السبت، 19 ديسمبر، 2009

تريجليس حول الخاتمة


فى القرن التاسع عشر، عاش عالم كبير فى النقد النصى يُدعى تريجليس. قام تريجليس بوضع إصدار نقدى للعهد الجديد اليونانى، بجانب أهم كتبه عن تاريخ إصدارات العهد الجديد اليونانى من ايرازموس و حتى لاشمان. فى هذا الكتاب وضع تريجليس تعليقات نصية رائعة، و لا تكمن أهميتها فى الدليل المطروح، إذ هو لدينا الآن فى توسع أكثر، إنما فى التفسير الذى يضعه تريجليس للدليل كعالم مسيحى مؤمن بوحى و سلطة الكتاب المقدس.

يعتقد تريجليس أن قصة المرأة الزانية، رغم أنها ليست جزء من النص المقدس فى الأصل، إلا أنها قصة تاريخية حقيقية. رغم ذلك، لا يرى أى سبب لضرورة وجود القصة فى النص المُعاد تكوينه. و لكن يرى تريجليس أن خاتمة مرقس، رغم أنها ليست بقلم مرقس، إلا أنها جزء من النص المقدس الذى أوحاه الله. بعد أن عرض تريجليس البرهان النصى، تكلم بنوع من التفصيل حول كيفية تفسير وضع الخاتمة فى الكتاب المقدس اليوم. دعنى أقدم لك هذا التفسير للدليل النصى كما وضعه تريجليس، فى كتابه:


Samuel P. Tregelles, An Account of The Printed Text of The Greek New Testament, Samuel Bagster & Sons Co.: London 1854, P. 258-261

و إليك نصه:

"لقد تم الإستدلال بقوة كبيرة على أن محتويات هذا المقطع لا يمكن أن يكون قد أُضِيف فى عصر لاحق على العصر الرسولى، و أن الصعوبات الموجودة فيه تقدم افتراض أنهم تاريخ حقيقى: و قوة هذا الإستدلال قوية لدرجة أننى لا اعرف كيف يمكن تغاضيه؛ فلو أن هناك كاتب ما وضع نص يحتوى على صعوبات كتكملة لإنجيل مرقس، فإنه من الصعب تخيل أن معاصريه قبلوا و نقلوا هذه الإضافة إلا على أساس حقائق معروفة و ثابتة حول ما تم تسجيله فى الإضافة. إذا كان هناك نقاط معينة موجودة فى الإضافة ليس من السهل توفيقها مع سرد الأناجيل الأخرى، فإن الإحتمالية ضعيفة أن يقوم كاتب بوضع القصة و يقبلها الآخرين إلا إذا كانت تحوى تاريخاً أصلياً فى الواقع. و بهذا تم تأكيد المقطع بنقاط الصعوبة الواقعية أو المُقترحة الموجودة فيه.

إذن، فبما أن حقائق هذه القضية موجودة، و القبول المبكر و إنتقال النص يدعم أصالته، و بما أنه قد وُضِع من القرن الثانى على الأقل فى نهاية إنجيلنا القانونى الثانى، و أيضاً بالمثل، كما أن إنتقاله قد حدث فى ضوء الشهادة المستمرة بأن هذا المقطع لم يكن جزء من الكتاب الذى كتبه القديس مرقس فى الأصل، و بما أن هاتين النقطتين قد تم تأكيدهما بعوامل داخلية؛ فإن هذا يترتب عليه النتائج الطبيعية التالية التى تندرج من الإفتراضات التى تم ارسائها:

1- أن كتاب مرقس نفسه ينتهى بـ "كن خائفات" (16 : 8).
2- أن الأعداد الإثنى عشر المتبقية، أى كان من هو كاتبهم، لديهم إستحقاق كامل ليتم قبولهم كجزء أصيل من الإنجيل الثانى، و أن القبول التام فى الشهادة المتوفرة من الكنيسة الأولى فى هذه المسألة لا يتضمن على الأقل رفضهم كجزأ من النص المقدس القانونى.

