الثلاثاء، 2 فبراير، 2010

هل النظريات الطبيعية تنافس القيامة؟


"الراسخون فى العلم"
(9)
هل النظريات الطبيعية تنافس القيامة؟
جارى هابيرماس


أعتقد أن القراء المداومين على قراءة موضوعات المدونة أصبحوا يعرفون إسم جارى هابيرماس جيداً. إنه أحد العلماء المتخصصين فى النقد التاريخى للعهد الجديد، و بالتحديد قيامة يسوع من الموت. أحد أهم مؤلفاته هو كتابه "قضية قيامة يسوع" الذى كتبه بالمشاركة مع مايكل ليكونا (الذى سيتم نشر حوارى معه فى شهر مارس). فى هذه المقالة يشرح هابيرماس كيف أن المعجزة هى التفسير الوحيد للأدلة التاريخية المتوفرة حول العقيدة المسيحية التاريخية "قيامة يسوع". يخصص هابيرماس هذه المقالة لتفنيد مختصر لكافة النظريات الطبيعية للقيامة. و النظريات الطبيعية هى التفسيرات التى تحاول شرح الأدلة فى إطار طبيعى، أى بدون اللجوء إلى حدوث المعجزة. ببساطة، هذه النظريات تقول أن يسوع لم يقم من الموت، إنما هناك تفسيرات أخرى للأدلة المتوفرة. مرجع هذه المقالة هو مرجع هذه السلسلة، الكتاب المقدس الدفاعى، ص 1621 – 1622.


هل النظريات الطبيعية تنافس القيامة؟
جارى ر. هابيرماس
استاذ و رئيس قسم اللاهوت و الفلسفة
جامعة الحرية، فيرجينيا
الولايات المتحدة الامريكية


أول ما يتبادر لذهن المرء حينما نسمع أحدهم يدعى أنه شاهد معجزة، أنه لابد من وجود تفسير ما طبيعى لما يتخيله هذا أنه معجزة. ففى النهاية، حتى لو كانت المعجزات تحدث، فهى ليست هى النموذج القياسى للطبيعة. تخبرنا الأناجيل أنه كان هناك رد فعل كهذا بالنسبة لقيامة المسيح من الموت. حينما علم الكهنة اليهود بأمر القبر الفارغ، قاموا بنشر قصة تقول بأن التلاميذ قد قاموا بسرق جسده من القبر (مت 28 : 12 – 15). بل و حتى المؤمنين تعاملوا مع هذا الموقف بنفس الطريقة. فمريم المجدلية حينما رأت يسوع لأول وهلة، قامت بتفسير رؤيتها له بشكل طبيعى، و ظنت أنه البستانى (يو 20 : 10 – 15). و حينما سمع التلاميذ الخبر من النساء اللائى ذهبن إلى قبر يسوع، إعتقدوا أن النساء كنا ينقلن شائعات أو قصص غير حقيقية (لو 24: 36 – 43). و لاحقاً، نفس هؤلاء التابعين ليسوع، حينما رأوا يسوع القائم من الموت، إعتقدوا أنهم يرون شبحاً أو أنها مجرد هلوسات (لو 24 : 36 – 43).

عبر التاريخ، كان للكثيرين ردود فعل مشابهة لهذه بالنسبة لقيامة يسوع من الموت، فى محاولة للخروج بنظريات طبيعية لشرح القيامة بدون اللجوء للمعجزة. و قد كانت هذه المحاولات ظاهرة عامة فى القرن التاسع عشر أكثر من اليوم. لكننا حتى لو تجاهلنا غالبية المعلومات الواردة فى الأناجيل، و إستندنا فقط على الحقائق التاريخية التى يقبلها كل عالم متخصص فى هذا المجال، سواء كان ليبرالى أو محافظ، فسوف يكون لدينا إجابات كثيرة رئيسية لكل واحدة من النظريات الطبيعية. لهذا لا يفاجئنا أن نجد اليوم قلة من العلماء يعتقدون أن أى من هذه النظريات البديلة يمكنها أن تنافس القيامة كمعجزة.

مثلاً، عدد قليل من العلماء إقترحوا أن يسوع لم يمت على الصليب أصلاً، و إنما أغم عليه فقط، و ظهر فقط على أنه ميت. لكن عشرات الدراسات الطبية أظهرت كيف أن الموت بالصلب يقتل الإنسان بالفعل، و كيف أن الحاضرين موقف الصلب سيدركون هذا. و غالبية هذه التقارير ترجع سبب الموت الرئيسى إلى أنه asphxiation (أى عدم القدرة على التنفس). و قد كان عملاً سهلاً للجنود الرومان أن يتأكدوا من موت الضحية، فقد كان مُعلقاً مرخياً على الصليب إلى الأسفل دون وجود أى محاولة إرتفاع للشهيق. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك ضربة للجندى الرومانى حتى يتأكد من موت الضحية. و التفسير الطبى السائد لجرح صدر يسوع بالحربة، هو أن وجود الدم و الماء يبين أنه قد تم طعنه فى قلبه، مما جعل الجندى يتأكد من موته.

و لكن علماء كثيرين يعتقدون أنه هناك مشكلة أخرى خطيرة تطعن فى نظرية الإغماء. لو أن يسوع لم يكن قد مات على الصليب، كان سيظهر فى شكل سىء جيداً غير معتاد حينما يراه تلاميذه. كان سيبدو يعرج بشكل مثير، و ينزف دماً من كل جروحه الكثيرة، و ربما كان ترك آثاراً دموية إثر خطواته. و كتفيه منحنيان و وجهه شاحباً، مما يعنى أنه كان سيجد صعوبة بالغة فى إقناع تلاميذه أنه هو ربهم القائم من الموت، و أن جسده هذا جسد ممجد!

