الجمعة، 29 يناير، 2010

رسالة الايمان و العقل


هذه رسالة هامة جداً للبابا يوحنا بولس الثانى، بابا الفاتيكان السابق، بعنوان "الايمان و العقل"، كتبها لأساقفة الكنيسة الكاثوليكية فى عام 1998. أنصح كل قارىء فى مفهوم "الدين" أن يقرأ هذه الرسالة، فهى توضح بعمق و تأصيل العلاقة بين الايمان الروحى و السبب العقلانى فى اللاهوت المسيحى. اقرأ الرسالة هنا.

الاثنين، 25 يناير، 2010

دفاع ظهورات العذراء


هذا الفيلم "تفنيد الإفتراء على ظهور امنا العذراء" قام به من أوله لآخره الصديق العزيز عاطف وجيه. يتناول الفيلم تحليل شامل لكل ما يُثار حول ظهورات العذراء الأخيرة فى منطقة الوراق بالقاهرة، مشتملاً على تفنيد أربعة قوائم كاملة من الإعتراضات و مقارنتهم بأحداث الظهور. لقد عايشت ظروف وضع هذا الفيلم بالكامل، و رأيت تعب عاطف فى السهر لأيام متتالية دون نوم، و مجهود خطير بذله ليوفق أكبر قدر ممكن من الوقت ليخرج هذا الفيلم للنور. يُذكر أن ابونا القمص عبد المسيح بسيط قد أصدر كتاباً عن ظهورات العذراء فى الوراق فى عيد الميلاد، و قد اشترك معه عاطف فى اعداد رد أولى بالصور، حتى أننى عندما سألت ابونا عن رأيه فى عمل عاطف قال لى بالحرف:"ضرب الموضوع فى مقتل و نهاه تماماً". نصلى أن يعوض الرب تعب محبة هذا الخادم الغيور على كنيسة الله فى مصر.
























الأربعاء، 20 يناير، 2010

العصمة للأغبياء


إكمالاً لمقالى "مشكلة بلا حل!"، و خاص فقط للأغبياء. إذا كنت ذكى، لا تقرأ هذه المقالة!

وضع بيان شيكاغو للعصمة الكتابية مفهوم العصمة الدنيوية للكتاب المقدس (و هى الترجمة المناسبة لمصطلح Inerrancy، و يُقصد بها العصمة عن الخطأ التاريخى و العلمى و الجغرافى و ما إلى ذلك)، بوضوح شديد. حينما نمتلك كل المعرفة، سيتضح أن الكتاب المقدس لا يوجد به خطأ. العقيدة لا تقول أنه فى أى عصر و بأى قدر من المعرفة يمكنك أن تبين أن الكتاب المقدس معصوم. بول فاينبيرج يضع التعريف القياسى للعصمة كالتالى:"العصمة تعنى أنها حينما تصبح كل الحقائق معروفة، فإن الكتاب المقدس، فى مخطوطاته الأصلية، و حينما يتم تفسيره بشكل مناسب، سوف يظهر بكامله حقيقى فى كل الأمور التى يؤكدها، سواء كانت عقائدية أو أخلاقية، أو فيما يختص بالعلوم الإجتماعية، النفسية، و الحياتية" (Paul D. Feinberg, The Meaning of Inerrancy, In: Inerrancy, Edited by Norman L. Geisler, Zondervan: USA 1980, P. 294. See also, idem, Does The Bible Contain Errors?, In: The Apologetic Study Bible, Edited By Ted Cabal, Holman Bible Publishers: USA 2007, P. 1412).

ما هى أهمية جملة "حينما تصبح كل الحقائق معروفة"؟ و لماذا أصر على أن الكتاب المقدس سيظهر معصوماً فقط حينما تكون كل المعرفة موجودة؟ ببساطة، لأن السبب الذى قد يجعلك تقول "آه، هذا خطأ"، هو أن هناك معلومة ما أنت لا تعرفها الآن، و لكن حينما تعرفها ستدرك أنه ليس خطأ. هناك مثيل شهير جداً، و هو بركة بيت حسدا. غالبية العلماء فى القرن التاسع عشر إتهموا يوحنا بأنه مخرف جغرافى، لا يعرف شىء عن اورشاليم، لأنه لم يكن هناك وجود لبركة بيت حسدا فى القرن التاسع عشر. و مع بداية القرن العشرين، إكتشف العلماء بركة بيت حسدا، و إكتشفوا أن مواصفاتها هى بالضبط ما وصفه يوحنا!

هكذا، لأننا لم نمتلك كل المعرفة فى القرن التاسع عشر، إتهمنا مؤلف إنجيل يوحنا أنه مخرف. و لكن لما أتت بعض المعرفة، رأينا أننا قد ظلمناه حقاً.

هذه هى النقطة فى العصمة الكتابية: حينما نمتلك كل المعرفة، سنرى أن الكتاب المقدس لا يوجد به خطأ. دعنا نطبق هذا المبدأ على المشكلة التى بلا حل، المعروضة هنا. هل نحن نعرف كل شىء عن طرق الحساب فى عام 1500 ق. م؟ هل نحن نعرف كل شىء عن كافة تفاصيل رحلة اسرائيل و بنيه إلى مصر؟ هل نحن نعرف كل شىء عن كل تفاصيل أبناء اسرائيل و أحفاده؟ هذه هى الفكرة: نحن لا نعرف كل شىء عن أى شىء فى الدنيا. لن تجد رجل عاقل يقول لك أنا أعرف كل شىء عن أمر ما. لن تجد عالم متخصص فى الفيزياء مثلاً يقول لك أنا أعرف كل شىء عن الفيزياء. ليس فرد ولا مجموعة أفراد ولا مؤسسة ولا هيئة، أو كان من كان، يجرؤ أن يقول لك أنا أمتلك كافة المعرفة فى أى شىء.

لذلك يستغرب المقربين منى جداً حينما أقول لهم: لا يمكنك أن تثبت وجود خطأ ما فى الكتاب المقدس. لا أتكلم هنا عن نتيجة، بل عن منهجية. أنت لا تعرف كل شىء يخص النص الفلانى، و بالتالى لا تستطيع أن تحكم عليه بأنه خاطىء. السبب؟ قلته من قبل، لكن أعيد لك: لأننا قد نكتشف غداً معلومة تجعلنا نكتشف أننا المخطئين، و ليس النص. فهل المشكلة التى بلا حل، و التى أسماها أحد أصدقائى "معضلة يوكابد" تثبت أن الكتاب المقدس به خطأ؟ لا، أنا أعتقد أن الكتاب المقدس لا يوجد به خطأ، و أعتقد أن هذه المشكلة ليست خطأ فى الكتاب المقدس. ليس معنى أننى لا أعرف حلاً للمشكلة أنها بلا حل، بل أننى لا أعرفه فقط!

هل وجود مشكلات فى الكتاب المقدس يعنى أنه ليس كلمة الله؟ دعنى أقول لك أحد قواعدى الشخصية لقياس حقيقة أى أمر ما: كلما كان الأمر أصعب، كلما كان أكثر حقيقةً (فهمت الآن لماذا أحب قاعدة "القراءة الأصعب هى القراءة المفضلة"؟). لقد أقر الله هذا المبدأ بسقوط آدم و حواء، فلكى يأكل آدم، عليه أن يعرق. و لكى تلد حواء، عليها أن تتعب. بكلمات أخرى، لكى تنال، عليك أن تعطى. الحقيقة لن تقدم لك نفسها على طبق من ذهب، و إلا لما أختلفت الرؤى الكونية بين البشر فى كافة العصور. لذلك كل كاتب يزعم أن فيما كتبه لا مشكلات، هو فى نظرى كاتب تافه، يحتاج إلى تدريب فلسفى أكثر حتى يصبح عقله أكثر حِدة و خشونة. و كل كتاب يدعى أنه لا مشكلات فيه هو كتاب لطيف لتستمتع بما فيه لقضاء وقت فراغ جميل، لكن ليس لأكثر من ذلك!

ليس المهم هذا فيه أشياء يعتبرها البعض أخطاء أم لا، و ليس المهم هذا معصوم أم لا، المهم ما هو الحقيقى. تخيل الموقف التالى معى: لو أننا وقفنا أمام الله فى اليوم الأخير و قال لنا لقد أوحيت بالكتاب المقدس بطريقة ما تجعله غير معصوماً، فلماذا لم تؤمنوا به؟ أنت لن تجرؤ على القول بأن الله ظالم أو متعدى، متحججاً بحجة بالية أن الله لا يخرج منه خطأ. قد يقول لك ليس خطأ منى، و لكن من الكاتب، و قد سمحت به، فلماذا لم تؤمن به؟ ما الذى يمكنك أن تقوله وقتها؟ هل ستقول له أضللتنى يا الله؟ سيقول لك لا، كان هناك شخص ما إسمه فادى كتب أن هذه الإحتمالية موجودة، و انت قرأت كلامه. ليس لك حجة.

بالطبع أنا لا أقول لك أن الكتاب ليس معصوم، ولا حتى أقول لك أن الله سيسألك هل آمنت أن الكتاب المقدس معصوم أم لا. إنما أحاول أن أوصل لك فكرة، كتبتها كثيراً، أن المهم هو الحقيقة، و ليس ما تتخيل أنت أنه الحقيقة. البحث فى عصمة الكتاب المقدس هو بحث فلسفى تماماً، لا يمكنك أن تبدأ فيه و أنت لا تعرف كيف تفكر أصلاً! لقد نشأت الفلسفة كلها لأجل الله فقط.

لماذا أؤمن أن الكتاب المقدس هو كلمة الله رغم أننى أعرف جيداً، و منذ وقت طويل، أن به مشكلات لا أعرف لها حل؟ السبب بكل بساطة هو أننى رأيت الله فيه، و تقابلت معه، و عرفته من خلال الكتاب المقدس. هذه هى القضية لمن إتهمنى بإغلاق العقل: لا يوجد شىء فى الواقع الغيبى خاضع للإستدلال العقلى. وجود الله غير خاضع للإستدلال العقلى، و الوحى غير خاضع للإستدلال العقلى، و كافة المعتقدات فى الله غير خاضعة للإستدلال العقلى. أن تقول هذا الكتاب هو كلمة الله بناء على تحليل عقلى فأنت واحد من إثنين: غبى، أو غبى. لكن أن تقول هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من الله لأن به مشكلات لا نعرف حلها، فأنت شىء واحد فقط: غبى!

لماذا؟ لأنك غيرت "لا نعرف لها حل" إلى "بلا حل مُطلقاً". لو كان بلا حل مُطلقاً، فكلامك قد يكون صحيحاً و لكن فى إطار معين. لكن كيف ستعرف أن المشكلة بلا حل مُطلقاً؟ فى حالة واحدة فقط: حينما تمتلك كل المعرفة. هل إمتلكت كل المعرفة؟ إعرف حجمك جيداً، ولا ترتئى فوق ما ينبغى. إن المشكلة ليست فى الكتاب، و إنما فى عدم قدرتنا على تفسير الكتاب. جميع الحلول المتوفرة غير منطقية، و لكن هذه الحلول المتوفرة ليست كل الحلول "الموجودة". إنها فقط الحلول التى "نعرفها".

لدىّ عدد لا بأس به من الأصدقاء الشخصيين، الذين تركوا الايمان لأنهم إكتشفوا مشكلات لا حل لها فى الكتاب المقدس حالياً. كنت، و مازلت، أحب أن أستفزهم أكثر قائلاً: و إلى أن يأتى المسيح مرة أخرى، ستظل هناك مشكلات لا نعرف حلول لها. ليست هذه مشكلة فى الكتاب المقدس بحد ذاته، إنها مشكلة أنثروبولجية عامة، أى مشكلة تتعلق بطبيعة الإنسان و فكره. مازالت العقلية الشرقية عاجزة عن أن تتقبل ضعفها و عدم كمالها. على أى أساس تتخيل أنك يجب أن تعرف كل شىء عن الكتاب المقدس و تحيط به حتى تعتقد أنه كلمة الله؟ بل إن لو هذا قد تحقق و إعتقدت أنه كلمة الله لهذا السبب، سيرفضك الله. أنت لا تعرف شىء عن الله، و مع ذلك تؤمن به. أنظر فى هذا و أعتبره جيداً: كيف أن الله أزلى غير مخلوق؟ لقد إعتاد المؤمنين على بعض الأمور الإعجازية لدرجة أنها أصبحت بديهية بالنسبة لهم. لا يوجد أى تفسير عقلى واحد منطقى إلى أن هناك كائن حى، ليس له بداية و ليس له نهاية. بالطبع يُوجد "غباء" فى عقلك سيمثل لك الأمر فى منتهى البساطة، كعادة أى شىء عندك! لكنك لو ذهبت إلى أى فيلسوف و سألته، هل يوجد تفسير عقلى واحد لكيفية وجود كائن حى بلا بداية وبلا نهاية، لن يجيبك بالإيجاب أبداً.

أخيراً، نقطة يثيرها الكثيرين جداً، و يصورون المسيحيين على أنهم أغبياء لا يفهمون شىء. نعم فى كل مكان فى الدنيا هناك الذكى و هناك الغبى. لكن الكثيرين يرددون نغمة أن المسيحيين يؤمنون ايمان أعمى بمعتقداتهم. و أنا لو حاولت تحليل هذه الجملة، و تفرغت لها لدقائق، سأثبت أن بها خمسين خطأ عقلى. فأنت حينما تؤمن بالله دون أن يكون لديك دليل من العالم الآخر، أى دليل من نفس جنس ما تؤمن به، فأنت لا يوجد لديك أبداً أى دليل مُطلق على أن الله موجود. بكلمات أخرى، إن لم يكن لديك دليل من نفس جنس الهدف، فأنت تؤمن، و لست تعتقد. و حينما تؤمن بأنت لست بحاجة لبيان أن ما تؤمن به صحيح بنسبة مئة فى المئة، و إنما أنه الأكثر إحتمالاً عن غيره من الخيارات. فأنت لديك خيارين: إما أن الله موجود، أو أنه غير موجود. حينما تقول أن الله موجود فأنت تؤمن، و لست تعتقد، لأنك لم ترى الله. و لكى تؤمن، أنت بحاجة إلى إثبات أن هذا الخيار، أفضل من الخيار الآخر، أى عدم وجود الله. لكنك فى كل هذا لا تستطيع أن تثبت لآخر أن الله بسبب ايمانك. و بالمثل، الكتاب المقدس. الكتاب المقدس إما أنه من الله، أو أنه من غير الله. أنا لا أستطيع أن أثبت لك أن الكتاب المقدس، لأننى أؤمن بذلك. و أنا أؤمن أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، لأن ليس بوسع كتاب بشرى أن يغير حياتى. ليس بوسع إنسان أن يجعلنى أحتمل غباوتك الآن.

الحياة الروحية ليست هلاوس، و لا هى إغلاق للعقل. المسيحيون هم من علموا الدنيا بأكملها كيفية إستخدام العقل. و أنا أزعم أنه لا يوجد شخص عربى يستخدم عقله فى كل ما له علاقة بالدين، أى دين، مثلى. و حينما أختار أن أؤمن بالله و أقول له: أنا مؤمن أن هذه كلمتك، حتى لو كنت لا أعرف حلاً للمشكلة، فما يجعلنى أقول ذلك هو عقلى نفسه. لا يوجد شىء ما يجعلنى أخاف أو أرهب أن أقول: نعم، لقد عرفت الآن، هذا خطأ لا يمكن حله. لقد قضيت فترة طويلة من حياتى لاأدرى، و لم أخشى أن أعلن ذلك، ولا أخشى أن أعلنه الآن. ففى نظر جناب غباوتكم، ما الذى سيجعلنى أخشى أن أعترف أن هذا خطأ لو كنت مقتنعاً فعلاً أنه خطأ؟ مادمتم قد أصبحتم محللين نفسيين، فأنا منتظر جواب!

لكن أنا حينما أقرر و أقول أن هذه المشكلة لا أعرف لها حلاً، و لكن سأؤمن بالله و بكلمته، فهذا له أسباب و دوافع. لا تتخيل أنك أذكى منى كى تقول هذا أعمى لا يفكر بعقله، فعقليتك لا تستطيع إستيعاب عُشر ما أستوعبه. أنت بحاجة لأن تدرس نظريات المعرفة (و هى ما يسميه الفرنجة قاتلهم الله "ابيستمولوجى")، فأنت لا تعرف أن المعرفة نفسها بحاجة إلى دراسة، حتى تستطيع أن تعرف ماذا تعرف و كيف تعرف!

أخيراً، قال لى صديق: ألا تعرف شىء أنت عن "المتشابهات" فهذا عادى، و لكن ألا يعرف الأغبياء شيئاً عن "المتشابهات"، فهذا غير عادى!

