السبت، 13 مارس، 2010

بورج مع الايمان العلمى


القراء الأعزاء،

معنا اليوم واحد من أندر المتخصصين فى مجالهم، جارى بورج. هذا الإسم أنت قرأته من قبل فى "قراءة ثانية للخاتمة و الزانية". بورج هو أستاذ العهد الجديد بكلية ويتون، فى ولاية إلينوى بالولايات المتحدة. ثلاثون عاماً من الدراسة الأكاديمية و النقدية المتخصصة فقط فى إنجيل يوحنا، لذا كان من الطبيعى أن تكون الأسئلة حول إنجيل يوحنا! ترعرع فى لبنان، رغم أنه أمريكى و ليس عربى، و درس الإسلام السياسى فى الجامعة الأمريكية فى بيروت. ثم إنتقل بعد ذلك للدراسة فى كلية الشرق الأدنى اللاهوتية فى بيروت، حيث كانت أول مرة يلتقى بالبحث العلمى لإنجيل يوحنا، على يد العالم القدير كينيث بايلى. ثم عاد إلى وطنه، و حصل على شهادة الماجستير من معهد فولر اللاهوتى (أكبر معهد لاهوتى فى العالم). بعد ذلك، قرر أن يدرس فى برنامج الدكتوراه فى جامعة آبيردين، بالمملكة المتحدة. و هناك درس على يد عالم لم تنجب بريطانيا مثله، و هو هوارد مارشال. موضوع رسالته للدكتوراه قد يريك إلى أى حد وصل تخصصه فى إنجيل يوحنا:"المجتمع الممسوح: الروح القدس فى التقليد اليوحناوى".

البرامج التى يقوم بورج بتدريسها هى: أدب العهد الجديد، يسوع الناصرى، إنجيل يوحنا، نقد العهد الجديد، و رسالة بولس إلى رومية. كتاباته تشتمل على الكثير من الدراسات المتخصصة، و تفسيره لإنجيل يوحنا هو التفسير الوحيد الذى يتمركز حول خلفيات الإنجيل. قد تجد الحوار قصيراً، و لكن هذا رجل لا وقت لديه.

و إليك نص الحوار:

فادى: إنجيل يوحنا فريد جداً عن بقية الأناجيل القانونية. لماذا؟

بورج: إنجيل يوحنا هو دائماً الإنجيل المحبوب للكنيسة. إنه ليس واحداً من الأناجيل الإزائية، التى تتضمن متى، مرقس، و لوقا. إنه منفصل عنهم و مختلف عنهم بوضوح. ففى هذا الإنجيل نرى تغلغل واضح فى حياة يسوع المسيح؛ ففيه رؤى ثاقبة لا يمكن أن نجدها فى أى مكان آخر. و لهذا السبب كان إنجيل يوحنا يتم تمثيله بصورة النسر فى المخطوطات القديمة، لأن النسر يستطيع أن يحلق لإرتفاعات عالية و يعطينا صورة فخمة ليسوع غير متكررة. نحو 92 % من إنجيل يوحنا يتكون من قصص لا نجدها فى الأناجيل الإزائية. قصص مثل معجزة تحويل المياه إلى خمر فى قانا الجليل (الإصحاح الثانى) أو الحديث مع المرأة السامرية عند البئر (الإصحاح الرابع). فى كل حالة، يريد يوحنا أن يكون واضحاً فى أن يسوع المسيح ليس مجرد رسول الله، إنما هو أكثر من ذلك: هو الله نفسه الذى جاء إلى العالم و أتخذ حياة إنسانية كاملة (يو 1 : 1؛ 1 : 14). حينما سأل التلاميذ يسوع فى الإصحاح الرابع عشر حول ما إذا كانوا يستطيعون رؤية الآب، رد يسوع بأنهم قد رأوه، حيث أنهم يرون يسوع!

فادى: من كتب هذا الإنجيل؟

بورج: هناك نظريات متنوعة حول من كتب هذا الإنجيل. مفتاح الحل لهذا السؤال هو تحديد هوية الشخص الذى يُوصف فى قصة الإنجيل بأنه "التلميذ الذى أحبه يسوع". هذا التلميذ يظهر فى الغرفة العليا فى الإصحاح الثالث عشر، بل و حتى شاهد لموت يسوع على الصليب فى الإصحاح التاسع عشر. و الإصحاح الحادى و العشرين يخبرنا أنه كان شهادً لكل شىء تم تسجيله فى الإنجيل، و هذا هو ما يعطى للإنجيل سلطته الفريدة.