هناك أسباب تاريخية كثيرة و إجماع الرأى العلمى يبينان أن تلاميذ يسوع إعتقدوا حقاً، على الأقل، أنهم رأوه قائماً من الموت. و على هذا الأساس، تبدو فكرة الإغماء كالتى تدحض نفسها. هذه الفكرة تمثل يسوع بأنه يناقض إعتقاد التلاميذ فى القيامة الممجدة عن طريق ظهوره فى شكل فيزيائى مرعب و هو الشكل الحتمى لفكرة الإغماء!

و لكن هل يمكن للتلاميذ أن يسرقوا جسده الميت؟ هذه الفكرة قد تم تجاهلها تماماً فى القرنين الماضيين، نظراً لأنها لا تفسر إعتقاد التلاميذ المخلص بالفعل أنهم رأوا يسوع قائماً من بين الأموات، و هو الإعتقاد الذى كانوا مستعدين تماماً للموت لأجله. و تحول التلاميذ المفاجىء هذا يحتاج إلى تفسير مناسب. فنظرية سرقة جسد يسوع لن تفسر أبداً تحول يعقوب، أخ الرب، من التشكك إلى الايمان، ولا تحول بولس الذى تزامن مع إعتقاد كل منهما الشخصى بأنه رأى يسوع القائم من الموت. إن هذه الحقائق لاحظها حتى أدق العلماء النقديين.

هل يمكن أن يكون شخص آخر قد سرق جسد يسوع؟ هذه النظرية تخاطب القبر الفارغ فقط، لكنها لا تقدم أى تفسير لظهورات يسوع، و هى أقوى أدلة القيامة. بالإضافة إلى ذلك، هذه النظرية لا تقدم أى تفسير لسبب تحول يعقوب و بولس للايمان من الشك. بجانب كل هذا، الكثيرين من الأفراد الذين تم ترشيحهم ليكونوا هم الذين قاموا بسرقة الجسد لا نجد لديهم أى دافع يجعلهم يقومون بسرقة الجسد. إن هذه النظرية البديلة لا تقدم أى شىء لتفسير البيانات المتوفرة لدينا، لهذا لا عجب حينما نعرف أن النقاد لا يعيرونها أى اهتمام.

كما أن هناك مشكلات لا حصر لها فى نظريات الهلوسات أيضاً، و سنذكر هنا بعض من هذه المشكلات. الهلوسات هى مجرد خبرات شخصية، بينما تخبرنا أقدم التقارير المتوفرة أن يسوع ظهر لمجموعات كما ظهر لأفراد. بالإضافة إلى ذلك، فإن إختلاف شخصيات اولئك الذين عاينوا الظهورات تسير عكس إختراع اى منهم لظهور ذهنى فقط، بل و فى نفس الوقت أيضاً. و كذلك ردود فعل التلاميذ الذين تفاعلوا مع تقارير القيامة عن طريق الشك. و تحول يعقوب و بولس للايمان يمثل مشكلة قصوى لهذه الرؤية، حيث أن متشككين غير مؤمنين من الصعب عليهم أن يرغبوا فى وجود هلوسات لديهم حول قيامة يسوع. أما المشكلة الحقيقية فهى إذا كانت الهلوسات هى أفضل تفسير، فإن القبر لا يجب أن يكون فارغاً!

هل يمكن لتقارير القيامة أن تكون قد تطورت لاحقاً كمجرد قصص نمت مع الوقت؟ هناك عدد كبير من الإجابات على هذا التساؤل، و لكن نكتفى بالقليل المناسب منها. مرة أخرى هنا، حقيقة أن التلاميذ إعتقدوا حقاً أنهم رأوا يسوع القائم تمثل مشكلة لهذه الرؤية، حيث أنها تشهد بأن الروايات الأصلية تنحدر من شهود العيان أنفسهم و ليس من قصص متأخرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن هذه الظهورات قد تم تسجيلها مبكراً جداً، فى خلال سنوات قليلة من الصلب، تشهد أنه على الأقل الرسالة الجوهرية كانت سليمة من بدايتها. كما أن القبر الفارغ سيظل يذكرنا بثباته دائماً على فراغه أن هذه القصص لم تكن بلا أساس. و أيضاً بولس و يعقوب يقدمان مشكلات قوية جداً لهذه الرؤية، لأن هذين المتشككين كانوا مقتنعين أيضاً أنهما رأوا يسوع، و القصص التى تتطور عبر الوقت لا تقدم تفسيراً لتحولهم.

و لأسباب كثيرة مثل هذه، غالبية العلماء النقديين يرفضون النظريات الطبيعية كتفسيرات عادلة لقيامة يسوع. بكل بساطة، هذه النظريات الطبيعية لا تشرح البيانات التاريخية المعروفة. فى الحقيقة، الكثير من العلماء الليبراليين ينقدون حتى النظريات البديلة للقيامة التى يتم إقتراحها بين وقت و آخر.

نحن هنا لدينا شهادة قوية لطبيعة قيامة يسوع التاريخية. لقد سقطت كل النظريات الطبيعية. بل إن هناك أدلة تاريخية تميل ناحية القيامة و ليس النظريات الطبيعية. و بضم كل ما قدمناه هنا معاً، لدينا الآن أسباب قوية لنعتقد أن هذا الحدث وقع فعلاً فى التاريخ.

فى النهاية، كلما سقطت النظريات الطبيعية من أساسها، كلما تبقت لدينا الأدلة التاريخية منفردة، و هذه الأدلة قوية جداً لتبين لنا بوضوح أن يسوع قد قام من الموت!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!