السبت، 24 مارس، 2012

ايام الخبرات الجديدة (1)


ايام الخبرات الجديدة

المقال الأول
"يَسْقُطُ عَاضِدُو مِصْرَ وَتَنْحَطُّ كِبْرِيَاءُ عِزَّتِهَا" (حز 30 : 6)

تمهيد الطرح

اكتب هذا الآن بعد مرور شهور على انتهاء فترة تجنيدى. كنت بحاجة إلى بعض الوقت لأعيد تصور وتخيل ما قد حدث، وما سأفعل وسأكتب فى الوقت القادم. لقد تغير كل شىء. رؤيتى لله تغيرت جداً. لم اعد افكر فى الله كما كنت، فقد اجتزت فى خبرات كثيرة ومتنوعة معه. ارى نفسى الآن وقد اصبحت "عقلاً جديداً"، بطريقة ما كما عبّر عن ذلك بولس فى صياغته الرائعة عن "تجديد الاذهان" (رو 12 : 2). أو كما عبّر فى فرصة اخرى بصياغة لا تقل روعة عن "استنارة عيون الاذهان" (اف 1 : 18).
هذا التحول الفكرى، الذى هو نتيجة مباشرة لخبرات روحية وصراعات داخلية متنوعة مررت بها، أدى إلى تشكيل فكر مختلف، لاهوت مختلف، عقيدة، بل عقائد، مختلفة. وهو ما يتحتم علىّ أن اشرحه لك قبل ان اعود للكتابة، وقبل ان تعود انت للقراءة. وأرى هذا من الأمانة اللازمة ككاتب أن اوضحه لكى اضع سياق يمكنّك من فهم كتاباتى القادمة. وقد رأيت أن شرح هذا التغير الذى حدث سيحتاج إلى عدة مقالات قصيرة، اشرح فيها عدة مبادىء قد زالت، ومبادىء أخرى قد حلت مكانها. وهذه المقالات رأيتها وتصورتها وتخيلتها فى ذهنى أولاً، واعتقد الآن انها متبلورة فى داخلى، وانها لا تمس حياتى فقط، انما تمس كل حياة كل انسان عاش فى مجال الدراسات الدينية بشكل عام، سواء كان مسيحياً أو غير مسيحياً، وإلى أى مكان ينتمى فى التيارات الفكرية المتزاحمة.
واننى فى الوقت نفسه، لم اسمح لنفسى أبداً ان اترك العقل والنقد والمنهج. لم اسمح لنفسى ان اخوض هذه المغامرات الفكرية بعيداً عن منهجى النقدى الذى يحترم عقلى وتفكيرى. لذا فإننى فى هذه المجموعة من المقالات لا انادى بانفصالية، ولا بانعزالية عن نقد كل فكر اقدمه. بل اننى ارى، وادعو إلى ذلك، أن ننقد كل فكر يدخل إلينا. احب أن اصيغ هذا المبدأ كما صاغه مايكل باتون فى احد محاضراته بأن نضع "بوابات لاهوتية" على عقولنا. فنحن من يسمح بدخول الفكر، ونحن من يرفض دخوله. ادعوك لفتح البوابات اللاهوتية حينما ترى فكراً مر وجاز الاختبار، واقبل هذا الفكر. وادعوك لرفض هذا الفكر الذى يفشل ويسقط فى الاختبار.
ويمكننى أن الخص تلك المراحل التى مررت بها والتى أثرت على تفكيرى الخاص فى النقاط التالية، والتى سيكون كل نقطة منها محور مقال فى هذه المجموعة:
• تحطم الكبرياء وسقوط ثقتى فى نفسى (المرحلة الأخيرة من تشككى).
• اللقاء الأول القديم مع الله (اختبارى الله بصفة شخصية).
• عضو فى عائلة الله (انضمامى لكنيستى المحلية).
• خلوة فى الصحراء (نضوجى الروحى فى فترة تجنيدى).
• حياة لمجد الله: شخصياً ولاهوتياً (تصور هدف حياتى القادمة).
• رؤيتى لعمل الله (كيف سأعمل وكيف أرى طبيعة وماهية البحث والخدمة، داخلياً وخارجياً).
إن كل مرحلة امتدت لشهور، بدايةً من المرحلة الأولى وهى تحطم الوثن الضخم الذى أقمته لنفسى بقلبى، حتى رؤيتى الحالية لما يجب أن نفعله ونقوم به. واقول أن هذه المراحل لا تعنى فقط لقطات من حياة شخصية، بقدر ما هى تختص بالحقائق التى تقف خلف هذه التحولات الفكرية. لا اريد ان احكى لك قصة شخصية لا تهمك من قريب أو بعيد، انما اريد ان اوضح كيف غيرت هذه المبادىء حياتى تماماً. مثلما يمكن أن تغير حياتك وفكرك أنت ايضاً!

