الأربعاء، 24 فبراير، 2010

محاضرات النقد النصى - 3


هذه هى المحاضرة الثالثة فى كورس النقد النصى المُكثف، و هى بعنوان "مصادر نص العهد الجديد – المقدمة". يلى المحاضرة الإجابة على بعض الأسئلة التى طرحها بعض الأصدقاء حول موضوع المحاضرة.




و هذه هى الأسئلة و الأجوبة:

*



لتحميل المحاضرة اضغط هنا، و لتحميل الأسئلة و الأجوبة اضغط هنا. و لو لديك أى اسئلة حول محتوى المحاضرة، تفضل بطرحها فى التعليقات و سأجيبك بنعمة الرب.

هذا هو ملكى!



اقتباس اليوم - 3


"بعكس أى دين آخر، فإن المسيحية تقوم أو تسقط بناء على الحقيقة التاريخية لحدث تم فى التاريخ: قيامة يسوع المسيح. لو أن هذا الحدث لم يحدث كما تم تسجيله فى العهد الجديد، لو أن يسوع لم يقم من الموت حقيقةً، و بالمفهوم الحرفى، و بجسده المادى، من الموت، و ليس مجازياً أو روحياً، بل قيامة بالمعنى الحرفى، فسنصبح كما قال الرسول بولس:"ايمانكم بلا قيمة...نحن (المسيحيين) بين كل البشر أكثر من يستحق الشفقة" (1 كو 15 : 17، 19). المسيحيين يؤمنون بقيامة يسوع لأن الرسل و شهود العيان قد سجلوا هذا الحدث فى العهد الجديد. لا يوجد أى دين آخر يضع كل شىء، كل شىء مهما كان، تحت خطر الفحص التاريخى لكتابه المقدس. و لكن ثانيةً، لا يوجد أى اديان أخرى تقدم الأخبار السارة بأن الله بنفسه قد دخل التاريخ بالفعل ككائن بشرى لينقذ البشرية الهالكة. المسيحية ديانة تاريخية، إنها ديانة مُؤسسة على قواعد، و هى ديانة خاضعة للفحص المادى و الحرفى، إنها ديانة مؤسسة بالفعل فى نطاق البحث الأرضى. لا يوجد اسرار ولا فتات من المعرفة المتغطرسة يفهمها فقط قلة مميزة. الأخبار السارة متوفرة بسهولة لأى شخص؛ فقط افتح الكتاب، بأى لغة تتكلمها، و اقرأ".

وينفرايد كورديان، استاذ الفلسفة و الدين، جامعة تايلور، الولايات المتحدة
المصدر: Winfried Corduan, Why I Believe The Bible Alone Is The Word of God, In: Why I Am Christian? Leading Thinkers Explain Why They Believe, Edited By Norman L. Geisler & Paul K. Hoffman, Baker: USA 2001, P. 147-148

الثلاثاء، 23 فبراير، 2010

المدافعة المسيحية


مارى جو شارب، هى مؤسسة و مديرة خدمة "المسيحية الواثقة". حصلت على درجة الماجستير فى برنامج اللاهوت الدفاعى، جامعة بيولا، الولايات المتحدة. فى سنوات المراهقة، كانت تحب الموسيقى جداً حتى أنها أخذت شهادة البكاليريوس فى الفنون الموسيقية من جامعة اوكلاهوما. و حينما كان عمرها عشرين عاماً، قررت أن تصبح مؤمنة مسيحية. و بعد ذلك بدأت خدمتها فى كنيستها، حيث كانت تقوم بالإشراف على فريق الموسيقى فى الكنيسة مع روجر شارب (الذى حصل على درجة الماجستير من المعهد اللاهوتى المعمدانى الجنوبى)، الذى اصبح زوجها فيما بعد. و قد إستمرا هكذا لمدة ثلاثة عشر عاماً. و قد إستمر الزوجين فى الخدمة فى كنيستهما، حتى بدأت مارى فى الشك فى معتقداتها. لماذا يجب عليها أن تؤمن بوجود الله؟ و لماذا عليها أن تعترف بقيامة المسيح من الموت؟ هكذا، بدأت رحلة من الشك للبحث عن إجابات منطقية لتكون أساساً لايمان يقوى و يقف أمام كل التحديات. دخلت فى برنامج الماجستير فى جامعة بيولا لتبحث عن الإجابات، حيث درست تحت يد جارى هابيرمس، ج. ب. مورلاند، كما عملت تحت رعاية بول كوبان، استاذ الفلسفة فى جامعة بالم بيتش فى فلوريدا. و هكذا، اصبحت خدمتها التى أسستها من أكبر الخدمات الدفاعية فى اميركا. و اليوم، تناظر مارى فى عدد من المجالات، هى: هل الله موجود؟ هل قام المسيح من الموت؟ و هل الأديان الأخرى صحيحة؟ و فى عام 2006، أسست خدمتها "المسيحية الواثقة" Confident Christianity، التى تهدف إلى تدريب المسيحيين عقلياً و فلسفياً فى اميركا (يمكنك زيارة موقعها هنا).

الرب يتمجد فى كل الأمم، مستخدماً كل الأجناس!

الاثنين، 22 فبراير، 2010

خارج النقد النصى


هذه مشكلة كبيرة قد لا تدركها، و لكن أن تنحصر كافة دراساتك الكتابية فى النقد النصى، فأعتقد أنك فى مأزق خطير جداً. قضيت ثمانية عشر ساعة الأمس و اليوم فى دراسة الرسالة لكنيسة كولوسى، حيث اكتب دراسة الآن عن مفهوم بكر الخليقة. كانت متعتى فى أقصاها، لأننى أخيراً خرجت إلى السطح و تعاملت مع النص نفسه. حصر الدراسات الكتابية فى النقد النصى فقط، حتى لو كان عزيزاً على قلب الباحث، يحرم الفرد من اشكال جميلة جداً من دراسة نص العهد الجديد نفسه. و الميزة الأجمل فى كل ما يتعلق بالدراسات التفسيرية للنص، هى أنك تستطيع أن تجمع بين عدة فروع متشابكة معاً. اثناء الإسبوع الماضى بأكمله، كنت مستمتعاً جداً بتطبيق العديد من الفروع فى هذه الرسالة: فروع المنهج التاريخى النقدى و المنهج النحوى النقدى، التفسير النقدى، اللاهوت العقيدى، و فوق الكل الروح. و هذه الميزة، أى عدم حصر الدراسة فى الشكل النظرى لها فقط، إنما وجود بُعد روحى لها، جعلنى أتمنى لو أستطيع ترك أى علم نظرى لا فائدة روحية منه تبنى الإنسان فى علاقته مع الله. قد يكون للنقد النصى دور فى البناء الروحى، و لكنه بعيد جداً و غير مباشرة بالمرة. لكن التفسير النقدى بتطبيق آليات النقد الكتابى حينما يمتزج مع البحث اللاهوتى، يكون له نتائج مبهرة فى عملية النضوج فى العلاقة الروحية مع الله. لا تحرم نفسك من هذه المتعة، فبجانب النقد النصى، تدرب فى أحد العلوم التى تتعامل مع النص نفسه.

خارج النقد النصى يوجد عالم آخر جميل و ممتع جداً. و بداخل النقد النصى، نحن لا نحتاج للكثير من الجهد على المستوى العلمى. هناك مجالات أجمل و أوسع تستحق الإهتمام بها، فلا تأخذ قراراً بتكريس حياتك بأكملها للبحث فى نسبة لا تتعدى الـ 2 % على أقصى تقدير (و هى نسبة البحث فى النقد النصى من نص العهد الجديد)، قبل أن تعرف ما الذى يمكنك أن تقدمه أيضاً فى مجالات أخرى، و كيف يمكنك أن تفيد و تستفيد من هذه المجالات.

إن الهدف الرئيسى من إعادة تكوين النص الأصلى (النقد النصى)، هو أن نفهم هذا النص (التفسير النقدى)، فنتعرف أكثر على الله و الحياة الإلهية (اللاهوت)، حتى نستطيع أن نعرف كيف يمكننا تطبيق هذه العلاقة فى حياتنا الروحية و العملية (الروح)!

الابجدية فى برديات


هذه صورة للأبجدية اليونانية كما تظهر فى خمس أقدم برديات للعهد الجديد، مما سيساعدك على سهولة قراءة هذه البرديات:


المصدر: Jack Finegan, Encountering New Testament Manuscripts: A Working Introduction to Textual Criticism, Eerdmans: USA 1974, P. 189.

الأحد، 21 فبراير، 2010

هل انتقل الكتاب المقدس سالماً؟


"الراسخون فى العلم"
(10)
هل انتقل الكتاب المقدس سالماً؟
نورمان جايزلر


هذه هى المقالة العاشرة، من سلسلة الأسئلة التى نوجهها لعلماء مقتدرين، كرسوا حياتهم للمسيح و كنيسته و شعبه. و فى هذه المقالة، يجيبنا العالم القدير نورمان جايزلر، اكبر متخصص فى اللاهوت الدفاعى عرفته المسيحية فى تاريخها، و الذى قام بالتدريس فى الكثير من كليات و معاهد اللاهوت لنصف قرن من الزمان، عن سؤال هام جداً: هل الكتاب المقدس إنتقل لنا سالماً، أم أنه قد ضاع أثناء إنتقاله فى عملية النسخ؟ يُقدِم جايزلر إجابة عامة عن هذا التساؤل، تليق بكل من يريد أن يعرف إجابة عامة عن هذا الموضوع. مرجع هذه المقالة، هو مرجع السلسلة: الكتاب المقدس الدفاعى، ص 468 – 496.


هل انتقل الكتاب المقدس سالماً؟
نورمان ل. جايزلر
استاذ اللاهوت الدفاعى
معهد فيرتاس اللاهوتى، كندا


الكتاب المقدس هو أكثر كتاب تم نقله بدقة من العالم القديم. لا يوجد أى كتاب قديم آخر لديه مخطوطات كثيرة و قديمة و تم نسخها بدقة مثل الكتاب المقدس.

العهد القديم

الموثوقية المخطوطية للعهد القديم مبنية على ثلاث عوامل: كثرة المخطوطات، تاريخها، و دقتها. غالبية الأعمال الأدبية فى العالم القديم متوفرة الآن فقط فى عدد قليل من المخطوطات: يوجد 7 مخطوطات فقط لأعمال أفلاطون، 8 فقط لثوكيديدس، 8 فقط لهيرودوت، 10 فقط لكتاب يوليوس قيصر "الحروب الغالية" (نسبة إلى بلاد الغال، فرنسا حالياً)، و 20 فقط لتاسيتوس. و فقط أعمال ديموستينى و هوميروس الذين يوجد لهما مئات المخطوطات. لكن مع ذلك، و قبل عام 1890، كان هناك عالم يُدعى "جيوفانى دى روسى" نشر وحده 731 مخطوطة للعهد القديم. و منذ ذلك الوقت، أصبح هناك حوالى 10000 مخطوطة للعهد القديم تم الكشف عنها فى جنيزا القاهرة، ثم فى عام 1947 إكتشفنا فى كهوف البحر الميت فى منطقة قمران أكثر من 600 مخطوطة للعهد القديم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن لفائف البحر الميت تحتوى على مخطوطات متشظية على الأقل من كل مكتب العهد القديم ماعدا سفر استير، و كلهم يرجعون إلى ما قبل نهاية القرن الأول الميلادى و البعض يرجع إلى القرن الثالث قبل الميلاد. و بردية ناش (بردية تحتوى على الوصايا العشر بالعبرية) ترجع إلى ما بين القرن الثانى قبل الميلاد و القرن الأول الميلادى.

دقة المخطوطات معروفة من أدلة داخلية و خارجية:

1- معروف جداً أن التقدير النسخى للكتاب المقدس أدى إلى الإنتقال الحريص للنص.
2- فحص النصوص المتكررة فى العهد القديم (مثل مزمورى 14 و 53) يثبت النقل المتوازى.
3- الترجمة اليونانية القديمة للعهد القديم، السبعينية، تتفق بشكل جوهرى و أساسى مع المخطوطات العبرية.
4- مقارنة التوراة السامرية (التى تحتوى على توراة موسى فقط، الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم) مع نفس كتب الكتاب المقدس المحفوظة فى التقليد اليهودى تظهر تشابه قريب.
5- لفائف البحر الميت تزودنا بمخطوطات ترجع إلى الف عام قبل تلك التى نستخدمها غالباً فى تكوين النص العبرى.

و الدراسات المقارنة تكشف وجود تطابق كلمة بكلمة بنسبة 95 % من النص. و القراءات الثانوية غالبها عبارة عن سقطات نسخية أو سوء تهجئة. و يُوجد فقط 13 تغيير ثانوى تم إكتشافهم فى مخطوطة اشعياء الموجودة فى لفائف البحر الميت، و 8 منهم كان معروف من مصادر قديمة أخرى. و بعد الف عام من النسخ، لا يوجد أى تغييرات جوهرية فى المعنى، و شبه عدم وجود تغييرات فى الكلمات!

العهد الجديد

موثوقية العهد الجديد يمكن ارسائها بسبب عدد، تاريخ، و دقة مخطوطاته التى تسمح لنا بإعادة تكوين النص الأصلى بدقة أكبر من أى نص قديم آخر. عدد مخطوطات العهد الجديد ساحق جداً، 5700 مخطوطة يونانية تقريباً، و ذلك حينما نقارن هذا العدد بأى كتاب نموذجى من العالم القديم. يُوجد نحو 7 – 10 مخطوطات كمتوسط العدد لأى كتاب نموذجى، و فقط إلياذة هوميروس لديها أكبر عدد من المخطوطات: 643 مخطوطة. العهد الجديد إذن، هو ببساطة أكثر كتاب مُدعم نصياً من العالم القديم.

أقدم مخطوطة للعهد الجديد لا يُوجد حولها شك، هى بردية جون رايلاندز، التى ترجع إلى ما بين عام 117 – 138 ميلادياً. و المخطوطات التى تحتوى على كتب كاملة من العهد الجديد، تبدأ مع عام 200 تقريباً، مثل برديات بوديمر. و غالبية كتب العهد الجديد، شاملة الأناجيل، موجودة فى هذه البرديات بجانب برديات تشيستر بيتى، التى ترجع إلى عام 250 م.

و العالم البريطانى المحترم جداً السير فريدريك كينيون، كتب قائلاً:"الفترة الفاصلة بين تواريخ التأليف الأصلى لهذه الكتب، و أقدم دليل متوفر، تصبح الآن صغيرة جداً حتى أنها فى الحقيقة يجب أن يتم تجاهلها، و آخر سند لأى شك فى أن الكتب المقدسة قد إنتقلت لنا جوهرياً كما تم كتابتها، قد زال الآن". و هكذا (و الكلام مستمر لكينيون) فإن "الأصالة و السلامة العامة لكتب العهد الجديد ربما يجب إعتبارها بأنها مُؤكدة بحزم". لا يُوجد أى كتاب آخر من العالم القديم، يوجد فيه فترة فاصلة بين زمن التأليف و زمن أقدم المخطوطات بمثل صغر هذه الفترة فى العهد الجديد.

و ليس فقط أنه يوجد مخطوطات للعهد الجديد أقدم و أكثر، و لكن حتى نسخ هذه المخطوطات كان أكثر دقة عن نصوص أخرى قديمة. العالم المتخصص فى العهد الجديد و الأستاذ فى معهد برينسيتون "بروس ميتزجر"، قام بعمل مقارنة بين العهد الجديد، و كل من الإلياذة لهوميروس و أحد كتب الديانة الهندوسية الرئيسية المهابهاراتا. و قد وجد نص المهابهاراتا يمثل 90 % فقط من النص الأصلى، حيث يوجد نسبة 10 % من الفساد النصى الذى لا يمكن حله، و وجد نسبة نقاء الإلياذة هى 95 %، بينما وجد 0.5 % فقط من نص العهد الجديد مازال به شك. و العالم المتخصص فى الكلاسيكيات اليونانية أ. ت. روبيرتسون قدّر أن ما يستحوذ على الإهتمام فعلياً من نص العهد الجديد هو نسبة واحد على الألف من نص العهد الجديد بالكامل، مما يعنى أن نسبة دقة النص هو 99.9 %. أى أن العهد الجديد هو الأفضل من أى كتاب آخر من العالم القديم.

لقد قال السير فريدريك كينيون ملحوظة هامة، هى:"عدد مخطوطات العهد الجديد، و الترجمات القديمة له، و عدد الإقتباسات منه فى كتابات الكُتّاب القدامى من الكنيسة، هو دليل ضخم جداً حتى أننا واثقين بشكل عملى فى أن القراءة الحقيقية لأى مقطع يوجد به شك، محفوظة فى مكان ما هنا أو هناك فى هذه الشواهد القديمة. و نحن لا نستطيع أن نقول هذا بحق أى كتاب آخر قديم فى العالم".

ملخص

تلخيصاً لما قلناه إذن، العدد الضخم، التواريخ القديمة، و الدقة الغير مسبوقة لنسخ مخطوطات العهد القديم و الجديد تُرسِى موثوقية الكتاب المقدس لدرجة أبعد بكثير من أى كتاب آخر من العالم القديم. رسالة الكتاب المقدس الأساسية لم تتهمش عبر القرون، و دقته حتى فى أبسط التفاصيل الثانوية تم التأكد منها.

هكذا، الكتاب المقدس الموجود بين أيدينا اليوم هو نسخة جديرة بالثقة لدرجة عالية جداً من النص الأصلى الذى كتبه الأنبياء و الرسل بأقلامهم!

الجمعة، 19 فبراير، 2010

رحلة مؤسسة و مسيرة بطريرك


الفيلم الوثائقى "البابا شنودة: رحلة مؤسسة و مسيرة بطريرك"، الذى أعدته قناة الجزيرة، عن قداسة البابا شنودة الثالث. الفيلم يستحق المشاهدة، و هو يجمع كافة التيارات، سواء المؤازرة بقوة مثل نيافة الأنبا بيشوى و القمص عبد المسيح بسيط، أو المهاجمة بقوة، مثل منسق التيار العلمانى القبطى كمال زاخر و غيرهم. نصيحتى الشخصية لك أن تشاهده، فهو فيلم خطير و رهيب يبرز الكثير الذى يساعد على فهم كيفية تكوين هذه الشخصية و التاريخ يعيد نفسه!