يمكن أن يُقال فعلاً أن هذه الأعداد قد كتبها القديس مرقس فى فترة لاحقة، و لكن حتى بهذا الإفتراض، فإن حقيقة أن الكتاب قد إنتهى ذات مرة عند العدد الثامن سوف تبقى، و الفرض بأن نفس الإنجيلى قد أضاف الخاتمة سوف يتضمن صعوبات جديدة، بدلاً من أن يزيل الصعوبات الموجود أولاً.

هناك فى بعض العقول نوع ما من الجب تجاه النص المقدس، و كأن كل أدلتنا فى سلطة هذا النص المقدس تعتمد على معرفتنا من هو كاتب كل مقطع معين؛ بدلاً من أن ننظر ببساطة أننا نمتلك الكلمة التى اعطاها الله، و أنها كلمته هو تماماً كما كلمات الوصايا العشر للناموس التى كتبها بإصبعه على لوائح الضخر. العديد من كتب الكتاب المقدس لا نعرف من هم الكّتّاب الذين كتبوهم، و مع ذلك فإن هذا ليس سبباً للتشكيك فى سلطتهم على أقل تقدير. إذا كنا سنحاول أن نخلق ثقتنا فى أشياء لا يوجد عليها دليل، فسوف نجد أنفسنا نضع التخمين فى مكان الدليل. هناك من قبل الرسالة للعبرانيين فى الكنيسة الأولى، و لكن بدلاً من أن يقولوا أن كاتبها هو بولس الرسول، و هى النقطة التى لا يوجد عليها دليل، أصروا قائلين "الله وحده يعلم الكاتب الحقيقى". و مع ذلك، فإن فى وقتنا الحاضر، رغم أنه لا يوجد أى دليل جديد، فإن للكثيرين الشك أو عدم الإعتقاد أن القديس بولس هو كاتب الرسالة نفسه، و الشك أو عدم الإعتقاد فى سلطة الرسالة القانونية، هو شىء واحد فقط بالنسبة لهم. و لكن هذا الإسلوب فى التعامل مع النص المقدس مختلف جداً عن الإسلوب الذى يجب أن نجده لدى الذين لديهم الرسالة ككلمة الله.

و لهذا فأنا أنظر لهذا المقطع كإضافة أصيلة أضافها كاتب غير معروف لما كتبه مرقس عن تعليم القديس بطرس (كما نعلم من شهادة معاصريهم، يوحنا الشيخ)؛ و أن هذا المقطع يجب أن يُستلم كجزء من إنجيلنا الثانى، مثلما نقبل الإصحاح الأخير من سفر التثنية كالخاتمة الصحيحة و المناسبة لكتب موسى، و هو الإصحاح الذى لا نعرف من هو كاتبه.

لا أستطيع أن أقول سوى أن الكثيرين من المعتقدين فى الحقيقة المستقيمة و الإنجيلية يضيقون مجال رؤيتهم للنص المقدس بمعاملتهم للنص المقدس (ربما دون إدراك) كأنما يجب أن نأخذ الأفكار والعقل وقياس فهم كل كاتب أعطاه الروح القدس على حدى. لكن هذا سيعوق إستلامنا للنص المقدس عملياً، بمعناه الكامل، بإعتباره من الله؛ أى أنه نص مُوحى به. لأنه إذا كان نص مُوحى به، فإن الكاتب الحقيقى الكامن فيه هو الله، و ليس الكاتب بشخصه، سواء كان هذا الكاتب معروف أم غير معروف.

نحن نعرف من يوحنا الشيخ عن مصدر إنجيل مرقس أنه تسجيل لتبشير بطرس الرسول الشفوى؛ و نحن لدينا شهادة تلميذ هذا المسيح الذى عاش طويلاً حينما كان على الأرض (فى تسجيل هذه الحقيقة): أن مرقس لم يخطأ فى أى شىء. و لكن حتى مع وجود هذه الحقيقة، أن مرقس لم يخطأ فى شىء، فإننا لو إعتقدنا فى التأليف البشرى المجرد، فإن اسئلة كثيرة ستتغير؛ و لكن إذا قبلنا الوحى كحقيقة، فإن الفحص فى علاقة المؤلفين البشريين سيصبح أمر ثانوى فى أهميته. و هذه هى القيمة الحقيقية: أن نعرف أن الرسل قد حملوا الشهادة لما رأوه من أعمال المسيح، و أنهم قد أُوحِى لهم ليكتبوا كشهود عيان و سماع بأفعاله و تعليمه. و لذا من الهام أن نعرف أن فى هذا الإنجيل نحن لدينا شهادة بطرس التى أكدها يوحنا الشيخ؛ و لكن القيمة الجوهرية الحقيقية لتسجيل حياة يسوع للتعليم المستمر للمؤمنين، هى وحى الروح القدس الذى يكون كتابات معينة فى النص المقدس.

