الاثنين، 15 فبراير، 2010

صوت المعمودية السماوى


صوت المعمودية السماوى
دراسة تفسيرية و نصية
فادى اليكساندر


الصوت السماوى فى المعمودية، هو صوت الآب فى وقت معمودية يسوع. ما الذى قاله الآب بالضبط؟ يقول متى أن صوت الآب قال:"هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (3 : 17)، بينما يقول مرقس أن صوت الآب:"أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (1 : 11)، و سنتفق مؤقتاً أن لوقا يتفق مع مرقس فى أن الآب قال:"أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" (3 : 22). و الإعتراض يقول: هل وجه الآب كلامه ليسوع أم للحاضرين؟ متى يقول أن الآب خاطب يسوع مباشرةً، بينما يقول مرقس و لوقا أن الآب خاطب الحاضرين أو يوحنا المعمدان. المعترضين و المهاجمين لعصمة الكتاب المقدس سيقولون هذا تناقض، لكن الباحث بدقة لن يجد هذا تناقض، خاصةً لو توفرت لديه آليات النقد الكتابى.

بارت ايرمان يقول فى هذه المشكلة:

"كل قصة تحاول أن تقوم بشىء ما مختلف مع هذا الصوت. هذا يعنى أن الكلمات المختلفة تعنى اشياء مختلفة فيصبح لها وظائف مختلفة: ففى متى، الكلمات تعرف يسوع ليوحنا المعمدان و الجموع، و فى مرقس، لتأكيد هوية يسوع له هو نفسه مباشرةً، و فى لوقا، تعلن الكلمات أن المعمودية قد جعلته إبنه بشكل خاص (أو صدقت على ذلك؟). و لكن يبقى السؤال، ما الذى قاله الصوت بالضبط؟"
[1].

سنعود لكلام ايرمان لاحقاً، و لكن دعونا نقرأ الرد التقليدى على هذا الكلام. يلخص لنا د. ق. منيس عبد النور الرد قائلاً:"لا يجرؤ أحد على القول إن جوهر العبارتين مختلف، لأن المعنى المقصود فيها كلها واحد. ولا ننكر وجود اختلاف في الأسلوب. فبحسب مرقس جاء الكلام موجَّهاً إلى المسيح. ولكن حسب متى جاءت العبارة مقولة عنه. ونرجّح أن مرقس أورد نص كلام الآب كما هو، أما متى فقد جاء بخلاصته. وللإيضاح نضرب مثلاً: فلنتصوَّر أن عدداً من الناخبين أجمعوا على انتخاب ممثل لهم، فدوَّن أحدهم في محضر الجلسة:"أجمع الناخبون على انتخاب فلان، وصاحوا مشيرين إليه: أنت هو الرجل الجدير بالثقة". وجاء آخر بخلاصة المحضر نفسه فقال:"حاز فلان ثقة جميع الناخبين، وقالوا عنه: هذا هو الرجل الجدير بالثقة". فهل يمكن في حال كهذه اتّهام التقريرين بالتناقض؟"
[2].

بالطبع ليس تناقضاً، فبمجرد أن نفهم كيف كان يعمل الإنجيليين، سنفهم فوراً معنى التحرير النصى، الذى هو حق شرعى للمؤلف. و هذا هو هدفى فى هذه المقالة، بيان حق التحرير للمؤلف، مادام لم يصدر منه خطأ. فى هذا الموضوع، سنجد عدة فروع من علوم النقد الكتابى متشابكة معاً، و قد رأيته فرصة جميلة لعرض تقنيات هذه العلوم فى مثال عملى من أجمل الأمثلة تماماً.

