الاثنين، 28 ديسمبر، 2009

فيربروج مع القراء


الإخوة الأحباء قراء المدونة. فى هذا الشهر قمت بعمل حوار مع العالم فيرلين د. فيربروج، الذى يعرفه الكثيرين منكم من خلال قاموسه الضخم "القاموس الموسوعى للعهد الجديد". نُشِر هذا الحوار على المدونة (أنظر هنا)، و جاءت أسئلة من بعض الإخوة المباركين. و نظراً لأن الأسئلة إستهلكت وقتاً فى الإجابة، حيث أراد فيربروج أن تخرج الإجابات فى أفضل صورة ممكنة، أنشر هنا هذه الأسئلة مع الإجابات التى قدمها فيربروج. نصلى أن يبارك الرب فى موهبته العظيمة، حتى يستمر فى العطاء العلمى و محبته الغزيرة.

1- ماذا تعتقد حول القراءات الموجودة فى مخطوطات العهد الجديد؟

صحيح أنه هناك قراءات كثيرة فى مخطوطات العهد الجديد، و لكن هناك عد ملاحظات يجب أن تُؤخذ فى الإعتبار:

أولاً: أن وجود القراءات أمر طبيعى جداً بسبب حقيقة أن البشر حينما ينسخون أى شىء باليد، فإن هناك أخطاء تحدث. الناسخ قد يكون مُرهقاً ولا يرى الكلمات بشكل صحيح، أو المخطوطة التى ينقل عنها خطها سىء، أو أن العين قد تتخطى سطر و تنتقل لسطر آخر، خاصةً إذا كانت الكلمات الأخيرة فى كليهما واحدة. و فى بعض الأحيان تُنسخ الكلمات بشكل إستهجائى مختلف فى أماكن مختلف. مثال معاصر لذلك الفرق بين كلمة "لون" فى اللهجة الأمريكية Color و فى اللهجة البريطانية Colour. كل هذه الأشياء تُعتبر قراءات.

ثانياً: أنظر لهذه بإعتبار: لا يوجد عقيدة واحدة مركزية فى الكتاب المقدس تستند على قراءة مختلفة. الغالبية العظمى من هذه القراءات ثانوية جداً حتى أنهم لا يؤثرون فى معنى النص، و بكل تأكيد لا يوجد عقيدة مسيحية مركزية مأخوذة عن قراءة موجودة فى مخطوطة واحدة فقط. العقائد المركزية للنصوص المقدسة مبنية على الكثير من المقاطع الكتابية.

ثالثاً: عن طريق آليات المنهج العلمى الخاص بالنقد النصى، فإن القراءة الأصلية التى كتبها المؤلفين الكتابيين يمكن تحديدها بما أستطيع أن أسميه دقة عالية تبلغ 99 %. و النص اليونانى للعهد الجديد الذى نشرته جمعيات الكتاب المقدس المتحدة يقبله كل العلماء المحافظين، الليبراللين، و حتى الكلاسيكيين.

رابعاً: ملاحظة أخرى يجب الإنتباه لها، هى أن كل كاتب من العالم القديم لدينا أكثر من مخطوطة لكتاباته سوف يُوجد به قراءات أكثر. فى حالات كثيرة، هناك مخطوطات قليلة متوفرة. لكن العهد الجديد له أكثر من 5000 مخطوطة متوفرة، و كلما زادت المخطوطات المتوفرة، كلما زادت القراءات لدينا، و لكن أيضاً ستزيد الثقة بأننا لدينا ما كتبه المؤلف الأصلى.

غالبية الناس لا يشككون فى الكتابات الأصلية لأفلاطون أو آريستوفانيس مثلاً، فلماذا يشككون إذن فى تماسك الكتاب المقدس قائلين أشياء مثل "لا يمكنك أن تثق فى الكتاب المقدس". أنا شخصياً أعتقد أن هناك سببين لذلك:

السبب الأول: أنهم لا يريدون أن يؤمنوا بالكتاب المقدس، و لهذا يقولون:"لا يوجد لدينا المخطوطات الأصلية". و بهذه الطريقة يتخيلون أنهم لا يجب عليهم الإيمان بكتابات الكتاب المقدس.
السبب الثانى: حينما يشككون فى دقة الكتاب المقدس، فإن الصحافة تهتم بهم على نطاق شعبى، و هم يحبون هذا الإنتباه الشعبى الذى يتلقونه.

