك 3 : 7)، هل كان المقصود أن آدم وحواء عرفا انهما عريانان، بمعنى أنهما شعرا واختبرا عريهما معاً، أم أن الله كان قد اغلق عينيهما عن هذا العرى ولم يكتشفاه إلا بعد سقوطهما (قا مع تك 3 : 11).
[8] اى قاموس للعبرية الكتابية سيقدم هذه الأمثلة واكثر منها. انظر:
F. Brown, S. Driver, C. Briggs, The Brown-Driver-Briggs Hebrew and English Lexicon, (Peabody, Massachusetts: Hendrickson Publishers 2008), 393-394 ; William L. Holladay, A Concise Hebrew and Aramaic Lexicon of The Old Testament, (Leiden; Brill 2000), 129
[9] هذا المثال مأخوذ عن: جوش ماكدويل، برهان جديد يتطلب قرار، (القاهرة: دار الثقافة 2004)، 432.
[10] جيرهارد فوس، علم اللاهوت الكتابى، ترجمة عزت زكى، (القاهرة: دار الثقافة 1982)، 185.
[11] جون هـ. والتون، فيكتور هـ. ماثيوز، مارك و. تشافالاز، الخلفية الحضارية للكتاب المقدس: العهد القديم، الجزء الأول اسفار الشريعة، (القاهرة: دار الثقافة 2012)، 119
[12] فى احد التفسيرات اليهودية المعاصرة الصادرة عن جامعة اكسفورد، يقول العالم اليهودى جيفرى تيجاى، استاذ الأدب واللغة العبرية واللغات السامية بجامعة بنسيلفانيا:"إن يهوه هو نفس الإله الذى، تحت اسم ايل شداى، قطع العهد مع اسلاف اسرائيل، ويريد الآن أن يتمم هذا العهد... لم يختبروا القوة الكاملة المُعبر عنها فى اسم يهوه كما سيحدث مع اسرائيل الآن". انظر:
Jeffrey H. Tigay, Exodus, in: Adele Berlin, Marc Zvi Brettler, The Jewish Study Bible, (New York: Oxford University Press 2004), 115.
[13] Buce K. Waltke, M. O'Connor, An Introduction to Biblical Hebrew Syntax, (Indiana: Eisenbrauns 2004), 198
[14] بعض الأدبيات العربية ذكرت هذا الاستخدام. كمثال، يقول ولتر س. كايزر، بيتر هـ. دى يدز، ف. ف. بروس، ومانفريد ت. بروتش:"حل هذا التناقض الظاهر حيث أن اسم "يهوه" يظهر نحو 150 مرة فى عصر الآباء، هو فى نقطة فنية فى النحو فى اللغة العبرية، تعرف باسم "بيت اسنتيا" فى العبارة "باسمى" فهذه العبارة تعنى أنه بينما ابراهيم واسحق ويعقوب سمعوا واستخدموا الاسم "يهوه" فإنه فى زمن موسى فقط اتضحت طبيعة وشخصية وجوهر ما يدل عليه الاسم، فيحسن أن تترجم عبارة باسمى إننى "فى طبيعة يهوه لم اكن معروفاً لهم". انظر: ولتر س. كايزر، بيتر هـ. دى يدز، ف. ف. بروس، ومانفريد ت. بروتش، اقوال صعبة فى الكتاب المقدس، الجزء الأول، المقدمات واسفار الشريعة، (القاهرة: دار الثقافة 2011)، 100. انظر ايضاً، ماكدويل، برهان جديد يتطلب قرار، 433.
[15] نقرأ فى ملاحظات الترجمة الإنجليزية الحديثة:" إن الفعل "عرف" لم يُستخدم ابداً لتعريف اسم لم يُعرف قبل أو يُختبر قبل ذلك. فأوزان النفعل والهفعيل للفعل تُستخدم فقط لإدراك معانى واهمية الاسم. انظر ار 16 : 21؛ اش 52 : 6؛ مز 83 : 17؛ 1 مل 8 : 41 [فسيعرف الشعب اسمه حينما تُسمع صلاواتهم]. فلشخص ما أن يقول أنه عرف يهوه كان يعنى ذلك أنه اختبر أو ادرك يهوه بنفسه (خر 33 : 6؛ 1 مل 18 : 36؛ ار 28 : 9؛ مز 76 : 2)". انظر:
NET Bible, 132.
[16] ماكدويل، برهان جديد، 432.
[17] لا يود الباحث أن يناقش هنا مسألة معنى اسم "يهوه". هناك شرح مُفصل لأكثر الآراء فى: جيرهارد فوس، علم اللاهوت الكتابى، 187 -191.
[18] NET Bible, 132
[19] مونت و. سميث، العهد: رحلة من الاغتراب إلى المصالحة، ترجمة ق. عاطف المرفوض، (القاهرة: دار جذور للنشر 2012)، 16.
[20] ماكدويل، برهان جديد، 433.
[21] السابق.
[22] ر. آلان كول، الخروج، التفسير الحديث للكتاب المقدس، (القاهرة: دار الثقافة 1989)، 96.
[23] يمكن أن نعتبر هذا قراءة شىء فى النص غير موجود به Eisegesis وليس إستخراج تفسيرى حقيقى لما بداخل النص Exegesis.
[24] John J. Collins, Introduction to The Hebrew Bible, (Minneapolis: Fortress Press 2004), 113.

هناك 5 تعليقات:

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!