الثلاثاء، 16 فبراير، 2010

الايمان بين الشخص و العقل


الايمان بين الشخص و العقل
فادى اليكساندر


المسيحية هى النظام اللاهوتى الوحيد فى التاريخ الذى يخضع نفسه للبحث العقلى. السبب فى ذلك هو أن المسيحية قائمة على شخص، له وجود حقيقى فى التاريخ، حياة كاملة لأكثر من ثلاثين عاماً. كرازة المسيحية منذ إنطلاقها كان ببداية هذا الحدث الحقيقى: اختراق الله للتاريخ البشرى. الله اصبح موجوداً فى نطاق الزمان و المكان. هذا يعنى أن المسيحية تعلن بكرازتها أنك تستطيع تقصى هذه الحقيقة. و هنا نحتاج أن نعرف بعض المفاهيم أولاً.

الايمان

هذا المصطلح يُستخدم فى الشرق باشكال كثيرة و مفاهيم متنوعة. الحال ليس كذلك فى البحث العلمى الغربى. و الأساس الكتابى لتعريف "الايمان" فى المسيحية، هو:"أَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى" (عب 11 : 1). أى أن الايمان هو الإعتقاد فيما لا يمكنك أن تراه، أى فيما لا يمكنك أن ترى دليلاً عليه. و هذه هى المشكلة التى فجرت الصراع بين الايمان و العقل Faith and Reason. و المشكلة ليست سهلة، فهناك عامل غير شرعى الإستدلال العقلى، و هو الإختبار الروحى. لا يمكن للباحث أن يتجاهل هذه الظاهرة أبداً، و بهذا تتعقد المشكلة أكثر فى الإختيار بين العقل و السبب.

فى أقصى اليسار تقع مدرسة "الايمان المُطلق" Fideism و فى أقصى اليمين تقع مدرسة "العقل المطلق" Rationalism. الأولى هى المدرسة الفلسفية التى تعتقد أنه لا يوجد أبداً أى خط تقاطع بين الايمان و العقل. الايمان مستقل عن العقل، ولا يمكن الإعتماد على العقل للوصول إلى نتيجة ايمانية. أما الثانية فهى المدرسة الفلسفية التى تعتقد أن كل ما يعتقده الإنسان يجب أن يكون مبنياً على العقل. بين الضد و ضده، توجد مسافة كبيرة جداً تحتوى على مدارس كثيرة. كل هذه المدارس الفلسفية تندرج تحت فرع منهجى يُسمى "نظرية المعرفة" Epistemology. ما الذى تستطيع أن تعرفه؟ كيف يمكنك أن تعرفه؟ كثيرين فى الشرق يدعون أن كل شىء يجب أن يخضع للعقل حتى يمكننا قبوله. هذا مجرد إفتراض a priori، و ليس ناتج عن خبرة واقعية posteriori.

اليقين

و هذه هى مشكلتنا فى الشرق، أننا نتخيل الإنسان قادر على الوصول إلى يقين مُطلق، لا شك فيه. و هذه مشكلة مُعقدة فعلاً، و العجيب أنها تصدر بالأكثر مما هو يعتقد فى ايمان بحت، لا علاقة له بأى بحث تاريخى أو عقلى. و تزداد المشكلة تعقيداً حينما يكون النظام العقيدى بأكمله قائم على مجرد ايمان، مثل: الله موجود، الله ارسل نبى، الله كتب كتاب، الله صنع معجزة، الله يقول...إلخ. كل هذا مجرد ايمان، غير قابل للفحص العقلى بأى من فروعه. اين اليقين؟ تتشعب المشكلة أكثر حينما يكون هناك خلط بين اليقين و القناعة. و هناك تقع مدرسة اليمين الأقصى "اليقين المُطلق" Cartesian Philosophy و على أقصى اليسار تقع مدرسة "الشك المُطلق" Scepticism. فالأولى هى المدرسة التى تسعى لليقين المُطلق معتقدة فى وجوده، و الثانية التى تعتقد أنه لا يوجد شىء إسمه يقين أو حقيقة مُطلقة، و الشك واجب فى كل شىء.

