الأحد، 7 فبراير، 2010

هيدى مع الايمان العلمى


القراء الأعزاء،

اليوم معنا فى حوار شيق جداً، واحد من العلماء الكبار فى النقد النصى للعهد الجديد. ك. مارتن هيدى، هو استاذ الشرقيات فى معهد دراسات الشرق الأدنى و الأوسط، فى جامعة فيلبس، ماربورج، المانيا. و هو أحد نقاد النص المتخصصين فى الترجمات فى معهد البحث النصى للعهد الجديد، بجامعة مونستر بألمانيا. هيدى حصل على الدكتوراه بعد أن كتب رسالته فى إعداد النص النقدى للترجمتين العربية و الإثيوبية لعهدى إسحق و يعقوب (من ضمن كتب ابوكريفا العهد القديم). كما أنه يعمل حالياً على إصدار نقدى لعهد إبراهيم. عمله فى النقد النصى للعهد الجديد، يشتمل على محورين هامين جداً، فهو المسئول الأول عن تحرير الترجمة الإثيوبية للعهد الجديد و عمل الفحوصات النصية لها لمعهد البحث النصى للعهد الجديد، كما أنه شارك فى إعداد الآداة النصية فى المجلدات التى صدرت من مشروع "الإصدار النقدى الرئيسى" ECM الصادر عن معهد البحث النصى للعهد الجديد، حيث قام بالتعليق على الترجمة الإثيوبية. كما أن له دور رئيسى فى مشروع الإصدار النقدى للسبعينية التابع لكلية فوبيرتال اللاهوتية بألمانيا، حيث يقوم بإجراء الفحوصات النصية للشواهد السيريانية. كما أن هيدى هو مؤلف واحد من كتب النقد النصى الرئيسية بالألمانية للعهد الجديد، و هو بعنوان:"النص الكتابى الحقيقى الوحيد؟ ايرازموس الروتيردامى و السؤال عن النص الأصلى". هذا الكتاب تمنيت أن يكون له ترجمة إنجليزية، و لكن هناك ملخص عرضه ويليامز هنا.

تعرفت على هيدى بالصدفة، حينما أشار علىّ ويليامز بضرورة التعرف عليه لأنه سيفيدنى فى إعدادى للإصدار النقدى للترجمة العربية للعهد الجديد، و هو المشروع الذى أعمل فيه. فتعرفت عليه، و كان والاس قد أخبرنى أنه مسيحى تقى يخاف الله، و يقدس العقل لأقصى درجة ليس له أى علاقة بالأصولية. سعدت جداً به، فتعرفنا على بعضنا البعض، و عرفت منه أنه يعرف العربية و قام بدراسة الكثير من الكتب القديمة العربية، ليس فقط الدينية، و لكن العلمانية. ثم عرفت من ويليامز أنه مستشرق رائع، لكن ليس فيما يخص الإسلام، فتعاونا بشكل كبير فى دراسات بعضنا البعض حول النص الكتابى العربى. و حينما أرسلت له هذا الحوار، كان فى منتهى الدقة، حتى أن هذا الحوار، رغم أنه ليس بطويل جداً، إلا أنه إستهلك شهرين تقريباً ليخرج بهذه الصورة. فى الحقيقة، كان هذا طلبه هو الخاص!

أخيراً، ليس هيدى هو أول عالم من معهد البحث النصى للعهد الجديد اقوم بمحاورته على المدونة، فقد سبق و أن حاورت بيتر ويليامز أيضاً، و هو ناقد نصى بنفس المعهد، مسئول عن إعداد الترجمات السيريانية. يُذكر أن هيدى عضو مع ويليامز فى مدونة "النقد النصى الإنجيلى".

إليك الحوار:

فادى: د. هيدى، كيف تنظر إلى العلاقة بين النقد النصى و العهد الجديد بكونه كلمة الله؟