الفروع النقدية المُستخدمة

الفرع المعرفى الأول: نقد المصدر. من أهم فروع النقد الكتابى "نقد المصدر"، و هو العلم الذى يبحث فى المصادر التى إستخدمها المؤلف فى كتابة عمله. و فى الأناجيل الإزائية، أى الثلاث أناجيل الأولى، يعتقد غالبية العلماء أن مرقس كُتِب أولاً، و إستخدمه متى و لوقا كأحد مصادرهم، بجانب مصدرين آخرين لكل منهما، و أحد هذين المصدرين مشترك بين متى و لوقا. هذا يعنى أن الشكل الأقدم لأى نص مُشترك بين الثلاثة أناجيل، هو شكل النص فى إنجيل مرقس. بكلمات أخرى، أقدم شكل لنص الصوت السماوى فى المعمودية، هو بحسب مرقس. هذا يعنى أن الآب وجه كلامه مخاطباً يسوع، ليس الحاضرين أو يوحنا المعمدان. و بالتالى، علاقة هذا الفرع فى هذه المقالة سترتبط بإنجيل مرقس.

الفرع المعرفى الثانى: النقد التنقيحى. و هو فرع مبنى بشكل مباشر على نقد المصدر، فإذا سقط نقد المصدر، سقط معه النقد التنقيحى. و هذا الفرع يبحث فى مقارنة المصادر التى نستطيع تحديدها مع العمل الذى إستخدم فيه المؤلف هذه المصادر. بمعنى أن متى حينما يستخدم إنجيل مرقس، فهذا لا يعنى أن متى أصبح مجرد ناسخ، لكنه مؤلف أيضاً، و بالتالى يجب أن نتوقع تحريراً فى نقل متى عن مرقس. هذا التحرير هادف، و بالتالى يصبح بإمكانيتنا أن نعرف ما قصده متى بالضبط، من خلال مقارنة النص فى مرقس، مع النص الذى كتبه متى. و بالتالى، علاقة هذا الفرع فى هذه المقالة سترتبط بإنجيل متى.

الفرع المعرفى الثالث: النقد النصى. و هو الفرع المعرفى الذى يبحث فى تحديد شكل النص الأصلى لأى عمل فُقِدت وثيقته الأصلية. و المشكلة هى أن نص إنجيل لوقا فيه خلاف فى المخطوطات حول ما قاله الصوت السماوى. ليس ذلك فقط، بل ايرمان يعتبر هذا النص أحد أدلته الرئيسية على وجود إفساد ارثوذكسى مُتعمد لتغيير النصوص التى يستخدمها الهراطقة فى تدعيم عقيدتهم، و هم فى هذه الحالة التبنويين. و بالتالى، علاقة هذا الفرع فى هذه المقالة سترتبط بإنجيل لوقا.

بعد أن عرفنا الفروع التى سنستخدمها فى دراستنا، نبدأ فى تحليل النصوص و ترتيب المُعطيات و الدلائل و القرائن المتوفرة. لكن قبل أن نبدأ، هناك عدة ملاحظات تفسيرية يجب أن نعرفها مشتركة فى أشكال النص الثلاثة.

ملاحظات تفسيرية

أولاً: يرى العلماء أن الإشارة إلى انفتاح السماوات، هى فى الحقيقة تشير إلى فكرة Bath Qol الموجودة فى مخطوطات البحر الميت و الترجومات المتأخرة، و هى تعنى "بنت الصوت". هذه الفكرة تعنى بإختصار صدى صوت السماء فى فترة ما بين العهدين؛ الفترة التى إنقطع فيها الوحى الكتابى. و هذه الفكرة كانت معروفة عند اليهود عبر اربعة قرون بعد كتابة سفر ملاخى، و كانت متزامنة مع الأدب الرؤيوى فى فترة ما بين العهدين. لكن مع مجىء يوحنا المعمدان ليمهد الطريق لإعلان الله الأخير للبشرية، فى شخص يسوع الممسوح من الله. و كان هذا الإستخدام لهذه الفكرة هو إعلان فى حد ذاته برجوع عصر النبوة مرة أخرى. غير أن الصوت ليس مجرد صدى، بل هو صوت الآب الحقيقى.

