الجمعة، 8 يناير، 2010

شيذوفرينيا المسيحيات المفقودة


فى عام 2006، صدر كتاب "الأناجيل المفقودة: كشف حقيقة المسيحيات البديلة"، لمؤلفه داريل بوك، أستاذ البحث فى دراسات العهد الجديد، معهد دالاس اللاهوتى. هذا الكتاب يُعتبر اليوم الدفاع المحافظ الرئيسى حول قصة المسيحيات المتنافسة. قبل أن نبدأ فى عرض هذا الكتاب، دعنا نلقى نظرة مُبسطة على هذا المصطلح (رغم أننى ناقشته من قبل فى مقالة بعنوان "ليبرالية باؤر" هنا).

المسيحيات المتنافسة، المسيحيات المفقودة، المسيحيات البديلة، و غيرهم من المسميات، هم مصطلح لإحتجاج فكرى محتواه كالتالى: فى العديد من القطاعات و المجتمعات المسيحية، أقدم فكر مسيحى سائد كان هو الفكر الذى أُعتِبر هرطوقى فيما بعد من قِبل الأرثوذكسية. هذه الأرثوذكسية يُقصد بها الكنيسة المسيحية، و المسيحيات البديلة يُقصد بها الهرطقات. بمعنى، أننا لو نظرنا فى "أقدم" عقائد المجتمعات المسيحية، سنجد بعض المجتمعات تعتنق الأرثوذكسية، و بعض المجتمعات تعتنق الغنوسية، و بعض المجتمعات تعتنق الدوسيتية، و بعض المجتمعات تعتنق الإبيونية، و هكذا. كل من هذه الفرق يقول عن نفسه أنه هو المسيحى، و أنه هو الذى يحمل الإتصال الأصيل للمسيح و رسله. القاعدتين الرئيسيتين لطرح باؤر هما: الأغلبية و الجغرافيا. و يُقصد بالأغلبية أن غالبية أفراد المجتمع كانوا يعتنقون الفكر الهرطوقى، و يُقصد بالجغرافيا توزيع المجتمعات جغرافياً فى المناطق المسيحية.

لو تأملت قليلاً فى هذا الفكر، ستجد أنه يقول لك بكل بساطة: نحن لا نعرف ما هو تعليم المسيح بالضبط، و لا يمكننا الثقة فى أن الأرثوذكسية هى التى تمتد أصولها للمسيح نفسه، لأن الأرثوذكسية هى مجرد شكل واحد من أشكال المسيحية التى كانت موجودة على الساحة منذ أقدم العصور التى يمكننا أن نرجع لها فى كافة المجتمعات المسيحية. و كما ناقشنا من قبل، كان هناك عالم ألمانى يُدعى والتر باؤر هو الذى أسس فكر هذه المدرسة. و فى النصف الثانى من القرن العشرين، بعد إكتشاف مخطوطات نجع حمادى، قام أحد العلماء الكبار جداً و يُدعى هيملت كويستر، و كان يعمل أستاذاً للعهد الجديد فى جامعة هارفارد (أكبر جامعة فى العالم!)، بتبنى قضية باؤر و دعمها و توثيقها و دراستها و تفصيلها و تنقيتها من أى شوائب. فى نفس الوقت، عاصره أحد العلماء المتخصصين فى الغنوسية، و يُدعى جيمس روبينسون، و كان يعمل أستاذاً للدراسات الدينية فى جامعة كلاريمونت (واحدة من أكبر جامعات أمريكا الشمالية تخصصاً فى المسيحية و خرجت أجيال و أجيال من علماء المسيحية). كان روبينسون هو المسئول الأول و الأساسى عن المشروع العالمى لترجمة نصوص مخطوطات نجع حمادى، حتى أنه هو الذى أسس و إختار بنفسه اللجنة العالمية التى ستترجم هذه النصوص (من اوروبا، الولايات المتحدة، و كندا). كان كلاً من العالمين هما العاملين الرئيسيين فى نشر فكر باؤر بقوة. و بعد ذلك، جاءت عَالِمة من جامعة برينستون، تُدعى إلين باجيلز، لتقدم رسالة الدكتوراه الخاصة بها حول الغنوسية و نصوص نجع حمادى فى جامعة هارفارد، لتكون أول من يقدم رسالة الدكتوراه فى نصوص نجع حمادى.