لاحظ أن أولئك الذين يقومون بالعمل الصعب جداً للوصول إلى القراءات الأصلية، لا يحاورهم أى صحفى أبداً؛ فإن عملهم بالنسبة لهم ممل جداً! إننا عن طريقة الدراسة و العمل الشاق، نستطيع أن نكون واثقين بنسبة أعلى من 99 % أن الكلمات التى نقرأها فى الكتاب المقدس كانت هى الكلمات التى كتبها فعلاً متى، مرقس، لوقا، يوحنا، بولس و آخرين. و لهذا أنا اؤمن أن هذه الكلمات هى كلمات الله التى أرسلها لى.

2- كثيرين آخرين إستخدموا "ايجو ايمى" فى الكتاب المقدس، فهل يجب أن نعتقد أنهم يدعون الإلوهية؟

أنا اعرف بالفعل أنك ستجد كُتّاب آخرين فى الكتاب المقدس تكلموا عن نفسهم و إستخدموا ايجو ايمى. مثلاً، بطرس يقول فى أع 10 : 21 حينما جاء إليه بعض الزوار و قرعوا على بابه:"انا هو (ايجو ايمى) الذى تبحثون عنه". و لكنك ستلاحظ أن بطرس أضاف شىء ما بعد ايجو ايمى، و هو قوله "الذى تبحثون عنه". و لكننى لا أعرف أى شخص فى العهد الجديد يقول عن نفسه هكذا بكل بساطة كما قال يسوع فى يو 8 : 58:"ايجو ايمى"، هكذا فى صياغة مطلقة دون أن يضيف أى شىء آخر. و هذا مهم لأن يسوع يطبق على نفسه نفس التعبير الذى استخدمه الرب الإله فى خر 3 : 14 و لا يضيف شىء آخر بعده. فقط يسوع يقول "ايجو ايمى" بشكلها المُطلق!

3- البعض يستخدم كو 1 : 15 و رؤ 3 : 14 ليستدلوا على أن الكتاب المقدس يعترف بأن يسوع هو مجرد مخلوق خلقه الله. هل يمكن أن تشرح لنا هذين النصين لغوياً؟

بالنسبة لرؤيا 3 : 14، فإن الكلمة اليونانية المُستخدمة هنا هى "آرشى". هذه الكلمة تعنى "بداية" و لكنها أيضاً تعنى أيضاً "المتسلط". سياق النص هو الذى يحدد أى معنى هو الأفضل. ترجمة كينج جيمس تقرأ "بداية خليقة الله"، و لكن الترجمة الدولية الحديثة تقرأ "المتسلط على خليقة الله". و لأن سفر الرؤيا يصور يسوع جالساً على العرش فى أماكن كثيرة، فإن المعنى "المتسلط" هو الأفضل، فلا يوجد سوى القليل جداً فى سفر الرؤيا عن عقيدة الخلق. الآن أنا أعرف أن الترجمة المنقحة القياسية الجديدة تقرأ "أصل خليقة الله". و لكن هذا المعنى يتفق أيضاً، لأن كما يوحنا يقول فى يو 1 : 2 - 3، الكلمة كان فى البدء مع الله، و كل شىء خُلِق به. و هذه الترجمة تجعل من المسيح أزلياً مع الآب، موجوداً قبل أن تبدأ الخليقة حتى.