مراحل التشكك

لا يمكننى ان اسمى نفسى مسيحياً قبل عام 2010. لا استطيع ان انسب نفسى للمسيح قبل ذلك التاريخ. ببساطة لأننى كنت متشكك فى كل شىء. لم اكن مؤمناً قبل ذلك التاريخ، حتى وان كنت اظهر فى ثوب المدافع عن الايمان. وهذا كان اول اصطدام لى مع الحقيقة. انا لست مؤمناً. انا اكتب ما لا احياه. انا اعيش ما لا اكتبه. هل يمكننى ان اثق أن الله موجود؟ اكتب كثيراً لأوضح هذه الحقيقة، لكنها ليست ذات صلة. ما الذى يعنيه أن الله موجود بالنسبة لى؟ لسنوات طويلة كان هذا الوجود مجرد نظرية. كان هناك شىء على عينى يمنعنى من أن افهم أن وجود الله، ان كان حقيقياً، يعنى شيئاً بالنسبة لى. علىّ أن اتخذ قراراً لأنه لا وقت كثير مُتاح. واعتقد ان انفاس بسيطة من هذا التشكك ربما تكون قد ظهرت فى كتاباتى سابقاً. واعتقد أن التحول بين التيارات الفكرية الكثيرة كان يعطى القارىء فكرة بسيطة عما يدور خلف هذه الكتابات. ولم يكن تشككى بسيطاً أو سهلاً، لأننى لست شخصاً غبياً ولا يمكن أن يفوتنى نقد ما يُوجه، أو يمكن أن يُوجه، للفكرة المطروحة. ليس من السهل عليك أبداً أن تقنع متشككاً مثلى بفكرتك. لذا كانت العروض المُقدمة لى من كتب اللاهوت، بقدر ما هى مغرية، بقدر ما تطلبت منى الكثير من التفكير. لأننى قلت لنفسى أن آخر شىء ساؤمن به هو حقيقة لست متأكداً من حقيقتها. وهذا امر لا يختص فقط بحقيقة المسيحية كنظام عقائدى قائم بذاته، بل انما يختص بالأنظمة العقائدية المتفرعة عن هذا النظام الرئيسى؛ اعنى بذلك الافكار المطروحة على الساحة من كافة التيارات اللاهوتية المسيحية. كما أن ذلك يتضمن حتى رؤيتى الشخصية لكل ما هو مسيحى. لم تكن قضيتى فقط هل المسيحية تقدم لى الحق فعلاً أم لا، بل كانت قضيتى تتسع لتشمل طرق فِهم هذا الحق، وكيف يمكننى أن اقترب إليه بطريقة صحيحة، أو على الأقل، اقرب ما تكون إلى الصحة.
ولم يكن من السهل أبداً طوال فترة دراساتى العقائدية بشكل عام، والتى امتدت إلى سبع سنوات، أن اكون متساهلاً مع افكار مجتمعية محيطة بى، اعرف أن اغلبها نتاج ثقافة شعبية. واريد أن اوضح هنا أننى كنت فى اغلب فكرى منتج عصرى ومجتمعى الذى اعيش فيه، اقصد المجتمع القبطى. لكن فى نفس الوقت، انا قارىء غريب، واقرأ اشياء لا يعرفها هذا المجتمع. كانت حقائق هذا المجتمع مُسلمات وبديهيات يمكننى أن اقول أنها تثبتت بداخلى لسنوات طويلة. لكن هذه الحقائق يتحداها كُتّاب ومؤلفين لا ينتمون لهذا المجتمع، واقصد المجتمع الإنجيلى "الغربى"، ويقدمون لى طريقة جديدة لفِهم كل شىء يدور حولى. وقد ولّدت بدايات هذا التصادم، فى مراحله الأولى، عدم تصديق و عدم تسليم مؤقت، وضرورة فحص كل شىء استلمه من هذا المجتمع. وكان علىّ فى ذلك الوقت أن اقوم بمراجعة كل ما استلمته من هذا المجتمع فى الماضى. وتطور هذا إلى فقدان ثقتى فى مجتمعى المحيط بى ووضع ثقتى فى ذلك المجتمع الغريب عنى القادم من الوجه الآخر للعالم. إنها ليست ثقافة عربية، وليست طريقة اقتراب شرقية. واعتقد الآن أن هذا التصادم بين المجتمع الذى نشأت فيه والمجتمع الذى القيت نظرة عليه كان اول طريق تشككى. وان كان هذا صحيحاً، فإننى لا احمل مجتمعى أكثر مما يحتمل، فأنا المسئول الأول عن فكرى، ولا يوجد من يستطيع أن يقنعنى بفكرة مادمت لم اقتنع انا بها.
