الجمعة، 19 مارس، 2010

الايمان بين السماء و الارض


الايمان بين السماء و الارض
فادى اليكساندر


يندهش الكثيرون حينما يعرفون أن التحديات التى تواجهنى فى المسيحية تتعلق كلها بموضوعات ايمانية، و ليست موضوعات عقيدية أو تاريخية. لا أجد فى التاريخ ما يزعزع ايمانى، ولا أجد فى العقيدة ما يؤثر فيه سلباً. ما يتحدانى بالفعل هو ايمانى، أى أمور غير خاضعة للفحص العقلى. و هى أمور غير خاضعة للفحص العقلى لأنها لا تُكتسب عن طريق فرعى إكتساب المعرفة الشرعيين: الإدراك الحسى و التجربة. هذه الأمور لا تُسمى معرفة فى الفلسفة، بل تُسمى "ميتافيزيقا"، أى ما بعد الطبيعة. البحث فى هذه الأمور مرهق جداً، بعكس ما يتخيله الغالبية. من السهل جداً أن اقرأ كتاب تاريخى ولا يوجد مصطلح فيه يقف أمامى، و لكنه تحدى حقيقى بكل ما تعنيه الكلمة أن اقرأ كتاب روحى أو ايمانى. لن يرى الإنسان الله فى التاريخ، و لن يراه فى مخطوطات، و لن يراه فى نص، بل سيراه فى الروح. العقل قادر على تدمير الروح و قتلها تماماً. و ما أعنيه بالروح هو العلاقة الحية و الدائمة بين الإنسان و الله. أو كما وضعها كانط: بين المتناهى و اللامتناهى. تقوم المسيحية على فرضية تقول بأن الإنسان غير قادر على الوصول إلى الله (أتمنى من القراء أن يكونوا قد إعتادوا على اللغة الفلسفية فلا تزعجهم كلمة "فرضية"!). تشوه الإنسان وصل إلى حد أن مفهوم التواصل مع الله نفسه أصبح بلا معنى. و أنا سأتكلم فى هذه المقالة عن خبرتى الشخصية جداً لسنوات من البحث عن الله. فى أحد الفترات كانت هناك عبارة متكررة على لسانى دائماً: الله فوق...و أنا تحت. الله فوق فى سماه، و أنا تحت على الأرض، و كلانا يسير فى خطين متوازيين لا يوجد بينها تقاطع. لا يوجد بينى و بين الله نقطة تقاطع نلتقى فيها. المشكلة هى حينما لا يدرك الإنسان أنه قد يكون وقع فريسة لموروثات غير حقيقية. هو يعرف أن ما قِيل له "حقيقى"، فإذا تبين له أنه غير حقيقى، أصبح ما إدعاه الموروث خاطىء. و فى أرض لا يوجد أخصب منها لنمو طريقة التفكير هذه، يصبح من السهل جداً على الإنسان أن يفقد المعنى الحقيقى لماهية الله و كيفية التواصل معه.

الفرضية الأولى هى أن الله موجود.
الفرضية الثانية هى أن الله يمكن التواصل معه.
الفرضية الثالثة هى أن كل إنسان يمكنه التواصل مع الله.

المسيحية لا تقول أن الإنسان يستطيع أن يصل إلى الله. و نحن كثيراً جداً نفقد معانى هذه العبارة، رغم أننا ندعى أننا نفهمها جيداً. هذه العبارة تعنى أن الله لا يحتاجنى أو يحتاجك. حينما يتبنى بولس قاعدة ذهبية فحواها: الناموس لن يبرر الإنسان أمام الله، فهو يشرح لنا بكل تدقيق ماهية الرسالة المسيحية. الطريق الوحيد للتواصل مع الله هو الكمال. و معنى الكمال هو أن تكون كالله تماماً. الكمال هو جوهر الإلوهية نفسه، و هو محيط الواقع الإلهى نفسه. هنا تكون المشكلة حينما لا يدرك حتى من الفلاسفة المسحيين أن الكمال هو المُطلق. الآن يتضح للإنسان أن كل ما يبتغيه هو مجرد صور و أشكال لجوهر واحد: اللامتناهى. العبور من الواقع الإنسانى إلى الواقع الإلهى يحتاج أن يكون الإنسان مُطلق!