لكن بين هذه و تلك، توجد درجات كثيرة، و غالبية الفلاسفة اليوم يعتقدون أننا توصلنا إلى حل معقول، و هو "الواقعية العملية" Practical Realism، و هى نفس المدرسة الفلسفية التى أنتمى إليها. انت تستطيع أن تعرف، لكنك لن تصل إلى يقين مُطلق أو شك مُطلق. فى مكان ما فى الوسط تستطيع أن تقف. لعلك تكون لاحظت أن والاس وصف رؤية ايرمان الكونية بأنها تميل إما للأسود التام أو الأبيض التام. هذه مشكلة كثيرين، أننا نتخيل أنه بقدرتنا الوصول إلى كمال تام أو ضياع تام. لكننا نستطيع أن نقف على ارضية متوسطة.

اللاهوت

فى الدراسة اللاهوتية لأى نظام عقيدى (بالمناسبة هذا مُصطلحى المُفضل لما يُطلق عليه "الدين")، تبرز المشكلة المعرفية الكبرى المعروفة بـ "الغيبيات". النموذج التقليدى للنظام العقيدى، هو الإعتقاد فى مجموعة عقائد، و تنفيذ الشرائع، و تحديد المحللات و المحرمات، و من ثم تكون الجائزة فى النهاية لمن ينجح فى التنفيذ. خاصةً فى الشرق تظهر هذه المشكلة بوضوح، لدرجة أن الثقافة المحيطة أثرت بشكل قوى جداً فى الرؤية المسيحية على مستوى القاعدة الشعبية التى تسعى خلف لقمة العيش. و المحاولات المستميتة التى يبذلها رجال كرسوا حياتهم لهذه المهمة أدت إلى نتائج جميلة. لكن تظل مشكلة الغيبيات عائق امام الكثيرين حتى من رجال اللاهوت.

لا يمكنك أن تخضع شىء ما خارج نطاق العقل للفحص العقلى. لكنك تستطيع أن تجد اسباب عقلية تجعلك تعتقد فى هذا المفهوم الغيبى. و الفارق بين الإستدلال العقلى و السبب العقلى هو فرق شاسع جداً. و هنا يدخل مفهوم "الإثبات" Proof و "المُطلق" Absolute، الذين لهما اشكال من الفِهم متعددة جداً. لا يمكنك أن تثبت بشكل مُطلق أى شىء يختص بالواقع الغيبى. فى الحقيقة، هذه العبارة نفسها "الواقع الغيبى" جملة متناقضة. فكيف يكون هناك واقع و فى نفس الوقت غيبى؟ هذه هى المعضلة، أن تستطيع العبور من بوابات الحاجز العقلى الذى يمنعك من فحص أى أمر غيبى بالعقل، لتدخل إلى نطاق آخر. و نحن نحتاج أن نفهم أننا بعبورنا النطاق العقلى للنطاق الآخر، فنحن خاضعين لظروف هذا النطاق، و ليس النطاق العقلى.

لا يمكنك أن تقول "الله موجود" God exist عن قناعة عقلية. لكنك تستطيع أن تقول "من المُحتمل أن الله موجود" God, probably, exist. لأنك مادمت قد إنخفضت عن مستوى اليقين، فأنت تتعامل مع إحتماليات. و فى هذه المرحلة ستواجه مدرستين: الحداثة Modernism، و ما بعد الحداثة Postmodernism. الحداثة تسعى دائماً إلى إبطال الإعتقاد بإستخدام الفلسفية اليقينية لكن فى إتجاه مضاد للنظام العقيدى. أما بعد الحداثة فتسعى إلى إبطال الإعتقاد بإستخدم الفلسفة التشككية عن طريق قاعدتها الذهبية: كل الإحتمالات خُلِقت متساوية. فإذا كان وجود الله إحتمالية، و عدم وجوده إحتمالية أيضاً، ففى نظر بعد الحداثة أن هذين الإحتمالين متساويين، و لن يستطيع الإنسان الوصول إلى قرار. و بالتالى، النتيجة الحتمية هى التشكك التام.

بين هذين المدرستين تقف الواقعية العملية، و هى النظر فى الأسباب التى تجعل الإنسان يخرج من إطار العقل إلى إطار آخر. و السؤال الذى يجب أن تسأله لنفسك فى كل إعتقاد: هل لديك اسباب جيدة تجعلك تعتقد فيما تعتقده؟ تذكر، انت لا تستطيع أن تصل إلى يقين مُطلق فى وجود الله بإستخدام الإستدلال العقلى، لكن هذا لا يعنى أنك لا تستطيع أن تصل إلى هذا اليقين بأى طريق آخر. و هذه هى الظاهرة الفريدة التى تقدمها المسيحية. يمكنك أن تصل إلى اسباب جيدة تؤدى إلى "الايمان"، بجانب وجودك فى الحيز الغيبى الذى يسمح لك بإقتناء دليل من نفس الجنس الغيبى.