أربعة أسماء أسست هذه المدرسة الفكرية: باؤر، كويستر، روبينسون، و باجيلز. و فى السنوات الأخيرة، بدأ فكر هذه المدرسة يأخذ منعطفاً جديداً، حينما وضع بارت ايرمان هذا الفكر كالمحور الذى تدور حوله عدة علوم متشابكة. ففى ضوء هذا الفكر، إستطاع ايرمان أن يفسر التاريخ المسيحى، و النقد الأدبى للعهد الجديد، و النقد النصى كذلك. إهتم العديد من العلماء الإنجيليين بهذا الفكر، و قاموا بدراسته جيداً. بين ويزرنجتون قدمّ فى عام 2006 دراسة أكثر من رائعة، بعنوان "ما الذى فعلوه مع يسوع؟"، و التى سأعرضها فى مقال لاحق، و بعده بقليل، صدرت دراسة داريل بوك "الأناجيل المفقودة".

يبدأ بوك بعرض قصة هذا الكتاب، حيث كان حلم كِتابته يراوده منذ عشرة سنوات. و منحته الحكومة الألمانية منحة ليقضى فترة دراسية فى جامعة توبينجين، بألمانيا، حتى يكتب هذه الدراسة التى إستغرقت كتابتها عامين. كتب المقدمة لهذا الكتاب، العالم الكبير المعروف إدوين ياموهى، أستاذ التاريخ بجامعة ميامى. و قد كتب أكثر من خمسة عشر عالماً من علماء العهد الجديد المتخصصين فى جامعات العالم، تقديراً لعمل بوك. من بين هذه الأسماء: مارتن هينجل (جامعة توبينجين، المانيا) – فيليب جينكنز (جامعة ولاية بينسلفانيا، الولايات المتحدة) – لارى هرتادو (جامعة إدينبرج، المملكة المتحدة) – تود كليوتز (جامعة مانشيستر، المملكة المتحدة) – كريج إيفانز (جامعة آكاديا، كندا) – هوارد مارشال (جامعة آبيردين، المملكة المتحدة) و غيرهم. و قد قام بوك بتقسيم الكتاب، الذى يقع فى مائتى و ثلاثين صفحة، إلى أربعة عشر فصلاً، بالإضافة إلى المقدمة و ملحقين. و يمكننا تقسيم الكتاب إلى شقين رئيسيين: الشق الأول و هو الخمسة فصول الأولى مع المقدمة، و هو يتناول فكر الأرثوذكسية و الهرطقات و يشرح فكر باؤر و المدرسة الجديدة التى أسسها. أما الشق الثانى فهو من الفصل السادس و حتى الفصل الثالث عشر، و هو يتناول مقارنات مُفصلة جداً بين الفكر الأرثوذكسى و الفكر الغنوسى (الفصل السادس و السابع مثلاً يتناولان مقارنة حول "الله و الخليقة" فى الفكرين، و الفصلين الثامن و التاسع يتناولان مقارنة حول "إلوهية يسوع و إنسانيته"، و هكذا).

فى نظرى، أفضل فصول هى فصول الشق الأول من الكتاب، و خاصةً من الفصل الثانى و حتى الخامس. السبب فى ذلك ببساطة، هو أن فى هذه الفصول يعرض بوك فكر المدرسة الجديدة، و يقدم نقداً تفصيلياً له فى نحو خمسين صفحة. و يمكننا أن نرى الإستنتاج النهائى الذى توصل له بوك شديد الغرابة فى هذه الفصول، فهو يصف العلماء المؤيدين لباؤر بأنهم مُصابين بـ "شيذوفرينيا"! بصراحة، لم أتمالك نفسى من الضحك حينما قرأت وصفه هذا، الذى ورد مرتين فى صفحة واحدة (ص، 48). لكن بوك كان محقاً جداً فى وصفه، بل إن وصفه بالفعل جاء فى محله ليعبر عن إزدواجية رهيبة فى فكر هذه المدرسة!