ثانياً: النص فى أشكاله الثلاثة، يضع إقتباساً من نصين فى العهد القديم، كما أجمع العلماء
[3]. هذين النصين هما:"إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ. قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي. أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مز 2 : 7)، "هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ" (اش 42 : 1). أى أن المسيح تمم المعنى الكامل للنبوة، فهو ابن الله و فى نفس الوقت العبد المتألم (و هذا إعلان تام و كامل عن لاهوت المخلص و ناسوته). و يخبرنا العلماء أن حتى اليهود فى فترة ما بين العهدين فهموا دلالات هذا النص المسيانية، كما فى مخطوطات البحر الميت و الترجومات[4].

كريج كينر يلخص هذه الدلالات كالتالى:"معلمو اليهود الذين إعتقدوا أن الله لم يعد يتكلم عن طريق الأنبياء، إعتقدوا أنه يتكلم إليهم عن طريق صوت من السماء، مع أن ذلك لم يكن هاماً كالنبوة. و أوضح مرقس هنا (1 : 11) أن الصوت من السماء و نبوة يوحنا يشهدان ليسوع. و فى القصص القانونية فإن الصوت من السماء كان يقتبس أقوال الكتاب المقدس من آن لأخر، و يعتقد معظم العلماء أن الصوت هنا يشير إلى شاهدين أو ثلاثة من الكتب المقدسة: مز 22 : 2 عن المسيا ابن الله، اشعياء 42 : 1 عن العبد المتألم، و تكوين 22 : 2 عن ابراهيم و هو يقدم ابنه الحبيب ذبيحة. و الكلمات الواردة فى النص هنا اقرب ما يكون إلى مزمور 2 : 7 و تكوين 22 : 2"
[5].

تحليل اشكال النص

مرقس هو أقدم الأناجيل، و الإختصار الكبير الموجود فيه يجعل بساطة مادته بالنظر للدراسة الأدبية لبقية الأناجيل توفر دليلاً على أنه بالفعل الأقدم. و ماعدا قلة من العلماء، فإن الغالبية العظمى مقتنعين بأنه أول الأناجيل فعلاً. لذلك نحن على قناعة بأن الآب وجه كلامه إلى يسوع، مخاطباً إياه. هذا الإحتمال أقوى من غيره لعدة اسباب:

1- متى كان لديه نسخة من إنجيل مرقس، و بالتالى متى كان يعرف أن صياغة مرقس تخاطب يسوع و ليس آخر، سواء كان الحضور أو المعمدان. و نفس الكلام ينطبق على لوقا.
2- إذا كان متى أمامه نص مرقس يخاطب يسوع، فما الذى يجعل متى يخالف مرقس إلا لهدف معين؟ لاحظ أن متى كان معتمداً بالفعل على مرقس.
3- إدراك أن إنجيل مرقس هو فى الحقيقة كرازة بطرس، يجعل من الصعب على متى مخالفته لغرض يخص حقيقة الكلام، خاصةً أن يسوع لم يكن قد إختار تلاميذه بعد، أى أن متى لم يكن شاهداً لهذا الحدث.

أما عن متى، فأول ما نلاحظه فى نص متى، هو أنه لا يصف المعمودية نفسها تماماً مثل مرقس، إنما يصف ما حدث بعد المعمودية. هذه الإشارة الأولى تبين لنا أن ما تلى المعمودية كان فى حد ذاته امر هام جداً، حتى أن متى إختصر حدث التعميد نفسه رغم ما يحمله من دلالات لاهوتية كثيرة، حتى يصل إلى الحدث السماوى الذى تم فى المعمودية. هذا الإهتمام نلاحظه أكثر حينما نقارن بين رغبة متى فى عرض تفاصيل تخص هذا الحدث السماوى، فى الوقت الذى لم يعرض فيه أى شىء يخص حدث التعميد نفسه. العالم لينسكى يصف هذا التفصيل بالمقارنة مع مرقس أيضاً قائلاً:"هنا مرقس مُختصر جداً، لكن سرد متى ممتلىء أكثر و مُفصل أكثر فى كل إتجاه"
[6]. وجود النص بحسب متى يهدف إلى تأكيد مسيانية يسوع، لأن الصوت قدم يسوع مخاطباً آخرين، و ليس يسوع نفسه. و بالتالى، النص يعلن مسيانية يسوع للآخر. و بمعرفتنا أن متى إستخدم مرقس، نعرف أن متى كان لديه هدف من هذا التحرير. لكن هذا الهدف ليس أن الآب خاطب آخر، للأسباب المذكورة بالأعلى. فما الذى يمكن أن يكون السبب؟

