الجمعة، 15 يناير، 2010

ماذا لو لم يكن معصوماً؟


كتب مايكل باتون، مؤسس و مدير خدمة "إستصلاح العقل" مقال مهم جداً الشهر الماضى. هذا المقال بعنوان "لو أن الكتاب المقدس ليس معصوماً، فإن المسيحية زائفة". باتون لا يقول ذلك، بل على العكس، باتون يرد فى هذه المقالة على هذه الجملة. فالنصف الآخر من العنوان يقول "...و عبارات غبية أخرى"! محتوى هذه المقالة ناقشته من قبل بالفعل، فى مقالة بعنوان "الايمان بين الحدث و النص".

هل يجب أن يكون الكتاب المقدس معصوماً حتى يكون ما يحتويه حقيقى؟
هل يجب أن يكون الكتاب المقدس وحياً من الله حتى يكون موت المسيح و قيامته حقائق؟
هل يجب أن يكون الكتاب المقدس موجود أصلاً حتى تكون هذه الأحداث حقيقية؟
بل السؤال الأخطر: هل يجب أن نعرف أصلاً عن هذه الأحداث حتى تكون حقيقية؟

هذه الأسئلة و غيرها يناقشها باتون فى هذه المقالة الرائعة، التى أتمنى أن تقرأها مرة و إثنين و ثلاثة، حتى تستطيع أن تستوعبها. إنها براعة المسيحية، و براعة حكمة الله كما تظهر فى المسيحية، و هى البراعة التى هى واحد من العوامل التى تجعلنى أؤمن بالله!

نُشِرت المقالة فى مدونة "رق و قلم"، و إليك نصها:

أنظر فى هذه القصة، المأخوذة عن قصة حقيقية:

كان جريج جونز مسيحى إنجيلى، عضو نشيط فى كنيسته، و واعظ منتظم، معلم و خدم فى مجلس الشيوخ فى كنيسته. يقول عن نفسه أنه كان مدمناً الأصولية. لقد حفظ كل حقائق المسيحية. و بعد أن قضى عشرة سنوات من الخدمة الأمينة فى الكنيسة، هو الآن ملحد يرفض حماقة كل ما كان يعتز بعمله سابقاً. لماذا حدث هذا؟ حسناً، يقول أنه قام من غفلة الأصولية خلال عدة مقابلات مع "الحقيقة". و الأهم فى هذه المقابلات حينما أدرك أخيراً أن الكتاب المقدس "ملىء بالأخطاء". و يصف تحوله هذا بسبب التناقضات التى وجدها عبر صفحات الكتاب المقدس و عدم قدرته على التوفيق بينها. و يصف حاله قائلاً:"لسنين، كنت الأفضل تماماً فى مجاوبة المتشكك حول أية إعتراضات يثيرها ضد الكتب المقدسة. كنت أعرف كيف أوفق أى تناقض مُقترح. لقد أصبحت بالنسبة لى فن أفتخر به. لا يهم أبداً مدى صعوبة المشكلة، فقد كنت أستطيع أن أجد حلاً لها. و بمرور الوقت، لا أعرف لماذا حدث هذا، و لكنى بدأت أعيد النظر فى التعقيدات التى كان يجب علىّ أن أقوم بها حتى أوفق بين النصوص. أدركت فى ذلك الوقت أن فن حل التناقضات أصبح مثل سحابة وهمية قمت بصنعها، ليس فقط لمجاوبة الآخرين، و لكن حتى لى أنا شخصياً. كان يجب علىّ أن أكون أميناً مع نفسى. يوحنا يقول "ليس مولود من الله يخطأ"، ثم يقول بعد ذلك "إذا أخطأ أى شخص، فلنا شفيع عند الآب". أيهما هو الصحيح؟ هناك مئات من المشكلات مثل هذه فى الكتاب المقدس. و إجاباتى قد تكون أراحت أولئك الذين علمتهم، لكنها لم تعد تريحنى أنا. أخيراً، أدركت، و بحزن، أننى يجب أن أتخلى عن عصمة الكتاب المقدس. و بمجرد أن فعلت ذلك، تخليت عن المسيحية كلها أيضاً".