حسناً، هذه الفرضية يلزم إختبارها قبل أن نؤكد أنها حقيقة. لماذا يجب على الإنسان أن يكون مُطلق أو كامل حتى يدرك الله؟ أندهش جداً حينما أرى علامات تحسر على البعض الذى يتخيل أن هذه عقبة فى الرحلة. إن ما يستطيع الإنسان أن يدركه سيكون هو حجمه تماماً. أنا لا أستطيع أن أزعم قدرة عقلى على إستيعاب و إلمام المُطلق إذا كنت لا أستطيع أن أستوعب ما هو غير مُطلق. المُطلق هو الذى لا خلاف فيه. هو الأمر الذى سننظر إليه أنا و أنت و لن نختلف فى تفسيره. حينما تجد دانيال والاس و بارت ايرمان و قد جهزا العدة للمعركة، يجب أن تسأل نفسك: أين هو الخلاف؟ ليس فى البيانات ولا فى المعلومات، المشكلة هى فى تفسير المعلومات. واحد يقول هناك أمل و آخر يقول لا أمل. هذه مشكلة كبيرة جداً، فالواقع النسبى شوه المفاهيم النقية. هذا الواقع هو الفاصل و الحاجز بين الإنسان و الله. لا تستطيع أن تكون كاملاً فى فكرك و قلبك و روحك. حينما جاء أحدهم إلى يسوع يسأله:"يَا مُعَلِّمُ مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟" (لو 10 : 25)، لم يكن رد يسوع عبارة عن مجموعة من العقائد و الأعمال الفرضية التى يجب على هذا الناموسى أن ينفذها و يقوم بها. كان رد يسوع فى بساطة:"تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ" (ع 27). لا ندرك حينما نقرأ إجابة يسوع أنه يطلب من هذا الرجل أن يصل للكمال، لأننا لا نلتفت إلى كلمة "كل" المتكررة فى إجابات الرب. نتخيل أن يسوع يطلب من الرجل أن يحب الرب إلهه من قلبه، بينما يسوع يطلب منه محبة من "كل" قلبه، و من "كل" نفسه، و من "كل" قدرته، و من "كل" فكره. الشىء الوحيد الأساسى فى حياة الإنسان هو نفسه، فلا يستطيع أن يشك أحدهم أنه موجود. ديكارت كان يعى هذه الحقيقة، و بدأ من الشك حتى وصل إلى يقين حول وجوده. لكننا لا ندرك أن يسوع حينما يطلب من الإنسان محبة أخيه مثل نفسه، أنه يطلب منه أن يصل للكمال أيضاً مع الإنسان و ليس مع الله فقط.

كيف يمكن لإنسان أن يصل لكمال مع أخيه؟ لقد كان الرب واضحاً، فوضع أولاً علاقة الإنسان بالله قبل كل شىء، و أكد على كل تفاصيلها، ثم بعد ذلك وضع علاقة الإنسان بالإنسان. هذه نقطة أخرى فى الأساسات: هل يستطيع الإنسان أن يصل للكمال مع أخيه الإنسان أيضاً؟ فى أزمنة كثيرة تخيل الكثيرون أن يسوع لم يكن شخص تاريخى حقيقى، و إنما شخصية يسوع كما تظهر فى الأناجيل الأربعة عبارة عن نموذج مثالى للهدف الغائى الذى يسعى إليه الإنسان. الهدف الغائى هو الهدف الذى يبتغيه الإنسان. فكان المسيحيون الأوائل، من ضمن جماعات و رؤى كونية أخرى، يبتغون الوصول للمثالية، فإخترعوا شخصية يسوع ليضعوا فيه أفكارهم حول كيفية الوصول إلى الكمال، أو المثالية. لكن هل ما يدعيه يسوع حقيقى بالفعل أم مجرد أسطورة؟ ليست المسيحية دين يتطلب من الإنسان إلغاء عقله. لو أننا أستطعنا التأكد بشكل معقول بأن يسوع شخصية حقيقية، و قد إدعى مثل هذه الإدعاءات، يمكننا أن نفحص إدعاءاته بشىء ما من الجدية إذن. يمكننا أن نصل من خلال دائرة الفحص العقلى، أى ما يقع تحت سلطة الإنسان، إلى كمال إلهى سينعكس على علاقة الإنسان بأخيه فيرفعها لسمو أكبر هى الأخرى.