الثلاثاء، 19 يناير، 2010

ويزرنجتون مع الايمان العلمى


القراء الاعزاء،

اليوم معنا واحد من أكبر العلماء الإنجيليين المتخصصين فى العهد الجديد فى العالم. ليس من السهل أن تصل إليه و تتحاور معه، و لكن كالعادة، فى الايمان العلمى، نوفر المفاجآت الحقيقية. بين ويزرنجتون الثالث، هو أستاذ العهد الجديد ببرنامج الدكتوراه فى معهد آسبرى اللاهوتى، الولايات المتحدة، و جامعة القديس اندراوس، المملكة المتحدة. حصل ويزرنجتون على درجة البكاليريوس من جامعة شمال كارلوينا، ثم ذهب إلى معهد جوردون كونويل اللاهوتى، حيث حصل هناك على درجة الماجستير فى اللاهوت. و بعد ذلك، توجه إلى جامعة دورهام، أحد أكبر جامعات المملكة المتحدة، و ذلك للحصول على درجة الدكتوراه. و بعدما حصل ويزرنتجون على الدكتوراه، عمل أستاذاّ فى العديد من كليات اللاهوت، مثل معهد آشلاند اللاهوتى، و جامعة فاندربيلت، و كلية دوك اللاهوتية بجامعة دوك الشهيرة فى الولايات المتحدة، و أيضاً معهد جوردون كونويل اللاهوتى. كتب ويزرنجتون ما يزيد عن الثلاثين كتاباً، كلها متخصصة فى النقد الأدبى للعهد الجديد، و يسوع التاريخى. و مجال تخصصه فى يسوع التاريخى يثير الفضول، فهو متخصص فى الغنوسية و أبوكريفا العهد الجديد. الكثيرين منكم يعرفون بين ويزرنجتون من خلال دفاعيات لى ستروبل، فهو أحد العلماء الذين يستضيفهم فى كتبه و أفلامه الوثائقية.

اليوم معنا بين ويزرنجتون، فى حوار شامل حول "المسيحيات البديلة" أو "المسيحيات المفقودة"، و أبوكريفا العهد الجديد!

فادى: د. ويزرنجتون، دعنى ابدأ بسؤال أساسى يجب أن نسأله لأنفسنا فى البداية: ما معنى عبارة "المسيحيات المفقودة" أو "المسيحيات البديلة"؟

ويزرنجتون: بشكل عام، هذه العبارات تشير إلى مادة غير موجودة فى العهد الجديد، تم وضعها بواسطة طوائف و تفرعات و فى بعض الأوقات مجموعات هرطوقية إنفصلت عن المسيحية الأولى. ما يدعو للسخرية حقاً فى تسمية هذه المجموعات "المسيحية المفقودة" هو أننا كنا نعرف عنهم دائماً! مثلاً، كنا نعرف عن وجود أناجيل غنوسية، لأن من آباء الكنيسة مثل ايريناؤس من ذكر هذه الأناجيل. و ليس معنى أننا وجدنا فى القرن الماضى بعض هذه الوثائق فى الصحراء المجاورة لنجع حمادى فى مصر أننا لم نعرف بوجودهم أو أفكارهم قبل الكشف الأثرى عنهم. و لكن السبب الحقيقى من وراء إستخدام عبارات مثل "المسيحيات البديلة" أو "المسيحيات المفقودة" هو الإدعاء بأن المسيحية الأولى لم تكن شكل مُوحد. القصد من وراء هذه العبارات هو الإدعاء بأنه لم يكن هناك وجود لشىء مثل "الأرثوذكسية" قبل القرن الرابع من تاريخ الكنيسة. و هنا يجب أن أقول أنه بينما كان هناك دائماً أشخاص منحرفين و منشقين فى تاريخ الكنيسة، فإنه من الخطأ بوضوح تاريخياً القول بأنه لم يكن هناك مفهوم للأرثوذكسية قبل القرن الرابع الميلادى. بل على العكس، الوثائق التى كُتِبت فى القرن الأول، و هى الوثائق التى نسميها العهد الجديد، تقدم دليلاً واضحاً أنه كان هناك حدوداً لاهوتية و أخلاقية للعالم الفكرى للمسيحيين الذين عاشوا فى عصر الرسل و شهود العيان. أقدم مسيحية لا تتضمن باقة من أشكال الايمان المتنافسة التى إختلفت فى عقائدها على نحو كبير و لكن كل منها يدعى أنه منحدر من يسوع نفسه. هذا بكل بساطة تزوير للحقائق. الرسل و شهود العيان و وثائقهم كانت معايير لما يجب على المسيحيين الايمان به، و العهد الجديد يوضح بما فيه الكفاية أن أولئك الذين لا يؤمنون ولا يسلكون بالشكل المناسب يتم عزلم من هذه المجتمعات.

فادى: من أسس هذه المدرسة الفكرية و كيف إنتشر فكرها؟

ويزرنجتون: النقاشات الحديثة حول "المسيحيات المفقودة" قد تم نشرها بشكل رئيسى عن طريق علماء ليبراليين أو لاأدريين من بعض كليات أميركا الشمالية مثل هارفارد و برينسيتون. و كان محل تركيزهم الرئيسى على الأناجيل الغنوسية المتأخرة، مثل إنجيل فيلبس، إنجيل مريم، إنجيل يهوذا، و ما إلى ذلك. و ما يثير السخرية هنا هو أن علماء العهد الجديد خاضوا فى نقاشات خطيرة جداً حول هذه الكتب بعينها فى الستينات و السبعينات من القرن الماضى، و كان إجماع الرأى حولهم أن هذه الكتب لا تخبرنا بأى شىء عن أصول المسيحية. إنما أقصى ما يمكن أن يخبرونه هو عن الفروع الهرطوقية المنفصلة عن المسيحية من أواخر القرن الثانى حتى القرن الرابع الميلادى. دعنى أضع مثال سيقرب الصورة لقراءك: الزعم بأن إنجيل يهوذا أو إنجيل فيلبس يمكنه أن يخبرنا عن الشكل الأصلى للمسيحية، هو مثل الزعم بأن الكتابات البهائية يمكنها أن تمثل الشكل الأصلى للإسلام. و هذا بالطبع غير صحيح تاريخياً.

فادى: حسناً، ما هى أدلة هؤلاء العلماء على هذا السيناريو و كيف تقيمها؟

ويزرنجتون: لا يوجد أى وثائق ترجع للقرن الأول الميلادى تدعم النظريات المختلفة حول وجود أشكال متعددة و مختلفة للمسيحية فى القرن الأول الميلادى. نظريات العلماء الراديكاليين فى الغنوسية هى أن الأفكار المُعبر عنها فى وثائق مثل إنجيل توما، و هو الوثيقة التى تُعتبر عادةً أقدم وثيقة غنوسية، تبين أن الحركة الغنوسية لابد أن تكون قد بدأت فى القرن الأول الميلادى، حتى لو لم يكن هناك وثائق غنوسية ترجع للقرن الأول. المشكلة هى أن حتى إنجيل توما يرجع على الأرجح إلى أواخر القرن الثانى الميلادى، و هو يعكس تفرعات كثيرة أو خلط بين مصادر متنوعة، البعض منها أرثوذكسى و البعض الآخر غير أرثوذكسى. بل حتى الأمر يصل إلى أبعد من ذلك، فهناك الكثير من العلماء اليوم لا يعتقدون أن إنجيل توما وثيقة غنوسية أصلاً. بكلمات أخرى، الدليل الذى يستخدمه إلين باجيلز، مارفين ميير، أو كارين كينج، إما غير موجود أو أنه ضعيف جداً. بارت ايرمان له قصة مختلفة، و لكنه يريد أيضاً أن يحتج على وجود أشكال متعددة للمسيحية فى القرن الأول. (ملحوظة من فادى: جميع العلماء الذين ينادون بنظريات المسيحيات البديلة أو المفقودة، كلهم بلا أى إستثناء، يبنون نظرياتهم على إرجاع أحد الوثائق الغنوسية للقرن الأول فقط. بارت ايرمان هو الوحيد بينهم الذى لا يرجع أى وثيقة غنوسية للقرن الأول، و لكنه ينادى بالمسيحيات المفقودة بناءً على شكل آخر من الدليل، و هو وجود رؤى و أشكال مختلفة للايمان بين كتبة أسفار العهد الجديد أنفسهم. بمعنى أن المجموعة الأولى من العلماء ينادون بأشكال مختلفة للايمان فى القرن الأول بناء على وثائق العهد الجديد من جهة و وثائق غنوسية من جهة، و لكن ايرمان هو الوحيد الذى ينادى بوجود أشكال مختلفة للايمان فى القرن الأول بناء على مقارنة وثائق العهد الجديد نفسها فقط).

فادى: فى هذه النقطة أردت إستفزاز ويزرنجتون، فسألته: كيف يمكنك إذن أن تثبت بأن ما عُرِف متأخراً بالنظرة الأرثوذكسية ليسوع أنها هى النظرية التاريخية الحقيقية؟

ويزرنجتون: أولاً، القول بأن أفكار مثل إلوهية المسيح أو لاهوت الله الذى يعبر عن نفسه فى ثلاث أقانيم، الآب و الابن و الروح القدس، بأنها أفكار أرثوذكسية متأخرة هو قول لا معنى له. هذه الأفكار، أى النظرة الأرثوذكسية ليسوع، هى الموجودة بالفعل فى وثائق العهد الجديد التى كُتِبت كلها فى القرن الأول الميلادى، إما على يد الرسل، شهود عيان، أو العاملين معهم، مثل مرقس و لوقا. ببساطة، هذا غير حقيقى تاريخياً أن تُسمى هذه الأفكار بـ "الرؤية الأرثوذكسية المتأخرة". هذه الإعتقادات كانت إعتقادات جوهرية للمسيحيين الأوائل. لو أن أى شخص لديه مشكلة مع فكرة ايمانية كالثالوث مثلاً، أو إلوهية المسيح، أو الموت الكفارى ليسوع على الصليب و قيامته الجسدية، فهو لديه مشكلة إذن مع المسيحية بأكملها و نفسها فى أصولها ذاتها، و مع يسوع نفسه، و ليس مجرد مع إعتقادات مسيحية متأخرة نسميها الآن "ارثوذكسية".

فادى: حسناً، أريد إجابة فى كلمة واحدة، نعم أو لا: هل معنى ما تقول أنه لم يكن هناك أشكال مختلفة للمسيحية فى كنيسة القرن الأول؟

ويزرنجتون: فى كلمة واحدة، لا!

فادى: إذن، دعنا ننتقل لبعض التفاصيل. ما هى الغنوسية و ما هو الذى إعتقدوه فى يسوع؟

ويزرنجتون: الغنوسية هو المُصطلح الذى يستخدم للحركة الغنوسية التى قامت فى القرن الثانى الميلادى. و هذا المصطلح مأخوذ عن الكلمة اليونانية "غنوسيس" و التى تعنى "المعرفة". و بشكل رئيسى، كان الفكر الغنوسى هو فكر فلسفى جداً و مقصور على فئة معينة فقط. و قد إعتقد الغنوسيين بأنك تستطيع أن تنال الخلاص عن طريق ما تعرفه، عن طريق إقتناء المعرفة السرية الداخلية حول العالم، الخلاص، و يسوع السامى فيما بعد القيامة. لم يعد الخلاص بالنسبة لهم أن يكون لك علاقة شخصية بيسوع، ففى طريقة التفكير الغنوسية، أنت تخلص فقط بهذه المعرفة السرية. بكلمات أخرى، الخلاص ليس بنعمة الله الخالصة، إنما هو خلاص للأفراد الذين لديهم عقول جبارة، فلو أنك لا تملك قوة عقلية كبيرة لتفهم الفلسفة الغنوسية، فأنت لن تخلص. و الغنوسيين لم يكونوا مهتمين بما قاله و فعله يسوع قبل موته على الصليب. بل كانوا مهتمين بما قاله يسوع و فعله فيما بعد قيامته. و حتى الغنوسيين أنفسهم كان لديهم أشكال متنوعة و مختلفة فى عقائدهم الغنوسية، و يمكنك أن تعرف أكثر عنهم فى كتابى "شفرة الإنجيل". و فى الفكر الغنوسى، لم يأتى يسوع ليخلص العالم بموته و قيامته، إنما قد جاء ليعلم الأذكياء فقط كيف يخلصون أنفسهم. بكلمات أخرى، كل هذه النظرات ليسوع و الخلاص مختلفة بشكل جزرى بل و متناقضة مع ما علمه الرسل و شهود العيان فى القرن الأول الميلادى.

فادى: لماذا لم تدخل أناجيلهم فى قانون العهد الجديد؟

ويزرنجتون: دعنى أقول لك هذا بكل صراحة: الأناجيل الغنوسية لم ينظر لها أحد أبداً و مُطلقاً لإدخالها فى العهد الجديد. كل فرد كان يعلم أن هذه الأناجيل كُتِبت بين القرنين الثانى و الرابع، و لم يكتبهم مريم أو فيلبس أو توما أو يهوذا. و لا يمكنهم أن يمروا على قواعد التقنين فى العهد الجديد، و هى: يجب أن تكون الوثيقة كُتِبت بواسطة أحد الرسل أو شهود العيان أو العاملين معهم، و يجب أن تكون قد كُتِبت فى القرن الأول حينما كان الأفراد الذين يعرفون يسوع و ما قاله و فعله فعلاً مازالوا على قيد الحياة. ولا يوجد أى وثيقة غنوسية أبداً و مُطلقاً كانت فى قائمة أى شخص للكتب التى يتم تضيمنها فى قانونه للعهد الجديد. فى الحقيقة و دعنى أقولها بشكل مباشر: لم يكن هناك و لا يوجد أى مناظرة حول إدخال أى وثائق غنوسية للعهد الجديد فى الكتاب المقدس. هذه الوثائق أخرجت نفسها من القانون عن طريق: تأخر زمنيتها لتدخل فى القانون، و لم تُكتب بواسطة أى من الرسل الأصليين و شهود العيان.

فادى: و لكن هناك نزاع حول إنجيل توما، خاصةً بعدما كتبت إيلين باجيلز أن إنجيل يوحنا كُتِب كرد فعل له. أعطنا نبذة مختصرة عن وضع البحث العلمى فى إنجيل توما اليوم.

ويزرنتجون: إنجيل توما وثيقة مثيرة، و أحد العلماء الليبراليين، إيلين باجيلز، حاولت أن تحتج بأن إنجيل يوحنا كُتِب بعده، و بناء على إنجيل توما نفسه، جعلت من إنجيل توما وثيقة ترجع للقرن الأول. و لكن هذا الإستنتاج الذى توصلت إليه مرفوض رفض تام من الغالبية الساحقة لعلماء العهد الجديد، سواء كانوا ليبراليين، معتدلين، محافظين، أو بلا أى ايمان نهائياً. لو أنك فحصت إنجيل توما عن قرب، ستجد أنه يعكس معرفة بالأناجيل الأربعة القانونية، متى، مرقس، لوقا، و يوحنا. بل إن العلماء مقتنعين أنه يعكس معرفة بوثائق أخرى أيضاً من العهد الجديد. و هذا يعنى أنه قد كُتِب بالتأكيد "بعد" كل هذه الوثائق و إستفاد كاتبه من قراءة كل هذه الوثائق الأقدم منه. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن إنجيل توما قد خرج من سوريا، و من مجتمع محدد هناك لم يكن فيه أى كنيسة مسيحية أو تدعى أنها مسيحية قبل القرن الثانى بأى شكل. و عمل كريج إيفانز مهم جداً فى هذه النقطة، خاصةً كتابه "تزوير يسوع".

فادى: على أى أساس تاريخى إذن تعتقد أن الخلاص يأتى بالايمان بموت يسوع و قيامته و ليس من المعرفة كما إدعى الغنوسيين؟

ويزرنجتون: هذا بسيط جداً. حتى لو أننا لدينا أقدم وثائق العهد الجديد فقط، و هى رسائل بولس، فكنا سنعرف أن الخلاص يأتى بالايمان بموت يسوع و قيامته. و بولس واضح جداً أنه قد بشر بالمسيح أنه صُلِب و قام فى فترة الأربعينات و الستينات، و أنظر رسالة كورنثورس الأولى مثلاً. و بنفس الوضوح، نجد أن بطرس و رسل آخرين، فى أعمال الرسل، بشروا بالمثل. لا يوجد شخص منهم بشر بأن الخلاص يأتى عن طريق التعليم العالى أو المعرفة السرية فى الكنيسة الأولى...لا أحد مُطلقاً! و هنا تبرز نقطة أخرى غاية فى الخطورة، فالرؤية الغنوسية للخلاص كانت مأخوذة بشكل كبير جداً عن الفلسفة اليونانية بأشكال مختلفة. و لكن أقدم المسيحيين كانوا يهوداً، متأثرين بشكل عميق جداً بالفكر اليهودى مثل الموجود فى العهد القديم. كانت رؤاهم الكونية مختلفة جداً عن تلك التى للغنوسيين.

فادى: الوثائق الغنوسية تقول أن يسوع لم يُصلب. هل هذا صحيح؟ و لماذا؟

ويزرنجتون: إسمح لى أن أقول لك بأن هذا غير صحيح دائماً. لدينا إنجيل يهوذا كمثال و هو يقول بوضوح أن يسوع صُلِب. غالبية الوثائق الغنوسية لا تعلق على موت يسوع لأنهم لا يعتقدون أن موت يسوع له أى أهمية أو له أى قيمة خلاصية.