هذه القصة مشتركة عند الكثيرين من الذين تركوا الايمان. و لكن هذا الموضوع ليس عن ترك الايمان بحد ذاته، إنما عن مدى خطورة عقيدة العصمة. حينما رفض جريج عقيدة العصمة بسبب عدم قدرته على التوفيق بين التناقضات، هل كان هذا يعنى بالضرورة أنه يجب عليه ترك الايمان بأكمله؟

هذا هو السؤال: هل عقيدة العصمة مركزية جداً فى الايمان المسيحى حتى لو أن أى شخص رفضها، هو أو هى يجب أن يحملوا حقائبهم و يذهبوا يبحثون عن رؤية كونية جديدة؟ بكلمات أخرى، لكى أكون واضحاً جداً، لو أن الكتاب المقدس ليس معصوماً، هل هذا يعنى أن الايمان المسيحى غير حقيقى؟

غالبيتكم يعرف أننى أعتنق عقيدة العصمة. و أنا أسمى رؤيتى لها بـ "العصمة المعقولة" التى لا تفترض أى منهج تأويلى غير حيوى حتى تقوم هذه العقيدة (يمكنك أن تقرأ أكثر عنها هنا).

بعد أن قلت هذا، فأنا أعتقد أن هذه العقيدة، رغم أنها هامة، فإنها ليست بنداً ضرورياً تقوم عليه المسيحية و بدونه تسقط. أعتقد أن الكتاب المقدس قد يكون به خطأ و يظل الايمان المسيحى قائم جوهرياً. لماذا؟ لأن المسيحية ليست مبنية على عصمة الكتاب المقدس، إنما مبنية على المجىء التاريخى ليسوع المسيح، ابن الله. المسيح أصبح إنساناً، عاش حياة كاملة، و مات موتاً كفارياً، و قام من الموت، ليس لأن الكتاب المقدس يقول هذا بصفته معصوماً، و لكن لأن هذه الأحداث وقعت بالفعل فى الحقيقة. و الحقيقة هى فى واقعية الحدث، و ليست فى مدى دقة تسجيل الحدث. العلة و النتيجة يجب أن يُوضعا فى مكان مناسب هنا. الحدث التاريخى للتجسد هو العلى لتسجيل الكتاب المقدس، و ليس الكتاب المقدس هو علة الأسباب. مرة أخرى، المسيحية مبنية على الحدث، و ليس على التسجيل المعصوم للحدث.

فكر فى هذه المسألة: هل نحن نثق فقط فى التسجيلات التاريخية لأية أحداث حينما يكون لدينا شاهد معصوم فقط؟ هل كتب التاريخ القديمة معصومة؟ لم أسمع أبداً عن أى شخص يقول أن بوليبيوس (200 ق.م. - 120 ق. م.) كان معصوماً فى تسجيلاته للتاريخ الرومانى، رغم أننا نعامله أنه جدير بالثقة بشكل عام. و بالمثل، نرى يوسيفوس (37 م. - 93 م.) على أنه مؤرخ يهودى موثوق به، و لكنه ليس معصوماً. و أولئك الذين يكتبون كتب التاريخ لمدارسنا اليوم لا يجب عليهم أن يكتبوا فى سيرهم الذاتية أنهم معصومين قبل أن يوافق الناشرين أن يكتبوا هذه الكتب. هل يجب عليهم ذلك؟ لا. لماذا؟ لأن هذا أمر مقبول أن البشر يستطيعون تقديم شهادة حقيقية و موثوق بها، حتى لو كانوا غير معصومين. ماذا لو إتبعنا منهج جريج فى القصة أعلاه. بمجرد أن نجد تناقض فى أى عمل فإن هذا يعنى أن العمل بأكمله غير جدير بالثقة. لو أن هذه هى طريقتنا فى البحث التاريخى، فسوف نصبح "لا أدريين" تماماً عن التاريخ بأكمله. سوف ننتهى قائلين أن كل الأعمال التى كتبها مؤرخى الماضى عبارة عن أكاذيب و تزويرات تماماً، لأنهم ليسوا معصومين.

