الثلاثاء، 9 فبراير، 2010

النقد النصى و التفسير - الجزء الثانى


النقد النصى و التفسير
الجزء الثانى
(يو 1 : 28)
فادى اليكساندر


المشكلات الجغرافية فى العهد الجديد مثيرة جداً، فهى تجمع معاً عدة فروع معرفية فى محاولة حلها. و التشابك بين النص و الجغرافيا رأيناه بوضوح فى كتاب "جدارا و جرجسة و جراسا"، و رأينا كيف كان اوريجانيوس نشيطاً فى محاولة حل المشكلة. و رغم أن المشكلة التى سيتم دراستها فى هذه المقالة لا تمثل مشكلة تفسيرية حقيقية لنا اليوم، لكنها مثلت مشكلة تفسيرية كبيرة لأوريجانيوس! غير ذلك، فإنها تطرح لنا آفاقاً جديدة لنتعرف بصورة أكثر قرباً على لاهوت يوحنا، و على السياق العام الذى كتب إنجيله فى إطاره.

فى إنجيل يوحنا، نقرأ:"هَذَا كَانَ فِي بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ" (يو 1 : 28). و المشكلة أنك إذا نظرت فى أى إصدار نقدى للعهد الجديد
[1]، لن تجده يقرأ بيت عبرة Βηθαβαρά لكنك ستجده يقرأ بيت عنيا Βηθανία. لماذا تضع هذه الإصدارات بيت عنيا بدلاً من بيت عبرة؟ بالتأكيد لأن الدليل المتوفر اقنعهم لدرجة معقولة. و إليك الدليل[2]:

قراءة "بيت عنيا" تشهد لها المخطوطات اليونانية التالى: البردية 66، البردية 75، الفاتيكانية، السينائية، الإفرايمية، واشنطن، و المخطوطات: E F G H L N X Δ Θ Ψ 021 028 031 033 034 045 047 063 0211 8 9 27 28 157 205 461 475 565 579 597 700 892 1006 1009 1010 1071 1073 1194 1195 1203 1210 1212 1216 1241 1242 1243 1253 1342 1344 1365 1424 1505* 1514 1519 2148 2174، بجانب مخطوطات كتب القراءات الكنسية. و من الترجمات: اللاتينية القديمة، الفلجاتا، السيريانية البشيتا و الهيراقلية و مخطوطات من الفلسطينية، القبطية البحيرية، السلافية. و من الآباء: اوريجانيوس، هيراقليون، يوسابيوس القيصرى، ابيفانيوس، يوحنا ذهبى الفم، نونيوس، امبروسياستر، و اغسطينوس.

اما قراءة "بيت عبرة" فتشهد لها المخطوطات اليونانية التالية: السينائية (المصحح الثانى، أى القرن السابع)، الإفرايمية (المصحح الثانى، أى القرن العاشر)، بى (الناسخ و المصحح الثالث)، بسى (المصحح الثالث)، العائلة 13 و المخطوطات: Γ 029 030 039 041 083 0113 0141 1 13 18 33 35 180 828 892 1079 1192 1230 1292 1365 1505 1546 1646. و من مخطوطات كتب القراءات الكنسية: L70, L770, L773, L1231. و من الترجمات: السيريانية الهيراقلية (فى الهامش)، احد مخطوطات القبطية الصعيدية، السيريانية القديمة بمخطوطتيها (السينائية و الكيورتنية)، مخطوطات من السيريانية الفلسطينية، مخطوطات من القبطية الصعيدية، الأرمينية، و الجيورجية. و من الآباء: اوريجانيوس، يوسابيوس القيصرى، ابيفانيوس، و كيرلس السكندرى.