أما نص كولوسى 1 : 15 فيتكلم عن يسوع بقوله "بكر كل الخليقة". هذا يعنى أن يسوع مجرد مخلوق، صحيح أنه أول الخليقة التى صنعها الله، و لكنه مخلوق فى النهاية. و لكننا نحتاج أن ننظر حول معنى الكلمة "بكر" فى الكتاب المقدس. الكلمة المُستخدمة هنا فى العهد الجديد اليونانى هى "بروتوتوكوس". هذه الكلمة فى العهد القديم تُستخدم غالباً ليس للتعبير عن ترتيب ولادة شخص ما، إنما لكى تشير إلى العلاقة الخاصة لشخص ما بينه و بين الله. فى خر 4 : 22 مثلاً، يخبر الله موسى ليذهب لفرعون و يتكلم معه قائلاً:"اسرائيل هو ابنى البكر". و هذا يعنى أنه يوجد علاقة حب بين الله و اسرائيل؛ لا يوجد أى معنى أبداً لترتيب فى الولادة (و لو كان له أى معنى بهذا الشكل، فإن الاسرائيليين هم أولاد يعقوب، الذى هو اسرائيل نفسه، و لذا فيجب أن يُسمى شعب اسرائيل "الأبناء الثانيين فى الولادة"، و لكن الله يقول عنهم "البكر"). و فى مز 89 : 27 يتكلم الله عن داود و يقول عنه:"سوف أجعله ابنى البكر، أكثر الملوك سمواً فى ملوك الأرض". و مرة أخرى، لا نجد أى معنى يشير لترتيب فى الولادة. ففى الحقيقة، كان داود هو أصغر عضو فى عائلته. معنى كلمة "البكر" هنا هو أنه له مسئولية خاصة و ورث من الله. فى ثقافة العالم القديم، كان البكر بحسب ترتيب الولادة يأخذ نصيب إثنين فى الورث. إذن، فحينما يتكلم نص كولوسى 1 : 15 عن يسوع بكونه "بكر كل الخليقة"، فإنه يعنى أن الله قد إختار يسوع كوسيطه الخاص ليتسلط فوق الخليقة، تماماً كما داود مُختاراً ليتسلط على اسرائيل؛ إن النص لا يقول أى شىء أبداً عن يسوع كمخلوق. و هذا ما يؤكده أيضاً بقية الجملة، حيث يكتب بولس:"له خُلِقت كل الأشياء...كل الأشياء خُلِقت بواسطته و له. هو قبل كل الأشياء، و فيه يقوم الكل معاً". بكلمات أخرى، يسوع جالس على العرش كحاكم العالم. و بالمناسبة، هل إنتبهت لجملة:"هو قبل كل الأشياء"؟ فى هذه الجملة لديك تمييز قوى جداً للتوقيتات. قبل أن يُخلق أى شىء، كان يسوع موجوداً بالفعل.

يسوع غير مخلوق؛ و كل الأشياء خُلِقت به.

(ملاحظة من فادى: حينما كنت اترجم هذا السؤال للإنجليزية حتى يجيب عليه فيربروج، كنت أعرف أن الترجمات الحديثة تترجم نص الرؤيا Ruler of God's creation او originator of God's creation أى حاكم خليقة الله أو مصدر (أصل) خليقة الله، و نص كولوسى فى الترجمات الحديثة يقول firstborn over all creation أى البكر فوق كل الخليقة، و كلمة "فوق" تعكس نفاذ الكلمة اليونانية بروتوتوكوس. أين السؤال المطروح إذن؟ أين شبهة يسوع كمخلوق من السؤالين؟ فكرت جيداً، فأرسلت له النصوص بحسب كينج جيمس!).

4- هل كان يوحنا متأثراً بالفلسفة اليونانية و فيلو السكندرى حينما كتب عن "اللوجوس"؟

آه، هذا سؤال أستطيع أن أجيبه فى كتاب كامل! لكن سأضع بعض الأفكار فيما يلى:

بالنسبة للجزء الثانى من السؤال، أقول "لا". فيلو عاش فى الإسكندرية، و يوحنا كبر و ترعرع فى اليهودية و الجليل. منهج الإسكندرية فى تفسير النص المقدس (و هو المنهج المجازى فى فِهم النص المقدس) كان بعيداً كل البعد فى الإختلاف عن المناهج التى إستخدمها الرابيين فى اليهودية و الجليل. لو كانت كتابات يوحنا متأثرة بكتابات فيلو اليهودى، فكنا سنتوقع وجود بعض الأدلة التى تُشِير إلى المنهج المجازى فى كتابات يوحنا. و لكن لا يوجد أى دليل! يوحنا يعامل شخصيات العهد القديم على أنهم بشر حقيقيين و ليس مجرد رموز للعقل، السبب، الخطية...إلخ و هو منهج المجازيين.

أما عن الجزء الأول من السؤال: هل تأثر يوحنا بالفلسفة اليونانية حينما علمّ عن اللوجوس؟ إجابتى لهذا السؤال لها جزئين.