و يمكنك تحميل الفيلم كامل (الجزء الأولالجزء الثانىالجزء الثالثالجزء الرابع).

الخميس، 18 فبراير، 2010

اقتباس اليوم - 2


"إن إستنتاجتنا التى توصلنا لها من علم كتابة التاريخ (فى الأناجيل الإزائية)، بكل تأكيد لن تجعل الفرد يقترب جداً ليثق و يستسلم للعلاقة مع المسيح القائم و التى تقع فى قلب الايمان المسيحى. و لكن لا يوجد أى كم من الإعقال و الإستدلال التاريخى يستطيع أن يحمل الفرد لهذه النقطة. ففى أفضل الأحوال، الإستدلال التاريخى يستطيع فقط أن يُشير إلى إتجاه واحد، سواء الأكثر إحتمالية أو الأقل إحتمالية. نتكلم الآن كلاهوتيين مسيحيين: الروح القدس و التعهد الشخصى و الثقة بالعهد سيحملون الفرد فى بقية الطريق".

بول إدى و جريجوى بويد، اساتذة الدراسات الكتابية فى جامعة بيت إيل.
المرجع: The Jesus Legend: A Case for The Historical Reliability of The Synoptic Jesus Tradition, P. 454

الثلاثاء، 16 فبراير، 2010

قصة من السنكسار


يوم الأحد الماضى، الموافق السابع من امشير، و بينما كنت فى القداس، قرأ ابونا السنكسار. آخر قصة فى السنكسار ذكرها هى التالية (انظر هنا):

"في مثل هذا اليوم من سنة 728 م تنيح الأب القديس ثاؤذورس بابا الإسكندرية الخامس والأربعون. وكان هذا الأب راهباً بدير عند مريوط يعرف بدير طنبورة، تحت إرشاد وتدبير شيخ فاضل قديس يدعي يوأنس. وقد أُوحِى إليه من الروح القدس أن تلميذه تادرس سيصير يوماً ما بطريركاً. فأخبر من يهمهم الأمر ومن يلوذون به بهذا. وكان تادرس مجاهداً في عبادته، كاملاً في إتضاعه ووداعته. فأُختيِر بإرادة الله للبطريركية، فرعي رعية السيد المسيح أفضل رعاية. وكان مداوماً علي القراءة ووعظ شعبه في اغلب الأيام، خصوصا ايام الآحاد والأعياد. و أكمل علي الكرسي المرقسي إثنتي عشرة سنة وتنيح بسلام. صلاته تكون معنا. ولربنا المجد دائما أبدياً آمين".

اقرأ القصة مرة و إثنين و ثلاثة، و انت تعرف البقية..

الايمان بين الشخص و العقل


الايمان بين الشخص و العقل
فادى اليكساندر


المسيحية هى النظام اللاهوتى الوحيد فى التاريخ الذى يخضع نفسه للبحث العقلى. السبب فى ذلك هو أن المسيحية قائمة على شخص، له وجود حقيقى فى التاريخ، حياة كاملة لأكثر من ثلاثين عاماً. كرازة المسيحية منذ إنطلاقها كان ببداية هذا الحدث الحقيقى: اختراق الله للتاريخ البشرى. الله اصبح موجوداً فى نطاق الزمان و المكان. هذا يعنى أن المسيحية تعلن بكرازتها أنك تستطيع تقصى هذه الحقيقة. و هنا نحتاج أن نعرف بعض المفاهيم أولاً.

الايمان

هذا المصطلح يُستخدم فى الشرق باشكال كثيرة و مفاهيم متنوعة. الحال ليس كذلك فى البحث العلمى الغربى. و الأساس الكتابى لتعريف "الايمان" فى المسيحية، هو:"أَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى" (عب 11 : 1). أى أن الايمان هو الإعتقاد فيما لا يمكنك أن تراه، أى فيما لا يمكنك أن ترى دليلاً عليه. و هذه هى المشكلة التى فجرت الصراع بين الايمان و العقل Faith and Reason. و المشكلة ليست سهلة، فهناك عامل غير شرعى الإستدلال العقلى، و هو الإختبار الروحى. لا يمكن للباحث أن يتجاهل هذه الظاهرة أبداً، و بهذا تتعقد المشكلة أكثر فى الإختيار بين العقل و السبب.

فى أقصى اليسار تقع مدرسة "الايمان المُطلق" Fideism و فى أقصى اليمين تقع مدرسة "العقل المطلق" Rationalism. الأولى هى المدرسة الفلسفية التى تعتقد أنه لا يوجد أبداً أى خط تقاطع بين الايمان و العقل. الايمان مستقل عن العقل، ولا يمكن الإعتماد على العقل للوصول إلى نتيجة ايمانية. أما الثانية فهى المدرسة الفلسفية التى تعتقد أن كل ما يعتقده الإنسان يجب أن يكون مبنياً على العقل. بين الضد و ضده، توجد مسافة كبيرة جداً تحتوى على مدارس كثيرة. كل هذه المدارس الفلسفية تندرج تحت فرع منهجى يُسمى "نظرية المعرفة" Epistemology. ما الذى تستطيع أن تعرفه؟ كيف يمكنك أن تعرفه؟ كثيرين فى الشرق يدعون أن كل شىء يجب أن يخضع للعقل حتى يمكننا قبوله. هذا مجرد إفتراض a priori، و ليس ناتج عن خبرة واقعية posteriori.

اليقين

و هذه هى مشكلتنا فى الشرق، أننا نتخيل الإنسان قادر على الوصول إلى يقين مُطلق، لا شك فيه. و هذه مشكلة مُعقدة فعلاً، و العجيب أنها تصدر بالأكثر مما هو يعتقد فى ايمان بحت، لا علاقة له بأى بحث تاريخى أو عقلى. و تزداد المشكلة تعقيداً حينما يكون النظام العقيدى بأكمله قائم على مجرد ايمان، مثل: الله موجود، الله ارسل نبى، الله كتب كتاب، الله صنع معجزة، الله يقول...إلخ. كل هذا مجرد ايمان، غير قابل للفحص العقلى بأى من فروعه. اين اليقين؟ تتشعب المشكلة أكثر حينما يكون هناك خلط بين اليقين و القناعة. و هناك تقع مدرسة اليمين الأقصى "اليقين المُطلق" Cartesian Philosophy و على أقصى اليسار تقع مدرسة "الشك المُطلق" Scepticism. فالأولى هى المدرسة التى تسعى لليقين المُطلق معتقدة فى وجوده، و الثانية التى تعتقد أنه لا يوجد شىء إسمه يقين أو حقيقة مُطلقة، و الشك واجب فى كل شىء.

لكن بين هذه و تلك، توجد درجات كثيرة، و غالبية الفلاسفة اليوم يعتقدون أننا توصلنا إلى حل معقول، و هو "الواقعية العملية" Practical Realism، و هى نفس المدرسة الفلسفية التى أنتمى إليها. انت تستطيع أن تعرف، لكنك لن تصل إلى يقين مُطلق أو شك مُطلق. فى مكان ما فى الوسط تستطيع أن تقف. لعلك تكون لاحظت أن والاس وصف رؤية ايرمان الكونية بأنها تميل إما للأسود التام أو الأبيض التام. هذه مشكلة كثيرين، أننا نتخيل أنه بقدرتنا الوصول إلى كمال تام أو ضياع تام. لكننا نستطيع أن نقف على ارضية متوسطة.

اللاهوت

فى الدراسة اللاهوتية لأى نظام عقيدى (بالمناسبة هذا مُصطلحى المُفضل لما يُطلق عليه "الدين")، تبرز المشكلة المعرفية الكبرى المعروفة بـ "الغيبيات". النموذج التقليدى للنظام العقيدى، هو الإعتقاد فى مجموعة عقائد، و تنفيذ الشرائع، و تحديد المحللات و المحرمات، و من ثم تكون الجائزة فى النهاية لمن ينجح فى التنفيذ. خاصةً فى الشرق تظهر هذه المشكلة بوضوح، لدرجة أن الثقافة المحيطة أثرت بشكل قوى جداً فى الرؤية المسيحية على مستوى القاعدة الشعبية التى تسعى خلف لقمة العيش. و المحاولات المستميتة التى يبذلها رجال كرسوا حياتهم لهذه المهمة أدت إلى نتائج جميلة. لكن تظل مشكلة الغيبيات عائق امام الكثيرين حتى من رجال اللاهوت.

لا يمكنك أن تخضع شىء ما خارج نطاق العقل للفحص العقلى. لكنك تستطيع أن تجد اسباب عقلية تجعلك تعتقد فى هذا المفهوم الغيبى. و الفارق بين الإستدلال العقلى و السبب العقلى هو فرق شاسع جداً. و هنا يدخل مفهوم "الإثبات" Proof و "المُطلق" Absolute، الذين لهما اشكال من الفِهم متعددة جداً. لا يمكنك أن تثبت بشكل مُطلق أى شىء يختص بالواقع الغيبى. فى الحقيقة، هذه العبارة نفسها "الواقع الغيبى" جملة متناقضة. فكيف يكون هناك واقع و فى نفس الوقت غيبى؟ هذه هى المعضلة، أن تستطيع العبور من بوابات الحاجز العقلى الذى يمنعك من فحص أى أمر غيبى بالعقل، لتدخل إلى نطاق آخر. و نحن نحتاج أن نفهم أننا بعبورنا النطاق العقلى للنطاق الآخر، فنحن خاضعين لظروف هذا النطاق، و ليس النطاق العقلى.

لا يمكنك أن تقول "الله موجود" God exist عن قناعة عقلية. لكنك تستطيع أن تقول "من المُحتمل أن الله موجود" God, probably, exist. لأنك مادمت قد إنخفضت عن مستوى اليقين، فأنت تتعامل مع إحتماليات. و فى هذه المرحلة ستواجه مدرستين: الحداثة Modernism، و ما بعد الحداثة Postmodernism. الحداثة تسعى دائماً إلى إبطال الإعتقاد بإستخدام الفلسفية اليقينية لكن فى إتجاه مضاد للنظام العقيدى. أما بعد الحداثة فتسعى إلى إبطال الإعتقاد بإستخدم الفلسفة التشككية عن طريق قاعدتها الذهبية: كل الإحتمالات خُلِقت متساوية. فإذا كان وجود الله إحتمالية، و عدم وجوده إحتمالية أيضاً، ففى نظر بعد الحداثة أن هذين الإحتمالين متساويين، و لن يستطيع الإنسان الوصول إلى قرار. و بالتالى، النتيجة الحتمية هى التشكك التام.

بين هذين المدرستين تقف الواقعية العملية، و هى النظر فى الأسباب التى تجعل الإنسان يخرج من إطار العقل إلى إطار آخر. و السؤال الذى يجب أن تسأله لنفسك فى كل إعتقاد: هل لديك اسباب جيدة تجعلك تعتقد فيما تعتقده؟ تذكر، انت لا تستطيع أن تصل إلى يقين مُطلق فى وجود الله بإستخدام الإستدلال العقلى، لكن هذا لا يعنى أنك لا تستطيع أن تصل إلى هذا اليقين بأى طريق آخر. و هذه هى الظاهرة الفريدة التى تقدمها المسيحية. يمكنك أن تصل إلى اسباب جيدة تؤدى إلى "الايمان"، بجانب وجودك فى الحيز الغيبى الذى يسمح لك بإقتناء دليل من نفس الجنس الغيبى.

إذن الخطوات التى تقدمها الواقعية العملية هى: إيجاد اسباب عقلية جيدة تجعل الفرد ينتقل من الواقع العقلى إلى الواقع الغيبى، ثم فى الواقع الغيبى يتوفر الدليل على الإعتقاد الغيبى. و معنى أن تجد اسباب عقلية جيدة، هو أن تكون هذه الأسباب تجعلك تنتقل من الواقع العقلى إلى الواقع الغيبى بنسبة أكثر من 50 %. السبب العقلى الجيد هو الذى يتوفق عليه غيره من الخيارات المتوفرة. لا تحتاج أن يكون لديك اسباب مُطلقة، حتى تستطيع أن تعتقد فى الحقيقة المُطلقة. لكن فقط تحتاج إلى اسباب جيدة.

هناك نموذج جميل جداً لهذا التطبيق الفكرى. حركة "التصميم الذكى" تمثل واقع عملى جيد فى كيفية الموازنة بين العقل و الغيب. هذه الحركة لا تقول أن العلم يثبت وجود خالق، إنما تقول أن العلم يقدم أسباب جيدة للايمان بوجود خالق. وجود الذكاء فى الكون ليس دليلاً على أن الله موجود، لكنه سبب جيد يجعلك تؤمن أن الله موجود. ببساطة لأن الدليل على غيبى يجب أن يكون دليل غيبى.

التاريخ

قدمت المسيحية نفسها فى إطار تاريخى تام. حينما اخترق الله التاريخ، وضع نفسه تحت الفحص التاريخى. لأن هذا يعنى ببساطة أن الله انتقل من واقعه الغيبى إلى واقعنا العقلى. و كل شىء يقع فى إطار العقل يستطيع العقل أن يفحصه. لكنك يجب أن تعلم أيضاً أن كل ما لا يخضع للعقل لا يستطيع العقل أن يفحصه. هذا سؤال يجب أن تسأله لنفسك: لماذا لا نجد عالم فى المسيحية متخصص يسأل: ما هو الدليل على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله؟ فى حياتى لم اقرأ هذا السؤال خرج من أى عالم غير مسيحى. و عليك أن تسأل نفسك أيضاً: لماذا لا يظهر هذا السؤال إلا فى الدوائر الشعبية و العامة فقط؟ لماذا لا يظهر فى الدوائر المتخصصة؟

حينما تبدأ فى البحث التاريخى للمسيحية، عليك أن ترى هل هناك اسباب جيدة تجعلك تعتقد أن الكتاب المقدس هو كلمة الله أم لا. اليقين لن يأتيك إلا من جنس الهدف. لن يكون لديك يقين أبداً أن الكتاب المقدس هو كلمة الله إلا من خلال الله نفسه. دليل من جنس الهدف نفسه. لكن مادام الله أخضع نفسه للتاريخ، للواقع العقلى، فأنت لديك الفرصة لتجد الأسباب و تفحصها، هل هى جيدة أم لا.

هذه هى ميزة المسيحية: لديك الفرصة لتفحص الأسباب. لا يوجد نظام عقيدى آخر فى التاريخ يعطيك هذه الفرصة. أى نظام آخر يطلب منك أن تؤمن فقط، دون أن يكون لديك اساس عقلى لهذا الايمان. لن يكون لديك اسباب تجعلك تعتقد فى الايمان الغيبى. لا يوجد لديك فرصة للبحث عن اسباب جيدة للايمان، إلا فى المسيحية فقط.

اطرح الاسئلة ولا تخف: هل تستطيع أن تثق أن العهد الجديد يقدم تاريخ حقيقى؟ هل تستطيع أن تثق فى صورة يسوع التى تعرضها الأناجيل الأربعة؟ هل تستطيع أن تثق أن يسوع إدعى أنه الله؟ هل تستطيع أن تثق فى قيامة يسوع من الموت؟ هل تستطيع أن تثق أن العهد الجديد إنتقل لنا سالماً؟ هل لديك اساس عقلى جيد يجعلك تعتقد فى حدوث المعجزة؟ إذا كنت تستطيع أن تقيم الإجابات و تبحثها و تتحراها بدقة، و توصلت إلى أن المعطيات تجعلك تصل إلى اسباب جيدة للايمان، ففى هذا الوقت فقط يكون لديك اساس شرعى فى العبور من دائرة العقل إلى دائرة الغيب.

لكن هناك معايير عقلية يجب أن تتبعها فى بحثك العقلى هذا. إنزع عن نفسك إفتراضاتك المُسبقة. تخلى عن موروثاتك التقليدية. جرد نفسك من كل تحيز. درب عقلك على الرياضة العقلية، حتى تستطيع أن تحكم فى المعطيات. يجب أن تدرب على فحص القرائن، و وضع جميع الإحتمالات الممكنة. قارن بين هذه الإحتمالات، و قيمها، و توصل إلى افضل إحتمالية. افضل احتمالية، او افضل تفسير، هو الذى يغطى جميع المعطيات بأفضل شكل.

يسوع يُقدم لك نفسه لكى تفحصه. وضع نفسه تحت الفحص حتى يعطيك الأسباب الجيدة التى ستجعلك تؤمن به. حينما تقرأ لعالم ما يقول أن أى فحص عقلى سليم سيؤدى بالفرد للايمان بالمسيحية، لا تظن أن هذا غرور. لا تتخيل أن هذا مجرد غبى، فهذا لديه دراسة تفوق آفاقك الذهنية بمراحل. هناك من قضى عمره يفحص الأصول و الحقائق الموجودة، و قضى سنوات فى تقييم الدليل. و انت سعيد بايمانك الأعمى الذى لا يوجد فرصة عقلية واحدة لفحصه. لا يوجد شىء فيه يخضع لنطاق العقل حتى يستطيع الباحث فحصه.

النص و التفسير

فى مراحل أكثر تخصصاً، ستجد الإندماج الكامل بين التاريخ و اللاهوت. متى لم يكن يكتب مجرد تاريخ لحياة يسوع المسيح. لم يكن مرقس آلة كاتبة تكتب ما يُملى عليها. لم يُلغى لوقا و هو يكتب حياة ذاك الناصرى. لقد كانت كتابة هذه السير الذاتية فى حد ذاتها فرصة خلق المساحة العقلية التى تستطيع أن تبحث فيها. لقد كان هؤلاء البشيرين لاهوتيين، و كان لهم منظورهم الذى أرادونا أن نعرفه (و نحن "نؤمن" أن هذه المناظير سُجلِت بقصد الله). عليك أن تطرح السؤال لنفسك: هل كون هؤلاء البشيرين يحملون وجهات نظر لاهوتية، أثر بشكل أو بآخر على واقعية التاريخ المُدون؟ يجب أن تتحدى نفسك. انت كمسيحى تريد بالطبيعة أن كل شىء فى الكتاب المقدس يكون حقيقى. و انت كغير مسيحى تريد بالطبيعة أن كل شىء فى الكتاب المقدس يكون غير حقيقى. تحدى نفسك، و تصارع مع التاريخ و رؤيته اللاهوتية.