فادى: و لكن هناك نصوص أخرى، مثل رؤيا بطرس القبطية مثلاً، تقول أن يسوع لم يُصلب؟

ويزرنجتون: لا، رؤيا بطرس القبطية لا تقول ذلك، بل تقول أن "المسيح" لم يُصلب، و أنت تفهم معنى ذلك (ملحوظة من فادى: شرحت معنى هذه العبارة قبل ذلك، فالغنوسيين إعتقدوا أنه كان هناك شخصين، واحد هو يسوع و هو الشخص البشرى، و آخر هو المسيح، و هو الشخص الإلهى، و قد حل المسيح فى يسوع. و حينما صُلِب يسوع فارقه المسيح و لم يُصلب لأنه إله و يسوع هو الإنسان). بالإضافة إلى ذلك، رؤيا بطرس هو وثيقة متأخرة جداً ترجع لأواخر القرن الثانى الميلادى و لم يكتبها بطرس أو أى من تابعيه. كيف عرفنا ذلك؟ بسبب المادة التى تستشهد بها هذه الوثيقة. النقطة الزمنية التى كُتِبت بعدها هذه الوثيقة، رؤيا بطرس، تنكشف بإستخدامها لإسدارس الرابع، و هو النص الذى كُتِب فى عام 100 ميلادياً. و قد إستخدمته الوثيقة فى الفصل الثالث منها. كما أن إستخدام هذه الوثيقة لإثبات أن يسوع لم يُصلب و لم يقم من الموت، سيكون مثل إستخدام الكتابات البهائية لإثبات أن محمد لم يكن آخر الأنبياء فى التقليد التوحيدى. هذا تاريخياً إستدلال خاطىء.

فادى: فهل يوجد فى الوثائق الغنوسية إلوهية يسوع؟

ويزرنجتون: هذه هى النقطة الممتعة حقاً. الكثير جداً من الوثائق الغنوسية تنظر إلى يسوع على أنه إلهياً. و فى هذه النقطة هم لا يختلفون عن المصادر المسيحية الأقادم.

فادى: و لكن ماذا عن الإبيونيين؟

ويزرنجتون: أكثر ما يمكننا أن نقوله، هو أن الإبيونيين لم يكونوا موجودين فى القرن الأول. و ما يبدو هو أنهم كانوا تفرع عن المسيحية اليهودية فى القرن الثانى الميلادى. و نحن فى الحقيقة لا نمتلك أى وثاق إبيونية أصلية، فنحن نعرف عنهم و عن معتقادتهم من خلال آباء الكنيسة، أى من خلال نقل عنهم.

فادى: دعنا ننتقل إلى نقطة أخيرة. يقول علماء سيمينار يسوع أنه لا يوجد تقريباً أى شىء أصلى يمتد ليسوع فى إنجيل يوحنا. هل تتفق معهم؟ و لماذا؟

ويزرنجتون: لا بالطبع، أنا لا أتفق معهم. إنجيل يوحنا قد كتبه تلميذ يهودى كان شاهد عيان لخدمة يسوع. فهو يكتب بطريقة تعكس تقليد الحكمة اليهودى و ليس التقليد النبوى، و هو يكتب بيونانية أبسط مما نجده فى متى، مرقس، و لوقا.

فادى: و لكن غالبية العلماء اليوم مقتنعين أن يوحنا لم يكتبه، و أعتقد أنك منهم أيضاً. لماذا هذا فى رأيك؟

ويزرنجتون: يجب عليك أن تفهم بأن العناوين فى الأناجيل، أى "الإنجيل بحسب: متى، مرقس، لوقا، و يوحنا" تم إرفاقها لهم متأخراً. و هذه العناوين تعكس رغبة الكنيسة فى القرن الثانى لتمييز هذه الكتب. و إنجيل يوحنا يتضمن تقاليد تصل إلى "التلميذ المحبوب"، أى التلميذ الذى كان يحبه الرب، و الذى لم يكن على الأرجح يوحنا بن زبدى. و لكنى أعتقد أن يوحنا الذى من بطمس، النبى الذى كتب سفر الرؤيا، قام بجمع و تحرير وثائق التلميذ المحبوب، و هذا هو سبب تسمية هذه الوثيقة بإنجيل يوحنا لاحقاً.

فادى: و ما هى الأدلة أن هذا التلميذ المحبوب كان شاهد عيان؟

ويزرنجتون: كل من الإصحاحات: 19 - 20 - 21 تخبرنا بأن التلميذ المحبوب كان شاهد عيان للكثير من الأحداث خلال الإسبوع الأخير من حياة يسوع، بما فيها صلبه، و الإصحاحين الأخيرين من هذا الإنجيل يوضحان أنه كتب شهادته، و المجتمع المسيحى أدرك أنه قد أخبر بالحقيقة حول هذه الأمور.

فادى: دعنى أطرح عليك سؤال يلح علىّ: إذا كنت ترى أنه لا يوجد دليل صلب لإدعاءات علماء مثل باجيلز و ايرمان، فلماذا فى رأيك هم مصرين عليها؟

ويزرنجتون: كل من باجيلز و ايرمان كانوا جزء من المجتمع الإنجيلى فى اميركا، و لكنهم فيما بعد رفضوا هذه المعتقدات، لذلك لديهم إهتمام راسخ فى محاولة نقض الأناجيل القانونية.

فادى: ما الذى تقوله لأى مسيحى يشوبه قلق حول الإعتقاد التاريخى للمسيحية؟

ويزرنجتون: أقول له لا حاجة لك بأن تقلق حول إدعاءات أكثر العلماء ليبرالية. فهم حتى لا يمثلون آراء غالبية علماء العهد الجديد. هذه مجموعة راديكالية هامشية.

فادى: و ما الذى تقوله لأى شخص غير مسيحى يهاجم المسيحية عن طريق سيناريو "المسيحيات المفقودة"؟

ويزرنجتون: أقول له تستطيع أن تقوم بعمل أفضل بأداء واجبك بالبحث الأمين، فكل ما تحاول أن تدعيه غير حقيقى تاريخياً!

فادى: د. ويزرنجتون، كيف أثرت كل هذه السنين من البحث العلمى الشاق فى ايمانك الشخصى بيسوع المسيح؟

ويزرنجتون: دعنى أقول لك بكل أمانة فادى، أن كل السنين التى قضيتها فى دراسة الكتاب المقدس قد ثبتت ايمانى أكثر. كما قال جيروم إحدى المرات: تريدنى أن أدافع عن الكتاب المقدس؟ آه، هذا مثل الدفاع عن أسد! الكتاب المقدس بالفعل لا يحتاج لدفاع، لقد مر عليه نقد أكبر و ألمع الأذكياء الملحدين و اللاأدريين على مدار ألفى عام، و هو مازال نصاً شرعياً و ذو قيمة بالغة اليوم.

فادى: شكراً د. ويزرنجتون لوقتك الثمين الذى قضيته معنا!

ويزرنجتون: العفو، لقد سعدت بإستطاعتى خدمة المجتمع المسيحى العربى!

الاثنين، 18 يناير، 2010

مذبحة عيد الميلاد


مذبحة عيد الميلاد

في ليلة عيد الميلاد ، وفي يوم ولادة الفادي، صارت هذه المذبحة لنفوس بريئة في عمر الزهور, فبعد أن عيَّدوا صعدوا للمصاعد التي بلا قياس, وبعد أن شاركوا في الذبيحة المقدسة، صاروا هم أيضًا ذبائح .. سالت دماؤهم وتخضبت بها أرض نجع حمادي في صعيد مصر, التي شرب أقباطها مرارة الاضطهاد والقمع والسلب والحرق والاختناق وسفك الدم ... وكان المر والدمع ممتزجًا برائحة طيب مولود المذود، الذي نثق أنه سمح بذلك بحساب دقيق لتمحيصنا, وهو الذي أوصانا أن لا نرهب ولا نخاف من الذين يقتلون الجسد، هو وحده المعزي والمعين والذي يعطي الأكاليل, فهو لن يكون مديونًا لأحد قط, بل قد وعد أنه سيمسح الدموع وسيتوِّج الشهداء وسيمنح التعزية للمجروحين, والعَوَض للمنهوبين والمقموعين في بلادهم وعلى أرضهم,لا لسبب إلا لكونهم مسيحيين. إنه يسمع أنينهم وسيخلصهم من جميع مضايقيهم, لأن من يولد مرة يموت مرتين، ومن يولد مرتين يموت مرة واحدة. فإن حَزِنا اليوم فحُزننا نابع من نقص معرفتنا حتى نصل وندرك ما هو مدَّخَر لنا.

لقد اعتدنا على مثل هذه المعايدات في الأعياد والمناسبات وفي غير مناسبة, فلن ننسى شهداء الكشح في مثل هذه الأيام من عشرة سنوات, ولن ننسى شهيد الأسكندرية الذي ذُبح بدمٍ بارد يوم جمعة ختام الصوم .. كذلك لن أنسى ما حَيِيتُ يوم إلقاء القنابل على كنيستَي مارجرجس اسبورتنج وغيط العنب بالأسكندرية، وقت قداس ليلة عيد الميلاد سنة 1980, لكن الله نجَّى وهو ينجي أيضًا إلى التمام. فإذا كان هناك غُول وراء حادثة نجع حمادي, فهناك غيلان كثيرة اخترقت كل مناحي الحياة في مصرنا الغالية, لكن الكنيسة صامدة وباقية ولن تقوى عليها كل بوابات الحجيم مجتمعة, وستبقى وتثبت إلى الأبد. الأمر الغريب في هذه المذبحة أن الدولة لم تُلصقها هذه المرة لمخبول أو لمختل عقليًا, لأن المختل والمخبول هذه المرة ليس القاتل المجرم، بل هو ذاك المسئول الذي صرّح بأن هذه الحادث جنائي ولا علاقة له بالأحداث الطائفية, ذلك بحُجَّة أن مرتكبه مسجل خطر. ومع هذا نقول سمِّيه ما شئتَ: "قاتل أو إرهابي أو متأسلم أو مجرم أو مسجل خطر"، فعلى ما يبدو أن كل هذه الحماقات لا بُدَّ أن يكون وراءها مُختلون, لكن أن يُذبح ستة أقباط ويُجرح تسعة آخرين أمام المطرانية وفي ليلة عيد الميلاد, ويقتل معهم الشرطي المعين للحراسة، وتصوب النيران باتجاه أسقف الأبراشية ثم يُقال إن هذا الحادث ليس طائفيًا، فهذا هو الخبل الذي يستوجب الاستيداع الفوري في مصحة الأمراض العقلية. كذلك صُدمتُ من الأحاديث التي أدلى بها الأنبا كيرلس, لكن ربما يكون هناك من انتحل شخصيته, لأني لا أصدق ما سمعت ومعي أيضًا كثيرون. . خاصة أن المتحدث استخدم مصطلحات غير معتادة بالمرة لمن هم في رتبته.. إلا أننا الآن في وقت ينبغي أن يعمل فيه للرب. نصلي كل حين ولا نَمَلّ, رافعين الأيادي لكي يحفظنا الله من ساعة التجربة العتيدة, على أن نصلي ونحن نعمل, ونعمل ونحن نصلي, حتى يكون عملنا صلاةً وصلاتنا عملاً,كلٌّ على قدر طاقته، طالبين النياح والراحة للمغدور بهم الشهداء الذين رفضتهم الأرض وصار نصيبهم سُكنىَ مواضع المجد في العيد والهتاف الدائم مع أولئك الذين أُعطوا الثياب البيض واستراحوا الزمن اليسير حتى يكمل العبيد رفقاءهم وإخوتهم. فبدم شهدائك أيها المسيح إلهنا تزينت كنيستك كما بالأرجوان والبرفير, وكباكورة الثمار الغضة نحو البستاني قد جمعتهم عندك من وجه الشر, ولتكن مراحمك مع شعبك, واذكر ديار مصر ومذبحك الذي فيها, حتى يأتي الانقضاء.

القمص /اثناسيوس فهمي جورج

رؤيتى لنجع حمادى


لم يكذب المسيح حينما قال:"بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لِلَّهِ" (يو 16 : 2). لقد كان السبب واضحاً فى نظره:"سَيَفْعَلُونَ هَذَا بِكُمْ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الآبَ وَلاَ عَرَفُونِي" (ع 3). لا يوجد شعب فى التاريخ البشرى عانى من الإضطهاد لأجل ايمانه، مثل الشعب القبطى أبداً. لقد ذاق هذا الشعب مر العذاب، فقط لأجل ايمانه. المسيحية بشكل عام عانت من الإضطهاد منذ الأيام الأولى لنشأتها. الرب يسوع نفسه عانى من إضطهاد اليهود له، تلاميذه إستشهدوا فقط لأجل ايمانهم بقيامة الرب من الموت، ثم فى عصر نيرون، و من بعده تراجان و هادريان، حيث إستشهد الآباء الرسوليين. و فى القرن الثانى بدأ عصر الإستشهاد الأعظم فى تاريخ المسيحية الذى إنتهى مع مرسوم ميلان. و قد وضعت الكنيسة بداية هذا العصر كبداية للتقويم القبطى.

أبناء نجع حمادى لم يُقتلوا، و لم يموتوا، بل إستشهدوا. لقد إنتهت حياتهم فقط لأنهم مسيحيين. إستشهدوا و هم يحتفلون بذكرى ميلاد الرب فى الجسد. لا تحزنوا على أرواحهم، فهذه نعمة من الله نتمناها جميعاً. لقد نالوا إكليل الشهادة، و سيتميزون به عن غيرهم فى المجد. إنما الحزن الحقيقى هو فى الرؤية المدنية لهذا الحادث المرعب. هؤلاء المجرمين السفاحين الذين يظنون أنهم يخدمون الله و يجاهدون فى سبيله بإزهاق أرواح شباب تنطق وجوههم بالبراءة لا ينطبق عليهم سوى مثل "لهم أجسام البهائم و عقول العصافير"! لا يفكرون، لا يعملون العقل، ولا يستطيعون التمييز. صاروا بهائم بالفعل، حيوانات همجية، لا تستطيع التفكير.

عرفت هذا الخبر بمجرد خروجى من باب الكنيسة، ليلة عيد الميلاد، فى إتصال مع أحد الأصدقاء. و طوال الفترة الماضية تابعت كل ما نُشِر تقريباً فى هذا الموضوع. و خرجت بملاحظات أدونها هنا:

أولاً: نحن الأقباط فى حاجة ضرورية و ماسة للإنفصال عن الإكليروس فيما يخص الحياة العامة. الكاهن، الأسقف، المطران، و البطريرك، كل خدمتهم للشعب القبطى هى الخدمة الروحية فقط. لا يحق للأسقف أبداً أن يتكلم بإسم الشعب القبطى، ولا يجب على الشعب أبداً أن يجعله يتكلم بإسمه. رأينا النتيجة، و كنا يجب أن نفهم ذلك من البداية. ليست هذه هى المرة الأولى.

ثانياً: نحن بحاجة إلى تدريب أفراد و جماعات قبطية قادرة على الإندماج فى الوسط السياسى، فيكفى عزلة و تقوقع حول أنفسنا. رأينا بأنفسنا كيف أن امرأة واحدة لم تخف مما خافه الأسقف. فقط لأنها نالت تدريباً جيداً فى المجال السياسى و الحقوقى. نحن لا يوجد لدينا أفراد مدربين فى السياسة ليدافعون عن حقوقنا. كل ما يحدث هو مجرد صوت عالى فقط!

ثالثاً: يجب توعية النشء بمن يتربص به. هذه الأشكال لا حوار معها، و أنا مؤمن بحقيقة واحدة: لا حل للمشكلة القبطية إلا مع جيل جديد تربى على فكر سليم يحترم الإنسان، بل و يعرف قيمة الإنسان أصلاً. لذلك أعتقد أنه من المناسب توعية الجيل الصغير، الشباب البسيط، بمن يحيط به و بأهداف من يحيط به.

رابعاً: لا يجب السكوت أو التهاون أبداً فى حق من حقوق الشعب القبطى، فنحن من قبلنا جلسات الصلح العرفية. و السبب فى ذلك أننا سلمنا أنفسنا للقيادة الكنسية التى لا تعرف سوى التسامح و الغفران فقط. و بهذه السياسة ضاعت الحقوق. نحن ندير الخد الأيسر بإتباعنا الطرق السلمية، و ليس بالتنازل عن الحقوق.

خامساً: يجب أن نلتف كلنا حول كنيستنا، و رعاتنا، لا بأن نقول لهم تكلموا بدلاً منا، بل بأن نكون معاً كلنا كمواطنين لنا نفس الحقوق التى للآخر. هناك من يلعن الآن فى الأنبا كيرلس، و المشكلة مشكلتنا نحن و ليست مشكلته هو. المشكلة فينا نحن، و الإصلاح سيأتى من داخلنا، بتغير المفاهيم و الوسائل و الآليات.

