الأحد، 21 فبراير، 2010

هل انتقل الكتاب المقدس سالماً؟


"الراسخون فى العلم"
(10)
هل انتقل الكتاب المقدس سالماً؟
نورمان جايزلر


هذه هى المقالة العاشرة، من سلسلة الأسئلة التى نوجهها لعلماء مقتدرين، كرسوا حياتهم للمسيح و كنيسته و شعبه. و فى هذه المقالة، يجيبنا العالم القدير نورمان جايزلر، اكبر متخصص فى اللاهوت الدفاعى عرفته المسيحية فى تاريخها، و الذى قام بالتدريس فى الكثير من كليات و معاهد اللاهوت لنصف قرن من الزمان، عن سؤال هام جداً: هل الكتاب المقدس إنتقل لنا سالماً، أم أنه قد ضاع أثناء إنتقاله فى عملية النسخ؟ يُقدِم جايزلر إجابة عامة عن هذا التساؤل، تليق بكل من يريد أن يعرف إجابة عامة عن هذا الموضوع. مرجع هذه المقالة، هو مرجع السلسلة: الكتاب المقدس الدفاعى، ص 468 – 496.


هل انتقل الكتاب المقدس سالماً؟
نورمان ل. جايزلر
استاذ اللاهوت الدفاعى
معهد فيرتاس اللاهوتى، كندا


الكتاب المقدس هو أكثر كتاب تم نقله بدقة من العالم القديم. لا يوجد أى كتاب قديم آخر لديه مخطوطات كثيرة و قديمة و تم نسخها بدقة مثل الكتاب المقدس.

العهد القديم

الموثوقية المخطوطية للعهد القديم مبنية على ثلاث عوامل: كثرة المخطوطات، تاريخها، و دقتها. غالبية الأعمال الأدبية فى العالم القديم متوفرة الآن فقط فى عدد قليل من المخطوطات: يوجد 7 مخطوطات فقط لأعمال أفلاطون، 8 فقط لثوكيديدس، 8 فقط لهيرودوت، 10 فقط لكتاب يوليوس قيصر "الحروب الغالية" (نسبة إلى بلاد الغال، فرنسا حالياً)، و 20 فقط لتاسيتوس. و فقط أعمال ديموستينى و هوميروس الذين يوجد لهما مئات المخطوطات. لكن مع ذلك، و قبل عام 1890، كان هناك عالم يُدعى "جيوفانى دى روسى" نشر وحده 731 مخطوطة للعهد القديم. و منذ ذلك الوقت، أصبح هناك حوالى 10000 مخطوطة للعهد القديم تم الكشف عنها فى جنيزا القاهرة، ثم فى عام 1947 إكتشفنا فى كهوف البحر الميت فى منطقة قمران أكثر من 600 مخطوطة للعهد القديم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن لفائف البحر الميت تحتوى على مخطوطات متشظية على الأقل من كل مكتب العهد القديم ماعدا سفر استير، و كلهم يرجعون إلى ما قبل نهاية القرن الأول الميلادى و البعض يرجع إلى القرن الثالث قبل الميلاد. و بردية ناش (بردية تحتوى على الوصايا العشر بالعبرية) ترجع إلى ما بين القرن الثانى قبل الميلاد و القرن الأول الميلادى.

دقة المخطوطات معروفة من أدلة داخلية و خارجية:

1- معروف جداً أن التقدير النسخى للكتاب المقدس أدى إلى الإنتقال الحريص للنص.
2- فحص النصوص المتكررة فى العهد القديم (مثل مزمورى 14 و 53) يثبت النقل المتوازى.
3- الترجمة اليونانية القديمة للعهد القديم، السبعينية، تتفق بشكل جوهرى و أساسى مع المخطوطات العبرية.
4- مقارنة التوراة السامرية (التى تحتوى على توراة موسى فقط، الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم) مع نفس كتب الكتاب المقدس المحفوظة فى التقليد اليهودى تظهر تشابه قريب.
5- لفائف البحر الميت تزودنا بمخطوطات ترجع إلى الف عام قبل تلك التى نستخدمها غالباً فى تكوين النص العبرى.

و الدراسات المقارنة تكشف وجود تطابق كلمة بكلمة بنسبة 95 % من النص. و القراءات الثانوية غالبها عبارة عن سقطات نسخية أو سوء تهجئة. و يُوجد فقط 13 تغيير ثانوى تم إكتشافهم فى مخطوطة اشعياء الموجودة فى لفائف البحر الميت، و 8 منهم كان معروف من مصادر قديمة أخرى. و بعد الف عام من النسخ، لا يوجد أى تغييرات جوهرية فى المعنى، و شبه عدم وجود تغييرات فى الكلمات!