إذن الخطوات التى تقدمها الواقعية العملية هى: إيجاد اسباب عقلية جيدة تجعل الفرد ينتقل من الواقع العقلى إلى الواقع الغيبى، ثم فى الواقع الغيبى يتوفر الدليل على الإعتقاد الغيبى. و معنى أن تجد اسباب عقلية جيدة، هو أن تكون هذه الأسباب تجعلك تنتقل من الواقع العقلى إلى الواقع الغيبى بنسبة أكثر من 50 %. السبب العقلى الجيد هو الذى يتوفق عليه غيره من الخيارات المتوفرة. لا تحتاج أن يكون لديك اسباب مُطلقة، حتى تستطيع أن تعتقد فى الحقيقة المُطلقة. لكن فقط تحتاج إلى اسباب جيدة.

هناك نموذج جميل جداً لهذا التطبيق الفكرى. حركة "التصميم الذكى" تمثل واقع عملى جيد فى كيفية الموازنة بين العقل و الغيب. هذه الحركة لا تقول أن العلم يثبت وجود خالق، إنما تقول أن العلم يقدم أسباب جيدة للايمان بوجود خالق. وجود الذكاء فى الكون ليس دليلاً على أن الله موجود، لكنه سبب جيد يجعلك تؤمن أن الله موجود. ببساطة لأن الدليل على غيبى يجب أن يكون دليل غيبى.

التاريخ

قدمت المسيحية نفسها فى إطار تاريخى تام. حينما اخترق الله التاريخ، وضع نفسه تحت الفحص التاريخى. لأن هذا يعنى ببساطة أن الله انتقل من واقعه الغيبى إلى واقعنا العقلى. و كل شىء يقع فى إطار العقل يستطيع العقل أن يفحصه. لكنك يجب أن تعلم أيضاً أن كل ما لا يخضع للعقل لا يستطيع العقل أن يفحصه. هذا سؤال يجب أن تسأله لنفسك: لماذا لا نجد عالم فى المسيحية متخصص يسأل: ما هو الدليل على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله؟ فى حياتى لم اقرأ هذا السؤال خرج من أى عالم غير مسيحى. و عليك أن تسأل نفسك أيضاً: لماذا لا يظهر هذا السؤال إلا فى الدوائر الشعبية و العامة فقط؟ لماذا لا يظهر فى الدوائر المتخصصة؟

حينما تبدأ فى البحث التاريخى للمسيحية، عليك أن ترى هل هناك اسباب جيدة تجعلك تعتقد أن الكتاب المقدس هو كلمة الله أم لا. اليقين لن يأتيك إلا من جنس الهدف. لن يكون لديك يقين أبداً أن الكتاب المقدس هو كلمة الله إلا من خلال الله نفسه. دليل من جنس الهدف نفسه. لكن مادام الله أخضع نفسه للتاريخ، للواقع العقلى، فأنت لديك الفرصة لتجد الأسباب و تفحصها، هل هى جيدة أم لا.

هذه هى ميزة المسيحية: لديك الفرصة لتفحص الأسباب. لا يوجد نظام عقيدى آخر فى التاريخ يعطيك هذه الفرصة. أى نظام آخر يطلب منك أن تؤمن فقط، دون أن يكون لديك اساس عقلى لهذا الايمان. لن يكون لديك اسباب تجعلك تعتقد فى الايمان الغيبى. لا يوجد لديك فرصة للبحث عن اسباب جيدة للايمان، إلا فى المسيحية فقط.

اطرح الاسئلة ولا تخف: هل تستطيع أن تثق أن العهد الجديد يقدم تاريخ حقيقى؟ هل تستطيع أن تثق فى صورة يسوع التى تعرضها الأناجيل الأربعة؟ هل تستطيع أن تثق أن يسوع إدعى أنه الله؟ هل تستطيع أن تثق فى قيامة يسوع من الموت؟ هل تستطيع أن تثق أن العهد الجديد إنتقل لنا سالماً؟ هل لديك اساس عقلى جيد يجعلك تعتقد فى حدوث المعجزة؟ إذا كنت تستطيع أن تقيم الإجابات و تبحثها و تتحراها بدقة، و توصلت إلى أن المعطيات تجعلك تصل إلى اسباب جيدة للايمان، ففى هذا الوقت فقط يكون لديك اساس شرعى فى العبور من دائرة العقل إلى دائرة الغيب.