إبدأ بنفسك أولاً. لا تسكت عن حق لك مهما كان. لا تسمح لشخص أن يظلمك و تسكت عن حقك قائلاً "ربنا يسامحه". سامح و لكن عن قوة، ليس عن ضعف. ليس أن تكسر يده أولاً ثم تدير له الخد الأيسر، بل أن تكون فى موضع القوة و تسامح دون خطأ. فلو جاء إليك من قتل أبيك أو أمك أو أخيك أو أختك، ستقول "ربنا يسامحه"؟

أخيراً، يجب أن نذكر من أين سقطنا و نتوب. كل هذا يحدث بسبب خطيتنا! و كأن القديسة العذراء مريم جاءت تحذرنا لتقوى و تدعم و تسند ضعاف النفوس.

السبت، 16 يناير، 2010

مشكلة بلا حل!


نعم، يوجد مشكلات فى الكتاب المقدس ليس لها حل. أو، لكى أكون دقيقاً، لا نعرف لها حل. ليس هذا عيباً، فنحن لا نمتلك كل المعرفة. هذه هى أحد المشكلات التى أبحث فيها منذ ثلاثة سنوات، و إقتنعت بأننا لا نعرف لها حلاً بالفعل. فى الإصحاح 46 من سفر التكوين نجد تعداد لنفوس الداخلين من بيت يعقوب إلى مصر. المشكلة بالتحديد فى قوله:"جَمِيعُ نُفُوسِ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ" (ع 15). المشكلة أن الأسماء المذكورة إثنين و ثلاثين فقط! و هذه هى: رأوبين - حنوك - فلو - حصرون - كرمى - شمعون - يموئيل - يامين - اوهد - ياكين - صوحر - شاول - لاوى - جرشون - قهات - مرارى - يهوذا - شيله - فارص - زارح - حصرون - حامول - يساكر - تولاع - فوة - يوب - شمرون - زبولون - سارد - ايلون - ياحلئيل – دينا. هذه الأسماء عددها إثنين و ثلاثين، و ليس ثلاثة و ثلاثين.

ما هى المُقترحات التى تم تقديمها لحل هذه المشكلة؟

هناك مقترحات كثيرة تم تقديمها و لكن لا معنى لها، مثل حساب يعقوب فى التعداد بناء على ما ورد فى العدد الثامن:"وَهَذِهِ اسْمَاءُ بَنِي اسْرَائِيلَ الَّذِينَ جَاءُوا الَى مِصْرَ: يَعْقُوبُ وَبَنُوهُ"، و لكن النص يقول:"جَمِيعُ نُفُوسِ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ" دون حساب يعقوب نفسه، هذا غير أننا لو أضفنا يعقوب، فالرقم 66 المذكور فى عدد 26 سيزيد.

حل وحيد تم إقتراحه، و لكنه يحتاج إلى معجزة من الله لكى يكون حقيقياً. ليس معجزة واحدة، بل ثلاثة!

من خلال عدة نصوص، نعرف أنه كان هناك إبنة للاوى، إسمها يوكابد، و هى أم موسى النبى (قارن خر 2 : 1؛ عد 26 : 59). بهذا يكون الرقم 33 صحيحاً، و بهذا نفهم مغزى تأكيد النص على "بناته" فى العدد 15. و العلماء اليهود يقولون، نقلاً عن أحد المدراشات، بأن يوكابد وُلِدت بعدما دخلوا أسوار مصر، لكنها لم تكن قد تسمت بعد. يبدو معقولاً، أليس كذلك؟

حسناً، لكى تكون يوكابد هى متممة الرقم، فإن هذا يعنى أنها ولدت موسى و هى عمرها نحو 350 سنة! بقى شعب اسرائيل فى مصر مدة 430 عام (خر 12 : 40 – 41)، و قد مر عليهم 40 عاماً فى البرية (عد 32 : 13)، و موسى حينما مات كان عمره 120 عاماً. هذا يعنى أنه حينما مات موسى، كان قد مر على دخول بنى اسرائيل مصر 470 عاماً. و بما أن موسى قد عاش 120 عاماً، فهذا يعنى أنه وُلِد حينما كان لشعب اسرائيل 350 عاماً فى مصر. و يوكابد وُلِدت فور دخول يعقوب و بنيه مصر. إذن، فقد ولدت يوكابد موسى و هى بنت 350 عاماً!

ليس من الممكن أن تلد يوكابد فى هذا السن (هل تتذكر كيف وُلِد اسحق؟)، إلا بمعجزة من الرب. و لكن الكتاب المقدس لا يسجل لنا أن موسى وُلِد بشكل معجزى. و حتى لو إفترضنا أن الكتاب لم يرد أن يخبرنا بذلك، فهل تمت ولادة مريم و هارون إخوة موسى معجزياً أيضاً؟

كان بيلى و تشارلز أصدقاء مقربين لبعضهما جداً. و كان الثانى قد تعرف على المسيح حديثاً، و تقابلا معاً فى أحد إجتماعات "شباب للمسيح". و لكن فيما بعد، إنتابت تشارلز شكوك كادت تقتله، بل قتلته حقاً. إنسحب تشارلز من خدمته مع بيلى، و عاد إلى كندا مرة أخرى حيث عاد لحياته الأولى. و فوق قمم سلسلة جبال فى أحد ولايات اميركا، كان بيلى يتصارع مع الله لأنه تأثر بشكوك تشارلز. و فجأة، وصل كل شىء إلى ذروته مع بيلى، و سالت الدموع من عينيه، و سقط ساجداً على الأرض معترفاً لله أنه لا يعرف كل شىء قائلاً:"أبى، سأقبل هذه ككلمتك أنت – بالايمان! سأسمح للايمان أن يتخطى أسئلتى و شكوكى العقلية، و سأؤمن أن هذه هى كلمتك المُوحى بها". كتب فى مذكراته يقول:"كنت أحاول أن أكون صادقاً مع الله، لكن شىء ما بقى دون أن يُوصف. فى النهاية، حررنى الروح القدس كى أقول ذلك".

بيلى جراهام، الذى آمن على يديه مئات الملايين من البشر على كوكب الأرض، أكبر و أشهر مبشر بالمسيح فى تاريخ المسيحية، صاحب العنوان البسيط "بيلى جراهام – الولايات المتحدة"، صاحب اللقب الشهير "راعى اميركا"، الذى خدم العديد من رؤساء الولايات المتحدة! و تشارلز تيمبلتون، الملحد الشهير الذى لم تعرف اميركا مهاجم أشرس منه للمسيحية، مات فى عام 2001 و هو سعيد بإلحاده، و وصف ما قام به بيلى جراهام بأنه "إنتحار العقل" (لى ستروبل، القضية...الايمان، ص 11).

هذا هو الإختبار الحقيقى للايمان، ثقتك التى تضعها فى الله لأنك تعرفه، و لمست وجوده فى حياتك، هذا هو ما يعطيك اليقين أن هذا الكتاب هو كلمته الحقيقية. مهما كان هناك مشكلات لا نعرف لها حلاً، و مهما بدت الصعوبات لا يمكن تخيل مخرجاً لها، فأنت لديك اليقين الذى يجعلك تلقى بكل ثقتك فى الله. أنا لا أعرف حلاً لهذه المشكلة التى طرحتها بالأعلى، و لكنى أثق أن الحل موجود. ليس عن مجرد تعصب أعمى للمسيحية، ولا عن تكبر أو عناد، بل لأن هناك أساس يقينى عرفت الله به. أى نص هو نص نسبى، لا يمكنك أن تصل إلى مفهوم مُطلق منه. حتى لو ذهبت إلى أبعد الحدود: يمكنك أن تستخرج من أى نص دينى إحتمال أنه لا يقول بوجود الله نفسه. و لكن الحقيقة المُطلقة، و اليقين الذى تضمن به حياتك الأبدية، هو أن تعرف الله.

هل الحل هو أن تتحايل على النص؟ و هل يجب أن يكون النص بلا مشكلات حتى يكون من الله؟ هذه هى مشكلة إثنين: الأصولى و الليبرالى. كلاهما يريدان نصاً بلا مشكلات، و كلاهما يفرضان على الله كيف يجب أن يسلك. فى المنتصف يقف المحافظ، الذى يأخذ كل الأمور بعقلانية، حتى فى إعلانه أنه لا يعرف. فهذا هو منتهى العقلانية بالنسبة له، فهو يعترف بالواقع دون خجل، بل بفخر. كلنا نتمنى أن نرى الرسالة واضحة، و من منا لا يحب أن يرى مشكلات؟ لكننا يجب أن ندفع لكى ننال، و نجتهد لكى نصل، و نتصارع مع الله حتى نتغلب عليه.

هل يوجد مشكلات فى الكتاب المقدس لا نعرف لها حلاً؟ نعم، لكن هذه هى الفرصة الحقيقية التى تظهر فيها إخلاصك و ايمانك الذى وضعته فى يسوع المسيح. إذا تخليت عن المسيح لأنك لا تعرف حلاً لهذه المشكلة، فأنت لست بمؤمن حقيقى!

الجمعة، 15 يناير، 2010

ماذا لو لم يكن معصوماً؟


كتب مايكل باتون، مؤسس و مدير خدمة "إستصلاح العقل" مقال مهم جداً الشهر الماضى. هذا المقال بعنوان "لو أن الكتاب المقدس ليس معصوماً، فإن المسيحية زائفة". باتون لا يقول ذلك، بل على العكس، باتون يرد فى هذه المقالة على هذه الجملة. فالنصف الآخر من العنوان يقول "...و عبارات غبية أخرى"! محتوى هذه المقالة ناقشته من قبل بالفعل، فى مقالة بعنوان "الايمان بين الحدث و النص".

هل يجب أن يكون الكتاب المقدس معصوماً حتى يكون ما يحتويه حقيقى؟
هل يجب أن يكون الكتاب المقدس وحياً من الله حتى يكون موت المسيح و قيامته حقائق؟
هل يجب أن يكون الكتاب المقدس موجود أصلاً حتى تكون هذه الأحداث حقيقية؟
بل السؤال الأخطر: هل يجب أن نعرف أصلاً عن هذه الأحداث حتى تكون حقيقية؟

هذه الأسئلة و غيرها يناقشها باتون فى هذه المقالة الرائعة، التى أتمنى أن تقرأها مرة و إثنين و ثلاثة، حتى تستطيع أن تستوعبها. إنها براعة المسيحية، و براعة حكمة الله كما تظهر فى المسيحية، و هى البراعة التى هى واحد من العوامل التى تجعلنى أؤمن بالله!

نُشِرت المقالة فى مدونة "رق و قلم"، و إليك نصها:

أنظر فى هذه القصة، المأخوذة عن قصة حقيقية:

كان جريج جونز مسيحى إنجيلى، عضو نشيط فى كنيسته، و واعظ منتظم، معلم و خدم فى مجلس الشيوخ فى كنيسته. يقول عن نفسه أنه كان مدمناً الأصولية. لقد حفظ كل حقائق المسيحية. و بعد أن قضى عشرة سنوات من الخدمة الأمينة فى الكنيسة، هو الآن ملحد يرفض حماقة كل ما كان يعتز بعمله سابقاً. لماذا حدث هذا؟ حسناً، يقول أنه قام من غفلة الأصولية خلال عدة مقابلات مع "الحقيقة". و الأهم فى هذه المقابلات حينما أدرك أخيراً أن الكتاب المقدس "ملىء بالأخطاء". و يصف تحوله هذا بسبب التناقضات التى وجدها عبر صفحات الكتاب المقدس و عدم قدرته على التوفيق بينها. و يصف حاله قائلاً:"لسنين، كنت الأفضل تماماً فى مجاوبة المتشكك حول أية إعتراضات يثيرها ضد الكتب المقدسة. كنت أعرف كيف أوفق أى تناقض مُقترح. لقد أصبحت بالنسبة لى فن أفتخر به. لا يهم أبداً مدى صعوبة المشكلة، فقد كنت أستطيع أن أجد حلاً لها. و بمرور الوقت، لا أعرف لماذا حدث هذا، و لكنى بدأت أعيد النظر فى التعقيدات التى كان يجب علىّ أن أقوم بها حتى أوفق بين النصوص. أدركت فى ذلك الوقت أن فن حل التناقضات أصبح مثل سحابة وهمية قمت بصنعها، ليس فقط لمجاوبة الآخرين، و لكن حتى لى أنا شخصياً. كان يجب علىّ أن أكون أميناً مع نفسى. يوحنا يقول "ليس مولود من الله يخطأ"، ثم يقول بعد ذلك "إذا أخطأ أى شخص، فلنا شفيع عند الآب". أيهما هو الصحيح؟ هناك مئات من المشكلات مثل هذه فى الكتاب المقدس. و إجاباتى قد تكون أراحت أولئك الذين علمتهم، لكنها لم تعد تريحنى أنا. أخيراً، أدركت، و بحزن، أننى يجب أن أتخلى عن عصمة الكتاب المقدس. و بمجرد أن فعلت ذلك، تخليت عن المسيحية كلها أيضاً".

هذه القصة مشتركة عند الكثيرين من الذين تركوا الايمان. و لكن هذا الموضوع ليس عن ترك الايمان بحد ذاته، إنما عن مدى خطورة عقيدة العصمة. حينما رفض جريج عقيدة العصمة بسبب عدم قدرته على التوفيق بين التناقضات، هل كان هذا يعنى بالضرورة أنه يجب عليه ترك الايمان بأكمله؟

هذا هو السؤال: هل عقيدة العصمة مركزية جداً فى الايمان المسيحى حتى لو أن أى شخص رفضها، هو أو هى يجب أن يحملوا حقائبهم و يذهبوا يبحثون عن رؤية كونية جديدة؟ بكلمات أخرى، لكى أكون واضحاً جداً، لو أن الكتاب المقدس ليس معصوماً، هل هذا يعنى أن الايمان المسيحى غير حقيقى؟

غالبيتكم يعرف أننى أعتنق عقيدة العصمة. و أنا أسمى رؤيتى لها بـ "العصمة المعقولة" التى لا تفترض أى منهج تأويلى غير حيوى حتى تقوم هذه العقيدة (يمكنك أن تقرأ أكثر عنها هنا).

بعد أن قلت هذا، فأنا أعتقد أن هذه العقيدة، رغم أنها هامة، فإنها ليست بنداً ضرورياً تقوم عليه المسيحية و بدونه تسقط. أعتقد أن الكتاب المقدس قد يكون به خطأ و يظل الايمان المسيحى قائم جوهرياً. لماذا؟ لأن المسيحية ليست مبنية على عصمة الكتاب المقدس، إنما مبنية على المجىء التاريخى ليسوع المسيح، ابن الله. المسيح أصبح إنساناً، عاش حياة كاملة، و مات موتاً كفارياً، و قام من الموت، ليس لأن الكتاب المقدس يقول هذا بصفته معصوماً، و لكن لأن هذه الأحداث وقعت بالفعل فى الحقيقة. و الحقيقة هى فى واقعية الحدث، و ليست فى مدى دقة تسجيل الحدث. العلة و النتيجة يجب أن يُوضعا فى مكان مناسب هنا. الحدث التاريخى للتجسد هو العلى لتسجيل الكتاب المقدس، و ليس الكتاب المقدس هو علة الأسباب. مرة أخرى، المسيحية مبنية على الحدث، و ليس على التسجيل المعصوم للحدث.

فكر فى هذه المسألة: هل نحن نثق فقط فى التسجيلات التاريخية لأية أحداث حينما يكون لدينا شاهد معصوم فقط؟ هل كتب التاريخ القديمة معصومة؟ لم أسمع أبداً عن أى شخص يقول أن بوليبيوس (200 ق.م. - 120 ق. م.) كان معصوماً فى تسجيلاته للتاريخ الرومانى، رغم أننا نعامله أنه جدير بالثقة بشكل عام. و بالمثل، نرى يوسيفوس (37 م. - 93 م.) على أنه مؤرخ يهودى موثوق به، و لكنه ليس معصوماً. و أولئك الذين يكتبون كتب التاريخ لمدارسنا اليوم لا يجب عليهم أن يكتبوا فى سيرهم الذاتية أنهم معصومين قبل أن يوافق الناشرين أن يكتبوا هذه الكتب. هل يجب عليهم ذلك؟ لا. لماذا؟ لأن هذا أمر مقبول أن البشر يستطيعون تقديم شهادة حقيقية و موثوق بها، حتى لو كانوا غير معصومين. ماذا لو إتبعنا منهج جريج فى القصة أعلاه. بمجرد أن نجد تناقض فى أى عمل فإن هذا يعنى أن العمل بأكمله غير جدير بالثقة. لو أن هذه هى طريقتنا فى البحث التاريخى، فسوف نصبح "لا أدريين" تماماً عن التاريخ بأكمله. سوف ننتهى قائلين أن كل الأعمال التى كتبها مؤرخى الماضى عبارة عن أكاذيب و تزويرات تماماً، لأنهم ليسوا معصومين.