هيدى: كلمة الله تم تسليمها لجيل بعد جيل عن طريق نسخ مكتوبة بخط اليد على مدى 1600 عام. و بعد ذلك، تم تسليمها عن طريق الطباعة بعد اختراعها. لكن النقطة المثيرة هى أنه رغم هذا التاريخ الطويل من إنتقال النص، فإن كل عقيدة هامة فى النص المقدس مثل الميلاد العذراوى، موت المسيح الكفارى، دفنه و قيامته، حلول الروح القدس فى العنصرة، تعاليم الكنيسة الأولى و تطورها (الضمير يعود على الكنيسة و ليس التعاليم the development and the teachings of the early church)، لن تجد بها أى إختلاف سواء أمسكت أى نسخة للعهد الجديد من القرن الواحد و العشرين، و قارنتها بأى نسخة قديمة جداً ترجع للقرن الرابع. بالتأكيد هناك إختلافات ثانوية، و هناك إختلافات ثانوية فى كل مخطوطة من بين ستة آلاف مخطوطة تقريباً نمتلكها اليوم بين ايدينا، و هذه الإختلافات سوف تضيف الكثير من الأشياء. و لكن أكثر من 90 % من هذه الأشياء يمكن تمييزها بسهولة و أمان. هذه هى مهمة النقد النصى الذى يساعدنا فى تحديدها و إعادة تكوين النص الأصلى للعهد الجديد.

فادى: هناك آخرين يعتقدون أن لو الله اختار أن يوحى الكتاب المقدس، فيجب عليه أن يحفظه حرفياً فى كل مخطوطة، مثل بارت ايرمان. هل تتفق مع ذلك الرأى؟ و لماذا؟

هيدى: لا. كلمة الله وصلتنا فى إطار بشرى تماماً، تتكون من كتب يفصلها 1500 عام، من التوراة إلى الرؤيا. هذه الكلمة قد اوحاها الله، و لكن كتبها بشر و نسخها بشر. الله لم ينسخ العهد الجديد لنا! إذن، فقد دخلت الأخطاء البشرية إلى النص هنا و هناك، و لكن فقط فى إطار محدود، حتى أن العقائد الأساسية الهامة ليست فى خطر. و النقد النصى هو آداة تم إستخدامها لمدة 1800 عام و قد ساعدت شعب الله دائماً فى تصحيح أخطاء الإنتقال.

فادى: لكن و بنفس الشكل، يعتقد كثيرين آخرين أنه الإستنتاج المنطقى جداً الى نصل إليه، فلو أن الله قد أوحى بالعهد الجديد بطريقة "لفظية تامة"، فيجب عليه أن يحفظه أيضاً بطريقة "لفظية تامة". هناك علماء مسيحيين محافظين يعتقدون فى ذلك، مثل علماء نص الأغلبية. ما رأيك؟

هيدى: هذه نظرية لطيفة، و لكن الحقائق المتوفرة لا تثبتها. كل كتاب فى العالم تم نسخه باليد و له أكثر من مخطوطة موجودة، يوجد به قراءات. حتى أنبياء العهد القديم أنفسهم لم يعتقدوا فى هذه النظرية، لأنك لو نظرت لهذه القصص التى تم نسخها فى نفس الوقت مع مؤلف آخر، سوف تجد إختلافات بين هذه القصص، قارن مثلاً بين قصة الملك الأشورى سنحاريب فى 2 مل 18 و 2 أخ 32 و اش 36.

فادى: حسناً، هناك نقطة مرتبطة بهذه النظرية عند المهاجمين، و هى وجود قراءات كان الدافع لها هو رؤى لاهوتية. هل هذا يعنى أن هذه القراءات قد "اخترعت" أى عقيدة؟

هيدى: هناك قراءات مثل الفاصلة اليوحناوية، هى فى الحقيقة "إنعكاس" لبعض العقائد، التى يتم إستقراءها من الكتاب المقدس، و لكنى لا أعرف بأى قراءة قد إخترعت أى عقيدة ليست موجودة فى التعاليم الأساسية للكتاب المقدس.

فادى: بمناسبة ذكرك للفاصلة اليوحناوية، قال ايرمان أنها هى النص الوحيد الصريح للثالوث فى العهد الجديد. و لكن مع عدم أصوليتها، هل تعتقد أن العهد الجديد فى نصله الأصلى علم بعقيدة الثالوث؟

هيدى: بالفعل لا يوجد نص صريح فى الكتاب المقدس لعقيدة الثالوث، و لكن العهد الجديد يعلم بأن بجوار الله الآب، فإن يسوع هو الله (يو 1 : 1؛ 10 : 30؛ 1 يو 5 : 20) و الروح القدس كذلك هو الله أيضاً (يو 14 : 26؛ 15 : 26؛ 16 : 13) و هو يعلم بأن هؤلاء الثلاثة أشخاص فى إتحاد تام مع بعضهما البعض. هذا هو بإسلوب مُبسط جداً كيفية مجىء عقيدة الثالوث للوجود.