و رغم أن بحسب تحليل هذه الشواهد، نرى أن الأصولية تميل لصالح قراءة "بيت عنيا"، إلا أن وجود قراءة "بيت عبرة" فى السيريانية القديمة و فى بعض شواهد الترجمة القبطية، فإن هذا لابد أن يولد شكاً لدى الناقد النصى فى كيفية تفسير إنتقال القراءة فى هذا الزمن المبكر. و أنا لا أعتقد أن تأثير اوريجانيوس غير كافى لتفسير هذا الإنتقال، خاصةً فى شمال افريقيا (حيث السيريانية القديمة) و فى قيصرية (حيث شواهد النص القيصرى شاملة العائلة 13)
[3]. إلى جانب ذلك، لا يبدو أن هناك أى سبب يجعل النساخ يغيروا بيت عبرة إلى بيت عنيا. لا يوجد مكان معروف لبيت عنيا هذه منذ زمن اوريجانيوس حتى اليوم، فكيف سيغير النساخ بيت عبرة إليها؟ هذا يعنى أن قراءة بيت عنيا هى القراءة الأصعب، و أنها القراءة التى تفسر وجود بقية القراءات. فهى القراءة الأصعب لأن مكانها غير معروف، عكس بيت عبرة، و هى القراءة التى تفسر كيف أن الناسخ لجأ إلى مكان معروف فى هذا المكان بالتحديد، و هو بيت عبرة. لا شك معقول عندى فى أن قراءة بيت عنيا هى القراءة الأصلية[4].

هذا مختصر بسيط لتمثيل هذه المشكلة النصية، التى ازعجت اوريجانيوس. ففى بداية القرن الثالث، حينما كان يرتحل اوريجانيوس فى الشرق، لم يجد بلد و منطقة ما تُسمى "بيت عنيا" فى الأردن. و بيت عنيا هذه تختلف عن الأخرى المعروفة بأنها محل إقامة اصدقاء يسوع (لعازر، مريم و مرثا) و التى كانت تقع على مسافة ليست بعيدة إلى شرق اورشاليم فى الطريق إلى اريحا. اوريجانيوس لم يجد بلد تُسمى "بيت عنيا" على الجانب الآخر من نهر الأردن. و حينما رجع إلى مخطوطاته، وجد أن غالبيتها يقرأ "بيت عنيا"، و لكن وجد قلة تقرأ "بيت عبرة"، و هى البلدة التى تقع فى الأردن. بناء على ذلك، قرر اوريجانيوس أن القراءة الأصلية هى "بيت عبرة" و ليس "بيت عنيا". بالإضافة إلى ذلك، كانت تعنى "بيت عبرة" مكان التحضير، فوضع اوريجانيوس تساؤل طريف قال فيه: أى مكان آخر يكون أفضل ليوحنا المعمدان حتى يثبت معموديته فيه التى تحضر الطريق للمسيح غير "بيت التحضير"؟

هذا هو كلام اوريجانيوس
[5]:

"نحن على علم بأن القراءة الموجودة فى كل النسخ تقريباً هى 'هذه الأمور قد حدثت فى بيت عنيا'. بالإضافة إلى ذلك، تبدو هذه القراءة موجودة فى وقت أقدم، و فى نسخة هيراقليون نقرأ بيت عنيا. غير أننا مقتنعين بأننا لا يجب أن نقرأ بيت عنيا، بل بيت عبرة. لقد قمنا بزيارة للبحث عن آثار يسوع و تلاميذه و الأنبياء ايضاً. الآن، فإن بيت عنيا، كما يخبرنا نفس الإنجيلى، كانت هى مدينة لعازر و مرثا و مريم؛ و هى على بعد خمسة عشر غلوة من اورشاليم، و يبعد عنها نهر الأردن بمئة و ثمانين غلوة. لا يوجد أى مكان آخر بنفس الإسم بجوار الأردن، و لكنهم يقولون أن بيت عبرة موجودة على ضفاف الأردن، و أن يوحنا عمد هناك. و جزر الإسم أيضاً لبيت عبرة يتكامل أيضاً مع معمودية ذاك الذى قام بإعداد الناس للرب ليكونوا مجهزين له؛ لأنها تعنى "بيت التحضير" بينما تعنى بيت عنيا "بيت الطاعة". أين أيضاً يكون مناسباً له ليعمد، ذاك الذى أُرسِل كملاك أمام وجه المسيح ليحضر طريقه أمامه غير بيت التحضير؟".