ويمكننى أن اضع تلك الدراسة التى قدمتها بطريقة شرقية منذ سنوات، "النقد النصى للعهد الجديد"، كالباب الذى انفتح به طريق التشكك. فما اسوء ان تحترف شيئاً لا تؤمن به. كأستاذ اللاهوت النظامى الملحد؛ أو استاذ دراسات العهد الجديد اليهودى! انها اضيفت إلى ذلك العبء الأكبر، وهو ضرورة أن تكتب اشياء لا تقتنع بها لكى ترضى المجتمع. كان ذلك يحدث فى تناقضات داخلية لابد أن تؤثر على المنتج النهائى. ولكن فى نفس الوقت استمتع بمشاهدتى للمجتمع الآخر البعيد، ذلك الوجه الآخر من العالم. اعنى بذلك ادراكى للأكاديمية الغربية من خلال بوابات عديدة، مثل الكتب والمحاضرات والمقالات والمناظرات والبرامج اللاهوتية وغيرهم.
بين مجتمع قبطى شرقى أنتمى له بكل ما بداخلى، ومجتمع إنجيلى غربى استمتع بمشاهدته، دخل إلىّ صورة متحررة أكثر من هذين العالمين. إنه عالم فلسفى يسعى إلى تحطيم كل ثابت قد تعلمه الإنسان لكى يعيد بناء فكر جديد مبنى على اساسات حقيقية، ومبنى بطريقة متقنة. إنه عالم لا يسأل "ما الذى تعرفه؟"، انما هو يسأل "كيف تعرف ما تعرفه؟". السؤال الأول هو سؤال العالمين الأولين، المجتمعين الأولين، بينما الأخير هو سؤال يسأله طرف ثالث فى الحوار. انه عالم لا يهتم بالنتيجة التى ستصل لها بقدر اهتمامه بالطريقة التى وصلت بها لهذه النتيجة. يمكنه أن يحترمنى جداً حينما اصل لنتيجة مختلفة عن نتيجته ولكنها مبنية على اساس يثق فيه هو. و لكن عند هذه المرحلة، ضاعت الحقيقة!
ضاعت الحقيقة لأنها لم تعد مطلقة كما اعتدت أن افكر. لم تعد النتيجة لابد أن تكون واحدة، بل أصبحت لابد ألا تصير واحدة. إنها الثقافة العالمية الآن: لتكن حقيقتك لك، ولتكن حقيقتى لى، فأنا لست اذكى منك وأنت لست اذكى منى. وقد انبهرت جداً بهذا المنطق الجميل، ولم اكن اعرف فى ذلك الوقت أننى متجه بسرعة تجاه "ما بعد الحداثة". اعتقد أن تأثير هذا المجتمع الثالث ظهر بشكل بسيط فى كتاباتى، وكان من الصعب ملاحظته على من لا يعرف التقسيمات الفكرية الزمنية. لكن هذا التشكك كان فى ازدياد مستمر، فيوم بعد يوم ينهار اساس، وينهار ثابت، وتتوالى الصدامات مع ثلاثة عوالم، ثلاثة مجتمعات، ثلاثة تيارات، كلها فى صدام مع الآخر. خلف كل مجتمع منهم تقف نظرية، وكنت احتاج أولاً أن افحص هذه النظرية، التى بها يبنى كل مجتمع كيانه الفكرى. هذه النظرية توضح اولويات كل مجتمع وطريقة دفاعه عنها.
المجتمع الشرقى يحيط به ثقافة عربية يضعها فى اولوياته، يفكر بها وينشغل بها كثيراً، فجعلت منه "عربياً" لا غبار عليه. لكن هذا التعريب أفسد الفِهم المسيحى للنص والحياة. والمجتمع الإنجيلى الغربى تأثر بصدامات عنيفة مع الحداثة وما بعد الحداثة فجعلت منه مجتمع اصولى. لكن هذه الأصولية اندفعت من الدفاع عن الأصول إلى الدفاع عن الخارجيات. أما المجتمع الفلسفى ففى محاولته لفِهمه وفِهم ذاته وطبيعته اصبح مجتمعاً حراً فكرياً. هذه الحرية الفكرية أدت إلى تفوق قيم التسامح والتآخى على قيمة الحقيقة، فأرجعتنا إلى المفهوم السنكريتى للدين عند اليونانيين والرومانيين Syncretism.
هكذا كان علىّ أن ادرس كل ما يقدمه لى كل مجتمع من هؤلاء؛ إلى أن ضاع كل شىء، وتهت بين كل شىء، وعشت متشككاً فى كل شىء. تاه الرجاء الذى كنت ابحث عنه.