العهد الجديد

موثوقية العهد الجديد يمكن ارسائها بسبب عدد، تاريخ، و دقة مخطوطاته التى تسمح لنا بإعادة تكوين النص الأصلى بدقة أكبر من أى نص قديم آخر. عدد مخطوطات العهد الجديد ساحق جداً، 5700 مخطوطة يونانية تقريباً، و ذلك حينما نقارن هذا العدد بأى كتاب نموذجى من العالم القديم. يُوجد نحو 7 – 10 مخطوطات كمتوسط العدد لأى كتاب نموذجى، و فقط إلياذة هوميروس لديها أكبر عدد من المخطوطات: 643 مخطوطة. العهد الجديد إذن، هو ببساطة أكثر كتاب مُدعم نصياً من العالم القديم.

أقدم مخطوطة للعهد الجديد لا يُوجد حولها شك، هى بردية جون رايلاندز، التى ترجع إلى ما بين عام 117 – 138 ميلادياً. و المخطوطات التى تحتوى على كتب كاملة من العهد الجديد، تبدأ مع عام 200 تقريباً، مثل برديات بوديمر. و غالبية كتب العهد الجديد، شاملة الأناجيل، موجودة فى هذه البرديات بجانب برديات تشيستر بيتى، التى ترجع إلى عام 250 م.

و العالم البريطانى المحترم جداً السير فريدريك كينيون، كتب قائلاً:"الفترة الفاصلة بين تواريخ التأليف الأصلى لهذه الكتب، و أقدم دليل متوفر، تصبح الآن صغيرة جداً حتى أنها فى الحقيقة يجب أن يتم تجاهلها، و آخر سند لأى شك فى أن الكتب المقدسة قد إنتقلت لنا جوهرياً كما تم كتابتها، قد زال الآن". و هكذا (و الكلام مستمر لكينيون) فإن "الأصالة و السلامة العامة لكتب العهد الجديد ربما يجب إعتبارها بأنها مُؤكدة بحزم". لا يُوجد أى كتاب آخر من العالم القديم، يوجد فيه فترة فاصلة بين زمن التأليف و زمن أقدم المخطوطات بمثل صغر هذه الفترة فى العهد الجديد.

و ليس فقط أنه يوجد مخطوطات للعهد الجديد أقدم و أكثر، و لكن حتى نسخ هذه المخطوطات كان أكثر دقة عن نصوص أخرى قديمة. العالم المتخصص فى العهد الجديد و الأستاذ فى معهد برينسيتون "بروس ميتزجر"، قام بعمل مقارنة بين العهد الجديد، و كل من الإلياذة لهوميروس و أحد كتب الديانة الهندوسية الرئيسية المهابهاراتا. و قد وجد نص المهابهاراتا يمثل 90 % فقط من النص الأصلى، حيث يوجد نسبة 10 % من الفساد النصى الذى لا يمكن حله، و وجد نسبة نقاء الإلياذة هى 95 %، بينما وجد 0.5 % فقط من نص العهد الجديد مازال به شك. و العالم المتخصص فى الكلاسيكيات اليونانية أ. ت. روبيرتسون قدّر أن ما يستحوذ على الإهتمام فعلياً من نص العهد الجديد هو نسبة واحد على الألف من نص العهد الجديد بالكامل، مما يعنى أن نسبة دقة النص هو 99.9 %. أى أن العهد الجديد هو الأفضل من أى كتاب آخر من العالم القديم.

لقد قال السير فريدريك كينيون ملحوظة هامة، هى:"عدد مخطوطات العهد الجديد، و الترجمات القديمة له، و عدد الإقتباسات منه فى كتابات الكُتّاب القدامى من الكنيسة، هو دليل ضخم جداً حتى أننا واثقين بشكل عملى فى أن القراءة الحقيقية لأى مقطع يوجد به شك، محفوظة فى مكان ما هنا أو هناك فى هذه الشواهد القديمة. و نحن لا نستطيع أن نقول هذا بحق أى كتاب آخر قديم فى العالم".

ملخص

تلخيصاً لما قلناه إذن، العدد الضخم، التواريخ القديمة، و الدقة الغير مسبوقة لنسخ مخطوطات العهد القديم و الجديد تُرسِى موثوقية الكتاب المقدس لدرجة أبعد بكثير من أى كتاب آخر من العالم القديم. رسالة الكتاب المقدس الأساسية لم تتهمش عبر القرون، و دقته حتى فى أبسط التفاصيل الثانوية تم التأكد منها.

هكذا، الكتاب المقدس الموجود بين أيدينا اليوم هو نسخة جديرة بالثقة لدرجة عالية جداً من النص الأصلى الذى كتبه الأنبياء و الرسل بأقلامهم!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!