لا يستطيع الإنسان أن يكون كاملاً فى نظر الله. ليس بسجود و ركوع، و ليس بصلاوات، و ليس بصيامات، و ليس بأفضل الأعمال خيراً. قال أحدهم ذات مرة:"اَللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ وَلاَ مِثْلَ هَذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ" (لو 18 : 11)، و قال آخر:"اللهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئَ" (ع 13). فمن هو الذى تبرر؟ إبحث عن إجابة يسوع! بكلمات أخرى، لا يستطيع الإنسان أن يكون كاملاً بما ينبع من ذاته هو. لقد تشوه الإنسان؛ تشوه بالخطية. ليست الخطية هى مجرد السلوك الأخلاقى المنحرف. لقد كانت مشكلتى الأولى و الأخيرة التى تقف بينى و بينه هو غرورى بعلمى عليه هو نفسه. كنت أتخيل أننى أستطيع بعلمى الوصول إليه، و شجعته قائلاً أنك تستطيع أن تبحث عن شخص آخر ليس لديه أدواتى التى سأصل بها إليك بطريقتى الخاصة. حتى مفهومنا عن الخطية أصبح مشوهاً بفعلها هى. لم نعد قادرين على تحديد أى شىء فى أى شىء. أصبح كل شىء لا معنى، و وجدنا أنفسنا غير قادرين على تحديد المفاهيم بالعقل البشرى البحت. لو أننا لا نملك الكتاب المقدس، أى لا نعرف أى شىء عن الله، فكيف سنستطيع تحديد ما هى الخطية؟ كيف سيمكننا أن نعرف ما هو الكمال؟ أصبح مفهومنا نفسه عن الكمال مشوه! ليست الخطية هى أن تخالف أحد الوصايا، بل هذا مجرد شكل من أشكالها. الخطية هى التعدى. أن تفعل ما لا يفعله الكامل. أفضل طريقة لتحديد الخطية هو أن تقارن بينك و بين الله. لكن هنا ستكتشف الكارثة الحقيقة: مفهومك نفسه عن الله تشوه!

تشوه الإنسان، تشوهت المفاهيم، تشوه الكمال، تشوهت الخطية، و تشوه الله. ما الذى تبقى لك الآن؟ قد تدعى بكل سهولة و بكل ثقة أنك تمتلك حقيقة كل هذه المفاهيم، لكن ليس الكلام بأمر صعب. لقد إفتقرت البشرية بإنفصالها عن الله. بإنفصالها عن المُطلق، أصبح كل شىء نسبى. بإنفصالها عن اللامحدود، أصبحت كل البشرية محدودة. الإنسان محدود فى فكره، محدود فى تجاربه، و محدود فى إدراكه. كل شىء أصبح نسبى، فنظرة البشرية لم تعد متطابقة. لم يعد الإنسان قادر على رؤية الأمور على حقيقتها.

نعم أنا أفترض أن البشرية كانت كاملة و مُطلقة حينما حملها آدم فى صورته. لا أطلب منك أن تفترض هذه الفرضية معى، لكننى أطالبك بالإعتراف بواقعك: ليس من طريق إلى الكمال.

هذا جوهر المسيحية: فى المسيح يسوع كان حضور الله فى التاريخ الذى يستطيع أن يرفع الإنسان إلى الكمال!

الخيار الوحيد المتبقى هو أن يفتح الكمال طريق إلى الإنسان. ليس من حل لوصول الإنسان إلى الكمال إلا عن طريق تقويم المفاهيم. يجب على الإنسان أن يعرف ما هى الخطية. عليه أن يدرك ما هو الكمال. يجب أن يفهم المفاهيم. يلزمه أن يقتنع بصورته الحقيقية كإنسان. و أخيراً، يجب أن يرى الله. بهذا فقط يستطيع أن يكون لديه أمل للكمال. الله فعلها.

