السبت، 6 فبراير، 2010

لقاء مع هندوسى


بالأمس كنت منتظراً القطار فى المحطة بعد زيارة لم تستغرق نصف ساعة للقاهرة، عائداً للإسكندرية. و بينما كنت فى بوفيه المحطة، أخذت أتصفح أحد الكتب الإنجليزية التى كانت معى. نظر إلىّ شخص ما و سألنى بالإنجليزية "هل تعرف الإنجليزية؟". قلت له "نعم، كيف يمكننى أن اساعدك؟". قال لى انا و هى (و أشار إلى شابة معه) ذاهبين إلى الإسكندرية، هل تعرف على أى رصيف سيصل القطار؟ فأخبرته برقم الرصيف. سألته هل ستذهب للإسكندرية للعمل أم للسياحة؟ قال لى أنه جاء للسياحة، فهو يعمل ضابط فى الهند، و لكن جاء مع قوات حفظ السلام الدولية إلى دارفور، و أخذ اجازة فقرر أن يقضيها مع صديقته فى الإسكندرية. ثم سألنى هل انت تعيش فى الإسكندرية، فحينما أجبته بنعم، سأل عن الأماكن التى يمكنهما زيارتها فى الإسكندرية. قلت فى داخلى يا لك من رجل محظوظ، فقد أوقعك حظك مع مرشد سياحى! سردت له بعض الأماكن التى يزورها كل سائح يأتى للإسكندرية. و فى وسط الكلام أخذنا نتبادل بعض الإبتسامات و المداعبات اللطيفة. سألته ما إسمك؟ فقال لى إسمه، و أخبرته بإسمى. حينما عرفت أن هذا الشخص من الهند، ثار فى داخلى فضول قوى لأعرف ديانته. سألته، ما هى ديانتك؟ قال لى هندوسى! كانت مفاجآة جميلة بالنسبة لى، فهذه أول مرة ألتقى مع شخص هندوسى وجهاً لوجه. و بمجرد ما قال أنه هندوسى و لاحظ على وجهى علامات التعجب الكثيرة التى سألنى عليها، قال لى: كثير من الآلهة، بعكسك إله واحد "الله" (و قد نطقها بالعربية) و لكنها طرق مختلفة تؤدى إلى هدف واحد. قلت له، حسناً، انا مسيحى و لست مسلم (لأن غير العرب يعرفون أن إسم "الله" مرتبط بالمسلمين فقط، و إسم "يسوع" مرتبط بالمسيحيين فقط). ثم سألته و قد كان الوقت يضيق جداً على ميعاد القطار: هل تعبد البقرة؟ ضحك بصوت عالى إستفزنى، ثم قال: نعم، نحن نعبد البقرة مرة واحدة كل عام. فى هذه اللحظة هناك الكثير من الأفكار التى قفذت مرة واحدة إلى ذهنى. أكثر ما كنت أفكر به هو إعتقادى العميق بأننى لست الذكى الوحيد، و ليس كل آخر هو غبى. لم يكن هناك فرصة سوى لسؤال واحد، فحتى هذا السؤال ستأتى إجابته موجزة. قررت، و قلت له: لماذا تعبد البقرة؟ قال لى: أنا لا أعبد البقرة فى حد ذاتها، فهى عندنا رمز لأحد الآلهة، و نحن نعبدها لأنها تعطى اللبن للإنسان. قلت له: و ماذا فى هذا؟ هل تحبون اللبن لهذه الدرجة؟ جاءت إجابته لتبين لى مدى سذاجتى بعد أن ضحك ضحكة شعرت أنها خرجت من قلبه بالفعل. ثم قال:

لا، بل لأنها مثل الأم التى ترضع طفلها، فهى التى تغذيه و تنميه بلبنها، كذلك هذا الإله يهتم بنا و يغذينا كل يوم، و قد إخترنا اللبن بالتحديد لأنه الغذاء الوحيد للطفل، أى أن كل ما يحتاجه الطفل للحياة هو اللبن فقط. كذلك هذا الإله يعطينا كل ما هو لازم للحياة، و لهذا نحن نعبده فى رمزه، البقرة!

إندهشت جداً، فهذا إنسان له فلسفة عميقة. ليس إنسان ساذج، بل رؤية عميقة. منذ البداية حينما قال أن الآلهة المتعددة و الإله الواحد كلها طرق متعددة لهدف واحد. أنا اعرف مغزاه جيداً و درسته تفصيلاً لسنتين أثناء دراستى للديانة المصرية القديمة. إنه مفهوم عميق جداً لكيفية رؤية تعدد الآلهة يمثل طريق آخر إلى الله يؤدى إلى نفس الهدف. بالطبع أنا لا أعتقد أنه طريق شبيه، و لكن إنبهرت أن "الهندوسى" لديه هذه الرؤية العميقة. حتى فى عبادته للبقرة، لديه رؤية و لديه سبب. نحن فى الشرق لا نمتلك سوى الإستهزاء و السخرية من هذا الشخص. نحن لا نحتمل أن يكون هناك ذكى آخر. لا نستطيع تصور أن الآخر ذكى، بل لإنه يختلف معنا فهو بالتأكيد غبى.

كان لقاء ممتع حقاً!

هناك تعليق واحد:

  1. يا فادي ان الهندوس لهم فعلاً فلسفات عديدة جميلة وغريبة عنا نوعاً ما لانها مختلفة كليا مع ما نعرفه نحن من المحيط بنا من معتقدات...
    وانا لي صديق هندوسي متدين..وحسب ما يقول:
    انهم يؤمنون باله واحد..وهذا الاله الواحد يتجسد كلما صار ضيق او شر قاهر ليغلبه..وتعددت تجسداته وهي ما نعرفه اليوم بالهة الهندوس..ولهم مئات الالهة..وثلاث رئيسية هي فيشنو و براهما واخر اسمه صعب نسيته..ولم ارى تفسيرا للجمع بين اقواله هذه كلها..اما الرسوم الاسطورية التي نراها فيقول انها رمزية..فمثلاً..صورة لاله له عشرين يداً..ترمز لقوته..الخ!
    اما عن البقرة..فيقول انهم لا يعبدونها..ولكنهم يحترمونها جداً..ويعتبرونها اماً للهند..لان اجدادهم عاشوا من خيرها وما انتجت لهم...
    والهندوسية الارثذوكسية ان جاز لنا تسميتها بذلك..تؤمن باكل النباتات حصراً..وترفض اكل اللحوم..
    وهم ليسوا شرائعيون..انما يؤمنون بالكارما..بمعنى انك تجازى شراً على الشر الذي تفعل والعكس صحيح..وايضاً يؤمنون باعادة الولادة..اين انك ان عملت سيئا قد تكون كلبا في حياتك القادمة...الخ
    ...وهذا بعض مما يقوله..ولست متاكدا من صحة او خطأ ما يقول!
    انطونيوس السرياني

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!