الخميس، 25 مارس، 2010

هل تحرف العهد الجديد؟


لا أعرف متى سأتوقف عن الكتابة فى هذا الموضوع، لكنه الموضوع الممل "تحريف الكتاب المقدس" بإستخدام مخطوطات العهد الجديد. أنا أكتب هذا الموضوع و أنا أعرف أن الكثيرين الذين يتهمون الكتاب المقدس بالتحريف يقرأونه. لكننى أريد أن أكتب للمسيحى كيف أتعامل أنا شخصياً مع شخص يأتى إلى يقول لى أن العهد الجديد محرف و الدليل على ذلك من كتاباتك أنت نفسك حينما تقول عن هذا النص غير أصيل و هذا النص يجب تصحيحه و ما إلى ذلك. أنا لا أتعامل مع الأمور بسطحية، و لا أنطلق نهائياً من نقطة ايمانية. نحن أمامنا إعتراض يقول أن العهد الجديد تم تحريفه. أنا أفهم أن معنى التحريف هو شىء من إثنين: إما أن يضيع النص تماماً ولا نجد له أثر على الإطلاق و يحل محله نص آخر نسميه العهد الجديد، أو أن يضيع محتوى العهد الجديد الفكرى تماماً و يحل محله محتوى جديد نسميه محتوى العهد الجديد الأصلى.

لفظ "تحريف" مصدره الفعل "حرف" بدون التشديد. و هذا الفعل يعنى كل ما مال عن وجهه الأصلى. حينما نقول هذا شاب "منحرف" فنحن نقول أنه تغير عن طبيعته الأصلية. و حينما نقول هذه سيارة "إنحرفت" عن الطريق فنحن نقول أنها مالت عن إتجاهها الأصلى. فهذا الفعل يعنى الميل عن الأصل بشكل عام.

كيف نطبق هذا المفهوم على الكتب؟ بدايةً، لا يوجد كتاب فى التاريخ لا يوجد فى مخطوطاته أخطاء، أى لا يوجد كتاب فى التاريخ تمت كتابته بخط اليد و كل نسخه متطابقة بنسبة مئة فى المئة. هل هذا يعنى أن كل الكتب تم تحريفها؟ بالتأكيد، بل نحن نسمى ما نعتقد أنه ليس صحيحاً بأنه خطأ. لكننا لكى نقول على كتاب ما أنه قد تحرف، فإننا نقول بأنه تغير عن وجهه الأصلى. هذا يعنى أن كل ما يمثل هذا الكتاب أصبح متغيراً عن الأصل. لو أننى لدىّ نسخة من كتاب و غيّرت فيها كما يحلو لى، فمازال هناك نسخ أخرى صحيحة تحتوى على الشكل الصحيح للنص. فلو أننا لدينا فى مخطوطة معينة قراءة نعتقد أنها خاطئة، لكننا نجد قراءة نعتقد أنها صحيحة فى مخطوطات أخرى، إذن شكل النص الصحيح لم يضيع. الكتاب يكون تحرف فقط إذا إختفى الشكل الأصلى للكتاب من الوجود و حل محله شكل آخر للكتاب جديد يختلف عن الشكل الأصلى للكتاب. هذا المفهوم ينطبق على أى كتاب و أنا لا أتحدث هنا عن الكتاب المقدس على نحو خاص.

الناحية الأخرى و هى تغيير المحتوى، و هذه التى أعتقد أنها الأكثر أهمية. لو أننا لدينا كتاب يوجد به رسالة معينة، هدف معين، نتيجة معينة يريد هذا الكتاب أن يوصلها للقارىء، و تم تغيير هذا المحتوى و نتائجه، بحيث لا يكون هناك أى أثر لمحتوى النص الأصلى فى الوجود، و حل محتوى جديد بدلاً منه، فهنا يكون الكتاب تحرف. فلو أننا لدينا كتاب يتكلم عن شخصية تاريخية بأوصاف معينة، و لنقل أوصاف سيئة، و النتيجة التى يريد هذا الكتاب أن يوصلها هى أن هذه الشخصية شخصية سيئة، و فى مرحلة ما إختفى كل أثر لهذا المحتوى الأصلى، و حل محله أوصاف جميلة رائعة تعطى القارىء إنطباع بأن هذه الشخصية كانت أفضل بنى البشر، فهذا الكتاب قد تحرف، أى مال عن وجهه الأصلى، و عن شكله الأصلى، و عن مفهومه الأصلى.