متى قام بتحويل الضمير الأول إلى الضمير الثالث، ليقول النص "هذا هو". إن المشهد بهذا الشكل قادم من آخر يشهد لتاريخ هذا الحدث، ليؤكد على قوته و نفاذه. متى أراد أن يجعل من الكلمات شهادة تاريخية، شهادة تسرد تأكيد الآب على مسيانية يسوع و أنه هو الممسوح. أو كما قال أحد العلماء: واحد وضع الصياغة، و آخر وضع أهمية الصياغة. بهذا الشكل تتحول شهادة الآب إلى شهادة المجتمع كله. لقد إنتقلت الشهادة للكنيسة الآن، لتشهد و تعلن من هو يسوع. فى الحقيقة، لقد إنتقلت لك انت
[7].

نعم لقد قام متى بتغيير النص فى مرقس، و كذلك فعل لوقا، لكن هذا تغيير لهدف ما، و ليس خطأ! هنا النقطة، فلو نظرنا ليوحنا المعمدان و هو يشهد بما رآه، سنرى أن يوحنا شاهد حلول الروح القدس عليه، لكنه لم يقل انه سمع شىء، و هذا هو الدليل الرئيسى على أن كلام الآب كان مخاطباً ليسوع. و بالتالى، تحويل خطاب الآب من شكل شخصى ليسوع، ليكون دعوة للكنيسة كلها لتشهد بما ليسوع و بما عليها ليسوع، يهدف إلى الضغط بقوة على تاريخية الحدث.

نعود الآن لكلام ايرمان المذكور فى البداية. ايرمان يفترض عدم تكامل الأناجيل، فى الوقت الذى يتحدى فيه عصمة الكتاب المقدس عن الخطأ. هذا يتضح جداً فى قوله:"لكن بدون أن يقرر أى فرد إعادة كتابة الثلاث أناجيل، فإن الحقيقة هى أنهم يوضحون بأن الصوت قال اشياء مختلفة"
[8]. هذا الكلام هو ببساطة دعوة للقارىء أن يقرأ كل إنجيل على حِدة، دون أن يحاول دمج الأناجيل الثلاث معاً. رغم أنه من الدقيق تاريخياً الأخذ بهذا المبدأ، و لكن كيف يمكن تطبيقه بشكل لاهوتى؟ على أى اساس لاهوتى يمكن للفرد الإفتراض بأن الثلاثة أناجيل غير متكاملة؟ إذا كنت تتحدى ايمان شخص ما، فعليك أن تعرف ما هو ايمان هذا الشخص. النقطة الثانية هى أن حتى على المستوى التاريخى، هذا الكلام غير معقول. متى و لوقا، كل منهما، كان معه نسخة من إنجيل مرقس. لم اقرأ لعالم قال أننا لا نعرف ماذا قال الصوت، فالكل إتفق على أنه قال ما دونه مرقس. سؤال ايرمان ليس باقِ كما قال هو. إنما السؤال الباقى، و الذى أعرف جيداً أنه سيبقى، هو:

على أى اساس نفترض أن متى و لوقا لم يكونا يعرفا ما الذى قاله الصوت كما ذكره مرقس؟ ما هو الدليل على ذلك؟

بل على العكس، لدينا احتمالية قوية جداً، فمتى و لوقا كان لديهما إنجيل مرقس! و إن كان متى يعرف جيداً ما الذى قاله الصوت بحسب مرقس، هل نستطيع أن نستمر فى المغالطة قائلين أنه قد اخطأ؟ ألا يجب أن نهتم أكثر و نفحص أكثر قبل المبالغة الزائدة كما فعل ايرمان؟ فى الحقيقة، ليست هذه هى المغالاة الوحيدة لايرمان فى هذه القضية!