و نحن شاكرين لأننا لم نقع فى هذا النأزق فى فِهمنا للتاريخ أو أى فرع معرفى آخر. نحن نفهم أن البشر، رغم أنهم غير معصومين، يمكنهم أن يقدموا بيانات جديرة بالثقة بشكل عام. أولئك الذين يشغلون مناصب مثل أساتذة الجامعة، العلماء، المهندسين، المؤرخين، الرياضيين (نسبة للرياضيات)، السياسيين، و أى عمل مهنى آخر، لابد أن يرتكز على الموثوقية العامة لشهادة آخرين غير معصومين.

دعونا نأخذ نفس طريقة الإقتراب مع الكتاب المقدس لدقائق. دعونا نفترض أن الكتاب المقدس ليس معصوماً (من فضلك، حاول أن تفترض هذا معى!). بل دعونا نأخذ خطوة أكثر للخلف و نقول أن الكتاب المقدس ليس وحياً نهائياً. هذا هو الموقف إذن: الكتاب المقدس عبارة عن 66 وثيقة من التسجيلات التاريخية القديمة، تم تسجيلها عبر طرق أدبية متنوعة. هذه التسجيلات، مثل أى تسجيل آخر، قد يكون بها أخطاء: تاريخية، علمية، أو أى نوع آخر. فلنفترض أن يوحنا قد اخطأ فعلاً فى عدد النساء الذين ذهبن إلى قبر يسوع بعد قيامته. هل هذا يجعل شهادة يوحنا بأكملها غير حقيقية؟ هل هذا يعنى أن كل شهادة يوحنا خاطئة فى كل شىء؟ بالتأكيد لا! أى مؤرخ يتبع هذا المنهج سوف يجد نفسه بلا عمل سريعاً، لأنه لن يجد أى مصادر لبحثه. لو أن الكتاب المقدس مثله مثل أى تسجيلات أخرى للتاريخ يحتوى على تناقضات ثانوية، فإن هذا ليس مبرراً للرفض الكامل و التام لكل الأحداث التى يسجلها. مصداقية الكتاب المقدس تعتمد على فرض الموثوقية التاريخية العامة التى تتبرهن عن طريق قواعد البحث التاريخى، و هى القواعد التى لا تشتمل على "العصمة"!

دعونا نأخذ خطوة أخرى أبعد. نحن حتى لا نحتاج للكتاب المقدس حتى تكون المسيحية حقيقية. تذكر أن الرؤية الكونية المسيحية هى مركزية المسيح (أى أنها متمركزة حول مجىء المسيح)، و ليس مركزية الكتاب المقدس (أى ليست متمركزة حول الكتاب المقدس). إنها نعمة الله هى السبب فى أننا لدينا تسجيل لموت المسيح، دفنه، و قيامته. و لكن لو أن لسبب ما قرر الله أن يرفع نعمته و لا يسجل هذه الأحداث فى الكتاب المقدس، هل هذا يعنى أن الأحداث لم تتم؟ بالتأكيد لا. موت المسيح، دفنه، و قيامته، هى أحداث تاريخية قد حدثت بالفعل سواء كان لدينا تسجيلا مُوحى بها أم لا.