بإختصار، تحريف كتاب ما، أى كتاب، يكون بأن يزول شكله الأصلى تماماً، ثم يحل محله شكل جديد مختلف تماماً عن الشكل الأصلى.

لكن المفهوم الشعبى للتحريف الذى يتناقله العامة هو: وجود إختلاف فى شكل النص بين نسخة و أخرى. الشخص العامى البسيط الذى لم يعتد على التفكير فى الأمور لديه عذره فى هذا التعريف السخيف. لكن ما عذر الدارس؟ وجود إختلاف فى شكل النص بين نسخة و أخرى هو أمر طبيعى جداً. أى كتاب مكتوب بخط اليد و يوجد له أكثر من نسخة واحدة سيكون به إختلافات بين شكل النص فى نسخة و شكله فى نسخة أخرى. طبيعى جداً أن تجد أخطاء فى عملية النسخ. كل من يشكك فى هذه الحقيقة عليه أن يقوم بنسخ أى كتاب و يرى بنفسه الأخطاء التى سيرتكبها. هذا ليس تحريف. و أنا أشجع كل من يعتقد أنه تحريف أن يبين لى منطقياً كيف يعتقد أن إختلاف شكل النص بين نسخة و أخرى يُسمى تحريف.

مفهوم شعبى آخر و لكن خاص بالعهد الجديد يقول أن وجود أشكال مختلفة للنص سببها وجود دافع لاهوتى عند الناسخ يعنى أن النص قد تحرف. هذا غير صحيح لأننا لا نجد عقيدة لاهوتية تقف أو تسقط بناء على نص معين له أشكال مختلفة فى النسخ. لقد قلت سابقاً أن تحريف المحتوى يكون بإختفاء كل أثر لكل ما يمثل محتوى النص الأصلى و حلول محتوى جديد مختلف تماماً. لكن هذا غير موجود فى العهد الجديد. لكن هذا المفهوم الشعبى يوضح الغرض الحقيقى من إتهام العهد الجديد بالتحريف، و هو إختلاف العقيدة. أن يكون الكتاب المقدس محرف فهذا مجرد وسيلة و ليس غاية فى حد ذاته. هو وسيلة لبيان أن العقائد الموجودة فى العهد الجديد لم تكن هى العقائد الموجودة فى شكل النص الأصلى للعهد الجديد.

هنا أنا لا اتكلم على العهد الجديد بحد ذاته، ولا اتكلم عن نظرية وحى معينة، ولا أنطلق أبداً من ايمانى أن العهد الجديد هو كلمة الله. بل أنا أشجع الجميع دائماً أن يعاملوا العهد الجديد معاملة طبيعية جداً كأنه كتاب بشرى مثل أى كتاب آخر. هكذا سنستطيع أن نفحص البرهان دون أى تحيز و دون أى تأثير لأى ايمان. لكن ماذا يفعل الذى يبنى كل عقيدته على وحى كتابه، أى على شىء غير قابل للفحص بالعقل؟ لا يقدر أعمى أن يقود أعمى، بل يسقط الإثنان فى حفرة.

هل ضاع الشكل الأصلى للعهد الجديد؟ لا. هل حل محله شكله آخر جديد؟ لا. هل ضاع المحتوى الأصلى للعهد الجديد؟ لا. هل حل محله محتوى آخر جديد؟ لا. إذن، هل تحرف العهد الجديد؟ هل مال العهد الجديد عن وجهه الأصلى؟ هل انحرف عن مساره الأول؟ هل تغير على نحو مختلف آخر؟ إجابتى لكل هذه الأسئلة هى لا. ليست إجابة ناتجة عن ايمان، بل ناتجة عن دراسة و تعب و إجتهاد لسنين لتاريخ نص العهد الجديد.

هل هناك من يستطيع أن ينقد هذا الإحتجاج منطقياً دون أى تأثير لدوافع ايمانية؟

هناك تعليقان (2):

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!