الشق النصى

آخر نقطة سأناقشها هنا هى: ما الذى كتبه لوقا بالضبط؟ يقول ايرمان:"مخطوطات مختلفة لإنجيل لوقا تعطى للصوت كلمات مختلفة. و أنا أسلم هنا بالقراءة الأصلية للنص كما هو موجود فى بعض المخطوطات الأقدم للكتاب المقدس، رغم أنها غير موجودة فى غالبية الترجمات الإنجليزية"
[9]. و نظراً لأن هذه قصة طويلة، فسأضع لك ملخصاً لفكر ايرمان فيما يلى.

ايرمان يعتقد أن النُساخ الأرثوذكس، أى النُساخ المستقيمى العقيدة، كانوا فى بعض الأحيان يقومون بتغيير نصوص معينة من العهد الجديد، لأن هذه النصوص كان يستخدمها الهراطقة فى اثبات عقائدهم. يستدل ايرمان بأربعة فرق، تعتبرهم الكنيسة هراطقة. أول هذه الفرق هم "التبنويين". هؤلاء آمنوا أن يسوع كان مجرد إنسان، إلى أن تبناه الله، فأصبح إبناً لله. نقطة التبنى هذه كان عليها خلاف بينهم، البعض قال فى المعمودية و البعض قال فى القيامة. نصنا فى إنجيل لوقا يقول أن صوت الآب السماوى قال ليسوع:"أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" (3 : 22). لكن فى عدة مخطوطات، يقرأ النص:"انت ابنى، انا اليوم ولدتك". هذه المخطوطات هى بيزا و شواهد من اللاتينية القديمة بجانب عدد من الآباء.

كيف يفسر ايرمان هذه القراءة؟ يقول أن هذه القراءة هى الأصلية، و أن النساخ الارثوذكس قاموا بتغييرها إلى "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ"، حتى لا يستخدم التبنويين النص فى إثبات عقائدهم. الآن، يجب أن تعرف أن ايرمان فى هذا المجال يُغالى جداً، و قد إنتقده أكبر علماء النقد النصى فى العالم. كما غالى فى تفسير النص، يغالى الآن فى تحديد القراءة الأصلية. العديد من العلماء قالوا على عمله "الإفساد الأرثوذكسى للنص المقدس" جملة هامة: ايرمان يفترض حلول معقدة فى الوقت الذى يوجد فيه اسباب بسيطة لتفسير الفساد.

هنا نحن أمامنا أحد هذه الحالات التى يوجد لها سبب بسيط، لكن ايرمان غالى فيه جداً. دعنى اذكرك بأن جملة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" موجودة فى الثلاث أناجيل. السؤال الذى يفرض نفسه: هل بيزا قرأت "انت إبنى، انا اليوم ولدتك" فى إنجيلى متى و مرقس؟

لكل شخص يتبنى قضية ايرمان فى الدافع اللاهوتى: هل يوجد تفسير واحد لعدم وجود قراءة "انت إبنى، انا اليوم ولدتك" فى إنجيلى متى و مرقس فى أى شاهد، فى ضوء إدخال نفس القراءة فى شواهد فى إنجيل لوقا لسبب لاهوتى؟!

تعالوا نستمع كلمات ايرمان و هو سعيد بقوة قراءة التبنى فى برهانها الخارجى:"من ضمن مصادر القرن الثانى و الثالث، إنها تقريباً القراءة الوحيدة الموجودة؛ و حتى القرن السادس، موجودة فى شواهد مُوزعة على نطاق واسع مثل آسيا الصغرى، فلسطين، الإسكندرية، شمال افريقيا، روما، الغال، اسبانيا"
[10]. هذه كلمات فخر تعنى أن القراءة كانت منتشرة جداً، و محفوظة لنا فى شواهد متنوعة جداً فى جغرافيتها. السؤال الآن: هل الناسخ الذى غيّر قراءة لوقا لم يستطيع أن يغير قراءة متى و مرقس؟ الجواب من ايرمان سيكون أن النص أصلى فى شكله فى متى و مرقس. و هنا يبرز الإفتراض الثانى: الصوت قال جملتين! ليس ذلك فقط، بل و للصدفة، الصوت قال جملتين بدايتهما واحدة.