هذه هى مشكلة النص و تفسيره. أن تقرأ النص يعنى أن تفهم النص. و انت لا تستطيع فِهم النص إلا فى ضوء معرفتك. كذلك مشكلة الماضى، الذى لا نستطيع فِهمه إلا فى ضوء الحاضر. انت تأتى للنص مُعبأ بأطنان من المعرفة و منها خلفيات مُسبقة حول النص. و ستفهم النص فى ضوء معرفتك هذه. انت تعرف أن الوحى يجب أن يكون إملائى، و بالتالى لن يكون فى إستطاعتك فِهم أى رؤية للوحى إلا كذلك. هذه مشكلة ليست سهلة، و علاجها بأن تتدرب فلسفياً لتعرف أن قناعتك برؤيتك لا يعنى أنها صحيحة. البشر إعتقدوا لقرون، بكل يقين و ثقة، أن الأرض مُسطحة. فقط حينما خرجوا إلى الفضاء و شاهدوا الأرض من بعيد، عرفوا أنها كروية. القناعة لا تغير الحقيقة. فعليك أن تطارد الحقيقة أينما كانت، لا أن تبحث عما يحمى قناعتك الشخصية.

و فى مرحلة الايمان، فالمسيحية لم تنادى، ولا تنادى، بأنها تُبنى على النص نفسه. لا تقول المسيحية أن الله سيقدم لك ورقة إمتحان يسألك فيها الله بما آمنت و بما لم تؤمن. العقيدة فى المسيحية لا تُستقى من الكتاب المقدس، رغم أن الكتاب المقدس يشهد لها. لأن هدف الله من الكتاب المقدس ليس أن تعتقد أنه ثالوث مثلاً. الله لم يعلن الثالوث فى الكتاب المقدس حتى نعتقد أنه ثالوث. لا يوجد نص فى الكتاب المقدس يقول ذلك. مرحلة العقيدة ستأتى بالتدريج مع الوقت فى خبرتك الروحية مع الله. انت تعرف صديق، ستعرف عنه كل شىء. و هكذا الله، الشخص، الذى نبنى ايماننا عليه. و نحن نبنى ايماننا عليه، لأننا عرفناه و لمسناه. و معرفتك بالله ستجعلك تتعلم منه، و ستتغير حياتك، و تصبح حياة جديدة.

ظاهرة الإختبار الروحى لها علاقة وثيقة بمشكلة النص. النص مثله مثل أى مادة فى الكون، ليس مُطلق. لا يوجد أى نص مُطلق أبداً. و هذه الجملة تعنى أن الإنسان لن يستطيع أن يفهمه بشكل لا شك فيه. هذه الجملة لا تعنى أنه لم يكن هناك معنى أصلى للنص. المؤلف قصد معنى واحد و أصلى، و لكننا فى رحلتنا للبحث عنه لن نصل له بشكل مُطلق. ما سنصل له هو مجموعة من الإحتمالات الممكنة، و علينا أن نختار أفضل تفسير يفضل المواد المتوفرة. هذا يعنى أن ما ستصل له هو إحتمال، رغم أنه أفضل إحتمال، لكنه ليس يقين. و هذا الكلام ينطبق على أى نص، و هذا ما يحتم عليك الدراسة الأدبية للأعمال الأدبية. هذا التفسير، الذى هو أفضل تفسير، يُعتبر فى حد ذاته، أحد الاسباب التى عليك فحصها، هل هى جيدة أم لا، لتجعلك تنتقل خارج النطاق العقلى للايمان بالغيب.

قيامة المسيح من الموت هى حجر الأساس فى المسيحية. لو لم يقم المسيح من الموت، فباطل هو ايماننا. لنفحص إذن البيانات المتوفرة، و نرى الشهود، و نرى خبرتهم. حينما تجد أخ يسوع نفسه الذى كان يقول عليه مجنون فى حياته، ثم فى لحظة يتحول إلى مؤمن به و رئيس كنيسته فى اورشاليم و يضحى بحياته فقط لأنه يشهد أن يسوع قام من الموت. حينما نجد فريسى كان يتلذذ بقتل المسيحيين و إضطهادهم، و فى لحظة واحدة، يتحول إلى رسول المسيح إلى جموع الأرض بأكملها. حينما نجد شهادات كثيرة مُوثقاً تاريخياً، كلها تشهد أن التلاميذ رأوا يسوع قائماً من الموت. و بالأكثر، حينما لا نجد عالم واحد متخصص فى العالم كله، من بين أكثر من ألفى عالم متخصص فى النقد التاريخى للعهد الجديد، ينفى تاريخية هذه التجارب. ما الذى عليك أن تفعله؟ يسوع لم يترك خيار، فإما أن تقبله أو ترفضه. قيامته من الموت تثبت إدعاءاته. و فى هذه اللحظة عليك أن تقرر: ما هو أفضل تفسير للأدلة المتوفرة؟ هل لديك اسباب جيدة تجعلك تعتقد أن يسوع قام من الموت؟ تذكر، قيامة يسوع من الموت معجزة، أى خارج نطاق العقل. لكن الأسباب المتوفرة عقلية، و عليك أن تعرف هل هى جيدة أم لا. ضع النص أمامك، و اجمع كل الأدلة، و قيمها، و أنظر للشخص و حدد موقفك منه.

دعنى أعطيك مثال لمرحلة متقدمة: ناقشنا من قبل موضوع "اصغر البذور". ما توصلنا له هو أن أفضل تفسير للنص هو أن يسوع إستخدم ثقافة و لغة مجتمعه. الآن، هل هذا يعنى أنك تستطيع عبر هذا النموذج أن تصل إلى قناعة "مُطلقة" أن يسوع لم يخطأ أبداً؟ بكل تأكيد لا. لكن هذا سبب عليك أن تفحصه: هل هو جيد لجعلك تؤمن أن يسوع لم يصدر عنه خطأ؟ العهد الجديد يقول أن يسوع لم يصدر عنه خطأ. لكن أن تعتقد فى هذا هو "ايمان"، فهى مسألة خارج حدود العقل. و حينما نطبق هذا المثال على كل كلمة قالها يسوع، و نجد أنه لم يخطأ، فهذا سبب قوى جداً يجعلنا نؤمن أنه بالفعل لم يخطأ أبداً.

الإستجابة

حينما تعتقد أن الأسباب جيدة تجعلك تؤمن، ستنتقل إلى الواقع الغيبى، الذى يوفر لك الدليل اليقينى. نعم، تستطيع الآن أن تحصل على اليقين. اليقين لا يأتى إلا من جنس الهدف، و الهدف الغيبى اليقين فيه يكون غيبى، لا عقلى. حينما تضع ثقتك فى هذا الشخص، و "تؤمن" به، ستنتقل إلى شكل آخر من الحياة. ستجد اليقين الذى تبحث عنه. نحن فى عالم نسبى، نحتاج إلى ثابت. و هذا الثبات لن يأتى من الواقع المادى أبداً، لأنه واقع نسبى. أى نص قابل للتأويل، و كل الإحتمالات موجودة. بناء على العقل فقط، لن تستطيع أن تصل إلى يقين فى حياتك الأبدية. بناء على النص، لن تستطيع أن تصل إلى الحياة. لأن الموت لا يُولد منه حياة. إنما الحياة كلها فى الروح، و هذا هو إنفراد المسيحية بين كل أنظمة العالم اللاهوتية فى التاريخ البشرى بأكمله. المسيحية توفر لك لقاء حقيقى مع الله، ففى المسيح تستطيع أن تتقدم له طالباً منه أن تتعرف عليه. الله يريد الجميع يخلصون، لا يريد أن يهلك أحد. لكنك ستهلك بدون الله، طالما أن ليس لك معرفة به و كل ما تقوم به هو ان تقوم و تسجد. هذا التدين ليس سوى فراغ، و الله أعطانا الفرصة من جديد لنؤمن به بناء على اسباب عقلية جيدة.

هل يوجد نظام عقيدى واحد قابل للفحص و الإستدلال العقلى غير المسيحية؟ المسيح لا يقول لك اغمض عينيك ثم آمن بى، بل يطلب منك أن تفحصه. هذا هو إعلان التجسد، الذى به وضع الله نفسه للإنسان ليفحصه. ايمانك بالمسيح ليس مجرد قفزة تتخطى الجدار العقلى دون وجود سبب أو محرك. أنه خطوة إستجابة طبيعية للبرهان.

هذا هو الايمان العلمى!

الاثنين، 15 فبراير، 2010

صوت المعمودية السماوى


صوت المعمودية السماوى
دراسة تفسيرية و نصية
فادى اليكساندر


الصوت السماوى فى المعمودية، هو صوت الآب فى وقت معمودية يسوع. ما الذى قاله الآب بالضبط؟ يقول متى أن صوت الآب قال:"هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (3 : 17)، بينما يقول مرقس أن صوت الآب:"أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (1 : 11)، و سنتفق مؤقتاً أن لوقا يتفق مع مرقس فى أن الآب قال:"أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" (3 : 22). و الإعتراض يقول: هل وجه الآب كلامه ليسوع أم للحاضرين؟ متى يقول أن الآب خاطب يسوع مباشرةً، بينما يقول مرقس و لوقا أن الآب خاطب الحاضرين أو يوحنا المعمدان. المعترضين و المهاجمين لعصمة الكتاب المقدس سيقولون هذا تناقض، لكن الباحث بدقة لن يجد هذا تناقض، خاصةً لو توفرت لديه آليات النقد الكتابى.

بارت ايرمان يقول فى هذه المشكلة:

"كل قصة تحاول أن تقوم بشىء ما مختلف مع هذا الصوت. هذا يعنى أن الكلمات المختلفة تعنى اشياء مختلفة فيصبح لها وظائف مختلفة: ففى متى، الكلمات تعرف يسوع ليوحنا المعمدان و الجموع، و فى مرقس، لتأكيد هوية يسوع له هو نفسه مباشرةً، و فى لوقا، تعلن الكلمات أن المعمودية قد جعلته إبنه بشكل خاص (أو صدقت على ذلك؟). و لكن يبقى السؤال، ما الذى قاله الصوت بالضبط؟"
[1].

سنعود لكلام ايرمان لاحقاً، و لكن دعونا نقرأ الرد التقليدى على هذا الكلام. يلخص لنا د. ق. منيس عبد النور الرد قائلاً:"لا يجرؤ أحد على القول إن جوهر العبارتين مختلف، لأن المعنى المقصود فيها كلها واحد. ولا ننكر وجود اختلاف في الأسلوب. فبحسب مرقس جاء الكلام موجَّهاً إلى المسيح. ولكن حسب متى جاءت العبارة مقولة عنه. ونرجّح أن مرقس أورد نص كلام الآب كما هو، أما متى فقد جاء بخلاصته. وللإيضاح نضرب مثلاً: فلنتصوَّر أن عدداً من الناخبين أجمعوا على انتخاب ممثل لهم، فدوَّن أحدهم في محضر الجلسة:"أجمع الناخبون على انتخاب فلان، وصاحوا مشيرين إليه: أنت هو الرجل الجدير بالثقة". وجاء آخر بخلاصة المحضر نفسه فقال:"حاز فلان ثقة جميع الناخبين، وقالوا عنه: هذا هو الرجل الجدير بالثقة". فهل يمكن في حال كهذه اتّهام التقريرين بالتناقض؟"
[2].

بالطبع ليس تناقضاً، فبمجرد أن نفهم كيف كان يعمل الإنجيليين، سنفهم فوراً معنى التحرير النصى، الذى هو حق شرعى للمؤلف. و هذا هو هدفى فى هذه المقالة، بيان حق التحرير للمؤلف، مادام لم يصدر منه خطأ. فى هذا الموضوع، سنجد عدة فروع من علوم النقد الكتابى متشابكة معاً، و قد رأيته فرصة جميلة لعرض تقنيات هذه العلوم فى مثال عملى من أجمل الأمثلة تماماً.

الفروع النقدية المُستخدمة

الفرع المعرفى الأول: نقد المصدر. من أهم فروع النقد الكتابى "نقد المصدر"، و هو العلم الذى يبحث فى المصادر التى إستخدمها المؤلف فى كتابة عمله. و فى الأناجيل الإزائية، أى الثلاث أناجيل الأولى، يعتقد غالبية العلماء أن مرقس كُتِب أولاً، و إستخدمه متى و لوقا كأحد مصادرهم، بجانب مصدرين آخرين لكل منهما، و أحد هذين المصدرين مشترك بين متى و لوقا. هذا يعنى أن الشكل الأقدم لأى نص مُشترك بين الثلاثة أناجيل، هو شكل النص فى إنجيل مرقس. بكلمات أخرى، أقدم شكل لنص الصوت السماوى فى المعمودية، هو بحسب مرقس. هذا يعنى أن الآب وجه كلامه مخاطباً يسوع، ليس الحاضرين أو يوحنا المعمدان. و بالتالى، علاقة هذا الفرع فى هذه المقالة سترتبط بإنجيل مرقس.

الفرع المعرفى الثانى: النقد التنقيحى. و هو فرع مبنى بشكل مباشر على نقد المصدر، فإذا سقط نقد المصدر، سقط معه النقد التنقيحى. و هذا الفرع يبحث فى مقارنة المصادر التى نستطيع تحديدها مع العمل الذى إستخدم فيه المؤلف هذه المصادر. بمعنى أن متى حينما يستخدم إنجيل مرقس، فهذا لا يعنى أن متى أصبح مجرد ناسخ، لكنه مؤلف أيضاً، و بالتالى يجب أن نتوقع تحريراً فى نقل متى عن مرقس. هذا التحرير هادف، و بالتالى يصبح بإمكانيتنا أن نعرف ما قصده متى بالضبط، من خلال مقارنة النص فى مرقس، مع النص الذى كتبه متى. و بالتالى، علاقة هذا الفرع فى هذه المقالة سترتبط بإنجيل متى.

الفرع المعرفى الثالث: النقد النصى. و هو الفرع المعرفى الذى يبحث فى تحديد شكل النص الأصلى لأى عمل فُقِدت وثيقته الأصلية. و المشكلة هى أن نص إنجيل لوقا فيه خلاف فى المخطوطات حول ما قاله الصوت السماوى. ليس ذلك فقط، بل ايرمان يعتبر هذا النص أحد أدلته الرئيسية على وجود إفساد ارثوذكسى مُتعمد لتغيير النصوص التى يستخدمها الهراطقة فى تدعيم عقيدتهم، و هم فى هذه الحالة التبنويين. و بالتالى، علاقة هذا الفرع فى هذه المقالة سترتبط بإنجيل لوقا.

بعد أن عرفنا الفروع التى سنستخدمها فى دراستنا، نبدأ فى تحليل النصوص و ترتيب المُعطيات و الدلائل و القرائن المتوفرة. لكن قبل أن نبدأ، هناك عدة ملاحظات تفسيرية يجب أن نعرفها مشتركة فى أشكال النص الثلاثة.

ملاحظات تفسيرية

أولاً: يرى العلماء أن الإشارة إلى انفتاح السماوات، هى فى الحقيقة تشير إلى فكرة Bath Qol الموجودة فى مخطوطات البحر الميت و الترجومات المتأخرة، و هى تعنى "بنت الصوت". هذه الفكرة تعنى بإختصار صدى صوت السماء فى فترة ما بين العهدين؛ الفترة التى إنقطع فيها الوحى الكتابى. و هذه الفكرة كانت معروفة عند اليهود عبر اربعة قرون بعد كتابة سفر ملاخى، و كانت متزامنة مع الأدب الرؤيوى فى فترة ما بين العهدين. لكن مع مجىء يوحنا المعمدان ليمهد الطريق لإعلان الله الأخير للبشرية، فى شخص يسوع الممسوح من الله. و كان هذا الإستخدام لهذه الفكرة هو إعلان فى حد ذاته برجوع عصر النبوة مرة أخرى. غير أن الصوت ليس مجرد صدى، بل هو صوت الآب الحقيقى.

ثانياً: النص فى أشكاله الثلاثة، يضع إقتباساً من نصين فى العهد القديم، كما أجمع العلماء
[3]. هذين النصين هما:"إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ. قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي. أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مز 2 : 7)، "هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ" (اش 42 : 1). أى أن المسيح تمم المعنى الكامل للنبوة، فهو ابن الله و فى نفس الوقت العبد المتألم (و هذا إعلان تام و كامل عن لاهوت المخلص و ناسوته). و يخبرنا العلماء أن حتى اليهود فى فترة ما بين العهدين فهموا دلالات هذا النص المسيانية، كما فى مخطوطات البحر الميت و الترجومات[4].

كريج كينر يلخص هذه الدلالات كالتالى:"معلمو اليهود الذين إعتقدوا أن الله لم يعد يتكلم عن طريق الأنبياء، إعتقدوا أنه يتكلم إليهم عن طريق صوت من السماء، مع أن ذلك لم يكن هاماً كالنبوة. و أوضح مرقس هنا (1 : 11) أن الصوت من السماء و نبوة يوحنا يشهدان ليسوع. و فى القصص القانونية فإن الصوت من السماء كان يقتبس أقوال الكتاب المقدس من آن لأخر، و يعتقد معظم العلماء أن الصوت هنا يشير إلى شاهدين أو ثلاثة من الكتب المقدسة: مز 22 : 2 عن المسيا ابن الله، اشعياء 42 : 1 عن العبد المتألم، و تكوين 22 : 2 عن ابراهيم و هو يقدم ابنه الحبيب ذبيحة. و الكلمات الواردة فى النص هنا اقرب ما يكون إلى مزمور 2 : 7 و تكوين 22 : 2"
[5].