دعنى أطرح عليك هذا المقطع الطويل من كتاب بوك، فهو مقطع مبهر جداً:

"إيلين باجيلز تقول:"أدرك باؤر أن أن الحركة المسيحية الأولى كانت فى حد ذاتها متعددة الأشكال أكثر مما أرادت المصادر الأرثوذكسية أن تظهره". ثم تكمل بعد ذلك لتذكر نقد جوهرى لباؤر و لكنها تتغاضى عنه قائلة:"بالتأكيد كان إقتراح باؤر بأن فى مجموعات مسيحية معينة مثلت الأغلبية، و هى المجموعات التى سُمِيت لاحقاً هراطقة، يتعدى كل إدعاءات الغنوسيين أنفسهم: لقد ميزوا أنفسم بشكل نموذجى على أنهم الأقلية فى علاقتهم مع الأغلبية. و لكن باؤر...فتح طرقاً جديدة للتفكير حول الغنوسية". ملاحظات باجيلز دقيقة بالفعل، و لكن دعونا ننظر فيما تقوله. بشكل ما، تقول أنه بالرغم من أن الدليل من أصوات الفئات غير المسموعة لا يتفق مع باؤر، فإنه لا يزال قد فتح طرقاً جديدة للتفكير حول هذه الفئات. و كأن التاريخ أصبح ملعوناً، و المهم الآن هو هذه الأفكار الجديدة! بارت ايرمان أيضاً يقدم مدحاً لباؤر. يقول ايرمان عن باؤر:"أكثر أعماله جدلاً و تأثيراً كان عبارة عن دراسة للصراعات اللاهوتية فى الكنيسة الأولى. كتابه 'الأرثوذكسية و الهرطقة فى أقدم مسيحية' كان أهم كتاب عن تاريخ المسيحية القديمة فى القرن العشرين". ثم بعد ذلك يلخص ايرمان منطق باؤر كما يلى:"بعض التفاصيل الدقيقة فى طرح باؤر ظهرت إشكالية على الفور. لقد أُتهِم باؤر لأسباب جيدة بمهاجمة المصادر الأرثوذكسية بغيرته التحقيقية و إستغلال الإستدلال من الصمت لحد سخيف. بالإضافة إلى ذلك، كل واحدة من المناطق التى إختبرها قد تعرضت إلى المزيد من الفحص الدقيق، لم تكن تسير دائماً نحو إتجاه إستنتاجاته. ربما غالبية العلماء اليوم يعتقدون أن باؤر قد قلل من حجم و وجود الأرثوذكسية الأولية و غالى فى تأثير الكنيسة الرومانية حول هذه الصراعات". هذا الملخص منصف حول نقاشات مرحلة ما بعد باؤر، و لكنه يثير سؤال جاد. إذا كان موقفى باؤر الرئيسيين قد ثبت إخفاقهما، فلماذا ينجح طرحه بالكامل؟ متى يجب أن نتوقع إذن من هذه المعاملة الشيذوفرينية للدليل التاريخى أن تثبت خطأ باؤر؟". (بوك، الأناجيل المفقودة، ص 46 – 48).