الله، الكامل و المُطلق و اللانهائى، إتخذ الخطوة التى لا يستطيع أن يبادر بها الإنسان، لكنها ليست مستحيلة على الله نفسه. فى المسيح يستطيع أن يكون الإنسان كاملاً. يستطيع الإنسان أن يكون مُطلقاً. يستطيع الإنسان أن ينتقل إلى الواقع الإلهى. غير المسيحيين و غالبية المسيحيين يعتقدون أن هذا كلام نظرى أو كلام لا معنى له. ما تقوله المسيحية ببساطة هو كالآتى: يستطيع الإنسان ألا يفعل الخطية مُطلقاً فى حياته، يستطيع الإنسان أن يجد شىء ما مُطلق، و يستطيع الإنسان أن يخرج عن دائرة المحدودية و ينفتح على الروح اللانهائى. ربما يكون هكذا كلام عملى؟

يعلمنا الكتاب المقدس:"وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً اجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى امَامَهُ" (كو 1 : 21 – 22). أى أننا نحن الذين كنا نعيش فى واقعنا، أصبحنا الآن "قديسين"، بلا لوم ولا شكوى أمامه. الآن يستطيع الإنسان أن يقف أمام الله كاملاً ولا يجد الله ما يحتج به عليه. تذكر، المُطلق هو الكامل مئة فى المئة، و ليس من يقل عن هذه النسبة واحد من مليون بالمئة. بلا لوم ولا شكوى. لا يستطيع الله أن يلوم الإنسان الآن، ولا أن يشتكى منه. و لكن كيف؟ يكمل بولس الرسول قائلاً:"إِنْ ثَبَتُّمْ عَلَى الإِيمَانِ، مُتَأَسِّسِينَ وَرَاسِخِينَ وَغَيْرَ مُنْتَقِلِينَ عَنْ رَجَاءِ الإِنْجِيلِ، الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ، الْمَكْرُوزِ بِهِ فِي كُلِّ الْخَلِيقَةِ الَّتِي تَحْتَ السَّمَاءِ" (ع 23). فقط إن ثبت الإنسان فى الايمان. فقط إن ثبت على رجاء الإنجيل.

و ما هو الايمان؟ و ما هو رجاء الإنجيل؟

تخيل نبوخذنصر الملك الجاحد، يطلب من الله أن يغفر له خطيته، و يسأله عن يعيش فى تواصل معه. يسجد الملك امام الله يترجاه بدموع لا تقف آناء الليل و طوال النهار. هل كان الله يستجيب له؟ ما يستحق أن تتأمل فيه بعمق هو: لماذا نبوخذنصر غير قادر على التواصل مع الله؟ لماذا لا يرد عليه الله؟ هذا هو الايمان: أن فى المسيح "فقط" أصبح للإنسان فرصة للتواصل مع الله. و ما معنى عبارة "فى المسيح"؟ هكذا بدأت النمو. الآن يستطيع الإنسان أن يدرك حجمه جيداً، و يعرف أنه إنسان ضعيف. فقط حينما يدرك حجمه سيدرك حجم النعمة. فالإنسان بلا أى ثمن، بلا أى مقابل، أخذ من الله. هذه هى النعمة، أن الإنسان أخذ ما لا يستحقه.

أن تعيش فى المسيح هو أن تحيا بحسب إنجيل المسيح. حينما وضعت ثقتى فى المسيح إعترفت له: كنت متكبراً و مغروراً و تخيلت أننى بقدراتى و مجهودى قادر على الوصول للكمال. كنت فى حاجة أن أعترف له بخطيتى. الإنسان بدون إعتراف بماهيته سيظل أسيراً لوهمه. لم أكتب هذه المقالة كى أعرفك ما معنى مفهوم الحياة فى المسيح، إفتح الكتاب و ستعرف. علمنا الرب يسوع أن الحياة معه تتلخص فى أمرين:

1- "يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ" (لو 18 : 1).
2- "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي" (يو 10 : 27).

هل تتكلم مع يسوع كل حين؟ هل تسمع صوت يسوع كل حين؟ هل تتبع يسوع كل حين؟ هذه هى الحياة مع المسيح: تتكلم – تسمع – تتبع. بهذا فقط ينتقل الإنسان للكمال. بهذه الأدوات يستطيع الإنسان أن يصل إلى الله. ما هى العلاقة غير ذلك؟ المسيحية لا تقول الغاز، ولا تعلمنا شفرات لا يستطيع الإنسان أن يفهمها. الطريق واضح و معالمه محددة و صريحة. و بدون أى ايمان أو إعتقاد تستطيع أن تعرف واقعك. بقدرتك أن تحدد حالتك لكن بشرط أن يقودك عقلك و ليس عاطفتك أو مشاعرك.

شوهت الخطية كل شىء. وضعت حاجزاً بين الإنسان و الله. وضعت الإنسان فى حدود لا يستطيع أن يتخطاها. لكن فى المسيح كان هناك شىء ما غريب يحدث.