من اين جاءت القراءة إذن؟ ذكرت فى الملاحظة التفسيرية الثانية بالأعلى، أن هذا النص فى أشكاله الثلاثة، يستخدم نصين من العهد القديم. أحد هذين النصين هو:"إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ. قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي. أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مز 2 : 7). هذا النص الذى هو أحد النصوص التى اقتبسها الصوت السماوى، يقول "انت ابنى، انا اليوم ولدتك". نفس قراءة التبنى!

أحد قوائم انواع القراءات التى نجدها تقريباً فى كل صفحة من الأناجيل الأربعة هى: التوفيق بين الأناجيل الأربعة، بينهم و بين نفسهم، و بينهم و بين السبعينية. إذن، ها نحن لدينا حل سهل و بسيط، و هو أن قراءة التبنى هى توفيق بين نص لوقا و نص المزمور. ايرمان ذكر هذا الإحتمال و ناقشه بالفعل، فماذا كان رده عليه؟

يتلخص رد ايرمان فى محورين ذكرهما، هما
[11]:

1- أيهما أسهل: أن يقوم الناسخ بالتوفيق بين نصوص الأناجيل الأربعة و بعضها، أم أن يوفق بين نص إنجيل و السبعينية؟
2- أيهما أسهل: أن يخلق الناسخ قراءة تسبب مشكلة لاهوتية، أم أن يحاول التخفيف من حدة مشكلة لاهوتية؟

عن المحور الأول، يقول ايرمان أن الإحتماليتين موجودتين بالفعل فيما يخص التوفيق، و لكن مادامت كل الإحتمالات موجودة، فإن الأسهل و الأكثر ترجيحاً هو التوفيق بين الأناجيل الأربعة و بعضها. بكلمات أخرى، ايرمان يقول التالى:

لو أن قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك"، يمكن أن تكون نتيجة التوفيق بين نص الإنجيل و نص السبعينية و قراءة " أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" هى الأصلية، فإن قراءة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" يمكن أيضاً أن تكون مجرد توفيق بين نص إنجيل لوقا و إنجيل مرقس و قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك" هى القراءة الأصلية. و لكن هناك عاملين يقويان الخيار الثانى، و هما: التوفيق بين إنجيل و آخر أسهل من التوفيق بين إنجيل و السبعينية، كما أن الناسخ لن يحاول أن يوفق النصوص بخلق نص يحدث مشكلة لاهوتية. هذا هو ما يقول ايرمان.

و الآن هذا سؤالى لك: اين الدافع اللاهوتى فى هذا الرد؟!

بكل بساطة و ترتيب:

1- السبب الأسهل هو الأفضل بحسب نصل اوكام. لو أنك لديك سبب بسيط لتفسير مشكلة ما، فلماذا تفترض حل مُعقد؟
2- ايرمان يفترض سبب مُعقد لنشأة قراءة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ " و هو وجود دافع لاهوتى.
3- يوجد سبب سهل لتفسير نشأة قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك"، و هو التوفيق بين النص فى الإنجيل و نص المزمور الذى هو جزء اساسى فى تكوين النص كما هو فى شكله التقليدى.
4- ايرمان يقول: نعم هذا كلام صحيح، و لكن أسهل من ذلك أيضاً أن تكون قراءة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" قد نشأت نتيجة التوفيق بين نص لوقا و نص مرقس.
5- النتيجة: ايرمان أقر أن هناك حل أسهل و إنتفى الدافع اللاهوتى.