لكن هناك معايير عقلية يجب أن تتبعها فى بحثك العقلى هذا. إنزع عن نفسك إفتراضاتك المُسبقة. تخلى عن موروثاتك التقليدية. جرد نفسك من كل تحيز. درب عقلك على الرياضة العقلية، حتى تستطيع أن تحكم فى المعطيات. يجب أن تدرب على فحص القرائن، و وضع جميع الإحتمالات الممكنة. قارن بين هذه الإحتمالات، و قيمها، و توصل إلى افضل إحتمالية. افضل احتمالية، او افضل تفسير، هو الذى يغطى جميع المعطيات بأفضل شكل.

يسوع يُقدم لك نفسه لكى تفحصه. وضع نفسه تحت الفحص حتى يعطيك الأسباب الجيدة التى ستجعلك تؤمن به. حينما تقرأ لعالم ما يقول أن أى فحص عقلى سليم سيؤدى بالفرد للايمان بالمسيحية، لا تظن أن هذا غرور. لا تتخيل أن هذا مجرد غبى، فهذا لديه دراسة تفوق آفاقك الذهنية بمراحل. هناك من قضى عمره يفحص الأصول و الحقائق الموجودة، و قضى سنوات فى تقييم الدليل. و انت سعيد بايمانك الأعمى الذى لا يوجد فرصة عقلية واحدة لفحصه. لا يوجد شىء فيه يخضع لنطاق العقل حتى يستطيع الباحث فحصه.

النص و التفسير

فى مراحل أكثر تخصصاً، ستجد الإندماج الكامل بين التاريخ و اللاهوت. متى لم يكن يكتب مجرد تاريخ لحياة يسوع المسيح. لم يكن مرقس آلة كاتبة تكتب ما يُملى عليها. لم يُلغى لوقا و هو يكتب حياة ذاك الناصرى. لقد كانت كتابة هذه السير الذاتية فى حد ذاتها فرصة خلق المساحة العقلية التى تستطيع أن تبحث فيها. لقد كان هؤلاء البشيرين لاهوتيين، و كان لهم منظورهم الذى أرادونا أن نعرفه (و نحن "نؤمن" أن هذه المناظير سُجلِت بقصد الله). عليك أن تطرح السؤال لنفسك: هل كون هؤلاء البشيرين يحملون وجهات نظر لاهوتية، أثر بشكل أو بآخر على واقعية التاريخ المُدون؟ يجب أن تتحدى نفسك. انت كمسيحى تريد بالطبيعة أن كل شىء فى الكتاب المقدس يكون حقيقى. و انت كغير مسيحى تريد بالطبيعة أن كل شىء فى الكتاب المقدس يكون غير حقيقى. تحدى نفسك، و تصارع مع التاريخ و رؤيته اللاهوتية.

هذه هى مشكلة النص و تفسيره. أن تقرأ النص يعنى أن تفهم النص. و انت لا تستطيع فِهم النص إلا فى ضوء معرفتك. كذلك مشكلة الماضى، الذى لا نستطيع فِهمه إلا فى ضوء الحاضر. انت تأتى للنص مُعبأ بأطنان من المعرفة و منها خلفيات مُسبقة حول النص. و ستفهم النص فى ضوء معرفتك هذه. انت تعرف أن الوحى يجب أن يكون إملائى، و بالتالى لن يكون فى إستطاعتك فِهم أى رؤية للوحى إلا كذلك. هذه مشكلة ليست سهلة، و علاجها بأن تتدرب فلسفياً لتعرف أن قناعتك برؤيتك لا يعنى أنها صحيحة. البشر إعتقدوا لقرون، بكل يقين و ثقة، أن الأرض مُسطحة. فقط حينما خرجوا إلى الفضاء و شاهدوا الأرض من بعيد، عرفوا أنها كروية. القناعة لا تغير الحقيقة. فعليك أن تطارد الحقيقة أينما كانت، لا أن تبحث عما يحمى قناعتك الشخصية.