تحليل اشكال النص

مرقس هو أقدم الأناجيل، و الإختصار الكبير الموجود فيه يجعل بساطة مادته بالنظر للدراسة الأدبية لبقية الأناجيل توفر دليلاً على أنه بالفعل الأقدم. و ماعدا قلة من العلماء، فإن الغالبية العظمى مقتنعين بأنه أول الأناجيل فعلاً. لذلك نحن على قناعة بأن الآب وجه كلامه إلى يسوع، مخاطباً إياه. هذا الإحتمال أقوى من غيره لعدة اسباب:

1- متى كان لديه نسخة من إنجيل مرقس، و بالتالى متى كان يعرف أن صياغة مرقس تخاطب يسوع و ليس آخر، سواء كان الحضور أو المعمدان. و نفس الكلام ينطبق على لوقا.
2- إذا كان متى أمامه نص مرقس يخاطب يسوع، فما الذى يجعل متى يخالف مرقس إلا لهدف معين؟ لاحظ أن متى كان معتمداً بالفعل على مرقس.
3- إدراك أن إنجيل مرقس هو فى الحقيقة كرازة بطرس، يجعل من الصعب على متى مخالفته لغرض يخص حقيقة الكلام، خاصةً أن يسوع لم يكن قد إختار تلاميذه بعد، أى أن متى لم يكن شاهداً لهذا الحدث.

أما عن متى، فأول ما نلاحظه فى نص متى، هو أنه لا يصف المعمودية نفسها تماماً مثل مرقس، إنما يصف ما حدث بعد المعمودية. هذه الإشارة الأولى تبين لنا أن ما تلى المعمودية كان فى حد ذاته امر هام جداً، حتى أن متى إختصر حدث التعميد نفسه رغم ما يحمله من دلالات لاهوتية كثيرة، حتى يصل إلى الحدث السماوى الذى تم فى المعمودية. هذا الإهتمام نلاحظه أكثر حينما نقارن بين رغبة متى فى عرض تفاصيل تخص هذا الحدث السماوى، فى الوقت الذى لم يعرض فيه أى شىء يخص حدث التعميد نفسه. العالم لينسكى يصف هذا التفصيل بالمقارنة مع مرقس أيضاً قائلاً:"هنا مرقس مُختصر جداً، لكن سرد متى ممتلىء أكثر و مُفصل أكثر فى كل إتجاه"
[6]. وجود النص بحسب متى يهدف إلى تأكيد مسيانية يسوع، لأن الصوت قدم يسوع مخاطباً آخرين، و ليس يسوع نفسه. و بالتالى، النص يعلن مسيانية يسوع للآخر. و بمعرفتنا أن متى إستخدم مرقس، نعرف أن متى كان لديه هدف من هذا التحرير. لكن هذا الهدف ليس أن الآب خاطب آخر، للأسباب المذكورة بالأعلى. فما الذى يمكن أن يكون السبب؟

متى قام بتحويل الضمير الأول إلى الضمير الثالث، ليقول النص "هذا هو". إن المشهد بهذا الشكل قادم من آخر يشهد لتاريخ هذا الحدث، ليؤكد على قوته و نفاذه. متى أراد أن يجعل من الكلمات شهادة تاريخية، شهادة تسرد تأكيد الآب على مسيانية يسوع و أنه هو الممسوح. أو كما قال أحد العلماء: واحد وضع الصياغة، و آخر وضع أهمية الصياغة. بهذا الشكل تتحول شهادة الآب إلى شهادة المجتمع كله. لقد إنتقلت الشهادة للكنيسة الآن، لتشهد و تعلن من هو يسوع. فى الحقيقة، لقد إنتقلت لك انت
[7].

نعم لقد قام متى بتغيير النص فى مرقس، و كذلك فعل لوقا، لكن هذا تغيير لهدف ما، و ليس خطأ! هنا النقطة، فلو نظرنا ليوحنا المعمدان و هو يشهد بما رآه، سنرى أن يوحنا شاهد حلول الروح القدس عليه، لكنه لم يقل انه سمع شىء، و هذا هو الدليل الرئيسى على أن كلام الآب كان مخاطباً ليسوع. و بالتالى، تحويل خطاب الآب من شكل شخصى ليسوع، ليكون دعوة للكنيسة كلها لتشهد بما ليسوع و بما عليها ليسوع، يهدف إلى الضغط بقوة على تاريخية الحدث.

نعود الآن لكلام ايرمان المذكور فى البداية. ايرمان يفترض عدم تكامل الأناجيل، فى الوقت الذى يتحدى فيه عصمة الكتاب المقدس عن الخطأ. هذا يتضح جداً فى قوله:"لكن بدون أن يقرر أى فرد إعادة كتابة الثلاث أناجيل، فإن الحقيقة هى أنهم يوضحون بأن الصوت قال اشياء مختلفة"
[8]. هذا الكلام هو ببساطة دعوة للقارىء أن يقرأ كل إنجيل على حِدة، دون أن يحاول دمج الأناجيل الثلاث معاً. رغم أنه من الدقيق تاريخياً الأخذ بهذا المبدأ، و لكن كيف يمكن تطبيقه بشكل لاهوتى؟ على أى اساس لاهوتى يمكن للفرد الإفتراض بأن الثلاثة أناجيل غير متكاملة؟ إذا كنت تتحدى ايمان شخص ما، فعليك أن تعرف ما هو ايمان هذا الشخص. النقطة الثانية هى أن حتى على المستوى التاريخى، هذا الكلام غير معقول. متى و لوقا، كل منهما، كان معه نسخة من إنجيل مرقس. لم اقرأ لعالم قال أننا لا نعرف ماذا قال الصوت، فالكل إتفق على أنه قال ما دونه مرقس. سؤال ايرمان ليس باقِ كما قال هو. إنما السؤال الباقى، و الذى أعرف جيداً أنه سيبقى، هو:

على أى اساس نفترض أن متى و لوقا لم يكونا يعرفا ما الذى قاله الصوت كما ذكره مرقس؟ ما هو الدليل على ذلك؟

بل على العكس، لدينا احتمالية قوية جداً، فمتى و لوقا كان لديهما إنجيل مرقس! و إن كان متى يعرف جيداً ما الذى قاله الصوت بحسب مرقس، هل نستطيع أن نستمر فى المغالطة قائلين أنه قد اخطأ؟ ألا يجب أن نهتم أكثر و نفحص أكثر قبل المبالغة الزائدة كما فعل ايرمان؟ فى الحقيقة، ليست هذه هى المغالاة الوحيدة لايرمان فى هذه القضية!

الشق النصى

آخر نقطة سأناقشها هنا هى: ما الذى كتبه لوقا بالضبط؟ يقول ايرمان:"مخطوطات مختلفة لإنجيل لوقا تعطى للصوت كلمات مختلفة. و أنا أسلم هنا بالقراءة الأصلية للنص كما هو موجود فى بعض المخطوطات الأقدم للكتاب المقدس، رغم أنها غير موجودة فى غالبية الترجمات الإنجليزية"
[9]. و نظراً لأن هذه قصة طويلة، فسأضع لك ملخصاً لفكر ايرمان فيما يلى.

ايرمان يعتقد أن النُساخ الأرثوذكس، أى النُساخ المستقيمى العقيدة، كانوا فى بعض الأحيان يقومون بتغيير نصوص معينة من العهد الجديد، لأن هذه النصوص كان يستخدمها الهراطقة فى اثبات عقائدهم. يستدل ايرمان بأربعة فرق، تعتبرهم الكنيسة هراطقة. أول هذه الفرق هم "التبنويين". هؤلاء آمنوا أن يسوع كان مجرد إنسان، إلى أن تبناه الله، فأصبح إبناً لله. نقطة التبنى هذه كان عليها خلاف بينهم، البعض قال فى المعمودية و البعض قال فى القيامة. نصنا فى إنجيل لوقا يقول أن صوت الآب السماوى قال ليسوع:"أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" (3 : 22). لكن فى عدة مخطوطات، يقرأ النص:"انت ابنى، انا اليوم ولدتك". هذه المخطوطات هى بيزا و شواهد من اللاتينية القديمة بجانب عدد من الآباء.

كيف يفسر ايرمان هذه القراءة؟ يقول أن هذه القراءة هى الأصلية، و أن النساخ الارثوذكس قاموا بتغييرها إلى "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ"، حتى لا يستخدم التبنويين النص فى إثبات عقائدهم. الآن، يجب أن تعرف أن ايرمان فى هذا المجال يُغالى جداً، و قد إنتقده أكبر علماء النقد النصى فى العالم. كما غالى فى تفسير النص، يغالى الآن فى تحديد القراءة الأصلية. العديد من العلماء قالوا على عمله "الإفساد الأرثوذكسى للنص المقدس" جملة هامة: ايرمان يفترض حلول معقدة فى الوقت الذى يوجد فيه اسباب بسيطة لتفسير الفساد.

هنا نحن أمامنا أحد هذه الحالات التى يوجد لها سبب بسيط، لكن ايرمان غالى فيه جداً. دعنى اذكرك بأن جملة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" موجودة فى الثلاث أناجيل. السؤال الذى يفرض نفسه: هل بيزا قرأت "انت إبنى، انا اليوم ولدتك" فى إنجيلى متى و مرقس؟

لكل شخص يتبنى قضية ايرمان فى الدافع اللاهوتى: هل يوجد تفسير واحد لعدم وجود قراءة "انت إبنى، انا اليوم ولدتك" فى إنجيلى متى و مرقس فى أى شاهد، فى ضوء إدخال نفس القراءة فى شواهد فى إنجيل لوقا لسبب لاهوتى؟!

تعالوا نستمع كلمات ايرمان و هو سعيد بقوة قراءة التبنى فى برهانها الخارجى:"من ضمن مصادر القرن الثانى و الثالث، إنها تقريباً القراءة الوحيدة الموجودة؛ و حتى القرن السادس، موجودة فى شواهد مُوزعة على نطاق واسع مثل آسيا الصغرى، فلسطين، الإسكندرية، شمال افريقيا، روما، الغال، اسبانيا"
[10]. هذه كلمات فخر تعنى أن القراءة كانت منتشرة جداً، و محفوظة لنا فى شواهد متنوعة جداً فى جغرافيتها. السؤال الآن: هل الناسخ الذى غيّر قراءة لوقا لم يستطيع أن يغير قراءة متى و مرقس؟ الجواب من ايرمان سيكون أن النص أصلى فى شكله فى متى و مرقس. و هنا يبرز الإفتراض الثانى: الصوت قال جملتين! ليس ذلك فقط، بل و للصدفة، الصوت قال جملتين بدايتهما واحدة.

من اين جاءت القراءة إذن؟ ذكرت فى الملاحظة التفسيرية الثانية بالأعلى، أن هذا النص فى أشكاله الثلاثة، يستخدم نصين من العهد القديم. أحد هذين النصين هو:"إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ. قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي. أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مز 2 : 7). هذا النص الذى هو أحد النصوص التى اقتبسها الصوت السماوى، يقول "انت ابنى، انا اليوم ولدتك". نفس قراءة التبنى!

أحد قوائم انواع القراءات التى نجدها تقريباً فى كل صفحة من الأناجيل الأربعة هى: التوفيق بين الأناجيل الأربعة، بينهم و بين نفسهم، و بينهم و بين السبعينية. إذن، ها نحن لدينا حل سهل و بسيط، و هو أن قراءة التبنى هى توفيق بين نص لوقا و نص المزمور. ايرمان ذكر هذا الإحتمال و ناقشه بالفعل، فماذا كان رده عليه؟

يتلخص رد ايرمان فى محورين ذكرهما، هما
[11]:

1- أيهما أسهل: أن يقوم الناسخ بالتوفيق بين نصوص الأناجيل الأربعة و بعضها، أم أن يوفق بين نص إنجيل و السبعينية؟
2- أيهما أسهل: أن يخلق الناسخ قراءة تسبب مشكلة لاهوتية، أم أن يحاول التخفيف من حدة مشكلة لاهوتية؟

عن المحور الأول، يقول ايرمان أن الإحتماليتين موجودتين بالفعل فيما يخص التوفيق، و لكن مادامت كل الإحتمالات موجودة، فإن الأسهل و الأكثر ترجيحاً هو التوفيق بين الأناجيل الأربعة و بعضها. بكلمات أخرى، ايرمان يقول التالى:

لو أن قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك"، يمكن أن تكون نتيجة التوفيق بين نص الإنجيل و نص السبعينية و قراءة " أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" هى الأصلية، فإن قراءة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" يمكن أيضاً أن تكون مجرد توفيق بين نص إنجيل لوقا و إنجيل مرقس و قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك" هى القراءة الأصلية. و لكن هناك عاملين يقويان الخيار الثانى، و هما: التوفيق بين إنجيل و آخر أسهل من التوفيق بين إنجيل و السبعينية، كما أن الناسخ لن يحاول أن يوفق النصوص بخلق نص يحدث مشكلة لاهوتية. هذا هو ما يقول ايرمان.

و الآن هذا سؤالى لك: اين الدافع اللاهوتى فى هذا الرد؟!

بكل بساطة و ترتيب:

1- السبب الأسهل هو الأفضل بحسب نصل اوكام. لو أنك لديك سبب بسيط لتفسير مشكلة ما، فلماذا تفترض حل مُعقد؟
2- ايرمان يفترض سبب مُعقد لنشأة قراءة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ " و هو وجود دافع لاهوتى.
3- يوجد سبب سهل لتفسير نشأة قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك"، و هو التوفيق بين النص فى الإنجيل و نص المزمور الذى هو جزء اساسى فى تكوين النص كما هو فى شكله التقليدى.
4- ايرمان يقول: نعم هذا كلام صحيح، و لكن أسهل من ذلك أيضاً أن تكون قراءة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" قد نشأت نتيجة التوفيق بين نص لوقا و نص مرقس.
5- النتيجة: ايرمان أقر أن هناك حل أسهل و إنتفى الدافع اللاهوتى.

كيف إنتفى الدافع اللاهوتى؟ ببساطة لأن ايرمان قال بنفسه إقترح سبب أسهل لنشأة قراءة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ"، و هو التوفيق بين إنجيلى مرقس و لوقا. هذا يعنى أننا حتى لو إفترضنا أن قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك" هى الأصلية، فلم يوجد ناسخ ارثوذكسى حذفها و وضع القراءة الأخرى "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ" بدلاً منها حتى لا يقوم التبنوى بإستخدام النص ليقوى عقيدته. لا، بل سبب حذف القراءة هو التوفيق بين نص الأناجيل، و ليس الدافع اللاهوتى! كل هذا بفرض أن قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك" هى الأصلية. و مع ذلك، إكتشفنا أنه يوجد سبب أسهل لتفسير القراءة الأخرى، بحال أن قراءة التبنى هى الأصلية، و لسنا فى حاجة إلى التعقيد الذى مارسه ايرمان.

يهمنى هنا أن أشير إلى حقيقة هامة: النُساخ لم يكن لديهم غاية من توفيق النص، بل كان توفيق النص نفسه هو هدفهم. يمكننى أن أضع الآن عشرات النصوص التى نتجت عن التوفيق، و كان التوفيق هو الهدف بحد ذاته. فالعديد من العلماء قالوا بأننا لا نتخيل أن يقول لوقا أن يسوع أصبح ابن الله فى معموديته، فى الوقت الذى نجده ابن الله فى إنجيل لوقا قبل ذلك بإصحاحين فقط (لو 1 : 35). ما الحل إذن فى نظر ايرمان؟ الحل فى منتهى البساطة لديه: الناسخ وجد أن هذا تناقض، فجعله هذا يغير النص!

هذا الكم البالغ من التنظير، كم التكهنات و الإفتراضات، لا يوجد عليه أى دليل. و مع ذلك أضع السؤال مرة أخرى: أين الدافع اللاهوتى؟ ما توصلنا إليه مرة أخرى، هو أن النص تغير لوجود مشكلة تناقض بينه و بين نص سابق، فأين الغرض اللاهوتى من ذلك؟ هكذا، عرض ايرمان محاولتين لتفسير موقفه من أصولية القراءة، لكن نسى تماماً أنه بقبوله هذه المحاولات، ينفى بالفعل أى دافع لاهوتى.

أما المحاولة الثالثة فهى القول بأن كتابات لوقا نفسها تنادى بالعقيدة التبنوية، و بهذا فإن القراءة تكون متناسقة مع لاهوت لوقا، و بذلك تكون أصلية. حسناً، اين الدافع اللاهوتى؟ لا يوجد بالتأكيد، فهذا إستدلال من الإحتمالية الإسلوبية. هكذا، إستدلالات ايرمان على وجود دافع لاهوتى، تم دحضها، و بيان واضح و بموافقة من ايرمان نفسه، بأننا حتى لو إفترضنا صحة قراءة "انت ابنى، انا اليوم ولدتك"، فلا يوجد أى دليل على وجود دافع لاهوتى أدى إلى نشأة قراءة "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ".

هذه هى المشكلة، المغالاة من أجل المغالاة فقط، و بهذا يتأكد لنا حقيقة ما قاله نُقاد ايرمان، بأنه يفترض اسباب أكثر تعقيداً للفساد بينما هناك اسباب ابسط بكثير قد تفسر المشكلة. و أنا ادعو كل قارىء أن يقرأ معالجة ايرمان، و يقوم بتحليلها بنفسه
[12]. كما أدعو كل قارىء أن ينظر فى معالجته فى كتابه الأكثر شعبية "سوء اقتباس يسوع"[13]، و يقارن بين المعالجتين، و يقوم بتطبيق "النقد التنقيحى"، ليرى ما حذفه ايرمان ليعرف أهدافه جيداً!

هناك أمثلة كثيرة فعلاً للمغالاة فى كتابات ايرمان، سواء تفسيرية أو نصية، سأقوم بمناقشتها تباعاً فى مقالات متنوعة.

هذه هى قضيتى إذن: حتى لو كانت قراءة التبنى هى القراءة الأصلية، فلا يوجد أى دليل نصى أو وثائقى على وجود دافع لاهوتى فى حذفها.