التشكك الأخير

لا اعتقد الآن أن الله كان يقف متفرجاً، ولا اظن أنه كان بعيداً عن كل ما يحدث. اؤمن واثق الآن أن الله يحب كل انسان بشكل خاص جداً، وأن كل إنسان غالٍ جداً على قلب الله. لذا اعتقد الآن أن الله كان يراقب، ويعمل، ويوظف كل شىء لأجل النتيجة النهائية التى ستؤول إليها هذه الرحلة. واعتقد أن الله كان هو السبب، أو المُسبب، لوصولى إلى تشككى الأخير. ففى عام 2010 كتبت مقال بعنوان "انجيل الخلاص"، وشرحت فيه أننى توصلت إلى طريقة ستحسم لى كل شىء مع صراعى بين هذه المجتمعات الثلاث. هذه الطريقة هى اختزالى البحث الفكرى فى قضيتين:
• القضية الأولى هى: هل الله حقاً موجود؟ هل يمكننى أن اصل بطريقة علمية صحيحة وصائبة، بطريقة تحليلية دقيقة، إلى أن الله موجود؟ هل استطيع أن اتأكد أن الله موجود بناء على بحثى الشخصى لا بناء على بحث آخرين؟
• القضية الثانية هى: هل قام يسوع من الموت فعلاً؟ هل استطيع أن ابحث كل شىء وادرس كل شىء متعلق بهذه القضية، بنفسى دون الاعتماد على آخرين، واصل إلى أن المسيح قد قام من الموت؟ هل لدىّ أدلة تقودنى إلى الاعتراف بقيامة المسيح دون أن اكون مؤمناً؟
لقد رأيت أن هاتين القضيتين فيهما المفتاح الذى استطيع بعده أن اتعامل مع كل المشكلات الفكرية المتعلقة بالنظام العقائدى الذى ندعوه اليوم "المسيحية".
كانت هذه المرحلة هى التشكك الأخير. على مدار السنوات التى مارست فيها النقد النصى تأكدت أننى استطيع ان اثق أن ما بين يدىّ يمثل النص الأصلى للعهد الجديد إلى حد بعيد. لكن التشكك الأخير كان حول ما يحويه هذا النص، و هل يسرد حدثاً حقيقياً يمكننى أن افحصه تاريخياً. ببساطة أقول: تضع المسيحية نفسها بالكامل على كفة الفحص العقلانى. تدعو الجميع إلى فحصها، فى تحدٍ واضح لمخاطر عديدة. ليس من ديانة أخرى إلا وتدعى أن مؤسسها زاره ملاك فى السر أو ظهر له الله فى السر واعطاه رسالته فى السر و طلب منه ان ينشرها فى السر. فقط المسيحية هى التى تقول لى "تقدم وافحصنى ان شئت".