كيف إنتفى الدافع اللاهوتى؟ ببساطة لأن ايرمان قال بنفسه إقترح سبب أسهل لنشأة قراءة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ"، و هو التوفيق بين إنجيلى مرقس و لوقا. هذا يعنى أننا حتى لو إفترضنا أن قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك" هى الأصلية، فلم يوجد ناسخ ارثوذكسى حذفها و وضع القراءة الأخرى "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" بدلاً منها حتى لا يقوم التبنوى بإستخدام النص ليقوى عقيدته. لا، بل سبب حذف القراءة هو التوفيق بين نص الأناجيل، و ليس الدافع اللاهوتى! كل هذا بفرض أن قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك" هى الأصلية. و مع ذلك، إكتشفنا أنه يوجد سبب أسهل لتفسير القراءة الأخرى، بحال أن قراءة التبنى هى الأصلية، و لسنا فى حاجة إلى التعقيد الذى مارسه ايرمان.

يهمنى هنا أن أشير إلى حقيقة هامة: النُساخ لم يكن لديهم غاية من توفيق النص، بل كان توفيق النص نفسه هو هدفهم. يمكننى أن أضع الآن عشرات النصوص التى نتجت عن التوفيق، و كان التوفيق هو الهدف بحد ذاته. فالعديد من العلماء قالوا بأننا لا نتخيل أن يقول لوقا أن يسوع أصبح ابن الله فى معموديته، فى الوقت الذى نجده ابن الله فى إنجيل لوقا قبل ذلك بإصحاحين فقط (لو 1 : 35). ما الحل إذن فى نظر ايرمان؟ الحل فى منتهى البساطة لديه: الناسخ وجد أن هذا تناقض، فجعله هذا يغير النص!

هذا الكم البالغ من التنظير، كم التكهنات و الإفتراضات، لا يوجد عليه أى دليل. و مع ذلك أضع السؤال مرة أخرى: أين الدافع اللاهوتى؟ ما توصلنا إليه مرة أخرى، هو أن النص تغير لوجود مشكلة تناقض بينه و بين نص سابق، فأين الغرض اللاهوتى من ذلك؟ هكذا، عرض ايرمان محاولتين لتفسير موقفه من أصولية القراءة، لكن نسى تماماً أنه بقبوله هذه المحاولات، ينفى بالفعل أى دافع لاهوتى.

أما المحاولة الثالثة فهى القول بأن كتابات لوقا نفسها تنادى بالعقيدة التبنوية، و بهذا فإن القراءة تكون متناسقة مع لاهوت لوقا، و بذلك تكون أصلية. حسناً، اين الدافع اللاهوتى؟ لا يوجد بالتأكيد، فهذا إستدلال من الإحتمالية الإسلوبية. هكذا، إستدلالات ايرمان على وجود دافع لاهوتى، تم دحضها، و بيان واضح و بموافقة من ايرمان نفسه، بأننا حتى لو إفترضنا صحة قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك"، فلا يوجد أى دليل على وجود دافع لاهوتى أدى إلى نشأة قراءة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ".

هذه هى المشكلة، المغالاة من أجل المغالاة فقط، و بهذا يتأكد لنا حقيقة ما قاله نُقاد ايرمان، بأنه يفترض اسباب أكثر تعقيداً للفساد بينما هناك اسباب ابسط بكثير قد تفسر المشكلة. و أنا ادعو كل قارىء أن يقرأ معالجة ايرمان، و يقوم بتحليلها بنفسه
[12]. كما أدعو كل قارىء أن ينظر فى معالجته فى كتابه الأكثر شعبية "سوء اقتباس يسوع"[13]، و يقارن بين المعالجتين، و يقوم بتطبيق "النقد التنقيحى"، ليرى ما حذفه ايرمان ليعرف أهدافه جيداً!

هناك أمثلة كثيرة فعلاً للمغالاة فى كتابات ايرمان، سواء تفسيرية أو نصية، سأقوم بمناقشتها تباعاً فى مقالات متنوعة.