و كما قال فيلاند فيلكر: ايرمان يستطيع أن يرى خلف كل قراءة دافع لاهوتى!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Bart D. Ehrman, Jesus, Interrupted: Revealing The Hidden Contradictions in The Bible (And Why We Don't Know About Them), HarperOne: USA 2009, P. 40
[2] د. ق. منيس عبد النور، شبهات وهمية حول الكتاب المقدس، إصدار الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة، الطبعة الثالثة: 1998، ص 269. انظر ايضاً: ق. سمعان كلهون، إتفاق البشيرين، إصدار الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة: 2005، ص 104.
[3] هذين هما النصين الرئيسيين، لكن هناك من يضيف تك 2 : 22 و يضع صورة المخلص الفادى فى تكامل مع صورة العبد المتألم، و قلة قليلة يضيفون خر 4 : 22 – 23. لو أننا أضفنا هذين للنصين، سنجد أننا لدينا اربعة نقاط ممتدة عبر تاريخ اسرائيل كاملاً، و فى نقاط حساسة جداً بشكل يجعل يسوع تجسيد كامل لإسرائيل؛ للإنسانية نفسها. و من ناحية أخرى، سنجد نزول الروح القدس على شكل حمامة يعطى إنطباع الروح الإلهية، أو كما قال تالبيرت الشخصية المُحِبة للحياة الإلهية نفسها، فى تكامل تام مع تكرار أن المسيح هو ابن الله بشكل متتابع قبل المعمودية و بعد المعمودية، فى تجسيد كامل للإلوهية المُطلقة فى شخصه. يمكنك أن تجد شرح تفصيلى لكيفية توظيف الأربعة نصوص فى:
Warren Carter, Mathew and The Margins: A Socio-Political and Religious Reading, JSNT Supp. 204, Sheffield Academic Press: England 2000, P. 103-104.
غير أن قناعتى الشخصية تتعلق بالنصين الرئيسيين بالأكثر. لشرح تحليلى كامل لهذين النصين، انظر:
R. T. France, The Gospel of Mark: A Commentary on The Greek Text, Eerdmans: USA 2002, P. 79-83
[4] يضع كريج بلومبيرج نموذجين رئيسيين، هما: ترجوم اشعياء 42 : 1، و مخطوطة المنتخبات 10 : 14 من الكهف الرابع فى البحر الميت 4Q174. انظر:
Craig L. Blomberg, The New American Commentary, Vol 22, Mathew, Broadman Press: USA 1992, P. 82
[5] كريج س. كينر، الخلفية الحضارية للكتاب المقدس: العهد الجديد، الجزء الأول، إصدار دار الثقافة: 2003، ص 122، و أنظر ايضاً ص 45 و 175.
[6] R. C. H. Lenski, The Interpretation of St. Mark's Gospel, Wartburg Press: USA 1946, P. 42
[7] Donald A. Hagner, World Biblical Commentary, Vol 33A: Mathew 1-13, Word Books Publishers: USA 1993, P. 58; Leon Morris, The Gospel According to Mathew, Eerdmans: USA 1992, P. 67; Willoughby C. Allen, A Critical and Exegetical Commentary on The Gospel According To St. Mathew, 3rd Edition, T&T Clark: England 1958, P. 29; Ted Cabal, The Apologetics Study Bible, Holman Bible Publishers: USA 2007, P. 1466
[8] Ehrman, Jesus, P. 40.
[9] Ibid.
[10] Ehrman, The Orthodox Corruption of Scripture: The Effect of Early Christological Controversies on The Text of The New Testament, Oxford University Press 1993, P. 62-63.
[11] Ibid, P. 63-64
[12] Ehrman, Orthodox, P. 62-67.
[13] Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed The Bible and Why, HarperSanFrancisco: USA 2005, P. 158-161

السبت، 13 فبراير، 2010

ادراك يسوع لإلوهيته


ادراك يسوع لإلوهيته
بن ويزرنجتون
استاذ العهد الجديد بمعهد آسبرى اللاهوتى
استاذ العهد الجديد بجامعة القديس اندراوس
ترجمة: إرسالية اميركا الشمالية


هل كان يسوع يؤمن بأنّه ابن الإنسان؟

يعتقد معظم الدارسين ويجزمون، بغض النظر عن انتماءاتهم وقناعاتهم، بأنّ يسوع استخدم مصطلح "ابن الإنسان" للدلالة على نفسه. وتوجد هذه العبارة في جميع شرائح مصادر الأناجيل سواء فكّرنا بشكل خاص في المواد المميّزة الموجودة في مرقس ولوقا ومتى ويوحنا، أو حتى في المواد المشتركة التي استقاها متى ولوقا معاً من مصدر واحد. وتشير الأدلة الصريحة المعتمدة على شهادات متعددة إلى أن يسوع استخدم هذه العبارة عن نفسه مراراً عديدة. أما السؤال الأهم من ذلك فهو، ماذا عنى يسوع عندما تكلم عن نفسه أنه ابن الإنسان مراراً وتكراراً، وخاصة في ضوء قلة استخدامه للألقاب الأخرى؟

اتبّع اللاهوتيون في العصور الوسطى وحتى في بعض الأزمنة المعاصرة تقليداً يقول بأن عبارة ابن الإنسان تشير عادة إلى إنسانية المسيح في حين أن عبارة، "ابن الله" تشير إلى لاهوته. لكنّ هذا الأمر ليس صحيحاً تماماً إذا ما أدركنا أن يسوع يستقي الأفكار من النبي دانيال عندما يعبّر عن هويته للسامعين اليهود.

إن الجملة العبرية بِن أَدَم (والتي تعني حرفيا ابن آدم) والموجودة بكثرة في حزقيال، تترجم أحياناً "ابن الإنسان" لكنها بالحقيقة ليست مصدر استخدام يسوع للعبارة. لكن بالمقابل فقد تكلم يسوع الآرامية، وفيها توجد عبارة بارنشا التي تعني حرفياً "ابن لكائن بشري" (وليس ابناً لذكر بالتحديد) وهي تشكل الخلفية التي اعتمد عليها يسوع في استخدامه للعبارة. وتأتي هذه الجملة من دانيال 7: 13-14 ويوجد جدل كبير حول كيفية تفسير هذا النص الهام. فهل إنّ شخص ابن الإنسان هذا يلتقي بالله، القديم الأيام في السماء أو على الأرض؟ أما الجواب عن هذا السؤال فهو الأخير لأن مجيء الله في يوم الدينونة الأخير إلى الأرض موصوف دائماً في هذه النبوات كأمر يجري على الأرض وليس في السماء. وهكذا فإن جملة "شبه ابن إنسان آتياً على سحاب السماء" تشير إلى مجيئه من السماء إلى الأرض بعد أن تتم إقامة عرش الله للقضاء على الأرض. ويُمنَح شخص ابن الإنسان هذا قوة وسلطاناً على جميع الناس ويتحدث النص عنه بأن جميع البشر سيعبدونه. إضافة إلى ذلك فالنص يخبرنا بأن سلطانه وملكوته يدومان إلى الأبد.

توجد عدة مظاهر هامة لهاتين الآيتين تساعدنا في فهمنا ليسوع : 1) يأتي ابن الإنسان هذا من السماء إلى الأرض ليدين الأرض ويبسط سلطانه على الجميع؛ 2) مكتوب عنه أن الجميع سيعبدونه؛ و3) ملكوته موصوف بأنه أبديّ وهذا وعد مختلف عن الذي أعطي لداود في 2 صموئيل 7 حيث يخبرنا بأن سلالته ستملك دائماً. فهنا نجد عوضاً عن ذلك بأن الوعد هو وعد شخصيّ ومعطى بشخص واحد وهو سيملك إلى ما لانهاية. علاوة على ذلك، يجب أن نلاحظ أن دانيال 7: 13-14 هما الآيتان الوحيدتان في العهد القديم اللتان نقرأ فيهما عن ابن الإنسان وملكوت الله معاً، و تردّدت هاتان العبارتان على فم يسوع بتكرار كبير خلال فترة خدمته. وهنا نجد مفتاحاً آخر يشير إلى أن هذا هو النص الأهم من العهد القديم الذي اعتمد عليه فهم يسوع لهويته الشخصية.

أما الأسئلة التي يجب أن نسألها عن دانيال 7: 13-14 وهو مقطع نبويّ كتبه شخص يهودي، فهي، أي نوع من البشر يمكن أن يملك إلى الأبد في ملكوت إلهي معطى له من الله، وأي إنسان يقبل اليهود بأن يعبدوه، خاصة في ضوء الانتقاد الشديد لعبادة الأباطرة الوثنيين في بابل وفارس والمذكورة في الأصحاحات السابقة من دانيال (انظر دانيال 5: 5 على سبيل المثال)؟ أما الجواب على ذلك فهو أنه إنسان إلهي وأبدي معاً الذي يمكن أن يُدعى أيضاً ابن الإنسان. بكلمات أخرى، إنه شخص إلهيّ يستحق العبادة كما إنه بشريّ أيضاً على حد سواء. ويمكن عبادة هذا الشخص بدون التعدي على مبدأ التوحيد الإلهي عند اليهود. يمكننا الآن بعدما سبق أن ننظر إلى النصوص المتعددة المتعلقة بابن الإنسان في الأناجيل في ضوء جديد.

إن المكان البديهيّ الذي ينبغي أن نبدأ منه هو في النص الموجود في مرقس 14: 62 حيث يجزم يسوع بأنه المسيح اليهودي وابن المبارك، ولكنه يحوّل سريعاً الحديث إلى العبارة المفضلة لديه وهي ابن الإنسان فيقول، "وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا فِي سَحَابِ السَّمَاءِ،" (الجزء الأخير من الآية اقتباس مباشر من دانيال 7). ويتحدّث يسوع هنا عن مجيئه الثاني، فعوضاً عن محاولتهم إدانته، ستنقلب الأعمدة وسيراه ديّانوه الحاليون بمن فيهم قيافا آتياً لدينونتهم. وقد فهم قيافا هذا المعنى بشكل تام إذ شقّ ثوبه بعدما قال يسوع هذا وصرخ معلناً أن يسوع جدّف. لاحظوا أنه لم يصرخ بالتجديف مباشرة بعد موافقة يسوع على أنه المسيح ابن الله. فتصريح يسوع بأنه المسيا اليهودي لم يكن تجديفاً لأن معظم اليهود الأولين كانوا يعتقدون بأن المسيا سيكون إنساناً ممسوحاً ومعيناً من الله كالملك الشرعي على كرسي داود ولكنه ليس الله. أما عندما صرّح يسوع بأنه سيلعب دور الرب الآتي للدينونة الأخيرة فذلك حتى على اليهود كان معتبراً بأنه تجديف لأن الله وحده هو الذي يُنتظَر أن يأتي للدينونة في اليوم الأخير بناء على كل توقعات نبوات العهد القديم عن يوم الرب (انظر يو 2: 1-11).

يوجد نص آخر يركّز بشكل أكبر على الناحية البشرية في المسألة ويرد في مرقس 10: 45، " لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ." ويبدو بأن محتوى هذه الآية هنا مزيج هام من الأفكار الواردة في دانيال 7: 13-14 ومن أناشيد الخادم وخاصة الموجودة في إشعياء 53: 1-12. لاحظوا لغة "المجيء" لابن الإنسان والتي تشير إلى القصد الذي من أجله أتى إلى الأرض (وهذا يعني بأنه كان موجوداً قبل أن يأخذ الشكل البشريّ على الأرض). ولاحظوا أيضاً لغة الفداء، حيث يفدي البشرية الساقطة من العبودية من خلال ذبيحة موته. ويوجد أيضاً عنصر الذبيحة النيابية أو الكفارة هنا فالواحد، يسوع، سيموت عوضاً عن كثيرين (وبالتحديد عن باقي البشرية جمعاء- والمفارقة هنا هي بين الواحد والكثيرين لا بين الكثيرين والجميع). وهذا يشير بدوره إلى أن يسوع كان ينظر إلى نفسه كمن يقدم نفسه ذبيحة بلا عيب. والمثير في الأمر أن يسوع نفسه لم يضطر للموت عن خطاياه الذاتية لأنه لم يخطئ أبداً وهذا بالضبط ما جعله الإنسان الوحيد القادر أن يقدم نفسه فداء وكفارة عن كثيرين.

هناك قول آخر مثير وهام عن ابن الإنسان موجود في مرقس 2: 10، " وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا." وينقسم الدراسون لهذا المقطع حول ما إذا كانت الجملة هي من تأليف مرقس أو أنها قول تفوه به يسوع بنفسه. ولكن في كلا الحالتين ما يجدر بالذكر هو أن فكرة أن من يدعو نفسه ابن الإنسان يبيّن أن لديه سلطاناً (على كل الأرض) أن يغفر الخطايا. وكما قال منتقدو يسوع ، الله وحده يقدر على غفران الخطايا، لأنهم لم يدركوا معنى ما فعله يسوع عندما قال ذلك. وقد اتبع يسوع هذه الطريقة غير المباشرة بشكل متكرر؛ فهو لم يصرح مباشرة بأنه الله لكنه يعلن هنا بشكل غير مباشر بأن لديه قوة إلهية وسلطاناً من الله الآب أن يغفر الخطايا حتى بدون إقامة الذبيحة اللاوية. لذلك ينبغي التساؤل، أي إنسان هو هذا؟ أما الجواب فهو إنه إنسان وإله على حد سواء.

يوجد نص إضافي هام في مرقس 2: 28 " إِذًا ابْنُ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً." نرى في اللاهوت اليهودي بأن الله حتماً هو خالق الكون وهو الذي أقام نموذج السبت في البداية إذ استراح في اليوم السابع (انظر تك 1). فبما أن الله خلق السبت فهو وحده رب السبت أيضاً، وأما يسوع هنا فإنه يعلن كابن الإنسان بأنه ربٌ على السبت. وبذلك يصّرح بأنه يستطيع إعادة تفسير معنى السبت بأنه اليوم المثالي لمنح المرضى راحة من أمراضهم حتى ولو كان فعل ذلك يشكل عملاً بحسب تعريفات العهد القديم. وبكلام آخر فقد شعر يسوع كابن الإنسان بأنّه يستطيع أن يعيد كتابة قوانين السبت. لماذا؟ لأنه عندما جاء عمل الله الخلاصي واخترق التاريخ البشري من خلال المسيح أصبح يسوع رباً على السبت وعلى تطبيقه الصحيح.

وباستطاعتنا قول المزيد من ضمن سياق هذه الأفكار إذا ما أردنا الغوص في نصوص أخرى تتعلق بابن الإنسان في الأناجيل. لكن ما سبق ذكره يكفي ليبين لنا أهمية الأقوال بشأن ابن الإنسان في فهمنا لهوية يسوع المسيحانية كما أدركها هو بنفسه.

ابن الله

إنّ التركيز على ما أعلنه يسوع جهاراً فقط بشأن هويّته هو أحد الأخطاء الكبيرة في علم الدفاعيّات المسيحيّة. فبالحقيقة إنّ هويّة المرء وما يعلنه هو عن نفسه أمران مختلفان تماماً. أمّا في وضع يسوع فإنّ ما أعلنه عن نفسه بين الناس هو جزء صغير مما علّم به يسوع حلقة أتباعه الداخليّة الذي كان بحد ذاته جزءاً صغيراً ممّا كان يسوع يؤمن به بشأن هويّته الشخصيّة والذي ظهر في طرق مختلفة بما فيها حالات قليلة من تصاريحه العلنيّة. علاوة على ذلك يجب أن نفهم طبيعة الثقافة التي عاش فيها يسوع. فهو لم يكن يعيش في مجتمع غربي حديث حيث يتمّ التركيز على الذاتيّة الفرديّة والاجتهاد لإعلاء شأن الفرد. لكنّ هويّة المرء كانت تُحَدّد تبعاً لعلاقاته الرئيسيّة في المجتمع. ولنلاحظ بأنّ معظم الألقاب التي وصف بها يسوع مُعَرفّة في الواقع بتعابير علاقيّة. فيسوع هو الابن في علاقته مع الله، وهو الابن في علاقته مع البشر، وهو الممسوح من الله (وهو معنى كلمة مسيح)، كما أنّه الربّ في علاقته مع الذين يسود عليهم، وهو أيضاً الابن في علاقته مع داود. لم يَسْعَ المسيح جَدِّياً لأجل إعلان هويّته مباشرة في إسرائيل أمام الغرباء ولعلّ أحد الأسباب الرئيسيّة لذلك هو أنه أراد أن يتحاشى سوء فهمهم له في عالم ينظرون فيه نظرة غير طبيعية وغير مرغوب فيها لمن يميّز نفسه عن الجماعة، وهكذا على سبيل المثال، حتى مع تلاميذه سألهم يسوع من يقول الناس إني أنا؟ (مر ٨׃٢٧). ففي الحضارة التي عاش فيها يسوع كان الشعب عادة يعرّفون أنفسهم عن طريق الآخرين وعن طريق القبيلة التي هم جزء منها.

وغالباً ما تشير جملة "ابن الله" في الأبحاث المسيحية المعاصرة إلى الطبيعة الإلهية علماً بأنها لم تكن تعني ذلك إلا نادراً في التاريخ اليهودي القديم. فمن الصحيح أن الملائكة في بعض الأحيان دُعَُوا بأبناء الله (انظر تك ٦׃٢) لكن عندما الحديث عن "ابن الله" بين اليهود بشأن كان يشير إلى الملك الممسوح من الله. يوضح تماماً المزمور الثاني على سبيل المثال أن الحديث هو عن الملك الداودي الذي كان يُمْسَح من قبل رئيس الكهنة أثناء عملية تتويجه كملك. "قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ... الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ... أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي" عندها يعلن الملك بنفسه " إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ" (مز ٢׃٢–٨). لا شك بأن الآيات الأخيرة مألوفة لأنها اقتبست جزئياً عند معمودية يسوع (انظر مر ١׃١١ والمقاطع المشابهة.) فقد كان يعتقد في اليهودية بأن الملك له علاقة خاصة مع الله وأنه في الواقع ابن الله بالتبني الذي يتم أثناء تتويجه. والمثير للانتباه بشكل خاص في نص مرقس ١׃١١ هو أن الجملة الثانية "اليوم أنا ولدتك" غير مذكورة لأن مرقس لم يرد بأن يقترح بأن يسوع قد نال التبني كابن الله فقط أثناء معموديته لكن المعمودية كانت الفاصِل الذي ثبّت فيه الآب هوية الابن التي كانت عنده دائماً والتي أراد أن يعلنها جهاراً الآن.

