الثلاثاء، 9 مارس، 2010

هل تتحول المسطردة إلى كيتشب؟


ماذا لو لم يكن أفضل تفسير للدليل هو التفسير "الحقيقى" للدليل؟

هذا سؤال جميل جداً. بعد أن عرفنا أنه لا يوجد شىء مُطلق فى مُتناول الإنسان، و أن الفلاسفة مع مجىء هيوم و كانط قد إزالوا مصطلح الإطلاق من قواميس المعرفة البشرية، فأصبح كل شىء نسبى فى متناول الإنسان. الآن نقوم بتقييم الدليل بناءاً على إختيار أفضل تفسير له. لكن ماذا لو لم يكن أفضل تفسير للدليل هو التفسير الحقيقى؟ دعنى أعطيك مثال واضح:

هناك مجموعة من الحقائق يستخدمها العلماء المسيحيين لإثبات أن القيامة هى أفضل التفاسير المتوفرة. صلب يسوع على يد بيلاطس البنطى، دفن يوسف الرامى ليسوع فى قبر خاص به، مشاهدة النساء الأولى ليسوع القائم، قبر يسوع الفارغ...إلخ من هذه الحقائق التى يجمع عليها العلماء. يقول العلماء المسيحيين أن أفضل تفسير لهذه الأدلة هى أن الله قد أقام يسوع من الموت. حسناً، أنا مقتنع أن هذا أفضل تفسير للدليل فعلاً، و لكن ماذا لو لم يكن هو التفسير الحقيقى فعلاً؟

إن هذا سؤال يتعلق بالأصول العقيدية (أو الدوجمائية) نفسها، و على أى أساس يمكنك أن تضع ثقتك. المشكلة هى أنك تخيلت أنك تستطيع وضع ثقة مُطلقة فى إستدلال عقلى. مقدار ثقتك يجب أن يكون بحسب مقدار الإستدلال الذى بنيته. و بما أنه لا يوجد إستدلال عقلى مُطلق، فلا يجب أن يكون مقدار ثقتك فى الدليل أو تفسيره مُطلق.

مقدار إهتمامك بحياتك الأبدية سيحدد لك درجة الثقة التى تحتاجها، و أنا لا أعرف شخصاً لا يبحث عن اليقين. هذه هى: يقينك فى الروح، لا فى العقل. نعم، يمكن أن يكون أفضل تفسير للدليل ليس هو التفسير الحقيقى للدليل. الماضى حدث و إنتهى، و لا يمكنك إعادته لتعرف حقيقة ما حدث. النص كُتِب و إنتهى، و لا يمكنك إعادة كتابته لتعرف حقيقة ما حدث. أنت تتعامل مع إحتماليات، و كل الإحتماليات واردة.

الفلاسفة يفرقون جيداً بين "الإمكانية" Possibility و "الإحتمالية" Probability. كل شىء يمكنك تخيله فى عقلك هو "ممكن" الحدوث. هل تستطيع أن تتخيل أن المسطردة ستصبح غداً كيتشب؟ مادمت تستطيع، إذن فمن الممكن أن تتحول المسطردة إلى كيتشب. و لكن ما هى إحتمالية تحول المسطردة إلى كيتشب؟ الإحتمالية يتم قياسها بحسب الخبرة الإنسانية. هل سبق للمسطردة أن تحولت إلى كيتشب؟ لا. إذن فإحتمالية تحولها غداً ضعيفة. لا تستطيع أن تقول أن المسطردة "لا يمكن" أن تتحول إلى كيتشب.

ايرمان يعطى مثال لذيذ ليوضح هذه الفكرة. لو أنك تريد أن تعرف هل لو أسقطت قضيب حديد فى الماء، هل سيغوص فى الماء أم سيطفو، فما الذى عليك أن تفعله؟ عليك ببساطة أن تأتى بمجموعة من قضبان الحديد، ثم تلقى الأول فى الماء. سيغوص فى الماء، أليس كذلك؟ حسناً، هات الثانى و القيه، ثم الثالث، ثم الرابع...إلخ. سيغوصون جميعهم. إذا أردت أن تلقى قضيب آخر، فيمكنك الآن أن تقول: من المحتمل أن هذا القضيب سيغوص فى الماء، و لن يطفو.

الطبيعة ليس لها قوانين مُطلقة!

ما هو الضمان إذن أن أفضل تفسير هو التفسير الحقيقى؟ الضمان الوحيد فى أى نظام عقيدى دوجمائى، هو الروح فقط. لن تصل لحقيقة مُطلقة عن طريق العقل، فهو أداة قاصرة و عاجزة حتى عن فِهم ما تلمسه الحواس. الشىء الوحيد الذى يمكنك أن تثق فيه بشكل مُطلق بعقلك هو ما يقع فى نطاق العقل. حتى هذه، دمرها هيوم تماماً. و حينما جاء كانط، أكد أن هناك أشياء يستطيع العقل الحكم فيها فيما يقع فى نطاق العقل، مثل الرياضيات. لن يأتى اليوم الذى نجد فيه 1 + 1 = 3.

الحياة الروحية هى خبرتك مع الله. أنت لديك علاقة مع هذا الإله، و بهذا تستطيع أن تعرف معرفة يقينية. و هناك سؤالين فى هذه القضية:

الأول: كل متدين بأى نظام عقيدى آخر سيقول أيضاً أنه لديه علاقة مع الله و يعرف الله؟

حسناً، ما هو بالضبط الذى يهدد معرفتك؟ أنت تعرف أن علاقتك بالله حقيقية منها هى نفسها! أنت تعرف أن كل علاقة أخرى، هذا إن وُجِدت أصلاً، ليست حقيقية لأن علاقتك أنت حقيقية. لست تحتاج أن تثبت أن العلاقة الأخرى غير حقيقية، و هذا لا يجب أن يزعجك، لأنك تعرف يقينك جيداً و تعرف حقيقة علاقتك بالله و إختبرتها كثيراً. لأى سبب مهما كان، فهذه العلاقة الأخرى التى يتصورها آخر، لا علاقة لها بك تماماً.

الثانى: كيف أعرف أن علاقتى بالله هذه ليست مجرد وهم؟

مرة أخرى، علاقتك نفسها هى التى تثبت لك أنها حقيقية. و هذا السؤال ينم عن قصور واضح فى فِهم "العلاقة" مع الله. حينما تتعامل مع أى شخص فى الحياة، فأنت تعرف من هو هذا الذى تتعامل معه من خلال علاقتك به. صديقك فى الدراسة أو صديقك فى العمل، تتعامل معه من خلال العلاقة التى تربطك به. أنت تعرفه!

هكذا، ما الذى يضمن لك الآن أن المسطردة لن تتحول إلى كيتشب؟ بكلمات أخرى، ما الذى يضمن لك أن ما تعتقده هو حقيقة مُطلقة كائنة بالفعل؟ العقل إذا كان داخل إطار العقل، و الروح إذا كان داخل إطار الروح.

الفصل الأول من كتاب وليام لين كريج "الايمان المعقول" يناقش هذه المسألة بتوسع أكبر لمن أراد المزيد. و شكراً لصديقى الجميل حورس الذى أوحى لى بفكرة هذه المقالة، فلا تخلط المسطردة بالكيتشب!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!