إنتهى عرض بوك. وضع عالمنا فى هذا المقطع إقتباسين من أشهر عالمين فى الجيل الجديد لهذه المدرسة، باجيلز و ايرمان. باجيلز تقول أن كلام باؤر حول أن الغنوسيين كانوا يمثلون قوة منافسة للأرثوذكسية يسير عكس ما يقدمه الدليل التاريخى. الغنوسيين، بحسب كلام باجيلز، شهدوا إلى أنهم مجرد أقلية أمام الغالبية، أى الأرثوذكسية. تذكر: العامل الرئيسى فى قضية باؤر هو أن فى بعض المجتمعات، كان الغالبية من المهرطقين! أما ما يقوله ايرمان، فهو أن إعتماد باؤر على الفحص الجغرافى و اللاهوتى لهذه المجتمعات، ثبت أنه مُصاب بخلل فى عدة مناطق بالمزيد من البحث الدقيق. بكلمات أخرى، ما يقوله ايرمان هو أن إدعاء باؤر بوجود مجتمعات مسيحية معينة فى الفحص الذى قام به ثبت أنه خاطىء. هذه معلومة لك: باؤر قام بفحص خمسة مجتمعات، و هى شرق آسيا الصغرى، أنطاكية، اورشاليم، إديسا و الإسكندرية، ثم كنيسة روما هى التى إستطاعت فرض سيطرتها على هذه المجتمعات لتحولها للأرثوذكسية. أجمع العلماء على أن ثلاثة من هذه المجتمعات (شرق آسيا الصغرى، أنطاكية، و اورشاليم) لا يمكن بأى حال أن يكونوا فى خلاف على الأرثوذكسية. أما المجتمع الوحيد الذى مازال محل المناظرة فهو الإسكندرية، و المجتمع الوحيد الذى قد يكون مُحقِاً فيه باؤر هو إديسا.

فى الحقيقة، إستدلالات باؤر حول الإسكندرية غريبة جداً، فهو يقول أن غالبية المجتمع المسيحى فى مصر كان شبه غنوسياً. يذكر بوك أن باؤر تجاهل بشكل تام رسالة برنابا، التى خرجت من الإسكندرية فى بداية القرن الثانى، و تصريحات كليمندس السكندرى و ايريناؤس حول ظهور مدرسة فالانتينوس (الغنوسى) مؤخراً، و تجاهله التام و الكامل للبرديات الأربعة عشر المُكتشفين فى مصر خارج الإسكندرية و يرجعون للقرن الثانى و لا يوجد فيهما سوى إثنتين فقط قد يحملان سياقاً غنوسياً، و حتى هاتين الإثنتين متناظر عليهما بين العلماء. هذه الأدلة و غيرها التى قدمها العديد من العلماء، كانت كفيلة لإقناع بيرسون، أكبر خبير فى العالم على الإطلاق الآن فى مسيحية الإسكندرية!

و عن إديسا، فالكثير من العلماء الذين نقدوا باؤر إجتمعوا على ملاحظة واحدة فقط: الدليل المتوفر من إديسا و عنها لا يسمح مُطلقاً ببناء أى نظرية تمكننا من الوصول إلى إستنتاجات حادة بالشكل الذى قدمه باؤر. أول من وضع هذه الملاحظة كان تورنر، و تبعه سيل من العلماء. لهذا يقول بوك:"إدعاءات باؤر حول التعدد (فى أشكال المسيحية) يفتقر لأى دعم. من بين كل المناطق التى فحصها، إديسا فقط هى المجتمع الوحيد التى قد يكون رأيه فيها صحيحاً. و لكن هذا المجتمع لا يمثل المركز أو المحور للتطور المسيحى. و رغم كل ما إدعاه باؤر فى كتابه هذا، و كل ما قام به لتوضيح منهجه، فشل باؤر فى بيان شمويلة الطبيعة البدائية للنظرات البديلة" (ص، 54).

لو أننا نظرنا بأمانة فى طرح باؤر، و حاولنا فحصه فحصاً دقيقاً، أعتقد أننا سنصل إلى نفس الإستنتاج الذى توصل إليه بوك: الشيذوفرينيا!

هناك 3 تعليقات:

  1. فعلاً شيزوفرينيا!!!

    ردحذف
  2. انا اشتريت الكتاب ده اول ما اتنشر الكتاب رائع جدا جدا أرجو انه يُترجم بالعربية

    ردحذف
  3. همتك معانا يا فرى و ليك علىّ أجيبلك التصريح :)

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!