ثمة مشاكل رئيسية تتعلق فى الأساسيات:

المشكلة الأولى: ما الذى يريده منك الله؟

قبل أن تطرح على نفس هذا السؤال، يجب أن تسأل نفسك: ما الذى يحتاج الله منك؟ الله لا يحتاج عبادتك. وجودك من عدمه لن يفرق مع الله فى شىء. هل تعتقد أن الله خلقك لتعبده؟ ليس الله بهذا الفراغ، فأجعل عقلك ينضج أكثر. الله لا يحتاجك. بكلمات أخرى، الله لا يريد منك شىء. لا يتلذذ الله برؤيتك تقهر نفسك فى الصيام. لا يستمتع برؤيتك تؤدى صلاوات كواجبات لا معنى لها. إحذر أن تختلق وهماً لك و تعبده أنت. إحذر أن يكون موروثك غير حقيقى. الله هو الذى لا يحتاج لشىء، و هو الذى يعطى كل شىء لكل شىء. الله لا يريد منك شىء.

المشكلة الثانية: ما الذى تفعله لترضى الله؟

أريد أن أعرف منك: ما الذى تعتقد أنه يغضب الله و تريد ألا تفعله ليرضى هو عنك؟ الخطية؟ كيف توصلت إلى أن الخطية تؤثر فى الله؟ حينما تفعل الخطية فأنت لا تضر إلا نفسك. حينما تسرق أو تكذب أو تزنى، فأنت هو المجنى عليه، و ليس الله. أفعالك تعود عليك، و الله لا يتأثر بها، ولا تهينه ولا تنزل من مهابته و قداسته. انت تعيش فى عالمك و هو يعيش فى عالمه، أنت تحت على الأرض و هو فوق فى السماء. من سيخسر هو أنت، و ليس الله الكامل القدوس. من يحتاج هو أنت و ليس الله. انت من يحتاج أن يرضى عن نفسه، و ليس الله هو الذى ستؤثر الخطية فى شخصه أو جوهره أو كماله. لماذا سيكون الله سعيداً حينما تفعل الصلاح و سيغضب حينما تفعل الخطية؟ السعادة هى لك و الغضب هو لك، و ليس لله.

المشكلة الثالثة: ما الذى سيمنحه لك الله؟

لن يمنحك شىء. الخير الذى تفعله يعود عليك، و الشر الذى تفعله يعود عليك. تصوير الله على أنه مدير مسابقة سيعطى من يفوز الجائزة الكبرى و من يخسر سيحرقه إلى المنتهى هو تفكير لا يليق بالله. هل تتخيل الله بهذا الشكل المرعب و المخيف؟ لا يوجد شىء سيستفيده الله إذا كنت تفعل خير و لن يوجد شىء سيخسره الله إذا كنت تفعل شر. إذا كان لا يوجد لدى الله ما يكسبه و ما يخسره، فلما سيتعمد أن يخيفك و يرعبك. جوش مكدويل وصف هذا الفكر بصورة جميلة جداً، إذ قال بأن هذا الفكر يصور الله على أنه شرطى السماء الكونى. و توم رايت قال بأن هذا الفكر يجعل من الله جاسوس فى السماء Spy in the sky.

ربما تدرك بذلك كم تشوه الله!

المشكلة الرئيسية تكمن فيك أنت. انت من يحتاج إلى الله، و ليس الله هو الذى يحتاجك. تحتاج أن تتبرر من خطيتك. تحتاج أن تنال تغيير أساسى فى حياتك لتصير حياة كاملة. تنسى الأيام النسبية، و تبدأ الأيام المُطلقة. لا أطلب منك أن تتطلب الله بايمان أعمى. أشجعك أن تدرس بعقلك أولاً دون أى ايمان. ادرس نص العهد الجديد و تأكد أنه وصلنا سليم. ادرس تاريخ العهد الجديد و تأكد أنه وصلنا سليم. ادرس لاهوت العهد الجديد و تأكد أنه وصلنا سليم. ادرس كل شىء يمكن للعقل أن يفحصه، و دع الدليل هو الذى يقودك. لكن لا تنسى أن تدرس واقعك. اعرف حياتك و ادرك آلامها و حدودها.