ليون موريس يعلق على كلام اوريجانيوس قائلاً:"اوريجانيوس كان عالماً كبيراً، و لكن يبدو هذه المرة أنه لا يمكن الإعتماد عليه. لأن نظرة قريبة على كلماته تبين أنه لم يذهب بالفعل إلى الأردن، و لكن "يقولون أن بيت عبرة موجودة على ضفاف الأردن". و يبدو أن معلوماته التى تلقاها كانت خاطئة"
[6]. فى الحقيقة، لم يكن اوريجانيوس مخطئاً فقط فى تعيين بيت عبرة، لكنه أيضاً فى وضع معنى بيت عبرة. بروس ميتزجر ينقل لنا هذه المعلومة قائلاً:"اوريجانيوس لديه معلومات خاطئة؛ ففعلياً، معنى بيت عبرة يبدو أنه بيت أو مكان العبور"[7]. فإذا كان اوريجانيوس يعترف بأن بيت عنيا هى قراءة كل المخطوطات تقريباً، و هى قراءة أزمنة أقدم، فلماذا قد يكون اوريجانيوس إختار قراءة بيت عبرة؟ السبب الوحيد الذى يبدو لى هو أن اوريجانيوس قد يكون تخيل أن بيت عنيا المذكورة هنا، هى نفس بيت عنيا القريبة من اورشاليم. و لو كان هذا صحيحاً، فهذا يعنى أن اوريجانيوس لديه مشكلة تهدد عصمة الكتاب المقدس عن الخطأ. هكذا، فإن اسهل طريقة كانت لديه هى أن يقبل بقراءة الأقلية!

ما هى بيت عنيا المذكورة فى هذا النص إذن؟ اول ما يجب أن ننتبه له هو أن يوحنا الإنجيلى يفرق جيداً بينها و بين بيت عنيا الأخرى، فيذكر هنا:"فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ"، بينما يذكر عن بيت عنيا الأخرى أنها:"كَانَتْ بَيْتُ عَنْيَا قَرِيبَةً مِنْ أُورُشَلِيمَ نَحْوَ خَمْسَ عَشْرَةَ غَلْوَةً" (يو 11 : 18). إذن، هذه مدينة و تلك أخرى، و يوحنا كان يعرف ذلك، و حرص جيداً على بيان الفرق بينهما. ما هى بيت عنيا الأخرى هذه إذن؟

هناك نحو إثنى عشر حلاً تم طرحهم، و لكن أكثر النظريات ملائمة و قبولاً لدى العلماء، هى أن بيت عنيا المقصودة هنا ليست سوى منطقة تُسمى بالإنجليزية Batanea، ولا أعرف كيف يتم تعريب هذه الكلمة إلا بـ "بيت عنيا"
[8]! و هذه المنطقة ليست مدينة أو قرية، لكن منطقة واسعة فى الشمال الشرقى. و الإختلاف فى لفظى بيت عنيا Bethany و Batanea ليس غريباً، ولا يعتبره العلماء شاذاً فى القرن الأول، أو خاص بيوحنا فقط. فى الحقيقة، يوسيفوس كتب ثلاث تهجئات مختلفة، و الترجومات اليهودية ذكرت اللفظين أيضاً. فإذا كان كذلك، لماذا إختار يوحنا أن يكتب بيت عنيا Bethany؟