و فى مرحلة الايمان، فالمسيحية لم تنادى، ولا تنادى، بأنها تُبنى على النص نفسه. لا تقول المسيحية أن الله سيقدم لك ورقة إمتحان يسألك فيها الله بما آمنت و بما لم تؤمن. العقيدة فى المسيحية لا تُستقى من الكتاب المقدس، رغم أن الكتاب المقدس يشهد لها. لأن هدف الله من الكتاب المقدس ليس أن تعتقد أنه ثالوث مثلاً. الله لم يعلن الثالوث فى الكتاب المقدس حتى نعتقد أنه ثالوث. لا يوجد نص فى الكتاب المقدس يقول ذلك. مرحلة العقيدة ستأتى بالتدريج مع الوقت فى خبرتك الروحية مع الله. انت تعرف صديق، ستعرف عنه كل شىء. و هكذا الله، الشخص، الذى نبنى ايماننا عليه. و نحن نبنى ايماننا عليه، لأننا عرفناه و لمسناه. و معرفتك بالله ستجعلك تتعلم منه، و ستتغير حياتك، و تصبح حياة جديدة.

ظاهرة الإختبار الروحى لها علاقة وثيقة بمشكلة النص. النص مثله مثل أى مادة فى الكون، ليس مُطلق. لا يوجد أى نص مُطلق أبداً. و هذه الجملة تعنى أن الإنسان لن يستطيع أن يفهمه بشكل لا شك فيه. هذه الجملة لا تعنى أنه لم يكن هناك معنى أصلى للنص. المؤلف قصد معنى واحد و أصلى، و لكننا فى رحلتنا للبحث عنه لن نصل له بشكل مُطلق. ما سنصل له هو مجموعة من الإحتمالات الممكنة، و علينا أن نختار أفضل تفسير يفضل المواد المتوفرة. هذا يعنى أن ما ستصل له هو إحتمال، رغم أنه أفضل إحتمال، لكنه ليس يقين. و هذا الكلام ينطبق على أى نص، و هذا ما يحتم عليك الدراسة الأدبية للأعمال الأدبية. هذا التفسير، الذى هو أفضل تفسير، يُعتبر فى حد ذاته، أحد الاسباب التى عليك فحصها، هل هى جيدة أم لا، لتجعلك تنتقل خارج النطاق العقلى للايمان بالغيب.

قيامة المسيح من الموت هى حجر الأساس فى المسيحية. لو لم يقم المسيح من الموت، فباطل هو ايماننا. لنفحص إذن البيانات المتوفرة، و نرى الشهود، و نرى خبرتهم. حينما تجد أخ يسوع نفسه الذى كان يقول عليه مجنون فى حياته، ثم فى لحظة يتحول إلى مؤمن به و رئيس كنيسته فى اورشاليم و يضحى بحياته فقط لأنه يشهد أن يسوع قام من الموت. حينما نجد فريسى كان يتلذذ بقتل المسيحيين و إضطهادهم، و فى لحظة واحدة، يتحول إلى رسول المسيح إلى جموع الأرض بأكملها. حينما نجد شهادات كثيرة مُوثقاً تاريخياً، كلها تشهد أن التلاميذ رأوا يسوع قائماً من الموت. و بالأكثر، حينما لا نجد عالم واحد متخصص فى العالم كله، من بين أكثر من ألفى عالم متخصص فى النقد التاريخى للعهد الجديد، ينفى تاريخية هذه التجارب. ما الذى عليك أن تفعله؟ يسوع لم يترك خيار، فإما أن تقبله أو ترفضه. قيامته من الموت تثبت إدعاءاته. و فى هذه اللحظة عليك أن تقرر: ما هو أفضل تفسير للأدلة المتوفرة؟ هل لديك اسباب جيدة تجعلك تعتقد أن يسوع قام من الموت؟ تذكر، قيامة يسوع من الموت معجزة، أى خارج نطاق العقل. لكن الأسباب المتوفرة عقلية، و عليك أن تعرف هل هى جيدة أم لا. ضع النص أمامك، و اجمع كل الأدلة، و قيمها، و أنظر للشخص و حدد موقفك منه.

دعنى أعطيك مثال لمرحلة متقدمة: ناقشنا من قبل موضوع "اصغر البذور". ما توصلنا له هو أن أفضل تفسير للنص هو أن يسوع إستخدم ثقافة و لغة مجتمعه. الآن، هل هذا يعنى أنك تستطيع عبر هذا النموذج أن تصل إلى قناعة "مُطلقة" أن يسوع لم يخطأ أبداً؟ بكل تأكيد لا. لكن هذا سبب عليك أن تفحصه: هل هو جيد لجعلك تؤمن أن يسوع لم يصدر عنه خطأ؟ العهد الجديد يقول أن يسوع لم يصدر عنه خطأ. لكن أن تعتقد فى هذا هو "ايمان"، فهى مسألة خارج حدود العقل. و حينما نطبق هذا المثال على كل كلمة قالها يسوع، و نجد أنه لم يخطأ، فهذا سبب قوى جداً يجعلنا نؤمن أنه بالفعل لم يخطأ أبداً.