و نحن شاكرين لأننا لم نقع فى هذا النأزق فى فِهمنا للتاريخ أو أى فرع معرفى آخر. نحن نفهم أن البشر، رغم أنهم غير معصومين، يمكنهم أن يقدموا بيانات جديرة بالثقة بشكل عام. أولئك الذين يشغلون مناصب مثل أساتذة الجامعة، العلماء، المهندسين، المؤرخين، الرياضيين (نسبة للرياضيات)، السياسيين، و أى عمل مهنى آخر، لابد أن يرتكز على الموثوقية العامة لشهادة آخرين غير معصومين.

دعونا نأخذ نفس طريقة الإقتراب مع الكتاب المقدس لدقائق. دعونا نفترض أن الكتاب المقدس ليس معصوماً (من فضلك، حاول أن تفترض هذا معى!). بل دعونا نأخذ خطوة أكثر للخلف و نقول أن الكتاب المقدس ليس وحياً نهائياً. هذا هو الموقف إذن: الكتاب المقدس عبارة عن 66 وثيقة من التسجيلات التاريخية القديمة، تم تسجيلها عبر طرق أدبية متنوعة. هذه التسجيلات، مثل أى تسجيل آخر، قد يكون بها أخطاء: تاريخية، علمية، أو أى نوع آخر. فلنفترض أن يوحنا قد اخطأ فعلاً فى عدد النساء الذين ذهبن إلى قبر يسوع بعد قيامته. هل هذا يجعل شهادة يوحنا بأكملها غير حقيقية؟ هل هذا يعنى أن كل شهادة يوحنا خاطئة فى كل شىء؟ بالتأكيد لا! أى مؤرخ يتبع هذا المنهج سوف يجد نفسه بلا عمل سريعاً، لأنه لن يجد أى مصادر لبحثه. لو أن الكتاب المقدس مثله مثل أى تسجيلات أخرى للتاريخ يحتوى على تناقضات ثانوية، فإن هذا ليس مبرراً للرفض الكامل و التام لكل الأحداث التى يسجلها. مصداقية الكتاب المقدس تعتمد على فرض الموثوقية التاريخية العامة التى تتبرهن عن طريق قواعد البحث التاريخى، و هى القواعد التى لا تشتمل على "العصمة"!

دعونا نأخذ خطوة أخرى أبعد. نحن حتى لا نحتاج للكتاب المقدس حتى تكون المسيحية حقيقية. تذكر أن الرؤية الكونية المسيحية هى مركزية المسيح (أى أنها متمركزة حول مجىء المسيح)، و ليس مركزية الكتاب المقدس (أى ليست متمركزة حول الكتاب المقدس). إنها نعمة الله هى السبب فى أننا لدينا تسجيل لموت المسيح، دفنه، و قيامته. و لكن لو أن لسبب ما قرر الله أن يرفع نعمته و لا يسجل هذه الأحداث فى الكتاب المقدس، هل هذا يعنى أن الأحداث لم تتم؟ بالتأكيد لا. موت المسيح، دفنه، و قيامته، هى أحداث تاريخية قد حدثت بالفعل سواء كان لدينا تسجيلا مُوحى بها أم لا.

قد تسألنى كيف كنا سنعرف بموت المسيح، دفنه، و قيامته لو أن هذه الأحداث لم يتم تسجيلها؟ هذا سؤال جميل، و لكن يجب عليك أن تأخذ خطوة أخرى معى للخلف. ليس فقط أن المسيحية لا تعتمد على العصمة، الوحى، و تسجيل الأحداث، و لكنها لا تعتمد أيضاً على "معرفتنا لهذه الأحداث". نظرياً، يستطيع الله أن يرسل إبنه ليموت عن العالم و يقيمه من الموت و لا يخبر أحد بذلك و تظل المسيحية حقيقية بالفعل. النقطة هى أن المسيحية تقوم أو تسقط فقط على أساس الحقيقة التاريخية لمجىء ابن الله، و ليس على تسجيل هذه الأحداث من خلال الكتاب المقدس. أما كيف يختار الله أن ينشر أخبار هذه الأحداث، أو أن يختار أصلاً أن يفعل ذلك، فليس هذا هو الموضوع. يمكننا أن نفترض مثلاً، لأجل الإحتجاج، أن الله كان يمكنه أن يختار تقليد غير مكتوب، شهادة ملائكة، أحلام و رؤى، أو مقابلات مباشرة، لكى ينشر أخبار هذه الأحداث.

دفاعياً، أعتقد أنه لا يوجد أى سبب لأى فرد حتى يرفض الموثوقية التاريخية العامة للكتاب المقدس لو تم تقديمها بهذا الشكل. لو أن أى شخص قبل الأناجيل مثل أى كتابات تاريخية أخرى، فإنه سيقتنع بموت، دفن، و قيامة يسوع الناصرى معتمداً على البحث التاريخى الأمين و الجاد. و لو أنه لم يقتنع، فى رأيى، فقد تأثر منهجه بإفتراضات مُسبقة غير مُبررة مثل إستحالة حدوث المعجزات.

لماذا أضطر جريج لرفض المسيحية بكاملها بسبب أخطاء قليلة مُقترحة؟ لأن هذا هو ما تعلمه على أيدى مسيحيين محافظين. أعتقد أننا فى غالبية الأوقات، بسبب غيرتنا على الكتاب المقدس، نختلق مأزق غير حقيقى يقول أن الإعتقاد فى العصمة أو رفض الرسالة المسيحية بالكامل هما الخيارين الوحيدين الموجودين فقط. ليس هذين الخيارين هما الوحيدين على الساحة. الكتاب المقدس يمكن أن يكون بيانات تاريخية موثوق بها، و يظل الايمان المسيحى حقيقياً.

لأولئك الذين يتصارعون مع عقيدة العصمة أو يرفضونها منكم، بينما أعتقد أنكم مخطئين، فإن هذا لا يعنى أنكم لا تملكون أساسات لرفض تاريخية موت، دفن، و قيامة ابن الله كما تم تسجيلها فى الكتاب المقدس. هناك 27 وثيقة تاريخية لهم مصداقية تاريخية يجب التعامل معها مثل أى وثيقة قديمة أخرى (دون أن نذكر عشرات من الوثائق التاريخية الأخرى التى ترجع للقرن الأول و الثانى الغير موجودة فى قانون العهد الجديد). لو أنك رفضت المسيحية معتمداً على إعتقادك بوجود أخطاء فى هذه الوثائق، فعليك أن ترفض كل تسجيلات التاريخ القديم بالمثل.

و لأولئك الذين يعتقدون فى الوحى و العصمة منكم، إعتقادكم مبنى على أرضية صلبة. و لكن من فضلكم كونوا حريصين ألا تختلقوا مأزق غير حقيقى فى ضرورة الإلتزام بقناعاتكم. فرغم أن سلطة كلمة الله لها أهمية مركزية، فإن المسيحية متمركزة فى المسيح، و ليس فى الكتاب المقدس. المسيح سيظل رباً، حتى لو أن الكتاب المقدس لم يُكتب نهائياً.

ما هى خطورة عقيدة العصمة إذن؟ أن تصبح هذه العقيدة هى التى يقوم عليها الايمان المسيحى أو يسقط. مرة أخرى، بينما أعتقد فى هذه العقيدة، لست مقتنعاً أنها أحد ركائز العقيدة الإنجيلية.

الخميس، 14 يناير، 2010

المصدر الإزائى


المصدر الإزائى
مقدمة و إعادة تكوين
فادى اليكساندر


مقدمة

مُصطلح "المصدر الإزائى"، هو الترجمة التى رأيتها مناسبة للمفهوم الذى يحمله المصطلح "Q". هذا الحرف Q هو رمز لوثيقة معينة، و هو عبارة عن الحرف الأول من كلمة ألمانية هى Quelle و تعنى فى العربية "المصدر". و نظراً لأن كلمة "المصدر" بهذا الشكل المجرد ستكون عامة جداً، رأيت تخصيصها بإضافة النعت "الإزائى" نسبةً إلى السياق الأوسع الذى يظهر فيه هذا المصطلح. بهذا حينما تقرأ فى هذه المدونة، سواء فى دراسات بقلمى، أو فى ترجمات، عبارة "المصدر الإزائى"، إنتبه إلى أن المقصود هو وثيقة Q.

دعنا نأخذ القصة من البداية. منذ القرن الثامن عشر، لاحظ العلماء أن هناك تطابق حرفى بنسبة عالية جداً فى الثلاثة أناجيل الأولى: متى، مرقس، و لوقا. هذا التطابق الحرفى كبير جداً فى مقاطعه و منتشر فى كافة إصحاحات الأناجيل الثلاثة. إذا نظرنا فى الثلاث أناجيل سنجد ثلاث فئات من النصوص كلها متطابقة حرفياً: نصوص موجودة فى الثلاث أناجيل، نصوص موجودة فى إنجيل متى و إنجيل لوقا و غير موجودة فى إنجيل مرقس، و نصوص موجودة منفردة فى كل إنجيل على حِدة. ليس هذا فقط، و لكن التطابق موجود فى حالات كثيرة فى الترتيب أيضاً، و ليس فى النص فقط. هل هذا يمكن أن يكون صدفة؟ تخيل مثلاً أننا، أنا و أنت، نجلس معاً فى مدرج واحد فى الكلية، أنت فى أوله و أنا فى آخره، و كل منا خرج من المحاضرة و قد كانت ملاحظاتنا متطابقة حرفياً. هل هذا يمكن أن يحدث؟

ما الذى يعنيه هذا التطابق الحرفى إذن؟ يعنى شيئاً واحداً، و هو وجود عامل مشترك بين الثلاثة أناجيل. و قد قصدت أن أقول "عامل مشترك" لأنك قد تقول أن الوحى هو العامل المشترك و هو الذى أدى إلى وجود مقاطع متطابقة حرفياً بين الثلاث أناجيل. و فى هذا الرأى نظرتان، واحدة لاهوتية و الأخرى أدبية. عن النظرة اللاهوتية، نعم الوحى عامل مشترك بين الثلاث أناجيل، و لكن الوحى لم يكن إملاء، فكيف جاء التطابق الحرفى؟ حتى فى نظرية الوحى اللفظى التام، فلا تقول هذه النظرية بوجود إملاء، و إنما إرشاد لما يريد أن يقوله الله. بكلمات أخرى، الوحى لكى يكون هو العامل المشترك بين الثلاثة أناجيل، يجب أن يكون وحياً إملائياً، و ليس وحياً لفظياً مجرداً. لكن هذا لا يعنى أن الوحى لم يكن له دور فى إنتاج هذه النصوص المتطابقة، بل كان له دور، و لكن بشكل غير مباشر. أما النظرة الأدبية، و هى تهتم بدراسة العهد الجديد كوثائق أدبية من وجهة نظر تاريخية بحتة، و هى فى هذا المجال لا علاقة لها بالعقائد، فالناقد الأدبى لا يدرس العهد الجديد بإفتراض أنه مُوحى به من الله؛ إنما يدرسه كمجموعة من الوثائق الأدبية التاريخية المجردة، التى كتبها بشر. قد يكون الناقد الأدبى مؤمن، و لكنه حينما يتكلم عن وحى الأناجيل لا يتكلم من مُنطلق أنه ناقد أدبى، بل من مُنطلق أنه مؤمن!

ما هو العامل المشترك إذن بين الثلاثة أناجيل؟ دعنى أخبرك فى البداية أنه لا يوجد فرع من فروع النقد الكتابى، طُرِح فيه كم من الحلول مثلما حدث فى "المشكلة الإزائية"، و هو المصطلح لمشكلة التطابق الحرفى بين الأناجيل الإزائية، و هى الأناجيل الثلاثة الأولى، حيث أن كلمة "إزائى" تعنى التوازى. فوق كل ذلك، لم ينكر علماء العهد الجديد وجود الإمكانية النظرية لعدم وجود حل متوفر أصلاً لهذه المشكلة. لكننا لم نفقد الأمل!

عبر دراسات أدبية شديدة التعقيد فى مقارنة النصوص، توصل العلماء إلى أن كل من متى و لوقا إستخدما إنجيل مرقس. أى أن متى و لوقا، حينما قام كل منهما بكتابة إنجيله، كان لدى كل منهما نُسخة من إنجيل مرقس. هذا التفسير يشرح كيفية وجود مقاطع متطابقة نصياً فى الثلاث أناجيل. و العلماء يقولون أن مرقس هو الذى كُتِب أولاً، و بالتالى إستطاع متى و لوقا إستخدامه، لأن هناك نصوص نُقلِت من مرقس إلى متى و لوقا، و قد دخل عليها بعض التحرير. و هذا التحرير هادف و مقصود، و من غير المُرجح أن يكون قد تم سهواً. سبب آخر هو أن إنجيل متى يحتوى على 91 % تقريباً من إنجيل مرقس، و يحتوى إنجيل لوقا على 55 % من إنجيل مرقس أيضاً. لو كان مرقس هو الذى إستخدم متى، فلماذا سيحذف مرقس نصوص من متى، مثل العظة على الجبل و الصلاة الربانية؟ هناك العديد من الأدلة طرحها ستريتر فى كتابه "أصل الأناجيل الأربعة" فى النصف الأول من القرن العشرين، و هى الأساس الذى يبنى عليه العلماء اليوم دراساتهم فى المشكلة الإزائية.

و لكن ماذا عن النصوص المتطابقة حرفياً بين إنجيلى متى و لوقا، و لكن غير موجودة فى إنجيل مرقس؟ هذا دفع العلماء إلى الإعتقاد بوجود مصدر آخر غير إنجيل مرقس كان بحوزة كل من متى و لوقا، ينقلان عنه. بمعنى أن النصوص المُشتركة بين الثلاثة أناجيل، قد أخذها متى و لوقا عن مرقس، و النصوص الموجودة فى إنجيلى متى و لوقا فقط، قد أخذاها عن مصدر آخر. هذا المصدر الآخر هو مجرد مصدر نظرى، أى مجرد إفتراض. لا وجود عملى و حقيقى لهذا المصدر، و لا يمكننا أن نجزم بأنه كان موجوداً يوماً ما، و لكن من المُرجح حقيقة وجوده، لأنه التفسير الوحيد الذى يفسر وجود نصوص مشتركة بين إنجيلى متى و لوقا فقط. هذا المصدر أعطاه العلماء الرمز Q، و هو الحرف الأول من الكلمة الألمانية Quelle التى تعنى "مصدر".

نحن لا نعرف أى شىء على الإطلاق عن هذا المصدر إلا فيما هو متوفر من تطابق حرفى فى إنجيلى متى و لوقا. كن حذراً جداً فى القراءة فى مجال هذا المصدر، فقد وصل التنظير عند العلماء للحد الذى قال فيه أحدهم بأنه كانت هناك عدة إصدارات من هذه الوثيقة! كل ما يمكننا أن نعرفه عن هذا المصدر هو التطابق الحرفى الموجود فى الإنجيلين فقط. و هذا هو هدفى فى هذه المقالة، حيث قمت بعمل إعادة تكوين لهذا المصدر إعتماداً على إنجيل لوقا.

لماذا إنجيل لوقا و ليس متى؟ لأن بمقارنة كيفية إستخدام كل من متى و لوقا لإنجيل مرقس، سيتضح لك أن لوقا كان أكثر حفاظاً على نص مرقس دون تحريره، و كان متى أكثر تحريراً فيه. فإذا كان كذلك، فلابد أن لوقا كان أكثر حفاظاً بالمثل على نص المصدر الإزائى دون تحريره، و هذا ما يتفق عليه العلماء اليوم.

فماذا إذن عن النصوص الموجودة فى إنجيل متى فقط و النصوص الموجودة فى إنجيل لوقا فقط؟ إقترح العلماء أنه بجانب مرقس و المصدر الإزائى كمصادر لمتى و لوقا، كان لكل منهما مصادره الأخرى المنفردة و الغير مشتركة بين كل منهما. مصادر متى يُرمز لها بالرمز M و مصادر لوقا يُرمز لها بالرمز L. لذا رأيت الترجمة المناسبة هى "مصادر متى" و "مصادر لوقا".

إذن، فمصادر الأناجيل الإزائية أربعة: إنجيل مرقس، المصدر الإزائى، مصادر متى، و مصادر لوقا. و لهذه تُسمى هذه النظرية بـ "أولية مرقس" أو نظرية "الأربعة مصادر". فماذا عن إنجيل مرقس إذن؟ لا يمكننا أن نعرف شىء عن مصادر مرقس، فلا يوجد لدينا ما هو أقدم منه لنستطيع مقارنته به!

من وجهة نظر لاهوتية، دور الوحى قد يكون هو إرشاد المؤلفين لإستخدام المصدر الإزائى، و إستخدام إنجيل مرقس و بقية المصادر. تذكر، الوحى ليس إملائياً، و لكن الوحى هو إرشاد المؤلفين لما يريد الله منهم أن يسجلوه. لذا فقد يكون الله قد أرشد كل من متى و لوقا ليستخدما إنجيل مرقس و المصدر الإزائى و مصادرهما الخاصة لتسجيل ما يريده الله. الوحى سراً لا يمكننا فِهم كل أحواله لأننا لم نكن هناك!