فى هذا الاطار قدمت لى المسيحية نفسها:"وفي السنة الخامسة عشر من سلطنة طيباريوس قيصر اذ كان بيلاطس البنطي واليا على اليهودية وهيرودس رئيس ربع على الجليل وفيلبس اخوه رئيس ربع على ايطورية وكورة تراخونيتس وليسانيوس رئيس ربع على الابلية في ايام رئيس الكهنة حنان وقيافا" (لو 3 : 1 – 2). ان هذا تحدى كبير يفهمه جيداً الناقد الأدبى. فى هذا السياق التاريخى البحت قدمت المسيحية قائلةً "كانت كلمة الله.....". يقدم الله لى الدليل، وبه يدعونى للايمان. لا اقول أن كل شىء فى المسيحية يمكن اثباته أو حتى تحريه بالمناهج العقلية المجردة. إنما أدعى ببساطة أن هناك اساس تاريخى يجعلنى أصدق كل ما لا يمكننى فحصه تاريخياً. لو كان المسيح قد قام من الموت، فهذا يعنى أنه ليس بكاذب حينما إدعى إلوهيته، ولا حين إدعى انه الطريق الوحيد للآب. هذه تصريحات لا استطيع اثباتها، أو حتى "استلامها" بالعقل المجرد. هى تصريحات اقبلها بالايمان. لكن هذا الايمان اقوم بتأسيسه على الدليل التاريخى لقيامة يسوع من الموت.
لقد لخصت سابقاً أننى اقبل وجود الله لأسباب منطقية. لقد صاغ الفين بلانتينجا، جى. بى. مورلاند، وليام ل. كريج وغيرهم من الفلاسفة المسيحيين جدليات رائعة فى هذا الاطار. عرضتها على اقسى انواع النقد الإلحادى. لم آخذ دليلاً دون فحصه. ليس لدىّ مشكلة مع التطور؛ فهو لا يهدد مفهومى لنشأة الحياة. ليس لدىّ مشكلة مع "الأرض القديمة" Old Earth. تعلمت فى هذا الدراسة بالذات كيف يجب أن اقوم بتوفيق تفسيرى للنص بناءً على الدليل، أى كان نوعه وأى كان مجاله، وليس العكس. ما نفعله فى اغلب الأحوال هو أننا نرفض الدليل، أو جزء منه، لكى يستمر ما نتخيل أنه ما يقوله النص، بينما نحن لا ندرك أن هذا فقط تفسيرنا للنص.
فحصت كل ما يتعلق بقيامة الرب يسوع من الموت. لا يوجد نظرية أو تفسير آخر افضل من القيامة. لا استطيع أن افهم كيف يموت انسان لمجرد وهم. أو كما قال ن. ت. رايت، لم تكن المسيحية لتبدأ لو لم يقم يسوع. انه يتسائل بذلك ما الذى جعل المسيحية مسيحية حقاً إلا قيامة يسوع من الموت؟