فادى: و ما هى نظريات العلماء حول هوية التلميذ المحبوب؟

بورج: تباحث العلماء حول هوية التلميذ المحبوب فى السنوات الأخيرة. البعض تسائل ما إذا كان هو لعازر، الشخص الوحيد الذى قِيل أن يسوع أحبه فى الإصحاح الحادى عشر. و البعض إقترح أنه مجرد تلميذ نموذجى مجازى، و هناك عالم إقترح مؤخراً أنه كان توما، التلميذ الذى شك فى قيامته من الموت ثم قابل يسوع لاحقاً شخصياً فى الإصحاح العشرين. أما التفسير التقليدى كان هو أن هذا التلميذ هو يوحنا بن زبدى، واحد من التلاميذ الإثنى عشر. و هذا الرأى ليس بعيد المنال. فليس فقط أنه يتمتع بالدعم المتماسك من قِبل الكنيسة الأولى، و لكن حتى داخلياً نجد أن يوحنا هو شخص ملائم لكتابة الإنجيل أيضاً. فالمؤلف يعرف الثقافة اليهودية بشكل وثيق، و عاش فى الدائرة الداخلية بين تابعى يسوع، و كان رفيقاً قريباً من بطرس. هذه الخواص مجتمعة تجعل من شخصية يوحنا كمؤلف الإنجيل ملائمة تماماً. و لكن يجب أن تتذكر أن كل من الأناجيل لم يحمل إسم مؤلفه فى البداية. هذه وثائق قديمة، و ليست وثائق معاصرة. و يكفينا أن نعرف بأن الإنجيل قد جاء من الدائرة الشخصية جداً المحيطة بيسوع و تابعيه.

فادى: كيف إكتسب هذا الإنجيل وضعه القانونى فى العهد الجديد؟

بورج: لأن الإنجيل تمتع بدعم الكنيسة الأولى التى توصلت إلى أنه جاء من الرسل، فإن إنجيل يوحنا تم وضعه فى أقدم قوائم كتب العهد الجديد السلطوية. بالإضافة إلى ذلك، إنجيل يوحنا كان يكون مرافقاً دائماً لرسالة يوحنا الأولى. و فى النقاشات القديمة مع الهراطقة الغنوسيين الذين أرادوا تحدى التعليم المسيحى، فإن هذه الرسالة بوضعها بجانب إنجيل يوحنا، كونوا دفاعاً هاماً عن الايمان المسيحى. و قبل ذلك، أصبح الإنجيل أداة لا غنى عنها لشرح العقيدة الصحيحة بين اليونانيين و الرومانيين الذين كانوا يميلون نحو الغنوسية.

فادى: هل كُتِب هذا الإنجيل ليدون تاريخ أم لاهوت أم الإثنين معاً؟

بورج: لقد كُتِب كل إنجيل ليسجل كلاً من "ماذا حدث" و "لماذا حدث الحدث". و هذا الأخير يمكن أن نسميه اللاهوت. إذن ففى حالة إنجيل يوحنا، نحن نعرف من نهاية الإصحاح العشرين أن يوحنا كتب هذا الإنجيل حتى أن الرجال و النساء يمكن أن يؤمنوا. هذا هو قصد يوحنا. لم يكن يوحنا يريد أن يسجل الأحداث التى تمت فى حياة يسوع فقط لأجل التسجيل التاريخى. بل إنه يكتب هذه الأحداث حتى يأتى البشر للايمان.

فادى: و ما هو المجتمع اليوحناوى؟

بورج: بعض العلماء يحبون أن يفكروا فى أن الأناجيل موجودة كما هى لأنهم قد كُتِبوا بواسطة و لأجل جماعات معينة من المسيحيين الأوائل. و هذا حقيقى لأى عمل أدبى جاء من أى جيل. لو أن أى شخص قرأ أعمالنا الأدبية اليوم، فهل يمكنه أن يصل إلى أشياء مهمة حول كيف نحن نعيش و بماذا نعتقد؟ أعتقد نعم. نفس الأمر حقيقى بالنسبة للأناجيل. نحن نستطيع تكوين تاريخ "مجتمع المسيحيين" الذين إعتزوا بهذا الإنجيل أو الذين كانوا الجماعة الأصلية التى إستمعت ليوحنا. كمثال، من الممكن أن تكون هذه الجماعة قد تعرضت لإضطهاد، خاصةً على يد الثقافة اليهودية الغالبة حولهم. هكذا فى الإصحاح التاسع من الإنجيل، نجد أن الرجل الذى شفاه يسوع قد تم طرده من مجمعه لأنه يتبع المسيح. لا يمكننا أن نكون متأكدين من هذه الأفكار - و بعض العلماء بكل أمانة قد جمحوا فى تكهناتهم - و لكننا يجب أن نفترض بأن أى مقطوعة أدبية سوف تكشف عن أتباعها الأصليين.