فادى: إذن العقائد الحالية هى نفس عقائد نص العهد الجديد الأصلى؟

هيدى: هذا يعتمد على كيفية رؤيتك لهذه العقائد. فيوجد اليوم الكثير من العقائد بسبب وجود الكثير من الطوائف. و لكن العقائد الأساسية، خاصةً تلك الخاصة بشخص المسيح، موته، ذبيحته الكفارية عن الخطية و قيامته، من النادر التخلى عنها، إلا فى اللاهوت الليبرالى.

فادى: ما رأيك فى حركة ما بعد الحداثة فى النقد النصى؟ إيب شكك فى مفهوم النص الأصلى، و باركر إدعى أن القراءات مُوحى بها، حتى ايرمان مهتم بالأكثر بتاريخ النص و ليس إستعادة النص الأصلى.

هيدى: بشكل ما، يبدو لى كل هذا مضحكاً جداً. أكثر من 80 % من القراءات هى مجرد أخطاء عادية بسيطة؛ و لكن أن تعتقد بأن هذه الأخطاء النسخية هى بشكل ما أى كان "وحى" (من أوحى و لمن أوحى؟) يبدو موقفاً محرجاً. و لكن هناك عدد من القراءات يساعدنا بشكل أفضل على فهم النص. ايرمان و باركر قد أشاروا محقين إلى أن بعض من القراءات الهامة، و هذا ينطبق على غالبية القراءات الموجودة فى النص البيزنطى، تشير إلى تفاصيل مهمة عن النص القديم، حيث أنهم يوضحون كيف كان يُفهم النص فى هذه الأزمنة. و لكن هذا قد حدث فى إطار صغير، بالمقارنة مع أى أعمال أدبية مماثلة، مثل أبوكريفا العهد الجديد، أبوكريفا العهد القديم، و أعمال يوسيفوس.

فادى: و لكن معهد البحث النصى للعهد الجديد أعلن مؤخراً أنه لا يعيد تكوين النص الأصلى إنما النص الأولى؟

هيدى: المعهد صحيح فى إدعاؤه أنه بإعادة تكوين نص العهد الجديد، يمكننا فقط أن نصل إلى النص الأولى فى إنتقال النص الذى بدأ فى القرن الأول. لا يمكنك بأى حال أن تذهب لما بعد النص الأولى، سواء فى العهد الجديد أو أى عمل أدبى آخر، فلا تستطيع أبداً أن تلقى نظرة خاطفة على لوقا بينما كان يقوم بتأليف إنجيله (قارن لو 1 : 1 - 4). كل هذه مجرد تكهنات، فلا تستطيع أن تدعى بدون أى شك معقول أنك توصلت إلى منقج معين أو أشياء كهذه فى النص. بعد ذلك يمكننا أن نسأل: ما هو النص الأصلى بالضبط؟ هل هو إنجيل لوقا الذى كتبه بنفسه، أم أنه النسخة التى قام ناسخ بعملها عن المسودة الأولى التى كتبها لوقا بنفسه؟ النسختين سيكونان إلى حد ما متساويتين، و لكن ليس بنسبة 100 %...و لكن حتى أول نسخة تم عملها عن إنجيل لوقا سوف تكون مثل النسخة الأصلية لدرجة عالية جداً، مثل النسخة التى نمتلكها اليوم أيضاً. للأسف، نحن نعطى إهتمام بالغ للقراءات، لدرجة أننا غالباً ننسى النص نفسه، الذى تم نقله بدرجة عالية جداً من الدقة، حتى لو أن هناك قلة من القراءات النصية ستكون معرضة للنقاش.

فادى: إذن، هل يمكننا أن نستعيد النص الأصلى / النص الأولى، أم أنه "فُقِد فى الإنتقال"؟

هيدى: عبارة أن العهد الجديد "فُقِد فى الإنتقال" ليس لها أى معنى على الإطلاق. لا يوجد أى كتاب من العالم القديم، أى قبل إختراع الطباعة، قد تم نقله بشكل أفضل من العهد الجديد فى التاريخ البشرى بأكمله. كل كتب العالم القديم كانت عرضة للأخطاء النسخية، و لكن لا يوجد أى كتاب، مهما كان، نصه ثابت مثل نص العهد الجديد. لقد قمت مؤخراً بعمل دراسة، و هى مقارنة عن طريق إحصاء كل كلمة فى نصوص مهمة فى أهم برديات القرن الثانى و الثالث، و إحصاء نفس النصوص فى مخطوطات بيزنطية ترجع للقرن الثانى عشر، و هى المخطوطات التى كانت بشكل ما أساساً للنص المُستلم. و قد أوضحت لى هذه المقارنة أن بمتوسط 92 %، بقى النص دون أى تغيير بأى شكل ما. و من بين النسبة المتبقية 8 % التى تغيرت، قلة ثانوية منهم قد يلقى الضوء على بعض المشكلات فى النقد النصى. لكن المهم هو أن غالبية هذه القراءات من السهل تفسيرها، حتى أننا نستطيع تنقية الأخطاء.