بين كبرياء وانكسار: الاعتراف

مرت شهور تفصل بين توصلى إلى هذه القرارات و بين سجودى ليسوع. لم يكن من السهل ابداً أن اسجد لله. فى الحقيقة، تعتبر المسيحية الكبرياء هو اشر شر فى الانسان. أو كما قال سى. اس. لويس، هو الشر الذى منه يخرج كل شر. ليس القتل ولا السرقة ولا الجنس ولا الجشع هم اعظم الخطايا. حقيقةً، نحن نرتكب كل يوم اعظم خطية فى حق الله حينما نغذى كبريائنا. وقد كنت اغذى كبريائى لسنين. ولا اقول أننى تخلصت من هذه الخطية الآن أبداً، فمازالت اصارع معها فى مجالات عديدة فى حياتى. لكننى اقصد أن الله تعامل مع كبريائى العلمى. كبريائى هذا منعنى من السجود لله لسنوات. كنت اتخيل نفسى المتحكم فى كل شىء. اراد الله أن يعلمنى أنه هو الله ولست انا.
ابتعدت لشهور عن الدراسات العلمية لكى افكر. ها قد توصلت إلى نتائج بحثى الذى استمر لسبع سنوات. كيف سأتصرف الآن؟ و فى هذه الشهور بدأت الاحظ أننى لا اريد أن اكون مؤمناً بعكس ما النتائج التى توصلت لها. كنت اخاف من شىء. كنت اخاف أن يقيدنى يسوع. كنت اخشى أن يمنعنى عن الذهاب إلى البار. كنت اخشى أن يطلب منى قطع علاقاتى. لا اريد ان اصبح راهباً أو قديساً، بل اريد أن استمتع بحياتى كل يوم. نهاراً ادرس تاريخ نص العهد الجديد وليلاً اسهر لأشرب لذة الحياة.
صُدِمت فى نفسى فى ذلك الوقت. لم اكن اتخيل نفسى بهذه البشاعة. لأول مرة كنت اقف والقى بنظرة إلى الخلف لأرى إلى اين ذهبت بى حياتى. وادركت فى ذلك الوقت أن ما كان يمنعنى حقاً عن السجود امام يسوع هو خطيتى، وليس تشككى. كان تشككى هذا، كما اتخيل، مجرد غلاف يحوى بداخله تمرد طبيعتى الفاسدة على الإله. فهمت فى ذلك الوقت لماذا هناك ملحدين كثيرين. كنت دائماً اسأل: ان كان الله موجود حقاً، فلماذا هناك ملحدين؟ (هناك كتاب للاهوتى الإنجيلى ر. س. سبرول بهذا العنوان!) فهمت كيف أن هناك عوامل أخرى تقف إلى جانب الدليل تقود إلى الإجابة. لكننى كنت امام خيار لابد من اتخاذ قرار فيه. لا يمكن أن يبقى الحال كما هو عليه. لقد مررت بأوقات صعبة فى هذه المرحلة وحدى. احببت أن اكون بعيداً عن كل ما يختص بحياتى. لا اعرف احد يمكنه أن يساعدنى. ابونا؟ القس؟ الراعى؟ الخادم؟ اراد الله ان آتى إليه دون وسيط.كان واضحاً معى بما يكفى لأن افهمه واسمعه.
اعترفت. انكسر كبريائى امام الله. أخيراً قابلت يسوع القائم من الموت. يسوع الذى كنت ادرسه كبيانات ومعلومات فى اطنان من الكتب الضخمة...قابلته الآن!