هذه هى قضيتى إذن: حتى لو كانت قراءة التبنى هى القراءة الأصلية، فلا يوجد أى دليل نصى أو وثائقى على وجود دافع لاهوتى فى حذفها.

و كما قال فيلاند فيلكر: ايرمان يستطيع أن يرى خلف كل قراءة دافع لاهوتى!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Bart D. Ehrman, Jesus, Interrupted: Revealing The Hidden Contradictions in The Bible (And Why We Don't Know About Them), HarperOne: USA 2009, P. 40
[2] د. ق. منيس عبد النور، شبهات وهمية حول الكتاب المقدس، إصدار الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة، الطبعة الثالثة: 1998، ص 269. انظر ايضاً: ق. سمعان كلهون، إتفاق البشيرين، إصدار الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة: 2005، ص 104.
[3] هذين هما النصين الرئيسيين، لكن هناك من يضيف تك 2 : 22 و يضع صورة المخلص الفادى فى تكامل مع صورة العبد المتألم، و قلة قليلة يضيفون خر 4 : 22 – 23. لو أننا أضفنا هذين للنصين، سنجد أننا لدينا اربعة نقاط ممتدة عبر تاريخ اسرائيل كاملاً، و فى نقاط حساسة جداً بشكل يجعل يسوع تجسيد كامل لإسرائيل؛ للإنسانية نفسها. و من ناحية أخرى، سنجد نزول الروح القدس على شكل حمامة يعطى إنطباع الروح الإلهية، أو كما قال تالبيرت الشخصية المُحِبة للحياة الإلهية نفسها، فى تكامل تام مع تكرار أن المسيح هو ابن الله بشكل متتابع قبل المعمودية و بعد المعمودية، فى تجسيد كامل للإلوهية المُطلقة فى شخصه. يمكنك أن تجد شرح تفصيلى لكيفية توظيف الأربعة نصوص فى:
Warren Carter, Mathew and The Margins: A Socio-Political and Religious Reading, JSNT Supp. 204, Sheffield Academic Press: England 2000, P. 103-104.
غير أن قناعتى الشخصية تتعلق بالنصين الرئيسيين بالأكثر. لشرح تحليلى كامل لهذين النصين، انظر:
R. T. France, The Gospel of Mark: A Commentary on The Greek Text, Eerdmans: USA 2002, P. 79-83
[4] يضع كريج بلومبيرج نموذجين رئيسيين، هما: ترجوم اشعياء 42 : 1، و مخطوطة المنتخبات 10 : 14 من الكهف الرابع فى البحر الميت 4Q174. انظر:
Craig L. Blomberg, The New American Commentary, Vol 22, Mathew, Broadman Press: USA 1992, P. 82
[5] كريج س. كينر، الخلفية الحضارية للكتاب المقدس: العهد الجديد، الجزء الأول، إصدار دار الثقافة: 2003، ص 122، و أنظر ايضاً ص 45 و 175.
[6] R. C. H. Lenski, The Interpretation of St. Mark's Gospel, Wartburg Press: USA 1946, P. 42
[7] Donald A. Hagner, World Biblical Commentary, Vol 33A: Mathew 1-13, Word Books Publishers: USA 1993, P. 58; Leon Morris, The Gospel According to Mathew, Eerdmans: USA 1992, P. 67; Willoughby C. Allen, A Critical and Exegetical Commentary on The Gospel According To St. Mathew, 3rd Edition, T&T Clark: England 1958, P. 29; Ted Cabal, The Apologetics Study Bible, Holman Bible Publishers: USA 2007, P. 1466
[8] Ehrman, Jesus, P. 40.
[9] Ibid.
[10] Ehrman, The Orthodox Corruption of Scripture: The Effect of Early Christological Controversies on The Text of The New Testament, Oxford University Press 1993, P. 62-63.
[11] Ibid, P. 63-64
[12] Ehrman, Orthodox, P. 62-67.
[13] Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed The Bible and Why, HarperSanFrancisco: USA 2005, P. 158-161

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!