هذه النصوص التى قُبِلت بالأصل بناء على خلفيات جيدة كهذه، و التى إنتقلت لنا بتأصيل، نستطيع أن نقبلها بثقة و تقدير، حتى لو كنا لا نعرف القلم الذى سجلهم".

إنتهى نص كلام تريجليس، و لعل الرسالة تحتاج إلى توضيح. إن المبدأ الذى يعتمده تريجليس هو أن هذه الخاتمة، أى الخاتمة الطويلة (16 : 9 – 20)، هى خاتمة تم قبول قانونيتها فى الكنيسة الأولى منذ القرن الثانى "على الأقل". و فى نفس الوقت، فإن هذا القبول صاحبه شهادة مستمرة على أن كاتب هذه الخاتمة ليس هو مرقس. بناء على ذلك، يبنى تريجليس قضيته على نقطتين: الأولى هى أن هذه الخاتمة قُبِلت قانونيتها منذ القرن الثانى، و الثانية هى أن الدليل التاريخى يقول أن مرقس لم يكتب هذه الخاتمة.

يبدأ تريجليس بعد ذلك فى التوضيح للقارىء أن هناك فارق بين كاتب النص و قانونية النص. ليس معنى أن الكاتب ليس هو مرقس أن النص ليس قانونياً و ليس نصاً مُوحى به. و يعطى مثالاً على ذلك، و هو الرسالة إلى العبرانيين. يؤكد تريجليس أن من قبل قانونية الرسالة إلى العبرانيين، هو نفسه الذى قال أن الله وحده هو الذى يعلم كاتبها، فى إشارة إلى اوريجانيوس. و لذلك يدعو القارىء إلى عدم الوقوع فى خطأ الخلط: ليس معنى أن كاتب النص ليس مرقس هو أن النص غير قانونى. و بناء على أن هذا النص، الذى يحتوى على صعوبات تفسيرية بالغة بالمقارنة مع بيانات القيامة الموجودة فى بقية الأناجيل، قد ظهر فى خلال العصر الرسولى، و قد إستلمته الكنيسة دون تردد، فإن يجب علينا أن نفسر سبب قبول الكنيسة لهذا التاريخ المُسجل فى الخاتمة رغم أنه ليس بقلم مرقس. يضع تريجليس هذا التفسير على أنه "حقيقة التاريخ" المُسجل فى هذا النص.

إن الجوهر الرئيسى لإحتجاج تريجليس هو: ليس معنى أننا لا نعرف الكاتب أن النص ليس وحياً من الله. و فى هذا نلاحظ أن تريجليس لم يتعرض للوحى سواء بماهيته أو إستدلاله، نظراً لأن الضمان الوحيد على أن هذا الكتاب هو كلمة الله هو معرفة الفرد الشخصية بالله. لا يجب أن نستغرب ذلك أبداً، لأن الدليل قاصر و لن يسير الرحلة كلها، و سنحتاج عند حد معين أن نكملة المسيرة نحو الله بإيماننا و ثقتنا التى وضعناها فيه.

يمكنك معرفة تفاصيل أكثر فى كتاب "خاتمة مرقس بين النقد و دحض النقد" و الذى يحتوى على نظريتى الخاصة بأن مرقس هو الكاتب، و أيضاً مقال "قراءة ثانية للخاتمة و الزانية" الذى ستجد فيه دفاعاً منهجياً عن قانونية الخاتمة، جنباً إلى قصة الزانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!