لم افهم فى ذلك الوقت أن هذه الحادثة كانت لتغير شكل حياتى تماماً فيما بعد. و فعلاً قد حدث. لقد تغير كل شىء بعد أن دخل يسوع إلى حياتى. واريد هنا أن اشرح للعاقل معنى ما اقصده بذلك. ان يسوع المسيح كائن حى الآن. بعدما مات على الصليب، وقام من الموت، لم يعد إلى أى موت آخر. و كان بموته وقيامته محققاً الصرخة اليهودية التى تتوق إلى تحقيق عالم العدل والإنصاف والمحبة. فبعدما فسد العالم ودخل إليه الشر، انتظر الشعب اليهودى تحقيق وعد الآب بمجىء مخلص يُرجِع هذا العالم إلى ما كان عليه من قِيم صالحة وحياة هادئة يتمتع الجميع فيها بالعدل والرحمة والسعادة. وكان يسوع هو تحقيق هذا الوعد، كالمسيا الذى ظهر فى هيئة جسد. بموته ماتت البشرية القديمة الفاسدة، وبقيامته وُلِد الجنس البشرى الجديد. هذا الجنس البشرى الجديد ليس فاسداً وثابت فيه قيِم المحبة والفرح والتضحية والبذل والعدل والرحمة. بالايمان يمكن لأى فرد أن يصبح عضواً فى هذا الجنس الجديد ويتخلص من الجنس القديم الفاسد. إنها شركة حقيقية فى جسد المسيح. هذا هو معنى ملكوت الله. ملكوت كلمة عبرية (ملخوت) تعنى مملكة. انها لا تشير إلى السماء بل إلى ملك الله على حياة الانسان. هى ليست مكان يُوجد به الانسان بل هى حالة يعيش بها وفيها الانسان.
يسوع الحى القائم من الموت قادنى إلى معرفته عن قرب وإلى الاشتراك فى الجنس الجديد الذى خلقه هو. تماماً كما يدعو كل يوم كل انسان للاشتراك فى هذا الجنس. وبهذا المفهوم، فإن المسيحية ليست شريعة، ولا مجموعة من الأوامر والنواهى ومن يحقق أكبر عدد من النقاط سيدخل إلى النعيم الأبدى. لهذا فإن القيامة هى اساس المسيحية، لأن المسيح لو لم يقم فلا جنس قديم مات ولا جنس جديد خُلِق ولا ملكوت تحقق ولا كان هناك رجاء لى الآن.
هذه هى المسيحية كما اصبحت افهمها واعرفها. ربما يكون هذا تلخيص شديد لأمور تاريخية وعلمية ولاهوتية وروحية، فأنا لا اريد أن اشرح هذه المجالات هنا، بل اريد أن اشرح كيف غيرتنى هذه الخبرات.

فادى عاطف
24 – 3 - 2012


هناك 3 تعليقات:

  1. آمين أخي الحبيب فادي .
    لا أخفى عليك أن رحلتك هي رحلة كل مفكر في الكنيسة
    من أول بولس مرورا بأغسطينوس وألبيلارد

    وحتى عصرنا هذا .

    الرحلة تبدأ بعجرفة فكرية ، وتنتهي بإعلان حب الرب للجميع

    الرب يباركك

    ابراهيم القبطي

    ردحذف
  2. شكراً ابراهيم لتعليقك المشجع. الله يباركك.

    ردحذف
  3. الكتابة في اللاهوت والدفاعيات لا يجب أن تنفصل عن التقوى المسيحية والصلاة الدائمة لله ليبارك العمل أثناء كتابته وبعد ذلك للحصول على ثمر لملكوت الله. من يكتب في هذه المواضيع وهو منفصل عن الله يدافع عن نفسه وليس عن المسيح. نقطة مهمة جدا يا فادي. ربنا يباركك.

    ++ كيرلس ++

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!