قد تسألنى كيف كنا سنعرف بموت المسيح، دفنه، و قيامته لو أن هذه الأحداث لم يتم تسجيلها؟ هذا سؤال جميل، و لكن يجب عليك أن تأخذ خطوة أخرى معى للخلف. ليس فقط أن المسيحية لا تعتمد على العصمة، الوحى، و تسجيل الأحداث، و لكنها لا تعتمد أيضاً على "معرفتنا لهذه الأحداث". نظرياً، يستطيع الله أن يرسل إبنه ليموت عن العالم و يقيمه من الموت و لا يخبر أحد بذلك و تظل المسيحية حقيقية بالفعل. النقطة هى أن المسيحية تقوم أو تسقط فقط على أساس الحقيقة التاريخية لمجىء ابن الله، و ليس على تسجيل هذه الأحداث من خلال الكتاب المقدس. أما كيف يختار الله أن ينشر أخبار هذه الأحداث، أو أن يختار أصلاً أن يفعل ذلك، فليس هذا هو الموضوع. يمكننا أن نفترض مثلاً، لأجل الإحتجاج، أن الله كان يمكنه أن يختار تقليد غير مكتوب، شهادة ملائكة، أحلام و رؤى، أو مقابلات مباشرة، لكى ينشر أخبار هذه الأحداث.

دفاعياً، أعتقد أنه لا يوجد أى سبب لأى فرد حتى يرفض الموثوقية التاريخية العامة للكتاب المقدس لو تم تقديمها بهذا الشكل. لو أن أى شخص قبل الأناجيل مثل أى كتابات تاريخية أخرى، فإنه سيقتنع بموت، دفن، و قيامة يسوع الناصرى معتمداً على البحث التاريخى الأمين و الجاد. و لو أنه لم يقتنع، فى رأيى، فقد تأثر منهجه بإفتراضات مُسبقة غير مُبررة مثل إستحالة حدوث المعجزات.

لماذا أضطر جريج لرفض المسيحية بكاملها بسبب أخطاء قليلة مُقترحة؟ لأن هذا هو ما تعلمه على أيدى مسيحيين محافظين. أعتقد أننا فى غالبية الأوقات، بسبب غيرتنا على الكتاب المقدس، نختلق مأزق غير حقيقى يقول أن الإعتقاد فى العصمة أو رفض الرسالة المسيحية بالكامل هما الخيارين الوحيدين الموجودين فقط. ليس هذين الخيارين هما الوحيدين على الساحة. الكتاب المقدس يمكن أن يكون بيانات تاريخية موثوق بها، و يظل الايمان المسيحى حقيقياً.

لأولئك الذين يتصارعون مع عقيدة العصمة أو يرفضونها منكم، بينما أعتقد أنكم مخطئين، فإن هذا لا يعنى أنكم لا تملكون أساسات لرفض تاريخية موت، دفن، و قيامة ابن الله كما تم تسجيلها فى الكتاب المقدس. هناك 27 وثيقة تاريخية لهم مصداقية تاريخية يجب التعامل معها مثل أى وثيقة قديمة أخرى (دون أن نذكر عشرات من الوثائق التاريخية الأخرى التى ترجع للقرن الأول و الثانى الغير موجودة فى قانون العهد الجديد). لو أنك رفضت المسيحية معتمداً على إعتقادك بوجود أخطاء فى هذه الوثائق، فعليك أن ترفض كل تسجيلات التاريخ القديم بالمثل.

و لأولئك الذين يعتقدون فى الوحى و العصمة منكم، إعتقادكم مبنى على أرضية صلبة. و لكن من فضلكم كونوا حريصين ألا تختلقوا مأزق غير حقيقى فى ضرورة الإلتزام بقناعاتكم. فرغم أن سلطة كلمة الله لها أهمية مركزية، فإن المسيحية متمركزة فى المسيح، و ليس فى الكتاب المقدس. المسيح سيظل رباً، حتى لو أن الكتاب المقدس لم يُكتب نهائياً.

ما هى خطورة عقيدة العصمة إذن؟ أن تصبح هذه العقيدة هى التى يقوم عليها الايمان المسيحى أو يسقط. مرة أخرى، بينما أعتقد فى هذه العقيدة، لست مقتنعاً أنها أحد ركائز العقيدة الإنجيلية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!