فادى: البعض يعتقد أنه بفقدان المخطوطات الأصلية للعهد الجديد لا يوجد فرصة لإستعادة النص الأصلى. ما رأيك؟

هيدى: نحن نستطيع، مادامت الإمكانية موجودة، إعادة تكوين النص الأولى لإنتقال النص. ففى ضوء حقيقة أننا لدينا مخطوطات ترجع حتى إلى القرن الثانى، نجد أن المجهود المبذول واعد. لا يوجد لدينا أى حقائق، أو أى أدلة، لكن فقط تكهنات و تخمينات، على أن النص قد تم التلاعب به قبل هذا الوقت. بل على العكس، الآباء الرسوليين الذين عاشوا فى نهاية القرن الأول و بداية القرن الثانى، و من خلال إقتباساتهم، لم يعرفوا كتاباً مقدساً آخراً عن الذى كان مُستخدماً فى وقت لاحق. و لكن على الجانب الآخر: نصنا للعهد الجديد لن يكون أبداً بلا خطأ بنسبة 100 %.

فادى: هل هناك حاجة للتنقيح الحدسى إذن؟

هيدى: لا، لأن كل نص فى العهد الجديد يغطيه على الأقل مئات المخطوطات. و يجب أن نعلم ذلك جيداً: وجود مشكلات و صعوبات فى فِهم النص لا يجب أن يدفعنا أبداً إلى تصحيح النص، أى إلى إفتراض أن النص الأصلى قد ضاع فنلجأ للتنقيح الحدسى.

فادى: لكن متوسط أقدم أدلة نص العهد الجديد يرجع للقرن الثانى، و الإمكانية موجودة لتخيل أى شىء قد حدث للنص قبل أقدم الأدلة. و لكن ما هو أفضل تفسير؟

هيدى: لو نظرنا إلى المسيحيين الأوائل، سندرك أنهم غالباً ما عانوا من الإضطهاد، حتى أنهم كانوا متفرقين فى دول متعددة، و أنه لم يكن هناك شىء ما يُسمى كنيسة موحدة، و لم يكن هناك تكوين متحكم أو متسلط، و أن حركتهم كانت بخلاف كل هذا تنتشر بسرعة جداً مما تطلب منهم زيادة عدد النسخ و الترجمات لنص العهد الجديد. لكن ما يفاجأنا، انه بعكس كل ذلك، نص العهد الجديد بين القرن الثانى و القرن الرابع كان متماثلاُ فى شرق البحر المتوسط و غربه، ماعدا القراءات الثانوية. لو كان النص قد تعرض إلى أعمال "القص و اللزق" cut-and-paste فى القرن الأول أو لاحقاً، كنا سنتوقع أن يكون لدينا قراءات أكثر من ذلك بكثير، خاصةً القراءات التى ستعرض العقائد الأساسية فى العهد الجديد للخطر فى إطار واسع. لكننا لا نجد أى قراءة بهذا الشكل أبداً!

فادى: لكن هناك قراءات يجد نقاد النص صعوبات فى حلها؟

هيدى: أكثر القراءات أهمية من هذه القراءات المحيرة، هما تقريباً خاتمة إنجيل مرقس (مر 16 : 9 - 20) و قصة المرأة التى أمسكت فى زنا (يو 7 : 53 - 8 : 11). هذين النصين يبدو أنهما دخلا لنص العهد الجديد بين القرنين الثانى و الخامس. لكن مع هذا لا يغيرون أى من تعاليم العهد الجديد. فى الحقيقة، لاهوت هذين النصين يسير بشكل متوافق فى خط مستقيم مع بقية العهد الجديد و الإنجيلين بالتحديد. و من الهام جداً أن ننظر بإعتبار إلى أن الكنيسة كانت على دراية بهذه القراءات المحيرة، و لم تحاول أن تحل هذه المشكلات النصية مرة واحدة و إلى الأبد، إنما نقلت هذه النصوص مع علامات نقدية فى النص وضحت لأى شخص مهتم بالنص الأصلى أنه يوجد هنا مشكلة نصية. هذه هى الحقيقة الأساسية: كان النساخ مهتمين بنقل النص، لا بتغيير النص!