إلا أنه لا يوجد أدنى شك في أن يسوع لم ينظر إلى علاقته مع الله على أنها مماثلة لعلاقة الملك داود بالله. فمن جهة يخبرنا هذا اللقب الكثير عن علاقة يسوع بالله عندما صلى إليه أبّا التي هي في الآرامية عبارة الدلال والتي تعني "يا أعز أب" (انظر مر ١٤׃٣٦، أبّا ليست كلمة عامية، ولا تعني "بأبّا.") وبصراحة يصعب شرح هذا الأمر إذا كان يسوع يرى نفسه فقط على أنه ملك أو شخصية يهودية لأنه ما من يهودي ولا حتى الملك نفسه قبل أيام يسوع صلى إلى الله بكلمة "يا أعز أب" فذاك يعبر عن ألفة غريبة بين الاثنين. ولنلاحظ بأن الله نادراً ما يدعى بالآب في العهد القديم، ولم يُصَلَّ له أبداً بعبارة أبّا. ذلك أمر جديد، ويعلن أمراً خاصاً بشأن الكيفية التي كان يسوع ينظر لعلاقته مع الله فيها. فقد آمن يسوع أن لديه علاقة مميزة وحميمة مع الله الآب. وما يفاجئنا أكثر هو أن يسوع علّم تلاميذه بأن يصلوا إلى الله على أنه "أبّا" وذلك لإعطائهم علاقة حميمة مع الله بخلاف العلاقات التي كانت لهم معه من قبل. لذلك نجد في من أقدم مخطوطات العهد الجديد ورسائل بولس أماكن متعددة يقول فيها بولس بأن المسيحيين يجب أن يصلوا لله قائلين "أبّا،" إذ إن الروح القدس بالحقيقة هو الذي يدفعهم لفعل ذلك لأنهم أصبحوا أبناء وبنات لله مثل يسوع وإن على درجة أقل وذلك من خلال علاقتهم مع يسوع. (انظر غل ٤׃٦؛ رو ٨׃١٥.) ولا شك أن أول كلمة في الصلاة الربانية التي علّمها يسوع لتلاميذه في الآرامية كانت كلمة أبّا (انظر لو ١١.) قد يسأل أحدهم، أي نوع من البشر يمكن أن يكون يسوع إذا كان يفكّر بأنه يستطيع أن يخلّص الناس وليس ذلك فقط بل أن يمنح البعيدين عن الله علاقة معه بخلاف أي علاقة كانت لإنسان معه في السابق؟ وهذا بحدّ ذاته يتضمن الكثير عما كان يعتقده يسوع بشأن هويته الذاتية.

إن الفحص الأقرب لنص كنص متى ١١׃٢٧، يعطينا رؤية أبعد عن نظرة يسوع لنفسه كابن الله حيث يقول يسوع،" كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِـــي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ." القسم الأول من هذه المقولة عاديّ إذ يمكن لأي من أن يقول، "لا أحد يعرفني إلا الله الذي صنعني والذي يعرف كل شيء." ولكن مفهوم يسوع المميز عن ذاته يأتي من الجزء الثاني للآية. فيسوع يرى نفسه كمن يعرف الله بطريقة لا تتوافر إلا له. وعلاوة على ذلك، فإنه يرى نفسه، كالقناة أو الوسيط الوحيد لإيصال هذه المعرفة للآخرين أيضاً. ليس ذلك فقط بل إن يسوع يستطيع أن يختار من يرغب ليعلن له هذه المعرفة الحميمة. وفي حين أن هذا بحد ذاته لا يبرهن بأن يسوع فكّر بأنه يتمتّع بالطبيعة الإلهية إلا أن هذا القول يضع يسوع في موضع فريد لا مثيل له عندما يتعلّق الأمر بمعرفة الله، وهذا يصح أيضاً بالنسبة لدوره كموزع لمعرفة الله لآخرين. لذلك لا نتفاجأ عندما نرى بأن بولس بعد حوالي ٣٥ سنة يصرّح بشدة قائلاً، "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ" (١ تي ٢׃٥–٦). كما أن اللاهوت المسيحي اللاحق كان محقاً في إستنتاج ه بأن يسوع يقدر أن يمثّل الله أمام الناس والناس أمام الله إذا كان يسوع حقاً وسيط المعرفة والقوة الخلاصية ولحضور الله. وإن كان على صواب في اعتبار نفسه الوسيط الوحيد. وبكلمة مختصرة، وجب على يسوع من أجل ذلك أن يتشارك مع الله في طبيعته ومع البشرية في طبيعتهم. لقد كلم يسوع تلاميذه والآخرين بأقوال حكمة متنوعة عن طرق سرد الأمثال على سبيل المثال وكان ذلك أحد أهم الطرق التي أعلن يسوع فيها هويّته لتلاميذه ولو بطريقة غير مباشرة. وهنا يحضرنا نص مرقس ١٢׃١–١٢ مباشرة. ففي هذا المثل نجد أن الابن هو آخر مُرْسَلٌ من الله إلى كَرْمِهِ. والكَرْم كان على مر الزمن رمزاً لشعب الله اليهودي، (انظر إش ٥) أما الكَرَّامُون فكانوا حتماً قادة إسرائيل الدينيين بمن فيهم الأنبياء والكهنة والملوك. لاحظوا أن الابن يدعى "كان يحبه." فعبارة "الابن الحبيب" اليهودية كانت تستخدم غالباً للإشارة إلى الابن الوحيد وبالتالي الابن المدلل بشكل خاص. وهكذا فإن يسوع يرى نفسه في هذا المثل كابن الله وهذا يختلف بعض الشيء عن باقي اليهود لأنه كان أيضاً "الابن الحبيب." فهل كان يسوع يدرك أن لديه علاقة فريدة مع الآب بسبب أصوله المميزة (انظر مت ١ بشأن الحبل العذراوي)؟ يبدو بأن هذا إستنتاج مناسب.

إن لقب ابن الله يحمل نفحات إلهية على الرغم من أنه كان غالباً ما يرتبط بالملوكية عوضاً عن الألوهية في اليهودية القديمة ومردّ ذلك أن الملوك في المجتمعات المجاورة لإسرائيل كانوا غالباً ما يعتبرون أنفسهم أنهم أبناء الله بالمعنى الإلهي للعبارة. وعندما استخدم بولس هذا اللقب في حديثه عن المسيح للأمم في وسط العالم اليوناني الروماني فإن اللقب كان بلا شك يحمل مغزى من هذا القبيل. ويهمنا هنا أن ندرك بأن إستخدام يسوع لعبارة الابن في الإشارة إلى نفسه هو الذي مهّد لهذا النمط من التفكير مع أنه تبلور تماماً لاحقاً بعد موت يسوع من قبل بولس وآخرين كثيرين الذين شرحوا المبدأ وطوروه. وقد تعزّز هذا الأمر عندما انتشرت حركة يسوع غرباً على اتساع الامبراطورية وأصبحت تدريجياً ظاهرة أممية.

ابن داود - حكمة الله

يمكننا بحسب الظاهر إعتبار لقب ابن داود مجرّد إشارة لأحد أولاد داود الكثيرين من النسل اليهودي الملكي. ومع أنّه من الممكن للعبارة أن تحتمل هذا المعنى، فهي بالحقيقة تحمل معانٍ أكثر من ذلك بكثير. فشبه الجملة أوّلا لم تكن مألوفة في الديانة اليهوديّة الأولى بما فيها النصوص المسيحانيّة وهكذا فالسؤال هو كيف أصبحت هذه العبارة مستخدمة بشكل متكرر من قبل يسوع في إنجيل متى الذي هو إنجيل يشدّد خاصة على الجذور اليهودية للمسيح وطبيعته اليهودية. (راجع بشأن ذلك تفسيري المقبل The Gospel of Matthew, Smyth and Helwys, 2006). أما السؤال الصحيح الذي ينبغي طرحه بشأن العبارة فهو التالي: من هو بحسب تفكير اليهود "ابن داود"، أشهر نسله على الإطلاق؟ والجواب على هذا السؤال بسيط: إنه سليمان. هكذا، فإننا لا نفاجأ بأن العبارة خاصة في متى وأيضاً في إنجيل مرقس وأمكنة أخرى تشير إلى التشابه القائم بين يسوع وسليمان من نواحٍ مختلفة بما فيها حكمته.

اعتبر يسوع بلا شك حكيماً يهودياً فقد تحدّث في الجماعة مستخدماً أساليب الحكمة في خطابته (الأمثال والعبر والمجازات والألغاز والأقوال). وهذا الأمر بمفرده كافٍ لكي يدعوه بعض اليهود ابن داود خاصة أنه كان يُظَنّ أنه أحد الأشخاص المسيحانيين إذ ولد في بيت لحم. لكن العبارة تحتمل أيضاً أكثر من ذلك ففي يهودية ما بين العهدين، ساد الاعتقاد بأن حكمة سليمان تحوي الحكمة لشفاء الأمراض حتى لطرد الأرواح الشريرة. وبالطبع لا نجد في العهد القديم أي ذكر للشياطين أو لإخراج الأرواح الشريرة لكن الحال تختلف في آداب اليهود لما بين العهدين ففي تلك الكتابات نسمع بأن سليمان جمع وصفات لشفاء الأمراض ولإخراج الأرواح. وفي الواقع، إن اسم سليمان نفسه كابن لداود كان يستخدم جزئياً في طقوس إخراج الأرواح وفي شفاء الناس (للمزيد عن هذه الأمور راجع، Witherington, Jesus the Sage Fortress 1995). ومن المهم أن نلاحظ هنا بأنه في جميع الحالات التي دعي فيها يسوع ابن داود كان السياق هو إحتياج أحدهم إما إلى الشفاء أو إلى إخراج الأرواح وهذا ليس من قبيل المصادفة لكنه بالأحرى تطوير طبيعيّ للفكر اليهودي الأول بشأن سليمان وعملية الشفاء. فدعوة يسوع بابن داود هي تصريح بأنه شخصية ملوكية حائزة على حكمة سليمان بمختلف أوجهها.

ولننظر مثلاً إلى نص مثل ما جاء في مر١٠ ׃٤٦–٥٢، حيث ترد قصة بارثيماوس الأعمى. وهذه القصة إعلانية على مستويات عدة. فمن جهة، نحن بصدد رجل أعمى، ولا يوجد ذكر في العهد القديم عن أي نبي او كاهن أو ملك شفى أعمى، كما جاء في يوحنا ٩׃٣٢، "مُنْذُ الدَّهْرِ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى." وهكذا فإنه من الطبيعي أن نسلّم بأن معجزة مدهشة كهذه تتطلّب أن يمتلك الشخص حكمة سليمان وبالأخص حكمة سليمان ومعرفته للعلاجات والشفاء. وفي هذه القصة يتوجه الأعمى إلى يسوع كابن داود حتى يحصل "على رحمة" و يلبي يسوع طلبه بالطبع.

لنفحص الآن نصاً من نوع مختلف تماماً وبالتحديد شجرة النسل الواردة في متى ١. يبدأ تسلسل النسب كالتالي- " كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ." وهذه طريقة غريبة لبدء النص لأن تسلسل النسب نفسه يبدأ من متى ١׃٢ بإبراهيم وليس بداود. ففي الواقع عندما نصل إلى اسم داود في الآية ٦ نسمع التالي: "داود ولد سليمان من التي لأوريا." وتلفت هذه الجملة انتباهنا بالطبع لا لسبب ذكر سليمان فيها (مع أن داود كان لديه أولاد آخرون أيضاً) بل أيضاً بسبب الإشارة إلى امرأة أوريا بثشبع وهذا يظهر بأن علاقة غير طبيعية حصلت وبالحقيقة كانت علاقة لا أخلاقية أدت إلى مولد وريث العرش هذا. لماذا تعمّد الكاتب ذكر هذه التفاصيل هنا مع أنه في أمكنة أخرى من شجرة النسب هذه يكتفي بذكر أسماء الرجال فقط (إبراهيم ولد إسحق...إلخ)؟ أما السبب البديهيّ لذلك فهو أن كاتبنا يهيّئ سامعيه لما سيقوله عن المسيح الذي أتى مثل سليمان نتيجة لحمل غير طبيعي ومخالف للعادة مفاجئ وغير متوقع. إنه في الواقع الحبل العذراوي! نرى بأن الكاتب يشاء من بداية هذا الإنجيل تصوير يسوع كشخصية ملكية من سلالة داود الذي هو مثل سليمان في أوجه متعددة ليس أقلها صورة الحكيم والشافي والملك. ولكن مازال هناك أكثرمن ذلك.

نجد في العهد القديم في نصوص مثل أمثال ٣׃١٣–٢٠ وبالأخص أمثال ٨ تشخيصاً لحكمة الله، وهو عبارة عن إعطاء مزايا بشرية لمفهوم مجرد- أي لحكمة الله. وتُشخَص هنا الحكمة كامرأة موجودة في مرحلة خلق الكون لمساعدة الله (بسبب أن الكلمة اليهودية حوكما مثلها مثل الكلمة اليونانية صوفيا مؤنثة). وهذا بالطبع أسلوب للقول بأن خلق الله يتضمن خطة إلهية تعتمد على الحكمة لكن هناك أكثرمن ذلك ففي أمثال ٨ نرى الحكمة تنادي شعب الله للرجوع إليه والرجوع إلى تعليم الله الحكيم بشأن الحياة الفضلى ومخافة الله. أما هذا التشخيص للفكر والحكمة ولخطة الله الخلاصية فقد تطوّر لاحقاً في آداب الحكمة اليهودية التي تلت. ففي سليمان على سبيل المثال نسمع كيف حصل شعب الله على الخلاص بواسطة الحكمة وفي سيراخ نسمع كيف صارت الحكمة ملموسة ومتجسدة في التوراة، وفي أخنوخ الأول ٤٢ نسمع كيف نزلت الحكمة من السماء منادية لشعب الله بالتوبة لكنهم رفضوا الحكمة وهكذا عادت لتوّها إلى السماء لتكون مع الله. ونحتاج إذ ننظر بتأن إلى بعض تعاليم يسوع لنجعل هذا الأمر في ذهننا والسبب في ذلك هو أنه من الواضح أن إنجيلي متى ويوحنا كليهما يظهران يسوع كحكمة الله التي جاءت إلى الأرض في الجسد لا في شكل كتاب كالتوراة لكن في شخص يدعى يسوع. ويُرى يسوع بالتالي تجسيماً بشرياً لفكر الله وإعلاناً حياً من الله حلّ جسدياً.

فلننظر على سبيل المثال إلى متى ١١׃١٩–٢٠وسنرى تركيبة موازية، "جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. وَالْحِكْمَةُ تَـبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا." فمن الواضح في هذه الحال أن الذي يدعى الحكمة ما هو إلا ابن الإنسان. فيسوع يعلن مخارجه الإلهية وحكمته الإلهية إذ يدعو نفسه مباشرة الحكمة وفي هذا إشارة واضحة سيفهمها اليهود المطّلعون لتوهم. يوجد مثال آخر جيد عن موضع يصور فيه يسوع نفسه كالحكمة التي أتت في الجسد وهذا ما نراه في متى ١١׃٢٨–٣٠ حيث يتحدث يسوع بشكل مباشر بكلمات مبهمة عن "الحمل الخفيف" و"النير الهيّن." ويهمنا الاطلاع في هذا المقطع من أجل قصد الدراسة هنا على أمرين. ففي الديانة اليهودية الأولى كانت كلمة "النير" تستخدم في التوراة وعندما يصبح أحدهم في سن الرشد يأخذ على نفسه نير الوصايا الثقيل والتي كانت تتضمن ٦٠٠ وصية! لكن يسوع بالمقابل يصرح بأن نيره خفيف. ولدينا في سفر سيراخ أمر آخر ملفت للنظر يتحدث عن الحكمة التي تطلب من اليهودي أن يأخذ نيرها عليه ويتعلم منها (انظر مثلاً سيراخ ٢٤). ويطبق يسوع هنا كلام الحكمة هذا على نفسه. ومن الواضح أن يسوع يرى نفسه كمن يتمّم دور الحكمة المصور في آداب الحكمة التي سبقت.

وكما يتم تصوير الحكمة كامرأة تحمي وتربي نسلها الروحي في أمثال ٨ وأمكنة أخرى هكذا يسوع يصوّر نفسه كالدجاجة التي تحمي فراخها تحت جناحيها وهم في هذا الحال سكان أورشليم ومع ذلك فإنهم لم يريدوا أن يأتوا إليه (انظر لوقا ١٣׃٣٤). لكن هذه الصورة ليسوع لا تأتي فقط في الأناجيل الإزائية (المتشابهة) حيث يصور يسوع نفسه كحكمة الله التي جاءت في الجسد لكن هذا الموضوع رئيسي في إنجيل يوحنا أيضاً. فإنجيل يوحنا يبدأ بأنشودة الحكمة حيث يُقدَّم يسوع على أنه كلمة الله الأزلية مذكراً بتكوين ١ ، الكلمة المنطوقة والمشخَّصة كالحكمة في أمثال ٣؛ وليس ذلك فقط بل إنه يطبّق استعارات الحكمة في أقوال الأنا هو العظيمة التي تحوي أخباراً متعددة للجملة (أنا هو الطريق، الحق، الحياة، أنا هو الكرمة إلخ.) ما هي إلا صفات سبق الإخبار عنها في ما قبل على أنها الحكمة المجسمة المذكورة في أمثال ٣ و٨ وأمثال سليمان وحكمة سيراخ. وبكلمات أخرى فإن يسوع هو تتميم كل هو موعود به في مقاطع الحكمة لأنه الحكمة المجسمة والحكمة المتجسدة والحكمة التي جاءت في الجسد أي بكلام آخر إنها طريقة أخرى للقول "من رآني فقد رأى الآب"، أو "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" أو "أنا والآب واحد." ويصور يسوع نفسه بهذه الطريقة كالإعلان الإلهي والطبيعة الإلهية والخلاص الإلهي الذي حل في الجسد على الأرض وهكذا فإنه ابن الله الوحيد الذي فيه نستطيع أن نرى مجد الله بذاته وحضوره الإلهي البهيج.