أولاً: حينما تنظر فى يو 1 : 1 - 18، فإن أول شىء سوف تفكر فيه هو العهد القديم. يوحنا يفتتح إنجيله قائلاً "فى البدء"، و هى نفس الطريقة التى يبدأ بها سفر التكوين. يقول يوحنا أن يسوع، الكلمة، كان موجوداً فى عملية الخلق "بغيره لم يكن شىء مما كان". و كيف خلق الله العالم؟ خلقه بكلمته! "و "قال" الله ليكن نور، فكان نور". إذن فيسوع كان الكلمة، اللوجوس، الذى إستخدمه الله لخلق الكون. أنظر لمزمور 33 : 6:"بكلمة الرب صنُعِت السماوات، و بنسمة فيه كل جنودها". لذا فحينما يتكلم يوحنا عن اللوجوس فى يو 1 : 1 - 18، فإنه يتكلم عن مفهوم يهودى جداً موجود فى العهد القديم؛ فهو يؤسس فكره على الكتاب المقدس العبرى.

بالإضافة إلى ذلك، يقول يوحنا "الكلمة صار جسداً و عاش بيننا". و هذا ليس أمر قالع أى فيلسوف يونانى أبداً. اليونانيين، خاصةً الأفلاطونيين و الأفلاطونيين الحدثاء، إعتبروا المادة شريرة أو متدنية؛ العقل، النفس، هما مكان الفكر، و هذا هو الموت عندهم. ففى الموت، الروح هربت من الجسد الذى كان يسجنها. اليونانيين لم يؤمنوا بقيامة الأموات؛ ففى النهاية بعدما هربت الروح من السجن، لما ستعود إليه مرة أخرى؟ أما المسيحية علمت بشىء مختلف جداً، أن الجسد، المادة، الجسم هى أشياء صالحة، ليست شريرة. فى الحقيقة، لقد فكر الله كثيراً حول قيمة الجسد البشرى حتى أن يسوع بعدما مات و دُفِن، أقامه الله من الموت و أعطاه جسد جديد. فيوحنا إذن يكتب كمسيحى و لم يحاول أن يجعل الإنجيل يبدو مثل الفكر اليونانى.

ثانياً: يوحنا قضى السنوات الأخيرة فى آسيا الصغر، ربما فى أفسس، حيث أحاط به مجتمع يونانى متأثر جداً بالفلسفة اليونانية. لذا فبالتأكيد كان يوحنا يعرف و هو يكتب إنجيله أن اليونانيين سيقرأونه. ففى النهاية، لقد كتب يوحنا إنجيله باليونانية! و لهذا فهو كتب عن اللوجوس، ليس ليجعل المسيحية ثقافة يونانية، و لكن ليعطى منظوراً مسيحياً لما آمن به اليونانيين و ما كانوا يتكلمون عنه. لقد كان يوحنا "يجيب" الفلسفة اليونانية، و ليس متأثراً بها. لقد تكلم يوحنا عن "اللوجوس الحقيقى"، النور الحقيقى الذى ينير حياة كل الفرد الآتى إلى العالم (يو 1 : 9). و المسيحيين مازالوا يقومون بهذا حتى اليوم. يقرأون كتابات الفلاسفة الذين لا يؤمنون بالله أو يسوع، مثل الوجوديين، الفلاسفة التحليليين، العدميين..إلخ. ثم يكتبون كتباً و يستخدمون نفس اللغة ليحاولوا إيصال الرسالة المحيية ليسوع و خلاصه العجيب فى لغة إعتاد أن يسمعها هؤلاء الناس. هذا هو ما يفعله المدافع، هو أو هى يحاولون مخاطبة الفكر الغير مسيحى فى كل جيل بحسب اللغة التى يفهمها كل جيل.