فادى: لكن الكثير من العلماء يقرون بأن كل القراءات تقريباً قد نشأت فى القرن الثانى. هل هذا يعنى أن النص لم يكن مستقراً فى هذه الفترة؟

هيدى: فى القرن الثانى، كانت تطبيقات و ممارسات النسخ تسير فى توازى مع ممارسات النسخ الطبيعية فى العالم القديم، و هذا يعنى أن القراءات لم تكن تعتبر قراءات بالفعل طالما أن معنى النص لم يتأثر بها، و كان المنشغلين بعملية النسخ فى هذه الفترة عادةً من غير المحترفين. لكننا لو أخذنا أقدم مخطوطات العهد الجديد، مثل البردية 52، البردية 66، و البردية 75، سنجد أن بعض من هذه المخطوطات يحتوى على كثير من القراءات، مثل البردية 66. و لكننا سنجد أيضاً مخطوطات تم نسخة بدقة عالية جداً، مثل البردية 75. فى الحقيقة، هذه البردية، البردية 75، يبدو أنها شاهد نصى للنموذج الذى تم نقل المخطوطة الفاتيكانية عنه، و هى المخطوطة الى تقف فى أعمق أساسات أى إصدار نقدى للعهد الجديد. بكلمات أخرى، حتى لو إفترضنا أن نص العهد الجديد لم يكن مستقراً فى القرن الثانى كما كان فى قرون لاحقة، فإن هذا لا يعنى أنه كان هناك نسخ سيئة فقط موجودة، كما تبين البردية 75 ذلك بوضوح. بل و حتى نسخ النص الحر من القرن الثانى مثل البردية 66، لم تغير الإنجيل و لم تدخل تعاليم غريبة للنص. أعتقد أنه يجب على كل فرد أن يقرأ هذه البردية بنفسه و يرى أن هنا إختلافات بسيطة جداً بينها و بين أى كتاب مقدس مطبوع فى القرن الواحد و العشرين، و سيرى أنها لا تؤثر فى الإنجيل.

فادى: يمكننا أن نثق إذن أنه لا يوجد قراءة أصلية ضاعت فى هذه الفترة؟

هيدى: دعنى أقول لك ملاحظة جيدة. كانت عادات نساخ العهد الجديد دائماً واعية ناحية إضافة النصوص المشكوك بها و ليس حذفها. فحينما كانوا فى شك، إعتقدوا أنه من الأفضل نسخ النص المشكوك به بعلامات نقدية، و ليس حذفه من النص. و عدد المحذوفات التى يمكن إحصائها فى المخطوطات التى تم نسخها بإهتمام أقل، لا يوجد لهم أى وزن بوجود هذه المحذوفات فى مخطوطات تم نسخها بإهتمام أكبر.

فادى: هناك نظرية لطيفة لم يعرضها أحد صراحةً و لكنها مفهومة ضمنياً. تقول القصة بأنه كان هناك العديد من الفرق التى تدعى كلها منها المسيحية الأصلية فى القرون الأولى. و كانت أحد طرق إنتصار الأرثوذكسية هو تغيير النصوص التى استخدمها خصومهم. كيف تؤثر هذه النظرية على موثوقية نص العهد الجديد؟

هيدى: بحسب معرفتى، هذه النظرية مبنية بالأساس على تكهنات حول ما "يمكن" أن يكون قد حدث، فلا يمكن بنائها بأى شكل على دليل صلب، لأن الأناجيل الغنوسية التى تعتمد عليها هذه النظرية جاءت للوجود فى القرن الثانى فقط، أى بعد أن كانت مخطوطات العهد الجديد فى مرحلة التداول و الإنتشار بالفعل. و يجب أن تلاحظ أن هذه النظرية خرجت منذ ثمانين عام تقريباً، خاصةً على يد والتر باؤر، فى الوقت الذى لم يكن فيه الكثير من برديات العهد الجديد معروف، لكن قلة منهم فقط.