البحث فى مصادر الأناجيل بشكل عام، و ليس الأناجيل الإزائية فقط، يُسمى بـ "نقد المصدر" Source Criticism. هناك عِلم آخر مبنى على هذا العلم يُسمى بـ "النقد التنقيحى" Redaction Criticism و هو الذى يبحث فى دراسة التغييرات التى قام بها كل من متى و لوقا فى نقلهما عن مرقس، لمعرفة الأهداف و الأسباب التى دفعتهما لذلك، و هو ما يساعد فى فِهم النص. النقد الكتابى بأكمله قائم فقط لأجل فِهم النص!

أنا أعرف أن هذه المقدمة بسيطة جداً، و لكن قد خصصت المجلد الثانى من كتاب "المنهج التاريخى النقدى" الذى أعمل عليه حالياً لهذين العلمين فقط. الهدف من عرض هذه المقالة هو وضع إعادة تكوين لنص المصدر الإزائى، لأن فى شرقنا اللطيف خرافات و أساطير لا أعرف هل تستحق الضحك أم الشفقة. بعد قليل ستقرأ كل ما يمكن معرفته عن هذه الوثيقة الإفتراضية. و قد أخبرتك سابقاً أن كم التنظير فى البحث فى المصدر الإزائى هائل جداً، لذلك لم أتطرق إلى أى نصوص غير موجودة فى الإنجيلين، رغم أن بعض العلماء يعتقدون بإمكانية وجودها فى المصدر الإزائى.

أخيراً، لقد كان كل دورى هو تنظيم المصدر. لست أنا من بحث فى الإنجيلين ليفرز النصوص المتطابقة، و لكن هذا عمل قام به الكثير من العلماء. كل ما قمت به هو أننى وضعت شواهد النصوص و تنسيقها فى الخمسة و خمسين فقرة، و هى محتويات المصدر الإزائى دون تنظير. أشكر الله الذى منحنى هذه النعمة لأنشر، لأول مرة باللغة العربية، نص المصدر الإزائى المُعاد تكوينه!

نص المصدر الإزائى

1- وَكَانَ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ الَّذِينَ خَرَجُوا لِيَعْتَمِدُوا مِنْهُ: «يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَاراً تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. ولاَ تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَباً. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هَذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَداً لِإِبْرَاهِيمَ. وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ». «أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ وَلَكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ وَيَجْمَعُ الْقَمْحَ إِلَى مَخْزَنِهِ وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ» (3 : 7؛ 16 - 17).

2- لَمْ يَأْكُلْ شَيْئاً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيراً. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ لِهَذَا الْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزاً». فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «مَكْتُوبٌ أَنْ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ». ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «لَكَ أُعْطِي هَذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ». فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ». ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَأَقَامَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ مِنْ هُنَا إِلَى أَسْفَلَ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ وَأَنَّهُمْ عَلَى أَيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». فَأَجَابَ يَسُوعُ: «إِنَّهُ قِيلَ: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ» (4 : 2 - 12).

3- طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ لأَنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ اللهِ. طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْجِيَاعُ الآنَ لأَنَّكُمْ تُشْبَعُونَ. طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْبَاكُونَ الآنَ لأَنَّكُمْ سَتَضْحَكُونَ. طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإِنْسَانِ. افْرَحُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَتَهَلَّلُوا فَهُوَذَا أَجْرُكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاءِ. لأَنَّ آبَاءَهُمْ هَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ. (6 : 20 - 23).

4- لَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضاً. وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ. وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ هَكَذَا. وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضاً يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ. وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ 5- لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هَكَذَا. وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضاً يُقْرِضُونَ الْخُطَاةَ لِكَيْ يَسْتَرِدُّوا مِنْهُمُ الْمِثْلَ. بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئاً فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيماً وَتَكُونُوا بَنِي الْعَلِيِّ فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ. فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ (6 : 27 – 36).

6- وَلاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا. لاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا. لاَ تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلاَ يُقْضَى عَلَيْكُمْ. اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ. أَعْطُوا تُعْطَوْا كَيْلاً جَيِّداً مُلَبَّداً مَهْزُوزاً فَائِضاً يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ. لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ». وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً: «هَلْ يَقْدِرُ أَعْمَى أَنْ يَقُودَ أَعْمَى؟ أَمَا يَسْقُطُ الاِثْنَانِ فِي حُفْرَةٍ؟ لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنْ مُعَلِّمِهِ بَلْ كُلُّ مَنْ صَارَ كَامِلاً يَكُونُ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ. لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ أَوْ كَيْفَ تَقْدِرُ أَنْ تَقُولَ لأَخِيكَ: يَا أَخِي دَعْنِي أُخْرِجِ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِكَ وَأَنْتَ لاَ تَنْظُرُ الْخَشَبَةَ الَّتِي فِي عَيْنِكَ. يَا مُرَائِي! أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ (6 : 37 – 42).

7- لأَنَّهُ مَا مِنْ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تُثْمِرُ ثَمَراً رَدِيّاً وَلاَ شَجَرَةٍ رَدِيَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَراً جَيِّداً. لأَنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ تُعْرَفُ مِنْ ثَمَرِهَا. فَإِنَّهُمْ لاَ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ تِيناً وَلاَ يَقْطِفُونَ مِنَ الْعُلَّيْقِ عِنَباً. اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ (6 : 43 - 45).

8- كُلُّ مَنْ يَأْتِي إِلَيَّ وَيَسْمَعُ كَلاَمِي وَيَعْمَلُ بِهِ يُشْبِهُ إِنْسَاناً بَنَى بَيْتاً وَحَفَرَ وَعَمَّقَ وَوَضَعَ الأَسَاسَ عَلَى الصَّخْرِ. فَلَمَّا حَدَثَ سَيْلٌ صَدَمَ النَّهْرُ ذَلِكَ الْبَيْتَ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُزَعْزِعَهُ لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّساً عَلَى الصَّخْرِ. وَأَمَّا الَّذِي يَسْمَعُ وَلاَ يَعْمَلُ فَيُشْبِهُ إِنْسَاناً بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الأَرْضِ مِنْ دُونِ أَسَاسٍ فَصَدَمَهُ النَّهْرُ فَسَقَطَ حَالاً وَكَانَ خَرَابُ ذَلِكَ الْبَيْتِ عَظِيماً (6 : 47 - 49).

9- وَكَانَ عَبْدٌ لِقَائِدِ مِئَةٍ مَرِيضاً مُشْرِفاً عَلَى الْمَوْتِ وَكَانَ عَزِيزاً عِنْدَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ عَنْ يَسُوعَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ شُيُوخَ الْيَهُودِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَشْفِيَ عَبْدَهُ. ذَهَبَ يَسُوعُ مَعَهُمْ. وَإِذْ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنِ الْبَيْتِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَائِدُ الْمِئَةِ أَصْدِقَاءَ يَقُولُ لَهُ: «يَا سَيِّدُ لاَ تَتْعَبْ. لأَنِّي لَسْتُ مُسْتَحِقّاً أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي. لِذَلِكَ لَمْ أَحْسِبْ نَفْسِي أَهْلاً أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ. لَكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَيَبْرَأَ غُلاَمِي. لأَنِّي أَنَا 10- أَيْضاً إِنْسَانٌ مُرَتَّبٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. وَأَقُولُ لِهَذَا: اذْهَبْ فَيَذْهَبُ وَلِآخَرَ: ائْتِ فَيَأْتِي وَلِعَبْدِي: افْعَلْ هَذَا فَيَفْعَلُ». وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ هَذَا تَعَجَّبَ مِنْهُ وَالْتَفَتَ إِلَى الْجَمْعِ الَّذِي يَتْبَعُهُ وَقَالَ: «أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَاناً بِمِقْدَارِ هَذَا». وَرَجَعَ الْمُرْسَلُونَ إِلَى الْبَيْتِ فَوَجَدُوا الْعَبْدَ الْمَرِيضَ قَدْ صَحَّ (7 : 2 - 3؛ 6 - 10).

11- فَأَخْبَرَ يُوحَنَّا تَلاَمِيذُهُ بِهَذَا كُلِّهِ. فَدَعَا يُوحَنَّا اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَأَرْسَلَ إِلَى يَسُوعَ قَائِلاً: «أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟» فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ الرَّجُلاَنِ قَالاَ: «يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ قَدْ أَرْسَلَنَا إِلَيْكَ قَائِلاً: أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟» وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ شَفَى كَثِيرِينَ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَدْوَاءٍ وَأَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ وَوَهَبَ الْبَصَرَ لِعُمْيَانٍ كَثِيرِينَ. فَأَجَابَ يَسُوعُ: «اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا رَأَيْتُمَا وَسَمِعْتُمَا: إِنَّ الْعُمْيَ يُبْصِرُونَ وَالْعُرْجَ يَمْشُونَ وَالْبُرْصَ يُطَهَّرُونَ وَالصُّمَّ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ وَالْمَسَاكِينَ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ (7 : 18 - 23).

12- فَلَمَّا مَضَى رَسُولاَ يُوحَنَّا ابْتَدَأَ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا: «مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟ بَلْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَاناً لاَبِساً ثِيَاباً نَاعِمَةً؟ هُوَذَا الَّذِينَ فِي اللِّبَاسِ الْفَاخِرِ وَالتَّنَعُّمِ هُمْ فِي قُصُورِ الْمُلُوكِ. بَلْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيّاً؟ نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ! هَذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ! لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ نَبِيٌّ أَعْظَمَ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ وَلَكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ أَعْظَمُ مِنْهُ». وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ سَمِعُوا وَالْعَشَّارُونَ بَرَّرُوا اللهَ مُعْتَمِدِينَ بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا. وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ وَالنَّامُوسِيُّونَ فَرَفَضُوا مَشُورَةَ اللهِ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ: «فَبِمَنْ أُشَبِّهُ أُنَاسَ هَذَا الْجِيلِ وَمَاذَا يُشْبِهُونَ؟ يُشْبِهُونَ أَوْلاَداً جَالِسِينَ فِي السُّوقِ يُنَادُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيَقُولُونَ: زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا. نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَبْكُوا. لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ لاَ يَأْكُلُ خُبْزاً وَلاَ يَشْرَبُ خَمْراً فَتَقُولُونَ: بِهِ شَيْطَانٌ. جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فَتَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ جَمِيعِ بَنِيهَا» (7 : 24 - 35).

13- فِيمَا هُمْ سَائِرُونَ فِي الطَّرِيقِ قَالَ لَهُ وَاحِدٌ: «يَا سَيِّدُ أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ». وَقَالَ لِآخَرَ: «اتْبَعْنِي». فَقَالَ: «يَا سَيِّدُ ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ» (9 : 57 - 62).

14- فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ وَلَكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ. اِذْهَبُوا. هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ. لاَ تَحْمِلُوا كِيساً وَلاَ مِزْوَداً وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ تُسَلِّمُوا عَلَى أَحَدٍ فِي الطَّرِيقِ. وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلاً: سَلاَمٌ لِهَذَا الْبَيْتِ. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ ابْنُ السَّلاَمِ يَحِلُّ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ وَإِلاَّ فَيَرْجِعُ إِلَيْكُمْ. وَأَقِيمُوا فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ آكِلِينَ وَشَارِبِينَ مِمَّا عِنْدَهُمْ لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ. لاَ تَنْتَقِلُوا مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ. وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَقَبِلُوكُمْ فَكُلُوا مِمَّا يُقَدَّمُ لَكُمْ وَاشْفُوا الْمَرْضَى الَّذِينَ فِيهَا وَقُولُوا لَهُمْ: قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَلَمْ يَقْبَلُوكُمْ فَاخْرُجُوا إِلَى شَوَارِعِهَا وَقُولُوا: حَتَّى الْغُبَارُ الَّذِي لَصِقَ بِنَا مِنْ مَدِينَتِكُمْ نَنْفُضُهُ لَكُمْ. وَلَكِنِ اعْلَمُوا هَذَا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ. وَأَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَكُونُ لِسَدُومَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ (10 : 2 - 12).

15- وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا لَتَابَتَا قَدِيماً جَالِسَتَيْنِ فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ. وَلَكِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ يَكُونُ لَهُمَا فِي الدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لَكُمَا. وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومُ الْمُرْتَفِعَةُ إِلَى السَّمَاءِ سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ (10 : 13 - 15).

16- اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي وَالَّذِي يُرْذِلُنِي يُرْذِلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي (10 : 16).

17- تَهَلَّلَ يَسُوعُ بِالرُّوحِ وَقَالَ: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هَذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ. نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ لأَنْ هَكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ». وَالْتَفَتَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الاِبْنُ إِلاَّ الآبُ وَلاَ مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الاِبْنُ وَمَنْ أَرَادَ الاِبْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ (10 : 21 - 22).

18- «طُوبَى لِلْعُيُونِ الَّتِي تَنْظُرُ مَا تَنْظُرُونَهُ لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ كَثِيرِينَ وَمُلُوكاً أَرَادُوا أَنْ يَنْظُرُوا مَا أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَلَمْ يَنْظُرُوا وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا» (10 : 23 - 24).

19- مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا كُلَّ يَوْمٍ وَاغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضاً نَغْفِرُ لِكُلِّ مَنْ يُذْنِبُ إِلَيْنَا وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ (11 : 2 - 4).

20- اسْأَلُوا تُعْطَوْا. اطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ. فَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ أَبٌ يَسْأَلُهُ ابْنُهُ خُبْزاً أَفَيُعْطِيهِ حَجَراً؟ أَوْ سَمَكَةً أَفَيُعْطِيهِ حَيَّةً بَدَلَ السَّمَكَةِ؟ أَوْ إِذَا سَأَلَهُ بَيْضَةً أَفَيُعْطِيهِ عَقْرَباً؟ فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ يُعْطِي الرُّوحَ الْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ (11 : 9 - 13).

21- وَكَانَ يُخْرِجُ شَيْطَاناً وَكَانَ ذَلِكَ أَخْرَسَ. فَلَمَّا أُخْرِجَ الشَّيْطَانُ تَكَلَّمَ الأَخْرَسُ فَتَعَجَّبَ الْجُمُوعُ. وَأَمَّا قَوْمٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا: «بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ». وَآخَرُونَ طَلَبُوا مِنْهُ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ يُجَرِّبُونَهُ. فَعَلِمَ أَفْكَارَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: «كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تَخْرَبُ وَبَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى بَيْتٍ يَسْقُطُ. فَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ أَيْضاً يَنْقَسِمُ عَلَى ذَاتِهِ فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَمْلَكَتُهُ؟ لأَنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنِّي بِبَعْلَزَبُولَ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ. فَإِنْ كُنْتُ أَنَا بِبَعْلَزَبُولَ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ فَأَبْنَاؤُكُمْ بِمَنْ يُخْرِجُونَ؟ لِذَلِكَ هُمْ يَكُونُونَ قُضَاتَكُمْ. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ بِإِصْبِعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ. حِينَمَا يَحْفَظُ الْقَوِيُّ دَارَهُ مُتَسَلِّحاً تَكُونُ أَمْوَالُهُ فِي أَمَانٍ (11 : 14 - 21).

22- مَتَى خَرَجَ الرُّوحُ النَّجِسُ مِنَ الإِنْسَانِ يَجْتَازُ فِي أَمَاكِنَ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ يَطْلُبُ رَاحَةً وَإِذْ لاَ يَجِدُ يَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي الَّذِي خَرَجْتُ مِنْهُ فَيَأْتِي وَيَجِدُهُ مَكْنُوساً مُزَيَّناً. ثُمَّ يَذْهَبُ وَيَأْخُذُ سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أُخَرَ أَشَرَّ مِنْهُ فَتَدْخُلُ وَتَسْكُنُ هُنَاكَ فَتَصِيرُ أَوَاخِرُ ذَلِكَ الإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِهِ! (11 : 24 - 26).

23- هَذَا الْجِيلُ شِرِّيرٌ. يَطْلُبُ آيَةً وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةُ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ آيَةً لأَهْلِ نِينَوَى كَذَلِكَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضاً لِهَذَا الْجِيلِ. مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ رِجَالِ هَذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُمْ لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ هَهُنَا. رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هَهُنَا! (11 : 29 - 32).

24- لَيْسَ أَحَدٌ يُوقِدُ سِرَاجاً وَيَضَعُهُ فِي خُفْيَةٍ وَلاَ تَحْتَ الْمِكْيَالِ بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ لِكَيْ يَنْظُرَ الدَّاخِلُونَ النُّورَ. سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ فَمَتَى كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّراً وَمَتَى كَانَتْ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ يَكُونُ مُظْلِماً. اُنْظُرْ إِذاً لِئَلاَّ يَكُونَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظُلْمَةً. فَإِنْ كَانَ جَسَدُكَ كُلُّهُ نَيِّراً لَيْسَ فِيهِ جُزْءٌ مُظْلِمٌ يَكُونُ نَيِّراً كُلُّهُ كَمَا حِينَمَا يُضِيءُ لَكَ السِّرَاجُ بِلَمَعَانِهِ (11 : 33 - 36).