5- ما هو رأيك الشخصى حول السجال القديم عن طبيعة المسيح؟

أعتقد أنه كان أمراً محتوماً لا فرار منه أن تظهر اسئلة حول طبيعة المسيح. فكر بهذا الأمر: بمجرد أن قُبِل العهد الجديد قانونياً، أى قُبِل كإعلان الله لكنيسته، بدأ الناس يقرأون و يدرسون هذه الكتابات. هناك أشياء فى الكتاب المقدس تقول بأن يسوع كان إنساناً كاملاً: لقد أكل، و تعب (إحدى المرات كان متعباً جداً لدرجة أنه نام فى مركب خلال عاصفة مرعبة فى بحر الجليل)، و عطش، و كان لديه دماً فى عروقه. هذه هى كل صفات الكائن البشرى. و لكن كلمة الله المكتوبة تصرح أيضاً بإلوهية يسوع الكامل. تذكر ما كتبته عن يو 1 : 1 و عن ايجو ايمى فى يو 8 : 58. هناك أيضاً مقاطع أخرى فى العهد الجديد توضح أن يسوع هو الله (سوف أكتب عنهم فى سؤال لاحق). هل تستطيع أن تفهم كيف يمكن لشخص أن يكون 100 % إنسان و فى نفس الوقت 100 % الله؟ و فى نفس الوقت هو ليس كائنين مختلفين؟ أنا لا أستطيع أن أفهم ذلك. حينما لا يفهم المفكرين شىء ما، يحاولون فهمه بأى طريقة. و فى تاريخ الكنيسة، خرجوا بأجوبة مختلفة. البعض أكد على إنسانية يسوع و قالوا أن اللاهوت عاش بداخله لسنوات قليلة. البعض الآخر ركز على إلوهية يسوع و قالوا أنه "ظهر" فقط على أنه له جسد. البعض الآخر أراد أن يقسم طبيعتى المسيح بفصلهما، بينما أراد آخرون أن يمزجوهما معاً. و هكذا بدأت المناظرات للوصول إلى كيفية فِهم الرسالة الكاملة للعهد الجديد. و أنا أعتقد أن هذه المناظرات كانت مفيدة، لأن أخيراً و بعد بعض القرون، تم تطوير إجماع مُتفق عليه: يسوع هو 100 % الله و 100 % إنسان و نحن يجب أن نقبل بهذا السر العظيم. بعض الناس مازالوا لا يقبلون بذلك. المورمون كمثال، لا يؤمنون أن يسوع 100 % الله. و لكن بالنسبة لى، لا أجد مانعاً من أن أقول أننا لدينا هنا سر لا أستطيع أن أفهمه بكامله. ففى النهاية لو إستطعت أن أفهم الله، فسوف أكون أعظم منه، و أنا لست كذلك. و هذه هى رؤيتى حول السجال القديم حول طبيعتى المسيح.

6- بصفتك واحد من أكبر خبراء العالم فى اللغة اليونانية، هل يمكنك أن تخبرنا عن بعض النصوص التى تكلمت عن إلوهية يسوع بوضوح؟

أشرت قبلاً إلى بعض النصوص فى الحوار الرئيسى، و أعتقد أن نصوص مثل يو 1 : 1 و يو 8 : 58 (و هو أوضح نص عن ايجو ايمى) تعلم بأن يسوع هو الله. و لكن هناك مقاطع أخرى فى العهد الجديد تعلم بذلك أيضاً. تذكر حينما وقف لوقا أمام يسوع بعدما قام من الموت و قال:"ربى و إلهى" (يو 20 : 28). و قد بارك يسوع توما لأنه إعترف به هكذا. إسم "الرب" هام بشكل خاص، و يسوع دُعِى بالرب كثيراً فى العهد الجديد. مثلاً، حينما تقابل بولس مع يسوع فى الضوء اللامع القادم من السماء فى طريقه إلى دمشق، قال بولس:"من أنت يا رب؟". لقد عرف أن صوت يأتى من السماء لن يكون سوى صوت يهوه. الآن لاحظ أن الترجمة اليونانية للعهد القديم إستخدمت كلمة "كيريوس" للإسم الإلهى "يهوه" و هذا هو نفس ما فعله بولس حينما خاطب يسوع. فى الحقيقة، يقول بولس فى الرسالة إلى الرومانيين أنك لو أردت أن تخلص فعليك أن تعترف بفمك أن يسوع هو رب، أى أن يسوع هو يهوه، و تؤمن من كل قلبك أن الله أقامه من الموت. إن أقدم إعترافات الايمان المسيحية كانت بكل بساطة "يسوع هو رب" (أنظر أيضاً أع 10 : 36؛ 1 كو 12 : 3؛ فى 2 : 11 و كو 2 : 6).