المسيح

إنّ عبارة المسيح والآتية من الكلمة العبرية "مشيَخ" هي في الواقع قليلة الإستعمال جداً في العهد القديم، لكنّ ذلك لا يعني أنّ المبدأ غير موجود في العهد القديم. فهو يظهر في أماكن وطرق مفاجئة هناك. أمّا الكلمة فتعني بشكل بسيط "الممسوح" وقد تنطبق في الواقع على النبي والكاهن أو الملك الذين جميعهم يُمْسَحُون بالزيت إجمالا لدى تسلّمهم مهامهم الملوكية أو الدينيّة. هكذا فمن الممكن الإشارة إلى المزمور الثاني (عدد ٢) حيث يُدعى الملك الداودي، وفي هذه الحال داود نفسه، الممسوح من الله مباشرة. هذا وإن إعتبار المِسْحَة على أنّها من الله (ليس فقط من قبل النبي صموئيل مثلاً) لهو دليل على وجود إذن إلهي وقوة وشرعية تخوّل الممسوح القيام بعمل خاص ومعيّن. وهكذا فمن المفاجئ لكن ليس بالضرورة غير متوقّع أن يدعى قورش وهو الملك الفارسي الوثني "مسيحي" في إشعياء ٤٥׃١-٢لأنّه كان من المفترض به أن يطلق شعب الله في الحرية ويرجعهم إلى أرضهم. ويتّضح من هذا النصّ أنّ عبارة المسيح لم تكن بعد كلمة تقنيّة تستخدم لشخصيّة يهوديّة مِسْيَانيّة فقط. فإنّنا في الحقيقة لا نجد هذا النوع من الإستخدام التقني للعبارة في العهد القديم.

ومع ذلك فإنّ الأفكار المِسْيَانيّة تطّورت في الديانة اليهودية الأولى في مرحلة ما بين العهدين كما في زمن المسيح؛ وبإستطاعتنا أن ننظر إلى النصوص من مثل مزمور سليمان ١٧ ونرى أنّ شخص المسيح المحارب والذي يتبع نموذج داود متوقّع من قبل بعضهم، وربما من قبل الكثيرين من اليهود الأوائل. وبما أنّ يسوع لم ينظر لنفسه ولا لدوره خلال خدمته الأرضيّة بهذا الشكل، لذلك يبدو في معظم الأحيان وكأنّ يسوع يتحاشى إستخدام عبارة المسيح للإشارة إلى نفسه، مع أنّه قَبِلَ باللقب عندما اعلنه آخرون عنه - سواء أتى ذلك من بطرس تلميذه أو من قيافا عدوّه. سوف ننظر بعد قليل إلى النصوص المتصلة بالموضوع والتي تحدث فيها هذان الشخصان عن المسيح، لكن لنلتفت الآن قليلاً إلى الحوار الموجود في مرقس ١٢׃٣٥-٤٠.

يبدأ الحديث في مرقس ١٢׃٣٥-٤٠ بتوجيه يسوع سؤالاً يفتح الموضوع. وما يثير الانتباه هو أنّ السؤال المطروح يعكس النظرة السائدة لدى مختلف الخبراء الدينيّين يومها، وبشكل خاص عند معلّمي التوراة والناموس. ويظهر أنّ هؤلاء كانوا يتبعون الرأي القائل بأنّ المسيح يجب أن يكون إبناً لداود. وقد لا يفاجئنا هذا الأمرفي ضوء نصوص مثل ٢ صموئيل ٧ أدّت إلى توقّعات، على الأقل في اليهوديّة، بإتيان المسيح من مقاطعة اليهوديّة ومجيئه ملكاً محارباً على نمط داود. وفي مثل هذه الحال سيأتي ويقوم بتطهير أورشليم من سيطرة الرومان ويملك فيها عِوضاً عنهم. لكنّ يسوع لم يكن ليتبع هذا النوع من السلوك، وبالتالي إختار التشديد على أنّ هؤلاء المعلّمين هم بحاجة ماسّة لأن يفكّروا على مستويات أعلى، مع أنّه لم يرفض إحتمال كون المسيح ابناً لداود.

وقد إقتبس يسوع أمام هؤلاء المعملّمين المزمور ١١٠ ׃١ مستخدماً بعض الحريّة في التفسير. وقد أشار يسوع بشكل عابر، مستنداً على تقليد شائع بأنّ داود نفسه كتب هذا المزمور، إلى أن داود نفسه يدعو شخص المسيح "ربّاً"، وهذا يعني أنّه أرفع مستوى من داود، أو ربما كان موجوداً حتى في زمن داود! ففي الجملة التالية، "قال الربّ لربي" الربّ الثاني هو المسيح في حين أنّ الأوّل هو الله الآب. وإذ أدهش سامعيه تماماً، سأل ببراءة إن كان داود يدعوه "ربّاً" فكيف يكون ابن داود؟ بعد ذلك لم نسمع جواباً ولا تعليقاً من المعلّمين. فقد وقفوا مشدوهين. أمّا الغرض الذي من أجله أجازهم في هذا التدريب فهو ليكشف لهم أن تصنيفاتهم المِسْيَانيّة كانت ضيقة وأنّهم متزمّتون فكرياً. فالمسيح أعظم من أن يكون مجرّد شخص آخر من سلالة داود الطويلة. وهذا يأتي بنا إلى بطرس وقيافا ثانية.

إنّ مرقس ٨׃٢٧-٣٠ هو مقطع جوهري تدور حوله قصة السرد المرقسيّة حيث تثبَّت هويّة يسوع التي أعلنت في مرقس ١׃١ لأوّل مرّة من قبل أحد تلامِذة يسوع. وإنّ ظروف الإعلان هذا هي هامّة أيضاً. فقيصريّة فيليبي هي خارج الجليل واليهوديّة، وهي بالتالي في الأراضي التابعة لهيرودس فيليبس في المدينة التي أعاد تسميتها لتمجيد ذاته والقيصر. تلك كانت المدينة القديمة المسماة بانياس والتي إشتهرت بتماثيلها المختلفة وآلهتها الوثنية المعروضة في أماكن متعددة منها. بالإضافة إلى ذلك كان فيها تمثال للقيصر المدعو "ابن الآلهة" كجزء من عبادة الأباطرة. وقد إختار يسوع في هذا المكان بالذات أن يسأل تلاميذه من يظنّون أنّه هو. فهنا على الأقل من غير المتوقّع أن يُسَاء فهم الإعلان بأنّ يسوع هو المسيح اليهودي كما هو محتمل في اليهودية حيث النماذج الداوديّة للمسيح مألوفة (أنظر مرقس ١٢׃٣٥-٤٠ ولاحظ بأنّ الحديث يجري في اليهودية).

وبالرغم من ذلك فقد أساء التلاميذ فهم يسوع. أمّا بطرس فكان على صواب عندما أكّد بأنّ يسوع هو المسيح اليهودي، لكنّ يسوع سرعان ما حذّره والآخرين معه بأن لا يقولوا لأحد، لأن الآخرين سيخرجون مفاهيمهم الخاصة بشأن الكلمة ويؤولونها حسب نزعاتهم. فكلمة المشيَخ العبرية مشحونة بالمعاني وهي بالحقيقة كلمة مسيّسة جدّاً ولم يكن يسوع يشاء أن يتابع برامج الملك داود وعنفه. فهو قد جاء لكي يخلّص ويشفي ويحب ويصنع رحمة - أي كان عنده برنامجاً مختلفا تماماً. ولنلاحظ أنّ يسوع يثير لأوّل مرّة في مرقس ٨׃٣١-٣٢ موضوع آلامه العتيدة الصعب. فهذا الأمر كان غير قابل للفهم بالنسبة لبطرس والآخرين، بالدرجة الأولى لأنّهم لم يكونوا يتوقّعون مسيحاً متألّماً، بل كانوا ينتظرون مسيحاً منتصراً. ويبدو أنّ اليهود قبل يسوع، بالرغم من غرابة الأمر، لم يفهموا إشعياء ٥٣ على أنّه إشارة إلى المسيح. لكنّهم فهموا النص بأنّه يشير إلى الأمّة الإسرائيليّة بكاملها، إذ تدعى "عبدي" في إشعياء ٤٠ والنصوص التي بعدها، وهكذا توقّعوا بأن تتألّم إسرائيل كأمّة من أجل خطايا العالم.

وفي ضوء قلة إستخدام عبارة المسيح من قبل يسوع نفسه، من المهم لنا أن نسأل كيف أصبحت هذه العبارة (الواردة في اليونانيّة christos وفي اللاتينية christus) تستخدم ككلمة تقنية وغدت بالتالي شبه اسم ثانٍ ليسوع. يجب أن تقرأ العبارة تقنياً "يسوع المسيح،" لكنّها غالباً ما تَرِد على شكل "يسوع مسيح" (Jesus Christ). فلماذا إختار كتبة العهد الجديد (الذين معظمهم من أتباع يسوع اليهود، بإستثناء لوقا على الأرجح الذي قد يكون أمميّا) أن يستخدموا غالباً عبارة المسيح للإشارة إلى يسوع في حين أنّ يسوع نفسه لم يستخدمها كثيراً. إنّ أحد الأسباب بالطبع هو رغبتهم في التشديد على أنّ يسوع هو المسيح اليهودي، مع أنّ غالبيّة اليهود في القرن الأوّل الميلادي رفضوا هذا الاعتراف. لكن هناك سبب آخر وهو التالي.

عندما صلب المسيح، صُلب بالتحديد كملك لليهود، ولم تكن العبارات المعلّقة على الصليب "المسيح" باللّغات الثلاثة (اليونانية والعبرية واللاتينية). لكن كانت عبارة "ملك" معلّقة فوقه في لغات ثلاثة (rex, melek, basileus). كانت فكرة كون يسوع ملكاً لليهود أمرً مليئاً بالمعاني السياسيّة وتحدّيا واضحاً للسلطات. فلا يهودي غير مصرّح له من القيصر يقدر أن يعلن نفسه ملكاً لليهود. وقد حُكِمَ على يسوع بالصلب بسبب هذا الذنب بالتحديد، لأنّ ذلك كان يعتبر خيانة في الإمبراطورية الرومانيّة. فمن غير المفاجئ إذاً أن نرى بولس والباقين، وهم يكرزون بيسوع في العالم اليوناني الروماني، أن يستخدموا العبارة الأقل إثارة للحساسيّة السياسيّة ويختاروا كلمة المسيح كاسم ثانٍ ليسوع. لم تكن هذه العبارة لتثير مباشرة الاعتراضات نفسها التي تثار لدى التعريف بيسوع على أنّه ملك يهودي. بشكل بسيط، كان الأمر لياقة دفاعيّة جيّدة.

من الجيد لنا أن نشدد ونحن نقترب من ختام هذا الشرح على أنّ عبارة "المسيح المصلوب" كانت لتنظر من قبل اليهود الأوائل على أنّها تحوي النقيضين. فكيف يمكن لمسيح الله أن ينتهي به المطاف على الصليب؟ أوليس الصليب إشارة إلى أنّ المصلوب عليه ملعون من قبل الله؟ أيعقل أن يكون الله قد لعن الشخص المُبَارَكُ منه، والإنسان الذي مَسَحَهُ؟ فمن غير المستغرب إذا أن يقول بولس لاحقا لليهود أن الكرازة بالمسيح مصلوباً هي لليهود عثرة (أنظر ١ كور ١: ٢٣). لقد طلبوا مسيحاً منتصراً لا مسيحاً مصلوباً وكان من الصعب عليهم أن يؤمنوا بأنّ الله يمكن أن يسمح للممسوح منه أن يقاسي موتاً مخزياً كهذا. يتّضح أنّ يسوع عندما تحدث عن ابن الإنسان المتألم، بالحقيقة ابن الإنسان أو خادم الله الذي تحت الإعدام، كان يدخل مفهوماً جديدا على الفكر اليهودي. فيسوع لم يكن يريد أنّ يحدّد الآخرون هويّته، وهكذا نأى عن إستخدام العبارات المألوفة مثل المشيَخ والتي كانت مفاهيمها مغلوطة مقارنة مع الخدمة التي أتى يسوع ليتمّمها. وإلى يومنا هذا ما تزال فكرة المسيح المصلوب صاعقة بالنسبة لكثيرين بمن فيهم المسلمين على سبيل المثال، والذين يؤمنون بأنّ الله إستبدل المسيح بيهوذا في آخر لحظات صلب يسوع لأنه لا يمكن لله أن يسمح لنبيّه القدوس بالموت بهذه الطريقة. لكن بالنسبة ليسوع فطريق الصليب حدّدت من جديد بوضوح وإلى الأبد ما معنى المسيح.

عن كتاب: بن ويزرنجتون "كريستولوجية يسوع" The Christology of Jesus.

محاضرات النقد النصى - 2


هذه هى المحاضرة الثانية فى كورس النقد النصى للعهد الجديد، و تحمل هذه المحاضرة عنوان "انتاج المخطوطات فى العالم القديم":






و يمكنك تحميل المحاضرة من هنا. لو لديك أى اسئلة، تفضل ضعها فى التعليقات و سأجيبك عنها بنعمة الرب.

الجمعة، 12 فبراير، 2010

لقاء عن الوحى


هذه حلقة جميلة من برنامج "حقيقة ايمانى" الذى يُعرض فى قناة Sat7، للدكتور لويس عبد الله، عن الوحى الكتابى. لا اعرف بالضبط من هو د. لويس، و حاولت البحث عن إسمه على الانترنت لكن لم أجد شىء. غير أن هذا الفكر جميل و أعجبنى. شاهد الحلقة هنا.

سؤال و جواب


هذه مجموعة من الاسئلة الجميلة التى ارسلها احد القراء:

السؤال الأول: هل ورثنا الخطية، أم حالة الخطية، أم الإثنين؟

الإجابة: هذا سؤال جميل، و يحتاج إلى معالجة فلسفية و كتابية. ما معنى أن نرث الخطية؟ لفظ "الخطية" هو فعل الخطأ. و بالتالى جملة "وراثة الخطية" تحتمل اكثر من معنى، فيمكن أن نقول هذا ورث خطية ابيه، أى أنه ورث ذات الفعل الخاطىء الذى فعله أبيه، و هذا غير معقول. و لكننا نستطيع أن نفهم الجملة بشكل آخر، و هو طبيعة فعل الخطية. هذا يعنى أن وراثة الخطية هى وراثة فعل الخطية، أو وراثة عمل الخطية، و هى ما يسميه اللاهوتيين "الطبيعة الفاسدة"، و يسميه بولس الرسول "الإنسان العتيق" فى رسائله (رو 6 : 6؛ اف 4 : 22؛ كو 3 : 9). و الإنسان العتيق هذا هو مصدر و منبع كل خطية، و هو ذاته طبيعة الإنسان الفاسدة التى فقدت صلاحها بسقوط آدم. إذن، ما الذى ورثناه؟ تختلف المصطلحات، و لكن المحتوى واحد: طبيعة فعل الخطية (يمكنك مراجعة مقالتين كنت قد كتبتهما تفصيلاً حول هذا الموضوع على موقع الكنيسة العربية هنا). غير أن السجال الدائر حالياً ليس عن ما ورثناه، فأعتقد أنه يوجد إتفاق على ذلك، و لكن السجال يدور حول طبيعة الفداء.

السؤال الثانى: ما الفرق بين الوحى و السلطة؟

الإجابة: أعتقد أن السلطة المقصودة هى "سلطة الوحى". الفكرة ببساطة أن الوحى ليس محصور فى الكتاب المقدس فقط. الوحى هو إتصال الله بالإنسان، و يوجد أدلة كتابية و آبائية على أن هذا الإتصال لم ينقطع بكتابة آخر كتب العهد الجديد. بمعنى، أن الله ظل يتكلم للإنسان حتى بعدما كُتِبت مجموعة يوحنا. و كلام الله للإنسان هذا هو فى علاقة الإنسان بالروح القدس. نحن المسيحيين نؤمن و نعتقد فى أن الروح القدس، روح الله، يشرح للإنسان النص الكتابى. هذا الشرح فى حد ذاته وحى، و إلا فما هو مُسماه؟ لكن هذا الوحى فردى، بمعنى أنه مُوجه للفرد فقط و ليس للجماعة. الروح القدس قد يعلن لى شىء مختلف عن الشىء الذى قد يعلنه لك. رسالة الله لك من خلال النص بكل تأكيد ستختلف عن الرسالة التى يريد الله توجيهها لى من النص. و هكذا، ما يعلنه الله لك ليس له أى إلزام عندى. و ما يعلنه الله لى ليس له أى إلزام عندك. انت لست مُلزم بالأخذ بما أقوله لك بأنه إعلان الله لى. هكذا، هذا الوحى ليس له أى سلطة على الجماعة. لكن وحى الكتاب المقدس، له سلطة على كل افراد الجماعة. هذا الوحى ليس فردى، و ليس مُوجه لفرد معين فقط، بل مُوجه للجماعة بأكملها (أى الكنيسة كلها). هكذا، هذا الوحى له سلطة على كل افراد المجتمع المسيحى. إذن، هناك وحى له سلطة على الكل و هناك وحى ليس له سلطة على الكل. هذه هى الفكرة ببساطة.