الرؤية الأعمق بين جميع الفرضيات التى تم طرحها، هى أن يوحنا يريد أن يضع بداية و نهاية خدمة يسوع فى بيت عنيا. ففى بيت عنيا على الناحية الأخرى من نهر الأردن، نجد يوحنا المعمدان يسمى المسيح بـ "حمل الله الذى يرفع خطية العالم". هذا يعنى أن إعلان الفداء بدأ فى بيت عنيا، و بدأت معه خدمة يسوع فى بيت عنيا. و قرب نهاية خدمته، رجع إلى نفس المكان الذى نطق فيه يوحنا بشهادته. و فى نهاية خدمته تماماً، يذهب إلى بيت عنيا، حيث صنع آخر معجزاته قبل الصليب، و أعظمها جميعاً، بإقامة لعازر من الموت (يو 11). و تأتى النتيجة المباشرة بإعلان ضرورة موت يسوع كبديل عن الأمة بأكملها (يو 11 : 45 – 43). فعن دون قصد و دون إدراك بعيد المدى، أعلن هؤلاء القادة اليهود ما الذى كان يجب على يسوع أن يفعله، بأن يكون بالفعل حمل الله الذى يموت عن خطايا الآخرين! بكلمات دون كارسون:"ما بدأ كخدمة عامة فى الشمال، إنتهى كصلب عام فى الجنوب"
[9]. و كوستينبرجر مقتنع بنفس التكوين اللاهوتى، و يضع الصورة كاملة قائلاً:"بيت عنيا Bethany يمكن أن تكون هجاء مختلف لبيت عنيا Batanea قد إختاره الإنجيلى ليسجل أن خدمة يسوع بدأت و إنتهت فى بيت عنيا. ففى بيت عنيا الجليلية فى الشمال، إعترف يوحنا المعمدان بيسوع كحمل الله، و فى بيت عنيا اليهودية فى الجنوب، يقترب يسوع من صلبه. و ذكر كل المناطق الرئيسية الأربعة فى ارض الموعد، اليهودية، السامرة، الجليل، و عبر الأردن (حيث بيت عنيا)، يبين أن إرسال يسوع كان لكل اسرائيل"[10].

اعتقد أن هذا التفسير الذى يعتمد على بناء تكوين لاهوتى معين عند يوحنا، لم يكن ليتوفر لديناً إن لم تكن بيت عنيا هى القراءة الأصلية. فى نفس الوقت، لا يوجد لدينا ما تعرض لأى مشكلة من تبنى القراءة الأصح. على العكس، هذا يساعدنا بشكل كبير جداً لنعرف قصد يوحنا، و نفهم الفكرة التى رغب فى إيصالها لنا، اليوم...بعد عشرين قرن من الزمان!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] فى الحقيقة، لا يوجد أى نص يونانى للعهد الجديد اليوم يضع قراءة "بيت عبرة"، حتى إصدارات نص الأغلبية تضع قراءة "بيت عنيا".
[2] UBS3, P. 323; UBS4, P. 315; NA27, P. 249; MT1, P. 292; MT2, P.292; IGNTP1, P. 131; IGNTP2, 198; NTOG, P. 194.
[3] Leon Morris, The Gospel According to John, Eerdmans: USA 1971, P. 142; John Barton & John Muddiman, The Oxford Bible Commentary, Oxford University Press 2007, P. 964
[4] و هو إختيار غالبية لجنة UBS كما اوضح ميتزجر:
Bruce M. Metzger, Textual Commentary on The Greek New Testament, 2nd Ed. 1994, P. 171.
[5] تفسير يوحنا 6 : 24. و يُلاحظ هنا أن هذه المشكلة تلقى الضوء أكثر على منهجية اوريجانيوس فى المفاضلة بين المشكلة النصية و المشكلة التفسيرية، و هو الأمر الذى يقوى إستدلالنا فى قضية "جدارا و جرجسة و جراسا" حول مدى تحدى اوريجانوس لنزعته. الأمر المثير هو أن تعليق اوريجانيوس على جرجسة جاء فى نفس هذا الفصل، بعد تعليقه على المشكلة محل الدراسة! انظر:
Philip Schaff, Ante-Nicene Fathers, Hendrickson Publishers: USA 1995, Vol. 9, P. 371.
[6] Morris, John, P. 146.
[7] Metzger, Textual, P. 171.
[8] ترجع هذه النظرية بالتحديد إلى رينر ريزينر الذى وضعها فى عام 1987.
[9] D. A. Carson, The Gospel According To John, Eerdmans: USA 1991, P. 147
[10] Andreas J. Kostenberger, Baker Exegetical Commentary on The New Testament: John, Baker Academic: USA 2004, P. 65


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!