فادى: بصفتك مستشرق، هل هناك كتاب ما تم نقله نصياً دون أن يكون له أى قراءات؟

هيدى: نعم، هناك العديد من الكتب التى بلا أى قراءات، لسبب واحد فقط: لا يوجد للكتاب سوى نسخة واحدة فقط و لا يوجد أى نسخ أخرى معروفة له، فإما أنهم فقدوا أو تم تدميرهم، و هذه حقيقة تخص الكثير من الكتب الغنوسية. المشكلة الرئيسية هى أنه بدون أى نسخة أخرى لا تستطيع أن تعرف مدى جودة النسخة الموجودة بين يديك...اخطاء الأنتقال تُوجد فقط بالمقارنة.

فادى: ما هى المخطوطات التى تمثل النص الأصلى بأفضل طريقة ممكنة فى تقديرك؟

هيدى: أعتقد المخطوطة الفاتيكانية و البردية 75 للأناجيل و أعمال الرسل، و المخطوطة السكندرية لبقية رسائل العهد الجديد.

فادى: هل مازالت هناك فرصة لإكتشاف المخطوطات الأصلية؟

هيدى: هذه مجرد تكهنات، و لكن أتمنى ألا يحدث هذا. لو أن هناك وثيقة من هذه الوثائق ظهرت، أخاف أن الكثير من الناس سيحبونها لدرجة العبادة، مثل الأصنام. أعتقد أنه من الأفضل لنا أن نعيش فقط بـ "نسخ عن نسخ عن نسخ...".

فادى: اعرف أنك تعمل فى "عهد ابراهيم". ما هو عملك فيه بالضبط؟

هيدى: أنا أقوم بتحضير إصدار نقدى للمخطوطات العربية و الإثيوبية لعهد إبراهيم. حتى الآن، النص اليونانى فقط هو المتوفر فى إصدار نقدى، بلا أى مخطوطات ترجع عن القرن الحادى عشر. لكن المخطوطات العربية و الإثيوبية مبنية على أساس قبطى، يرجع للقرن التاسع (النص البحيرى) و القرن الخامس (النص الصعيدى).

فادى: و ما هى أهمية عهد إبراهيم للاهوت المسيحى؟

هيدى: عهد ابراهيم كتبه شخص ما لديه رؤية كونية يهودية ليبرالية. هناك القليل من الأشياء التى تتوازى مع اللاهوت المسيحى. خاصةً النسخ الشرقية لعهد ابراهيم، التى لم تأتى إلى الوجود قبل القرن الرابع، و تحتوى على تأكيد قوى على أن الخلاص بالأعمال الصالحة، و هو ما يسير عكس تعليم العهد الجديد.

فادى: د. هيدى، ما الذى تقوله لأى شخص غير مسيحى يشكك فى موثوقية نص العهد الجديد؟

هيدى: أنظر فقط فى أى سفر هام من الكتاب المقدس، لنقل مثلاً إنجيل يوحنا، و اقرأه فى نسخة جيدة من القرن الرابع، و نسخة من القرن السادس عشر، و نسخة من القرن العشرين. ثم أخبرنى بعد ذلك: هل يعلم كل منهم بيسوع مختلف؟ خلاص مختلف؟ منظور مختلف عن اسرائيل و الكنيسة، أم أنهم واحد فى الثلاثة كتب مقدسة؟

فادى: و ما الذ تقوله لأى شخص مسيحى؟

هيدى: نفس الأمر، و لكن سأزيد عليه بعض من رسائل بولس. قد يقرأ ترجمة عن النص النقدى، و التى بشكل قد يزيد أو يقل، هى نص القرن الرابع، و يقارنه بترجمة للنص المُستلم، من القرن السادس عشر، ثم عليه أن يعمل عقله قليلاً!

فادى: أخيراً، د. هيدى، كيف أثر البحث العلمى فى النقد النصى فى ايمانك الشخصى بالرب يسوع المسيح؟

هيدى: إن التعامل مع النقد النصى للعهد الجديد لم يضعف ايمانى، بل قواه جداً، فى رؤية كيف أن نفس الكتب التى كتبها الرسل منذ ألفى عام مضت قد تم نقلها بشكل أمين، رغم أنها لم تنتقل بلا أخطاء، و كانت هذه الكتب قادرة على إطلاق صافرة البداية للإصلاح البروتستانتى، الى إنطلق فقط مع الترجمة اللاتينية و النص البيزنطى المتأخر فى القرن السادس عشر. و مازالت هذه الكتب قادر على تغيير حياة الكثيرين من الشر حول العالم!

فادى: شكراً لك د. هيدى على هذا الحوار الممتع. سعدت به حقاً، و تشرفت بصداقتا العميقة!

هيدى: عفواً صديقى العزيز فادى!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!