الإستجابة

حينما تعتقد أن الأسباب جيدة تجعلك تؤمن، ستنتقل إلى الواقع الغيبى، الذى يوفر لك الدليل اليقينى. نعم، تستطيع الآن أن تحصل على اليقين. اليقين لا يأتى إلا من جنس الهدف، و الهدف الغيبى اليقين فيه يكون غيبى، لا عقلى. حينما تضع ثقتك فى هذا الشخص، و "تؤمن" به، ستنتقل إلى شكل آخر من الحياة. ستجد اليقين الذى تبحث عنه. نحن فى عالم نسبى، نحتاج إلى ثابت. و هذا الثبات لن يأتى من الواقع المادى أبداً، لأنه واقع نسبى. أى نص قابل للتأويل، و كل الإحتمالات موجودة. بناء على العقل فقط، لن تستطيع أن تصل إلى يقين فى حياتك الأبدية. بناء على النص، لن تستطيع أن تصل إلى الحياة. لأن الموت لا يُولد منه حياة. إنما الحياة كلها فى الروح، و هذا هو إنفراد المسيحية بين كل أنظمة العالم اللاهوتية فى التاريخ البشرى بأكمله. المسيحية توفر لك لقاء حقيقى مع الله، ففى المسيح تستطيع أن تتقدم له طالباً منه أن تتعرف عليه. الله يريد الجميع يخلصون، لا يريد أن يهلك أحد. لكنك ستهلك بدون الله، طالما أن ليس لك معرفة به و كل ما تقوم به هو ان تقوم و تسجد. هذا التدين ليس سوى فراغ، و الله أعطانا الفرصة من جديد لنؤمن به بناء على اسباب عقلية جيدة.

هل يوجد نظام عقيدى واحد قابل للفحص و الإستدلال العقلى غير المسيحية؟ المسيح لا يقول لك اغمض عينيك ثم آمن بى، بل يطلب منك أن تفحصه. هذا هو إعلان التجسد، الذى به وضع الله نفسه للإنسان ليفحصه. ايمانك بالمسيح ليس مجرد قفزة تتخطى الجدار العقلى دون وجود سبب أو محرك. أنه خطوة إستجابة طبيعية للبرهان.

هذا هو الايمان العلمى!

هناك 4 تعليقات:

  1. ففادى مقالة رائعة جداً جداً ربنا يحفظك و يباركك و لكنها مقالة دسمة جداً جداً، محاضرة من العيار الثقيل
    ربنا يباركك
    بس عندى سؤال انت تقول" بالأكثر، حينما لا نجد عالم واحد متخصص فى العالم كله، من بين أكثر من ألفى عالم متخصص فى النقد التاريخى للعهد الجديد، ينفى تاريخية هذه التجارب"
    هل فعلاً لا يوجد عالم نقد تاريخى للعهد الجديد ينكر القيامة؟
    و ماذا عن العلماء الذين قالوا قديماً بنظرية الإغماء؟
    و ماذا عن بارت ايرمان فى مناظرته مع مايكل ليكونا ولا بارت ليس بناقد تاريخى فقط ناقد نصى؟
    و هل هؤلء العلماء كلهم مسيحيين و لا لهم تيارات دينية مختلفة؟
    بجد يا فادى ربنا يباركك و يملاك علم و تعلمننا

    ردحذف
  2. لا عماد، انا لم أقل أن كل العلماء يتفقون على تاريخية القيامة، بل على تاريخية تجارب التلاميذ، أى تاريخية إدعاءات التلاميذ بأنهم رأوا المسيح القائم من الموت. هناك حقائق ثابتة فى النقد التاريخى، يتفق عليها كل العلماء.

    ايرمان له قصة مختلفة، كالعادة، لكن غالبية العلماء المنكرين لتاريخية القيامة، يرفضونها لأنهم ينكرون حدوث المعجزة.

    ردحذف
  3. كل اللي أقدر أقوله يا فادي :

    الله يحرقك هتخليني أبدأ أبحث تاني!

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!