25- أَنْتُمُ الآنَ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالْقَصْعَةِ وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافاً وَخُبْثاً. يَا أَغْبِيَاءُ أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضاً؟ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالسَّذَابَ وَكُلَّ بَقْلٍ وَتَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْحَقِّ وَمَحَبَّةِ اللهِ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هَذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ! وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ لأَنَّكُمْ تُحِبُّونَ الْمَجْلِسَ الأَوَّلَ فِي الْمَجَامِعِ وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ ( 11 : 39 - 40؛ 42 - 43).

26- وَوَيْلٌ لَكُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ لأَنَّكُمْ تُحَمِّلُونَ النَّاسَ أَحْمَالاً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَأَنْتُمْ لاَ تَمَسُّونَ الأَحْمَالَ بِإِحْدَى أَصَابِعِكُمْ. وَيْلٌ لَكُمْ لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَآبَاؤُكُمْ قَتَلُوهُمْ. إِذاً تَشْهَدُونَ وَتَرْضَوْنَ بِأَعْمَالِ آبَائِكُمْ لأَنَّهُمْ هُمْ قَتَلُوهُمْ وَأَنْتُمْ تَبْنُونَ قُبُورَهُمْ. لِذَلِكَ أَيْضاً قَالَتْ حِكْمَةُ اللهِ: إِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَ وَرُسُلاً فَيَقْتُلُونَ مِنْهُمْ وَيَطْرُدُونَ - لِكَيْ يُطْلَبَ مِنْ هَذَا الْجِيلِ دَمُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ الْمُهْرَقُ مُنْذُ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ مِنْ دَمِ هَابِيلَ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا الَّذِي أُهْلِكَ بَيْنَ الْمَذْبَحِ وَالْبَيْتِ. نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يُطْلَبُ مِنْ هَذَا الْجِيلِ! وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ لأَنَّكُمْ أَخَذْتُمْ مِفْتَاحَ الْمَعْرِفَةِ. مَا دَخَلْتُمْ أَنْتُمْ وَالدَّاخِلُونَ مَنَعْتُمُوهُمْ (11 : 46 - 52).

27- فَلَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ. لِذَلِكَ كُلُّ مَا قُلْتُمُوهُ فِي الظُّلْمَةِ يُسْمَعُ فِي النُّورِ وَمَا كَلَّمْتُمْ بِهِ الأُذُنَ فِي الْمَخَادِعِ يُنَادَى بِهِ عَلَى السُّطُوحِ (12 : 2 - 3).

28- لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَبَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يَفْعَلُونَ أَكْثَرَ. بَلْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ: مِنْ هَذَا خَافُوا! (12 : 4 - 5).

29- أَلَيْسَتْ خَمْسَةُ عَصَافِيرَ تُبَاعُ بِفَلْسَيْنِ وَوَاحِدٌ مِنْهَا لَيْسَ مَنْسِيّاً أَمَامَ اللهِ؟ بَلْ شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ أَيْضاً جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ! فَلاَ تَخَافُوا. أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ! (12 : 6 - 7).

30- أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِي قُدَّامَ النَّاسِ يَعْتَرِفُ بِهِ ابْنُ الإِنْسَانِ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ. وَمَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ يُنْكَرُ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ وَأَمَّا مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلاَ يُغْفَرُ لَهُ (12 : 8 - 10).

31- مَتَى قَدَّمُوكُمْ إِلَى الْمَجَامِعِ وَالرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَحْتَجُّونَ أَوْ بِمَا تَقُولُونَ لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يُعَلِّمُكُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا يَجِبُ أَنْ تَقُولُوهُ (12 : 11 - 12).

32- لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَلاَ لِلْجَسَدِ بِمَا تَلْبَسُونَ. اَلْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْجَسَدُ أَفْضَلُ مِنَ اللِّبَاسِ. تَأَمَّلُوا الْغِرْبَانَ: أَنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلَيْسَ لَهَا مَخْدَعٌ وَلاَ مَخْزَنٌ وَاللهُ يُقِيتُهَا. كَمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلُ مِنَ الطُّيُورِ! وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعاً وَاحِدَةً؟ فَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَقْدِرُونَ وَلاَ عَلَى الأَصْغَرِ فَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِالْبَوَاقِي؟ تَأَمَّلُوا الزَّنَابِقَ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ الْعُشْبُ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ فِي الْحَقْلِ وَيُطْرَحُ غَداً فِي التَّنُّورِ يُلْبِسُهُ اللهُ هَكَذَا فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ فَلاَ تَطْلُبُوا أَنْتُمْ مَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَشْرَبُونَ وَلاَ تَقْلَقُوا فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا أُمَمُ الْعَالَمِ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَبُوكُمْ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ. بَلِ اطْلُبُوا مَلَكُوتَ اللهِ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ (12 : 22 - 31).

33- بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً. اِعْمَلُوا لَكُمْ أَكْيَاساً لاَ تَفْنَى وَكَنْزاً لاَ يَنْفَدُ فِي السَّمَاوَاتِ حَيْثُ لاَ يَقْرَبُ سَارِقٌ وَلاَ يُبْلِي سُوسٌ لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكُمْ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكُمْ أَيْضاً (12 : 33 : 34).

34- لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي السَّارِقُ لَسَهِرَ وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ. فَكُونُوا أَنْتُمْ إِذاً مُسْتَعِدِّينَ لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ (12 : 39 - 40).

35- فَقَالَ الرَّبُّ: «فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟ طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا! بِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِ. وَلَكِنْ إِنْ قَالَ ذَلِكَ الْعَبْدُ فِي قَلْبِهِ: سَيِّدِي يُبْطِئُ قُدُومَهُ فَيَبْتَدِئُ يَضْرِبُ الْغِلْمَانَ وَالْجَوَارِيَ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْكَرُ. يَأْتِي سَيِّدُ ذَلِكَ الْعَبْدِ فِي يَوْمٍ لاَ يَنْتَظِرُهُ وَفِي سَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا فَيَقْطَعُهُ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ (12 : 42 - 46).

36- أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَماً عَلَى الأَرْضِ؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلِ انْقِسَاماً. لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الاِبْنِ وَالاِبْنُ عَلَى الأَبِ وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا (12 : 51 - 53).

37- وَلِمَاذَا لاَ تَحْكُمُونَ بِالْحَقِّ مِنْ قِبَلِ نُفُوسِكُمْ؟ حِينَمَا تَذْهَبُ مَعَ خَصْمِكَ إِلَى الْحَاكِمِ ابْذُلِ الْجَهْدَ وَأَنْتَ فِي الطَّرِيقِ لِتَتَخَلَّصَ مِنْهُ لِئَلاَّ يَجُرَّكَ إِلَى الْقَاضِي وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الْحَاكِمِ فَيُلْقِيَكَ الْحَاكِمُ فِي السِّجْنِ. أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ الْفَلْسَ الأَخِيرَ (12 : 57 - 59).

38- وَقَالَ أَيْضاً: «بِمَاذَا أُشَبِّهُ مَلَكُوتَ اللهِ؟ يُشْبِهُ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ» (13 : 20 - 21).

39- اجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُونَ (13 : 24).

40- مِنْ بَعْدِ مَا يَكُونُ رَبُّ الْبَيْتِ قَدْ قَامَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَابْتَدَأْتُمْ تَقِفُونَ خَارِجاً وَتَقْرَعُونَ الْبَابَ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ افْتَحْ لَنَا يُجِيبُكُمْ: لاَ أَعْرِفُكُمْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ! حِينَئِذٍ تَبْتَدِئُونَ تَقُولُونَ: أَكَلْنَا قُدَّامَكَ وَشَرِبْنَا وَعَلَّمْتَ فِي شَوَارِعِنَا. فَيَقُولُ: أَقُولُ لَكُمْ لاَ أَعْرِفُكُمْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ! تَبَاعَدُوا عَنِّي يَا جَمِيعَ فَاعِلِي الظُّلْمِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ مَتَى رَأَيْتُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ وَأَنْتُمْ مَطْرُوحُونَ خَارِجاً. وَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَمِنَ الْمَغَارِبِ وَمِنَ الشِّمَالِ وَالْجَنُوبِ وَيَتَّكِئُونَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ (13 : 25 - 29).

41- يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا وَلَمْ تُرِيدُوا. هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَاباً! وَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَنِي حَتَّى يَأْتِيَ وَقْتٌ تَقُولُونَ فِيهِ: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ (13 : 34 - 35).

42- ثُمَّ سَأَلَ: «مَنْ مِنْكُمْ يَسْقُطُ حِمَارُهُ أَوْ ثَوْرُهُ فِي بِئْرٍ وَلاَ يَنْشِلُهُ حَالاً فِي يَوْمِ السَّبْتِ؟» (14 : 5).

43- إِنْسَانٌ صَنَعَ عَشَاءً عَظِيماً وَدَعَا كَثِيرِينَ وَأَرْسَلَ عَبْدَهُ فِي سَاعَةِ الْعَشَاءِ لِيَقُولَ لِلْمَدْعُوِّينَ: تَعَالَوْا لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُعِدَّ. فَابْتَدَأَ الْجَمِيعُ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ يَسْتَعْفُونَ. قَالَ لَهُ الأَوَّلُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ حَقْلاً وَأَنَا مُضْطَرٌّ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ فَلِذَلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ. فَأَتَى ذَلِكَ الْعَبْدُ وَأَخْبَرَ سَيِّدَهُ بِذَلِكَ. حِينَئِذٍ غَضِبَ رَبُّ الْبَيْتِ وَقَالَ لِعَبْدِهِ: اخْرُجْ عَاجِلاً إِلَى شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ وَأَزِقَّتِهَا وَأَدْخِلْ إِلَى هُنَا الْمَسَاكِينَ وَالْجُدْعَ وَالْعُرْجَ وَالْعُمْيَ. فَقَالَ الْعَبْدُ: يَا سَيِّدُ قَدْ صَارَ كَمَا أَمَرْتَ وَيُوجَدُ أَيْضاً مَكَانٌ. فَقَالَ السَّيِّدُ لِلْعَبْدِ: اخْرُجْ إِلَى الطُّرُقِ وَالسِّيَاجَاتِ وَأَلْزِمْهُمْ بِالدُّخُولِ حَتَّى يَمْتَلِئَ بَيْتِي (14 : 16 - 23).

44- إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضاً فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذاً. وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذاً (14 : 26 - 27).

45- اَلْمِلْحُ جَيِّدٌ. وَلَكِنْ إِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُصْلَحُ؟ لاَ يَصْلُحُ لأَرْضٍ وَلاَ لِمَزْبَلَةٍ فَيَطْرَحُونَهُ خَارِجاً. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ! (14 : 34 - 35).

46- أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ لَهُ مِئَةُ خَرُوفٍ وَأَضَاعَ وَاحِداً مِنْهَا أَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَذْهَبَ لأَجْلِ الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ؟ وَإِذَا وَجَدَهُ يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَرِحاً وَيَأْتِي إِلَى بَيْتِهِ وَيَدْعُو الأَصْدِقَاءَ وَالْجِيرَانَ قَائِلاً لَهُمُ: افْرَحُوا مَعِي لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّالَّ. أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارّاً لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ (15 : 4 - 7).

47- لاَ يَقْدِرُ خَادِمٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ (16 : 13).

48- كَانَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ إِلَى يُوحَنَّا. وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ يُبَشَّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ يَغْتَصِبُ نَفْسَهُ إِلَيْهِ (16 : 16).

49- زَوَالَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ (16 : 17).

50- لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ! (17 : 1).

51- اِحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلاً: أَنَا تَائِبٌ فَاغْفِرْ لَهُ (17 : 3 - 4).

52- فَقَالَ الرُّسُلُ لِلرَّبِّ: «زِدْ إِيمَانَنَا». فَقَالَ الرَّبُّ: «لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذِهِ الْجُمَّيْزَةِ انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ فَتُطِيعُكُمْ (17 : 5 - 6).

53- وَيَقُولُونَ لَكُمْ:هُوَذَا هَهُنَا أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ. لاَ تَذْهَبُوا وَلاَ تَتْبَعُوا لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ الَّذِي يَبْرُقُ مِنْ نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ يُضِيءُ إِلَى نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضاً ابْنُ الإِنْسَانِ فِي يَوْمِهِ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَوَّلاً أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيراً وَيُرْفَضَ مِنْ هَذَا الْجِيلِ. وَكَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضاً فِي أَيَّامِ ابْنِ الإِنْسَانِ. كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيُزوِّجُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ نُوحٌ الْفُلْكَ وَجَاءَ الطُّوفَانُ وَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ. كَذَلِكَ أَيْضاً كَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ لُوطٍ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَشْتَرُونَ وَيَبِيعُونَ وَيَغْرِسُونَ وَيَبْنُونَ. وَلَكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي فِيهِ خَرَجَ لُوطٌ مِنْ سَدُومَ أَمْطَرَ نَاراً وَكِبْرِيتاً مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ. هَكَذَا يَكُونُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُظْهَرُ ابْنُ الإِنْسَانِ. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَنْ كَانَ عَلَى السَّطْحِ وَأَمْتِعَتُهُ فِي الْبَيْتِ فَلاَ يَنْزِلْ لِيَأْخُذَهَا وَالَّذِي فِي الْحَقْلِ كَذَلِكَ لاَ يَرْجِعْ إِلَى الْوَرَاءِ. اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ! مَنْ طَلَبَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ أَهْلَكَهَا يُحْيِيهَا. أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَكُونُ اثْنَانِ عَلَى فِرَاشٍ وَاحِدٍ فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الآخَرُ. تَكُونُ اثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ مَعاً فَتُؤْخَذُ الْوَاحِدَةُ وَتُتْرَكُ الأُخْرَى. يَكُونُ اثْنَانِ فِي الْحَقْلِ فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الآخَرُ». فَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ يَا رَبُّ؟» فَقَالَ لَهُمْ: «حَيْثُ تَكُونُ الْجُثَّةُ هُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُّسُورُ (17 : 23 - 37).

54- فَقَالَ: «إِنْسَانٌ شَرِيفُ الْجِنْسِ ذَهَبَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ لِيَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مُلْكاً وَيَرْجِعَ. فَدَعَا عَشَرَةَ عَبِيدٍ لَهُ وَأَعْطَاهُمْ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ وَقَالَ لَهُمْ: تَاجِرُوا حَتَّى آتِيَ. وَلَمَّا رَجَعَ بَعْدَمَا أَخَذَ الْمُلْكَ أَمَرَ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ أُولَئِكَ الْعَبِيدُ الَّذِينَ أَعْطَاهُمُ الْفِضَّةَ لِيَعْرِفَ بِمَا تَاجَرَ كُلُّ وَاحِدٍ. فَجَاءَ الأَوَّلُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ مَنَاكَ رَبِحَ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ. فَقَالَ لَهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ لأَنَّكَ كُنْتَ أَمِيناً فِي الْقَلِيلِ فَلْيَكُنْ لَكَ سُلْطَانٌ عَلَى عَشْرِ مُدُنٍ. ثُمَّ جَاءَ الثَّانِي قَائِلاً: يَا سَيِّدُ مَنَاكَ عَمِلَ خَمْسَةَ أَمْنَاءٍ. فَقَالَ لِهَذَا أَيْضاً: وَكُنْ أَنْتَ عَلَى خَمْسِ مُدُنٍ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ هُوَذَا مَنَاكَ الَّذِي كَانَ عِنْدِي مَوْضُوعاً فِي مِنْدِيلٍ لأَنِّي كُنْتُ أَخَافُ مِنْكَ إِذْ أَنْتَ إِنْسَانٌ صَارِمٌ تَأْخُذُ مَا لَمْ تَضَعْ وَتَحْصُدُ مَا لَمْ تَزْرَعْ. فَقَالَ لَهُ: مِنْ فَمِكَ أَدِينُكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ. عَرَفْتَ أَنِّي إِنْسَانٌ صَارِمٌ آخُذُ مَا لَمْ أَضَعْ وَأَحْصُدُ مَا لَمْ أَزْرَعْ فَلِمَاذَا لَمْ تَضَعْ فِضَّتِي عَلَى مَائِدَةِ الصَّيَارِفَةِ فَكُنْتُ مَتَى جِئْتُ أَسْتَوْفِيهَا مَعَ رِباً؟ ثُمَّ قَالَ لِلْحَاضِرِينَ: خُذُوا مِنْهُ الْمَنَا وَأَعْطُوهُ لِلَّذِي عِنْدَهُ الْعَشَرَةُ الأَمْنَاءُ. فَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَمْنَاءٍ. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ (19 : 12 - 13؛ 15 - 26).

55- أَنْتُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعِي فِي تَجَارِبِي وَأَنَا أَجْعَلُ لَكُمْ كَمَا جَعَلَ لِي أَبِي مَلَكُوتاً لِتَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا عَلَى مَائِدَتِي فِي مَلَكُوتِي وَتَجْلِسُوا عَلَى كَرَاسِيَّ تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاِثْنَيْ عَشَرَ (22 : 28 - 30).

الأربعاء، 13 يناير، 2010

قصص من الأبوكريفا (2)


فى انجيل توما الإسرائيلى، الفصل الثانى، وردت القصة التالية:

"حينما كان الطفل يسوع إبن خمسة سنوات، كان يلعب عند جدول مياه، و جمع المياه فى حُفرّ قام بحفرها، ثم جعلها نظيفة مرة واحدة حينما أمرها بكلمة واحدة. ثم قام بصنع طين و عمل منهم إثنى عشر عصفوراً. و قد كان يوم سبت حينما فعل ذلك، و كان معه أطفال آخرين يلعبون معه. و حينما رأى شخص يهودى ما الذى فعله يسوع بلعبه فى يوم السبت، ذهب ليخبر أبيه يوسف:"تعالى أنظر، إبنك عند جدول المياه، و قد صنع طيناً و شكله على شكل إثنى عشر عصفوراً و قد دنس بذلك يوم السبت. فحينما ذهب يوسف للمكان و رأى ذلك، صرخ فى وجهه قائلاً:"لماذا تفعل فى السبت ما لا يحل؟" لكن يسوع لم يجيبه بل صفق بيديه و صرخ فى العصافير:"طيرى!". فطارت العصافير بعيداً تزقزق. فتعجب اليهود حينما رأوا ذلك، و صاروا يخبرون كل شيوخهم بما رأوا يسوع يفعله".

Wilhelm Schneemelcher, New Testament Apocrypha, Vol. 1, English Translation By R. M. Wilson, 2nd Edition, Westminster John Knox Press: Britain 1991, P. 444

تبدو مألوفة لديك، أليس كذلك؟ (راجع القصة الأولى هنا).

الجمعة، 8 يناير، 2010

شيذوفرينيا المسيحيات المفقودة


فى عام 2006، صدر كتاب "الأناجيل المفقودة: كشف حقيقة المسيحيات البديلة"، لمؤلفه داريل بوك، أستاذ البحث فى دراسات العهد الجديد، معهد دالاس اللاهوتى. هذا الكتاب يُعتبر اليوم الدفاع المحافظ الرئيسى حول قصة المسيحيات المتنافسة. قبل أن نبدأ فى عرض هذا الكتاب، دعنا نلقى نظرة مُبسطة على هذا المصطلح (رغم أننى ناقشته من قبل فى مقالة بعنوان "ليبرالية باؤر" هنا).

المسيحيات المتنافسة، المسيحيات المفقودة، المسيحيات البديلة، و غيرهم من المسميات، هم مصطلح لإحتجاج فكرى محتواه كالتالى: فى العديد من القطاعات و المجتمعات المسيحية، أقدم فكر مسيحى سائد كان هو الفكر الذى أُعتِبر هرطوقى فيما بعد من قِبل الأرثوذكسية. هذه الأرثوذكسية يُقصد بها الكنيسة المسيحية، و المسيحيات البديلة يُقصد بها الهرطقات. بمعنى، أننا لو نظرنا فى "أقدم" عقائد المجتمعات المسيحية، سنجد بعض المجتمعات تعتنق الأرثوذكسية، و بعض المجتمعات تعتنق الغنوسية، و بعض المجتمعات تعتنق الدوسيتية، و بعض المجتمعات تعتنق الإبيونية، و هكذا. كل من هذه الفرق يقول عن نفسه أنه هو المسيحى، و أنه هو الذى يحمل الإتصال الأصيل للمسيح و رسله. القاعدتين الرئيسيتين لطرح باؤر هما: الأغلبية و الجغرافيا. و يُقصد بالأغلبية أن غالبية أفراد المجتمع كانوا يعتنقون الفكر الهرطوقى، و يُقصد بالجغرافيا توزيع المجتمعات جغرافياً فى المناطق المسيحية.

لو تأملت قليلاً فى هذا الفكر، ستجد أنه يقول لك بكل بساطة: نحن لا نعرف ما هو تعليم المسيح بالضبط، و لا يمكننا الثقة فى أن الأرثوذكسية هى التى تمتد أصولها للمسيح نفسه، لأن الأرثوذكسية هى مجرد شكل واحد من أشكال المسيحية التى كانت موجودة على الساحة منذ أقدم العصور التى يمكننا أن نرجع لها فى كافة المجتمعات المسيحية. و كما ناقشنا من قبل، كان هناك عالم ألمانى يُدعى والتر باؤر هو الذى أسس فكر هذه المدرسة. و فى النصف الثانى من القرن العشرين، بعد إكتشاف مخطوطات نجع حمادى، قام أحد العلماء الكبار جداً و يُدعى هيملت كويستر، و كان يعمل أستاذاً للعهد الجديد فى جامعة هارفارد (أكبر جامعة فى العالم!)، بتبنى قضية باؤر و دعمها و توثيقها و دراستها و تفصيلها و تنقيتها من أى شوائب. فى نفس الوقت، عاصره أحد العلماء المتخصصين فى الغنوسية، و يُدعى جيمس روبينسون، و كان يعمل أستاذاً للدراسات الدينية فى جامعة كلاريمونت (واحدة من أكبر جامعات أمريكا الشمالية تخصصاً فى المسيحية و خرجت أجيال و أجيال من علماء المسيحية). كان روبينسون هو المسئول الأول و الأساسى عن المشروع العالمى لترجمة نصوص مخطوطات نجع حمادى، حتى أنه هو الذى أسس و إختار بنفسه اللجنة العالمية التى ستترجم هذه النصوص (من اوروبا، الولايات المتحدة، و كندا). كان كلاً من العالمين هما العاملين الرئيسيين فى نشر فكر باؤر بقوة. و بعد ذلك، جاءت عَالِمة من جامعة برينستون، تُدعى إلين باجيلز، لتقدم رسالة الدكتوراه الخاصة بها حول الغنوسية و نصوص نجع حمادى فى جامعة هارفارد، لتكون أول من يقدم رسالة الدكتوراه فى نصوص نجع حمادى.

أربعة أسماء أسست هذه المدرسة الفكرية: باؤر، كويستر، روبينسون، و باجيلز. و فى السنوات الأخيرة، بدأ فكر هذه المدرسة يأخذ منعطفاً جديداً، حينما وضع بارت ايرمان هذا الفكر كالمحور الذى تدور حوله عدة علوم متشابكة. ففى ضوء هذا الفكر، إستطاع ايرمان أن يفسر التاريخ المسيحى، و النقد الأدبى للعهد الجديد، و النقد النصى كذلك. إهتم العديد من العلماء الإنجيليين بهذا الفكر، و قاموا بدراسته جيداً. بين ويزرنجتون قدمّ فى عام 2006 دراسة أكثر من رائعة، بعنوان "ما الذى فعلوه مع يسوع؟"، و التى سأعرضها فى مقال لاحق، و بعده بقليل، صدرت دراسة داريل بوك "الأناجيل المفقودة".

يبدأ بوك بعرض قصة هذا الكتاب، حيث كان حلم كِتابته يراوده منذ عشرة سنوات. و منحته الحكومة الألمانية منحة ليقضى فترة دراسية فى جامعة توبينجين، بألمانيا، حتى يكتب هذه الدراسة التى إستغرقت كتابتها عامين. كتب المقدمة لهذا الكتاب، العالم الكبير المعروف إدوين ياموهى، أستاذ التاريخ بجامعة ميامى. و قد كتب أكثر من خمسة عشر عالماً من علماء العهد الجديد المتخصصين فى جامعات العالم، تقديراً لعمل بوك. من بين هذه الأسماء: مارتن هينجل (جامعة توبينجين، المانيا) – فيليب جينكنز (جامعة ولاية بينسلفانيا، الولايات المتحدة) – لارى هرتادو (جامعة إدينبرج، المملكة المتحدة) – تود كليوتز (جامعة مانشيستر، المملكة المتحدة) – كريج إيفانز (جامعة آكاديا، كندا) – هوارد مارشال (جامعة آبيردين، المملكة المتحدة) و غيرهم. و قد قام بوك بتقسيم الكتاب، الذى يقع فى مائتى و ثلاثين صفحة، إلى أربعة عشر فصلاً، بالإضافة إلى المقدمة و ملحقين. و يمكننا تقسيم الكتاب إلى شقين رئيسيين: الشق الأول و هو الخمسة فصول الأولى مع المقدمة، و هو يتناول فكر الأرثوذكسية و الهرطقات و يشرح فكر باؤر و المدرسة الجديدة التى أسسها. أما الشق الثانى فهو من الفصل السادس و حتى الفصل الثالث عشر، و هو يتناول مقارنات مُفصلة جداً بين الفكر الأرثوذكسى و الفكر الغنوسى (الفصل السادس و السابع مثلاً يتناولان مقارنة حول "الله و الخليقة" فى الفكرين، و الفصلين الثامن و التاسع يتناولان مقارنة حول "إلوهية يسوع و إنسانيته"، و هكذا).

فى نظرى، أفضل فصول هى فصول الشق الأول من الكتاب، و خاصةً من الفصل الثانى و حتى الخامس. السبب فى ذلك ببساطة، هو أن فى هذه الفصول يعرض بوك فكر المدرسة الجديدة، و يقدم نقداً تفصيلياً له فى نحو خمسين صفحة. و يمكننا أن نرى الإستنتاج النهائى الذى توصل له بوك شديد الغرابة فى هذه الفصول، فهو يصف العلماء المؤيدين لباؤر بأنهم مُصابين بـ "شيذوفرينيا"! بصراحة، لم أتمالك نفسى من الضحك حينما قرأت وصفه هذا، الذى ورد مرتين فى صفحة واحدة (ص، 48). لكن بوك كان محقاً جداً فى وصفه، بل إن وصفه بالفعل جاء فى محله ليعبر عن إزدواجية رهيبة فى فكر هذه المدرسة!

دعنى أطرح عليك هذا المقطع الطويل من كتاب بوك، فهو مقطع مبهر جداً:

"إيلين باجيلز تقول:"أدرك باؤر أن أن الحركة المسيحية الأولى كانت فى حد ذاتها متعددة الأشكال أكثر مما أرادت المصادر الأرثوذكسية أن تظهره". ثم تكمل بعد ذلك لتذكر نقد جوهرى لباؤر و لكنها تتغاضى عنه قائلة:"بالتأكيد كان إقتراح باؤر بأن فى مجموعات مسيحية معينة مثلت الأغلبية، و هى المجموعات التى سُمِيت لاحقاً هراطقة، يتعدى كل إدعاءات الغنوسيين أنفسهم: لقد ميزوا أنفسم بشكل نموذجى على أنهم الأقلية فى علاقتهم مع الأغلبية. و لكن باؤر...فتح طرقاً جديدة للتفكير حول الغنوسية". ملاحظات باجيلز دقيقة بالفعل، و لكن دعونا ننظر فيما تقوله. بشكل ما، تقول أنه بالرغم من أن الدليل من أصوات الفئات غير المسموعة لا يتفق مع باؤر، فإنه لا يزال قد فتح طرقاً جديدة للتفكير حول هذه الفئات. و كأن التاريخ أصبح ملعوناً، و المهم الآن هو هذه الأفكار الجديدة! بارت ايرمان أيضاً يقدم مدحاً لباؤر. يقول ايرمان عن باؤر:"أكثر أعماله جدلاً و تأثيراً كان عبارة عن دراسة للصراعات اللاهوتية فى الكنيسة الأولى. كتابه 'الأرثوذكسية و الهرطقة فى أقدم مسيحية' كان أهم كتاب عن تاريخ المسيحية القديمة فى القرن العشرين". ثم بعد ذلك يلخص ايرمان منطق باؤر كما يلى:"بعض التفاصيل الدقيقة فى طرح باؤر ظهرت إشكالية على الفور. لقد أُتهِم باؤر لأسباب جيدة بمهاجمة المصادر الأرثوذكسية بغيرته التحقيقية و إستغلال الإستدلال من الصمت لحد سخيف. بالإضافة إلى ذلك، كل واحدة من المناطق التى إختبرها قد تعرضت إلى المزيد من الفحص الدقيق، لم تكن تسير دائماً نحو إتجاه إستنتاجاته. ربما غالبية العلماء اليوم يعتقدون أن باؤر قد قلل من حجم و وجود الأرثوذكسية الأولية و غالى فى تأثير الكنيسة الرومانية حول هذه الصراعات". هذا الملخص منصف حول نقاشات مرحلة ما بعد باؤر، و لكنه يثير سؤال جاد. إذا كان موقفى باؤر الرئيسيين قد ثبت إخفاقهما، فلماذا ينجح طرحه بالكامل؟ متى يجب أن نتوقع إذن من هذه المعاملة الشيذوفرينية للدليل التاريخى أن تثبت خطأ باؤر؟". (بوك، الأناجيل المفقودة، ص 46 – 48).

إنتهى عرض بوك. وضع عالمنا فى هذا المقطع إقتباسين من أشهر عالمين فى الجيل الجديد لهذه المدرسة، باجيلز و ايرمان. باجيلز تقول أن كلام باؤر حول أن الغنوسيين كانوا يمثلون قوة منافسة للأرثوذكسية يسير عكس ما يقدمه الدليل التاريخى. الغنوسيين، بحسب كلام باجيلز، شهدوا إلى أنهم مجرد أقلية أمام الغالبية، أى الأرثوذكسية. تذكر: العامل الرئيسى فى قضية باؤر هو أن فى بعض المجتمعات، كان الغالبية من المهرطقين! أما ما يقوله ايرمان، فهو أن إعتماد باؤر على الفحص الجغرافى و اللاهوتى لهذه المجتمعات، ثبت أنه مُصاب بخلل فى عدة مناطق بالمزيد من البحث الدقيق. بكلمات أخرى، ما يقوله ايرمان هو أن إدعاء باؤر بوجود مجتمعات مسيحية معينة فى الفحص الذى قام به ثبت أنه خاطىء. هذه معلومة لك: باؤر قام بفحص خمسة مجتمعات، و هى شرق آسيا الصغرى، أنطاكية، اورشاليم، إديسا و الإسكندرية، ثم كنيسة روما هى التى إستطاعت فرض سيطرتها على هذه المجتمعات لتحولها للأرثوذكسية. أجمع العلماء على أن ثلاثة من هذه المجتمعات (شرق آسيا الصغرى، أنطاكية، و اورشاليم) لا يمكن بأى حال أن يكونوا فى خلاف على الأرثوذكسية. أما المجتمع الوحيد الذى مازال محل المناظرة فهو الإسكندرية، و المجتمع الوحيد الذى قد يكون مُحقِاً فيه باؤر هو إديسا.

فى الحقيقة، إستدلالات باؤر حول الإسكندرية غريبة جداً، فهو يقول أن غالبية المجتمع المسيحى فى مصر كان شبه غنوسياً. يذكر بوك أن باؤر تجاهل بشكل تام رسالة برنابا، التى خرجت من الإسكندرية فى بداية القرن الثانى، و تصريحات كليمندس السكندرى و ايريناؤس حول ظهور مدرسة فالانتينوس (الغنوسى) مؤخراً، و تجاهله التام و الكامل للبرديات الأربعة عشر المُكتشفين فى مصر خارج الإسكندرية و يرجعون للقرن الثانى و لا يوجد فيهما سوى إثنتين فقط قد يحملان سياقاً غنوسياً، و حتى هاتين الإثنتين متناظر عليهما بين العلماء. هذه الأدلة و غيرها التى قدمها العديد من العلماء، كانت كفيلة لإقناع بيرسون، أكبر خبير فى العالم على الإطلاق الآن فى مسيحية الإسكندرية!

و عن إديسا، فالكثير من العلماء الذين نقدوا باؤر إجتمعوا على ملاحظة واحدة فقط: الدليل المتوفر من إديسا و عنها لا يسمح مُطلقاً ببناء أى نظرية تمكننا من الوصول إلى إستنتاجات حادة بالشكل الذى قدمه باؤر. أول من وضع هذه الملاحظة كان تورنر، و تبعه سيل من العلماء. لهذا يقول بوك:"إدعاءات باؤر حول التعدد (فى أشكال المسيحية) يفتقر لأى دعم. من بين كل المناطق التى فحصها، إديسا فقط هى المجتمع الوحيد التى قد يكون رأيه فيها صحيحاً. و لكن هذا المجتمع لا يمثل المركز أو المحور للتطور المسيحى. و رغم كل ما إدعاه باؤر فى كتابه هذا، و كل ما قام به لتوضيح منهجه، فشل باؤر فى بيان شمويلة الطبيعة البدائية للنظرات البديلة" (ص، 54).

لو أننا نظرنا بأمانة فى طرح باؤر، و حاولنا فحصه فحصاً دقيقاً، أعتقد أننا سنصل إلى نفس الإستنتاج الذى توصل إليه بوك: الشيذوفرينيا!