تذكر أن الرب فتح طريق، و أن فى المسيح يسوع، أصبح للإنسان فرصة جديدة ليعرف الله و ليعيش معه دائماً. فقط فى المسيح يمكنك أن تصير كاملاً بلا لوم أو عيب او شكوى أمام الله الآب. ليس بمجهود ذاتى، ولا بقدرة ولا بعلم، بل بعمل النعمة فى حياتك. إستسلم ليسوع، و هو سيقودك فى العالم النسبى، و ستعيش الحياة الأبدية الآن، هنا على الأرض. سيثمر هذا الايمان فى حياتك، و فى مرحلة معينة، ستزول الخطية من حياتك تماماً. المؤمن لا يخطأ أبداً. فى ذلك الوقت ستستمتع بالله. ستحب الله.

لقد إختبرت هذه العلاقة، و لذلك أكتب لك عنها الآن. هذه هى: تتكلم – تسمع – تتبع!

هناك تعليقان (2):

  1. مقالة أكثر من رائعة أخى فادى ..لكن لى عدة ملاحظات:
    1ـ الانسان مطلق فى المسيح يسوع ،هذا هو الإيمان الأرثوذكسى الراسخ و بدون هذه الحقيقة "المطلقة" ينهار الإيمان الأرثوذكسى من الأساس ، و الإنسان مطلق لأنه يشترك فى حياة الله ذاته فى سر الإفخارستيا، فيسوع قد جاء لكى يتحد بنا ، بكل انسان ، و يهزم الشيطان و يقيده و يبتلع الموت و يقوض الهاوية لصالحنا ثم يقوم منتصرنا بنا و معنا ثم يصعد ليُجلس كل واحد منا عن يمين أبيه ، فالنفس البشرية عروس المسيح هى الملكة التى جلست عن يمين الآب، ثم أرسل لنا الروح القدس ليكمل خلاصنا و تقديسنا و وصولنا السعيد الى الأبدية ..أليس هذا هو الإنجيل؟..أليست هذه هى حياة الكنيسة؟ أليس هذا هو ما يدعونا إليه يسوع؟..المطلق فى الارثوذكسية هو الثالوث و إذا كان الثالوث قد أنعم على الإنسان الإشتراك فى حياته و مجده إذاً فالانسان أصبح مطلقاً فى المسيح و بالمسيح يسوع أحد الثالوث القدوس "انا قد اعطيتهم المجد الذي اعطيتني ليكونوا واحدا كما اننا نحن واحد انا فيهم و انت في ليكونوا مكملين الى واحد" (يو 17)"كل شىء سيجمع فى الطبيعة الإلهية" بحسب تعبير العظيم غريغوريوس اللاهوتى و إذا كان المسيح حاضراً على المذبح بطبيعته اللاهوتية و الناسوتية فقد تحقق "المطلق " اذاً ،و تحققت أبدية الانسان المطلقة
    ..ليس فقط الإنسان بل الخليقة كلها لذلك عندما نجد تعبير "تأليه الإنسان" فى كتابات الآباء لا نستغرب و لا نجزع أيضاً إذا قرأنا عن تأليه الخليقة كلها عند القديس ماكسيموس المعترف.و هذا لا يحدث إلا عن طريق الكنيسة و الإشتراك فى الإفخارستيا ، الإنسان الكنسى الإفخارستى الذى تجددت طبيعته و صار مشتركاً فى حياة الله هو المطلق لإنه صار هو و المطلق واحد .
    الكنيسة الكاثوليكية عندما أهملت لاهوت الأسرار فى العصور الوسطى لجأت الى محاكم التفتيش لحماية هذا المطلق و لعل تكفير جاليليو الذى نادى بأن الأرض هى التى تدور حول الشمس و ليس العكس مثالاً جلياً على ذلك ، فالإيمان الكاثوليكى الأرسططالى لا يرضى أبداً الا بأن يكون الإنسان مركز الكون فالإنسان سيد الأرض و المتسلط عليها هو الثابت و كل الكون متغير يدور من حوله أما عندما جاء كوبرنيكوس و من بعده جاليليو ليقول أن هناك " مركزاً آخر يدور حوله الإنسان و هو الشمس "، ثارت ثائرة فلاسفة الكاثوليك ليتخذوا طريق الدفاع الفلسفى عن المطلق( و هو هنا الإنسان الذى يحمل الإيمان المسيحى) الذى سرعان ما يتخذ شكل الحرم و القطع حتى يصل الى الحكم بالموت، حيث ضاع مفهوم اتحاد كل إنسان بالله و ضاعت الإفخارستيا و أصبحت الأعمال و الغفرانات و صكوك الغفران هى السبيل الى الحياة.
    أما عن الإخوة الإنجيليين فواقعياً لا يوجد" مطلق" أصلاً لأن هناك خلاف على حقيقة عمل الروح القدس فى الكنيسة فما يعتبر تعليماً كتابياً فى أحد الكنائس الأنجيلية يكون مُعترض علية فى كنيسة أخرى فالخمسينيين و الأخوة البلاميث بينهما ما صنع الحداد خصوصاً فى مسأله الملىء و المواهب و التكلم بألسنة ، ناهيك على أنه لا توجد افخارستيا(طريق اتحاد الله بالإنسان لأنه يشترك فى حياة الله ذاته)وأيضاً الإختلاف عن مفهوم الكنيسة..مما يضيع المطلق و سط هذا الزخم من الإختلافات بين كنائس الإصلاح ذاتها و هنا أصبح مجرد الإيمان بالكفارة (الإيمان البعيد عن الحياة ، حياة الله و كنيسته المقدسة)هو السبيل الوحيد للوصول الى السعادة.
    2ـ عبارة "المُطلق هو الذى لا خلاف فيه. هو الأمر الذى سننظر إليه أنا و أنت و لن نختلف فى تفسيره" تحتاج منك لمراجعة فالثالوث هو الحقيقة المطلقة و هو مصدر الحياة و الوجود و الخلاص و الشركة و مع ذلك نجد معتوهاً يصفه بأنه شركاً، و المسيح يسوع قائم منتصر عن يمين الآب فى عظمته و مع ذلك نجد من يقول أن قبره لا يزال فى كشمير !حتى ظهور العذراء -الذى من الممكن أن يختلف بعض المسيحيون كونه مطلق أم لا-كان واضح جداً أمام أعين مصر كلها لكن خرج من يفتينا أنه مجرد خيالات و "شعور جمعى"..القصد أن المطلق هو المطلق و سيظل مطلقاًحتى لو أراد الإنسان أن يخضعه و يفحصه كنسبى
    أعتذر عن الإطاله، و يسعدنى المشاركة بتعليقات فى المستقبل.