السؤال الثالث: فى كتاب الأب متى المسكين "فى اللاهوت أنشودة التجسد يقدمها بولس الرسول"، ص13 يقول:"لذلك صح التصحيح فى الترجمة العربية لتكون "إذ كان فى صورة الله لم يحسب مساواته لله ربحاً يُتمسك به". هل هذا الكلام دقيق أم لا؟ و ما رأى العلماء مثل دانيال ب والاس؟ و هل ذكر بروس متزجر مثل هذا الكلام؟ خصوصاً أن فى ص 12 يستشهد الأب متى المسكين بالعالم ليتفوت.

الإجابة: نعم، العلماء متناظرين حول كيفية ترجمة هذا النص، و هذا الخيار الذى يطرحه الأب متى المسكين هو فى نظر الكثيرين من العلماء، افضل ترجمة تتناسق مع سياق النص. الترجمة التى تقدمها فانديك لا يفضلها غالبية العلماء، و لكن ينقسم العلماء إلى ثلاث خيارات، هى: (1) لم يعتقد أن المساواة بالله يمكن إغتنامها (فى هذه الحالة، المسيح ليس مساوياً لله)، (2) لم يتمسك بمساواته بالله كربح يتشبث به (فى هذه الحالة، المسيح مساوياً لله)، (3) لم يوظف المساواة بالله كمكسب يُستغل (فى هذه الحالة، المسيح مساوياً لله). أفضل ترجمة بحسب كافة المعايير، سواء الإستدلالية أو اللغوية أو التفسيرية، هى الترجمة الثانية، و هى التى طرحها الأب متى المسكين. و يقول العلماء أن:"المعنى الضمنى للنص هو أن المساواة مع الله شىء قد إمتلكه المسيح فعلاً و كان يستطيع أن يستمر فيه، و لكنه عزم على ألا يستمر. و هذا التفسير يبدو أنه ملائم لسياق النص أكثر، لأنه من الصعب تصور أن المسيح سيتخلى عن شىء ليس ملكه أصلاً" A Handbook on Paul's Letter to The Philippians, P. 58.

السؤال الرابع: سمعت فى مناظرة فى برنامج جون اكنينبيرج أن لفظ "أباً أبدياً" (اش 9 : 6) يجب أن يُترجم "أب الأبدية". أيهما أصح؟

الإجابة: لست خبيراً فى العبرية، و لكن لا يوجد لدىّ أى مرجع يقول أن الترجمة يجب أن تكون "أب الأبدية". لكن هل هناك فرق كبير بين الإثنين؟ سواء أباً أبدياً أو أب الأبدية، فأعتقد أن الغرض واحد و هو بيان أبدية الأب.

الثلاثاء، 9 فبراير، 2010

النقد النصى و التفسير - الجزء الثانى


النقد النصى و التفسير
الجزء الثانى
(يو 1 : 28)
فادى اليكساندر


المشكلات الجغرافية فى العهد الجديد مثيرة جداً، فهى تجمع معاً عدة فروع معرفية فى محاولة حلها. و التشابك بين النص و الجغرافيا رأيناه بوضوح فى كتاب "جدارا و جرجسة و جراسا"، و رأينا كيف كان اوريجانيوس نشيطاً فى محاولة حل المشكلة. و رغم أن المشكلة التى سيتم دراستها فى هذه المقالة لا تمثل مشكلة تفسيرية حقيقية لنا اليوم، لكنها مثلت مشكلة تفسيرية كبيرة لأوريجانيوس! غير ذلك، فإنها تطرح لنا آفاقاً جديدة لنتعرف بصورة أكثر قرباً على لاهوت يوحنا، و على السياق العام الذى كتب إنجيله فى إطاره.

فى إنجيل يوحنا، نقرأ:"هَذَا كَانَ فِي بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ" (يو 1 : 28). و المشكلة أنك إذا نظرت فى أى إصدار نقدى للعهد الجديد
[1]، لن تجده يقرأ بيت عبرة Βηθαβαρά لكنك ستجده يقرأ بيت عنيا Βηθανία. لماذا تضع هذه الإصدارات بيت عنيا بدلاً من بيت عبرة؟ بالتأكيد لأن الدليل المتوفر اقنعهم لدرجة معقولة. و إليك الدليل[2]:

قراءة "بيت عنيا" تشهد لها المخطوطات اليونانية التالى: البردية 66، البردية 75، الفاتيكانية، السينائية، الإفرايمية، واشنطن، و المخطوطات: E F G H L N X Δ Θ Ψ 021 028 031 033 034 045 047 063 0211 8 9 27 28 157 205 461 475 565 579 597 700 892 1006 1009 1010 1071 1073 1194 1195 1203 1210 1212 1216 1241 1242 1243 1253 1342 1344 1365 1424 1505* 1514 1519 2148 2174، بجانب مخطوطات كتب القراءات الكنسية. و من الترجمات: اللاتينية القديمة، الفلجاتا، السيريانية البشيتا و الهيراقلية و مخطوطات من الفلسطينية، القبطية البحيرية، السلافية. و من الآباء: اوريجانيوس، هيراقليون، يوسابيوس القيصرى، ابيفانيوس، يوحنا ذهبى الفم، نونيوس، امبروسياستر، و اغسطينوس.

اما قراءة "بيت عبرة" فتشهد لها المخطوطات اليونانية التالية: السينائية (المصحح الثانى، أى القرن السابع)، الإفرايمية (المصحح الثانى، أى القرن العاشر)، بى (الناسخ و المصحح الثالث)، بسى (المصحح الثالث)، العائلة 13 و المخطوطات: Γ 029 030 039 041 083 0113 0141 1 13 18 33 35 180 828 892 1079 1192 1230 1292 1365 1505 1546 1646. و من مخطوطات كتب القراءات الكنسية: L70, L770, L773, L1231. و من الترجمات: السيريانية الهيراقلية (فى الهامش)، احد مخطوطات القبطية الصعيدية، السيريانية القديمة بمخطوطتيها (السينائية و الكيورتنية)، مخطوطات من السيريانية الفلسطينية، مخطوطات من القبطية الصعيدية، الأرمينية، و الجيورجية. و من الآباء: اوريجانيوس، يوسابيوس القيصرى، ابيفانيوس، و كيرلس السكندرى.

و رغم أن بحسب تحليل هذه الشواهد، نرى أن الأصولية تميل لصالح قراءة "بيت عنيا"، إلا أن وجود قراءة "بيت عبرة" فى السيريانية القديمة و فى بعض شواهد الترجمة القبطية، فإن هذا لابد أن يولد شكاً لدى الناقد النصى فى كيفية تفسير إنتقال القراءة فى هذا الزمن المبكر. و أنا لا أعتقد أن تأثير اوريجانيوس غير كافى لتفسير هذا الإنتقال، خاصةً فى شمال افريقيا (حيث السيريانية القديمة) و فى قيصرية (حيث شواهد النص القيصرى شاملة العائلة 13)
[3]. إلى جانب ذلك، لا يبدو أن هناك أى سبب يجعل النساخ يغيروا بيت عبرة إلى بيت عنيا. لا يوجد مكان معروف لبيت عنيا هذه منذ زمن اوريجانيوس حتى اليوم، فكيف سيغير النساخ بيت عبرة إليها؟ هذا يعنى أن قراءة بيت عنيا هى القراءة الأصعب، و أنها القراءة التى تفسر وجود بقية القراءات. فهى القراءة الأصعب لأن مكانها غير معروف، عكس بيت عبرة، و هى القراءة التى تفسر كيف أن الناسخ لجأ إلى مكان معروف فى هذا المكان بالتحديد، و هو بيت عبرة. لا شك معقول عندى فى أن قراءة بيت عنيا هى القراءة الأصلية[4].

هذا مختصر بسيط لتمثيل هذه المشكلة النصية، التى ازعجت اوريجانيوس. ففى بداية القرن الثالث، حينما كان يرتحل اوريجانيوس فى الشرق، لم يجد بلد و منطقة ما تُسمى "بيت عنيا" فى الأردن. و بيت عنيا هذه تختلف عن الأخرى المعروفة بأنها محل إقامة اصدقاء يسوع (لعازر، مريم و مرثا) و التى كانت تقع على مسافة ليست بعيدة إلى شرق اورشاليم فى الطريق إلى اريحا. اوريجانيوس لم يجد بلد تُسمى "بيت عنيا" على الجانب الآخر من نهر الأردن. و حينما رجع إلى مخطوطاته، وجد أن غالبيتها يقرأ "بيت عنيا"، و لكن وجد قلة تقرأ "بيت عبرة"، و هى البلدة التى تقع فى الأردن. بناء على ذلك، قرر اوريجانيوس أن القراءة الأصلية هى "بيت عبرة" و ليس "بيت عنيا". بالإضافة إلى ذلك، كانت تعنى "بيت عبرة" مكان التحضير، فوضع اوريجانيوس تساؤل طريف قال فيه: أى مكان آخر يكون أفضل ليوحنا المعمدان حتى يثبت معموديته فيه التى تحضر الطريق للمسيح غير "بيت التحضير"؟

هذا هو كلام اوريجانيوس
[5]:

"نحن على علم بأن القراءة الموجودة فى كل النسخ تقريباً هى 'هذه الأمور قد حدثت فى بيت عنيا'. بالإضافة إلى ذلك، تبدو هذه القراءة موجودة فى وقت أقدم، و فى نسخة هيراقليون نقرأ بيت عنيا. غير أننا مقتنعين بأننا لا يجب أن نقرأ بيت عنيا، بل بيت عبرة. لقد قمنا بزيارة للبحث عن آثار يسوع و تلاميذه و الأنبياء ايضاً. الآن، فإن بيت عنيا، كما يخبرنا نفس الإنجيلى، كانت هى مدينة لعازر و مرثا و مريم؛ و هى على بعد خمسة عشر غلوة من اورشاليم، و يبعد عنها نهر الأردن بمئة و ثمانين غلوة. لا يوجد أى مكان آخر بنفس الإسم بجوار الأردن، و لكنهم يقولون أن بيت عبرة موجودة على ضفاف الأردن، و أن يوحنا عمد هناك. و جزر الإسم أيضاً لبيت عبرة يتكامل أيضاً مع معمودية ذاك الذى قام بإعداد الناس للرب ليكونوا مجهزين له؛ لأنها تعنى "بيت التحضير" بينما تعنى بيت عنيا "بيت الطاعة". أين أيضاً يكون مناسباً له ليعمد، ذاك الذى أُرسِل كملاك أمام وجه المسيح ليحضر طريقه أمامه غير بيت التحضير؟".

ليون موريس يعلق على كلام اوريجانيوس قائلاً:"اوريجانيوس كان عالماً كبيراً، و لكن يبدو هذه المرة أنه لا يمكن الإعتماد عليه. لأن نظرة قريبة على كلماته تبين أنه لم يذهب بالفعل إلى الأردن، و لكن "يقولون أن بيت عبرة موجودة على ضفاف الأردن". و يبدو أن معلوماته التى تلقاها كانت خاطئة"
[6]. فى الحقيقة، لم يكن اوريجانيوس مخطئاً فقط فى تعيين بيت عبرة، لكنه أيضاً فى وضع معنى بيت عبرة. بروس ميتزجر ينقل لنا هذه المعلومة قائلاً:"اوريجانيوس لديه معلومات خاطئة؛ ففعلياً، معنى بيت عبرة يبدو أنه بيت أو مكان العبور"[7]. فإذا كان اوريجانيوس يعترف بأن بيت عنيا هى قراءة كل المخطوطات تقريباً، و هى قراءة أزمنة أقدم، فلماذا قد يكون اوريجانيوس إختار قراءة بيت عبرة؟ السبب الوحيد الذى يبدو لى هو أن اوريجانيوس قد يكون تخيل أن بيت عنيا المذكورة هنا، هى نفس بيت عنيا القريبة من اورشاليم. و لو كان هذا صحيحاً، فهذا يعنى أن اوريجانيوس لديه مشكلة تهدد عصمة الكتاب المقدس عن الخطأ. هكذا، فإن اسهل طريقة كانت لديه هى أن يقبل بقراءة الأقلية!

ما هى بيت عنيا المذكورة فى هذا النص إذن؟ اول ما يجب أن ننتبه له هو أن يوحنا الإنجيلى يفرق جيداً بينها و بين بيت عنيا الأخرى، فيذكر هنا:"فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ"، بينما يذكر عن بيت عنيا الأخرى أنها:"كَانَتْ بَيْتُ عَنْيَا قَرِيبَةً مِنْ أُورُشَلِيمَ نَحْوَ خَمْسَ عَشْرَةَ غَلْوَةً" (يو 11 : 18). إذن، هذه مدينة و تلك أخرى، و يوحنا كان يعرف ذلك، و حرص جيداً على بيان الفرق بينهما. ما هى بيت عنيا الأخرى هذه إذن؟

هناك نحو إثنى عشر حلاً تم طرحهم، و لكن أكثر النظريات ملائمة و قبولاً لدى العلماء، هى أن بيت عنيا المقصودة هنا ليست سوى منطقة تُسمى بالإنجليزية Batanea، ولا أعرف كيف يتم تعريب هذه الكلمة إلا بـ "بيت عنيا"
[8]! و هذه المنطقة ليست مدينة أو قرية، لكن منطقة واسعة فى الشمال الشرقى. و الإختلاف فى لفظى بيت عنيا Bethany و Batanea ليس غريباً، ولا يعتبره العلماء شاذاً فى القرن الأول، أو خاص بيوحنا فقط. فى الحقيقة، يوسيفوس كتب ثلاث تهجئات مختلفة، و الترجومات اليهودية ذكرت اللفظين أيضاً. فإذا كان كذلك، لماذا إختار يوحنا أن يكتب بيت عنيا Bethany؟

الرؤية الأعمق بين جميع الفرضيات التى تم طرحها، هى أن يوحنا يريد أن يضع بداية و نهاية خدمة يسوع فى بيت عنيا. ففى بيت عنيا على الناحية الأخرى من نهر الأردن، نجد يوحنا المعمدان يسمى المسيح بـ "حمل الله الذى يرفع خطية العالم". هذا يعنى أن إعلان الفداء بدأ فى بيت عنيا، و بدأت معه خدمة يسوع فى بيت عنيا. و قرب نهاية خدمته، رجع إلى نفس المكان الذى نطق فيه يوحنا بشهادته. و فى نهاية خدمته تماماً، يذهب إلى بيت عنيا، حيث صنع آخر معجزاته قبل الصليب، و أعظمها جميعاً، بإقامة لعازر من الموت (يو 11). و تأتى النتيجة المباشرة بإعلان ضرورة موت يسوع كبديل عن الأمة بأكملها (يو 11 : 45 – 43). فعن دون قصد و دون إدراك بعيد المدى، أعلن هؤلاء القادة اليهود ما الذى كان يجب على يسوع أن يفعله، بأن يكون بالفعل حمل الله الذى يموت عن خطايا الآخرين! بكلمات دون كارسون:"ما بدأ كخدمة عامة فى الشمال، إنتهى كصلب عام فى الجنوب"
[9]. و كوستينبرجر مقتنع بنفس التكوين اللاهوتى، و يضع الصورة كاملة قائلاً:"بيت عنيا Bethany يمكن أن تكون هجاء مختلف لبيت عنيا Batanea قد إختاره الإنجيلى ليسجل أن خدمة يسوع بدأت و إنتهت فى بيت عنيا. ففى بيت عنيا الجليلية فى الشمال، إعترف يوحنا المعمدان بيسوع كحمل الله، و فى بيت عنيا اليهودية فى الجنوب، يقترب يسوع من صلبه. و ذكر كل المناطق الرئيسية الأربعة فى ارض الموعد، اليهودية، السامرة، الجليل، و عبر الأردن (حيث بيت عنيا)، يبين أن إرسال يسوع كان لكل اسرائيل"[10].

اعتقد أن هذا التفسير الذى يعتمد على بناء تكوين لاهوتى معين عند يوحنا، لم يكن ليتوفر لديناً إن لم تكن بيت عنيا هى القراءة الأصلية. فى نفس الوقت، لا يوجد لدينا ما تعرض لأى مشكلة من تبنى القراءة الأصح. على العكس، هذا يساعدنا بشكل كبير جداً لنعرف قصد يوحنا، و نفهم الفكرة التى رغب فى إيصالها لنا، اليوم...بعد عشرين قرن من الزمان!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] فى الحقيقة، لا يوجد أى نص يونانى للعهد الجديد اليوم يضع قراءة "بيت عبرة"، حتى إصدارات نص الأغلبية تضع قراءة "بيت عنيا".
[2] UBS3, P. 323; UBS4, P. 315; NA27, P. 249; MT1, P. 292; MT2, P.292; IGNTP1, P. 131; IGNTP2, 198; NTOG, P. 194.
[3] Leon Morris, The Gospel According to John, Eerdmans: USA 1971, P. 142; John Barton & John Muddiman, The Oxford Bible Commentary, Oxford University Press 2007, P. 964
[4] و هو إختيار غالبية لجنة UBS كما اوضح ميتزجر:
Bruce M. Metzger, Textual Commentary on The Greek New Testament, 2nd Ed. 1994, P. 171.
[5] تفسير يوحنا 6 : 24. و يُلاحظ هنا أن هذه المشكلة تلقى الضوء أكثر على منهجية اوريجانيوس فى المفاضلة بين المشكلة النصية و المشكلة التفسيرية، و هو الأمر الذى يقوى إستدلالنا فى قضية "جدارا و جرجسة و جراسا" حول مدى تحدى اوريجانوس لنزعته. الأمر المثير هو أن تعليق اوريجانيوس على جرجسة جاء فى نفس هذا الفصل، بعد تعليقه على المشكلة محل الدراسة! انظر:
Philip Schaff, Ante-Nicene Fathers, Hendrickson Publishers: USA 1995, Vol. 9, P. 371.
[6] Morris, John, P. 146.
[7] Metzger, Textual, P. 171.
[8] ترجع هذه النظرية بالتحديد إلى رينر ريزينر الذى وضعها فى عام 1987.
[9] D. A. Carson, The Gospel According To John, Eerdmans: USA 1991, P. 147
[10] Andreas J. Kostenberger, Baker Exegetical Commentary on The New Testament: John, Baker Academic: USA 2004, P. 65