فادى: ما رأيك فى عمل بارت ايرمان فيما يختص بلاهوت المسيح؟

بورج: بارت ايرمان عالم ليبرالى جداً فى العهد الجديد، الذى كان ذات مرة يحضر الكليات الإنجيلية، ثم رفض بعد ذلك تعاليمهم، و اليوم يكتب ضد الإنجيليين بعدوانية. لذلك فأنا دائماً غير مستعد لأن أنظر له بجدية حينما يحاول أن يحلل تاريخ الكنيسة الأولى. فى هذه الحالة، ايرمان يحاول أن يجادل بأن إلوهية يسوع هى إختراع من يوحنا التى تم التصديق عليها متأخراً فى الكنيسة الأولى. لكن هذا كله مجرد تكهن بأكمله، و الكثير من علماء العهد الجديد يصرون أن على ايرمان مجاوبة نقاده. هؤلاء النقاد يقولون: أنظر! العهد الجديد به إدعاءات ضخمة حول إلوهية يسوع قبل أن يُكتب إنجيل يوحنا. بولس بالتأكيد أقدم من يوحنا، و هو الامر الذى يعنى أن بولس كتب قبل يوحنا، و لكن حتى فى كتابات بولس، لدينا مثل هذه التأكيدات على لاهوت يسوع.

فادى: كيف يجب أن ننظر إلى لاهوت يوحنا العميق؟

بورج: أولاً، أنه أمر حيوى أن نفهم ما الذى يقوله يوحنا و ما الذى لا يقوله حول يسوع و الله. يوحنا يعتقد أنه هناك إله واحد فقط. و بكونه يهودى مستقيم، فإن يوحنا لن يقوم أبداً بالتخلى عن التوحيد اليهودى. لكنه يريد أيضاً أن يقول بأن هناك شىء ما مختلف يحدث الآن هنا فى المسيح. المسيح ليس مجرد إنسان، بل أكثر من ذلك، أكثر حتى من مجرد مثال. دعنى أعطيك مثال مجازى سيوضح هذا الأمر للقراء. كما يعتقد المسلمين بأن القرآن أزلى عند الله و فى القرن السابع الميلادى أصبح كتاباً مكتوباً يمكننا أن نستخدمه و ندرسه، كذلك فإن المسيحية تعتقد بأن يسوع أزلى مع الله و قبل ألفى عام أصبح إنساناً. هذا التجسد لا يعنى تخلى يسوع عن الإعتقاد فى وحدانية الله، و لكنه يؤكد على أن الله كان حاضراً فى المسيح بطريقة لا مثيل لها. لذا ففى ايماننا نحن المسيحيين، من الخطأ أن نعتقد بأن الله كان فى المسيح كما يكون فى أى منا. لا. الله كان فى المسيح بطريقة أخرى و غير مماثلة.

فادى: أخيراً، د. بورج، كيف تأثر ايمانك الشخصى فى يسوع بكل هذه السنين من البحث العلمى النقدى؟

بورج: لقد قضيت نحو ثلاثين عاماً من العمل على الأناجيل، و بالتحديد على إنجيل يوحنا. و كلما عرفت هذا الإنجيل عن قرب، كلما أصبحت واثقاً من أن هذا الكتاب يعطينا صورة صلبة و يُعتمد عليها ليسوع التاريخ. و لكن أيضاً على نحو شخصى، هذا الإنجيل كان مصدراً عميقاً لتشجيعى و ايمانى. لدينا هنا يسوع يتكلم عما يعنى به ايمانى. لدينا هنا يسوع مستعد أن يتداخل مع الثقافة حتى حينما يكون هذا صعباً. و هنا فقط أستطيع أن أكتسب رؤية عميقة على شخصية الله الكاملة نفسه. أنظر بنفسك، المسيح لم يأتى للعالم ليغير عقل الله على الصليب، بل المسيح جاء للعالم ليظهر عقل الله. هذا هام جداً. فأنا أرى عقل الله فى يسوع، و هذه عطية لا تقدر بثمن لا يمكن أن يقدمها لى أى دين آخر!

فادى: شكراً د. بورج لوقتك الثمين الذى أهديته لنا.

بورج: الرب يبارككم.

هناك 3 تعليقات:

  1. شكراً يا فادى حوار رائع
    هل من الممكن أن تسأله ما رأيه فى العزى (باراكليتوس) هل هىتشير لشخص ام لروح الله القدوس؟
    إذا سمح وقته أو وقتك
    شكراً عموماً على المجهود الرائع حوار رائع

    ردحذف
  2. انت بتعرف منين الناس دى يا فادى ؟ و بتوصلهم ازاى ؟؟ ممكن أنا كمان أسألهم بنفسى ؟

    ردحذف
  3. للأسف لا يوجد فرصة لتوجيه اسئلة لهذا العالم، و هذا يتضح من قِصر الحوار، فلا وقت لديه. لكن ما هو توقعك حول إجابته؟ بالتأكيد المعزى هو الروح القدس. التخلف العقلى الموجود فى عقول "حبايبنا" ليس له وجود فى هذا المستوى الجاد من الدراسة، فهذا بحث علمى و ليس بحث هزلى!

    غير معرف، أعرفهم عن طريق علاقات متشعبة بدأت بعلاقات شخصية مع بعض العلماء الأصدقاء، الذين فتحوا لنا هذا الباب لخدمة المجتمع العربى.

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!