    ردحذف
  2. اشكرك جداً على هذا التعليق العميق الذى يلمس نقاط حساسة فى علاقة الإنسان بالله، أو علاقة الأرض بالسماء. ما حاولت أن أقوم به فى هذه المقالة هو أن أضع العقيدة فى صياغة واقعية يلمسها كل شخص، دون التعرض لأى الفاظ أو مصطلحات لاهوتية. لأن كل شىء تشوه، فأصبح الكثيرين غير قادرين على تحديد أى مفهوم أثناء الكرازة بالخلاص. الحقيقة هى أن الإنسان محتاج لله لأن واقعه يؤكد له أنه لا يستطيع العبور إلى الكمال. فلا عبادة ولا طقس ولا أى شكل من الممارسات الدينية قادر على العبور بالإنسان إلى دائرة الكمال. المشكلة هى أن غالبية البشر لا يعرفون ما الذى يبحثون عنه!
    المُطلق هو الذى لا نقص فيه، و هذا النقص يتنوع بتنوع المجالات. لكن المُطلق لا يمكن الوصول إليه إلا بالروح، لا العقل. لأن العقل غير قادر على تعدى حدود الإستدلال العقلى. لكن ما تتكلم عنه هو المُطلق العقيدى، أى الحقيقة المُطلقة. ليس هذا ما أقصده نهائياً فى المقالة. هناك إله، و هناك مؤمن يقول هناك إله، و هناك غير مؤمن يقول ليس هناك إله. حقيقة أن الإله موجود، أى الحقيقة الأولى، لن تتأثر إذا قال المؤمن إيجاباً أو قال غير المؤمن سلباً. هى حقيقة مُطلقة فى النهاية، و هنا أقول أننى أعرف أنها حقيقة مُطلقة بسبب الخبرة الروحية، لا بسبب الفحص العقلى الذى لن يقنع غير المؤمن و معه حقه فى هذا لأنه إستدلال غير شرعى. أما المُطلق فى هذه المقالة فهو حالة يتمتع بها الله و يبحث عنها الإنسان. حالة لن يشوبها أى نقص بأى شكل و فى أى إتجاه.

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!