و فى سفر الرؤيا، يتكلم يسوع مع يوحنا، الشخص الذى يتلقى الرؤى، و قد أُخبِر أن يعطى رسائل لسبعة كنائس فى آسيا. يستخدم يسوع ألقاب عديدة ليصف نفسه، مثل:"هذه هى كلماته، الأول و الآخر" (رؤ 2 : 8). هذا هو بالضبط ما قاله الله يهوه عن نفسه فى سفر اشعياء:"هذا هو ما يقوله الرب، ملك اسرائيل و مخلصها، الرب القدير: أنا هو الأول و أنا هو الآخر، و غيرى لا يوجد إله" (اش 44 : 6؛ اش 48 : 12). لا يوجد وسيلة للتهرب من هذه الرسالة حول ما يقوله يسوع عن نفسه هنا: هو الله و هو الرب.

ثم أنظر أيضاً لما يقوله بولس عن يسوع فى تيطس 2 : 13، حينما يتكلم عن "الظهور المجيد لإلهنا العظيم و مخلصنا، يسوع المسيح". يسوع ليس مجرد مخلص فى هذا النص، إنما هو الله العظيم أيضاً. و هذا هو نفس ما يقوله بطرس فى 2 بط 1 : 1، حينما يكتب:"لأولئك الذين من خلال بشر إلهنا و مخلصنا يسوع المسيح قد قبلوا ايماناً نفيساً مثل الذى لنا". إذن، فإن كل من بولس و بطرس يقولان عن يسوع "إلهنا و مخلصنا".

أخيراً، أنظر إلى ما يقوله يسوع عن نفسه فى مقطع يُسمى "التفويض العظيم". فى هذا المقطع يُعلم تلاميذه أن يعمدوا المؤمنين الجدد "باسم الآب، و الابن، و الروح القدس" (متى 28 : 19). لاحظ أنه يوجد إسم إلهى واحد فقط، و لكن هناك ثلاثة أشخاص يحملون هذا الاسم "الله": الآب، الابن، و الروح القدس. و هذا بالمناسبة واحد من الأدلة الرئيسية على عقيدة الثالوث. هناك مقاطع أخرى، و لكن هذه المقاطع بعض أوضح المقاطع التى تعلم بإلوهية الرب يسوع المسيح، ابن الله.

7- بمقارنة التواريخ المذكورة فى العهد الجديد، خاصةً فى الأربع أناجيل (مثل ميلاد يسوع، موت هيرودس، الإحصاء) مع الأدلة التأريخية الموجودة فى أفضل المصادر الخارجية، ما هى نسبة دقة تواريخ العهد الجديد؟ هل نستطيع أن نقول آمنين أن الأدلة التأريخية تعدم تأريخات العهد الجديد؟

إجابة هذا السؤال حتى تكون كاملة تحتاج كتاب كامل، حتى نأخذ كل تاريخ منفصل و نقوم بدراسته و تحليله. و لكن دعنى ألقى بعض الأضواء على بعض الأمور الهامة:

أولاً، أريد أن أتكلم بشكل رئيسى على لوقا. لوقا كان باحث حريص. أقرأ نص لو 1 : 1 - 4، حيث يقول لوقا أنه قد فحص بدقة المصادر التى إستخدمها، و قد ذكرها بالعديدة، و و حاول أن يكتب بيان مفصل. و لاحظ أيضاً أن لوقا يضع قصته لحياة المسيح و كنيسة العهد الجديد فى سياق التاريخ العالمى (أنظر لو 2 : 1 - 2 و 3 : 1 - 4). لقد أثبت العالم و السير ويليام رامساى منذ زمن طويل أن لوقا كان مؤرخاً دقيقاً، و لكن العديد من العلماء اليوم لا يعرفون أى شىء عن عمله. لقد كان عالماً كلاسيكياً فى القمة، و قد قرر أن يختبر أعمال الرسل بالمقابلة مع التاريخ الرومانى. كان لدى الرومان أشكال متنوعة للحكومات لأنواع متعددة من المدن و المقاطعات، و كان لديهم أسماء مختلفة للحكام. بالإضافة إلى ذلك، بعض هذه المدن غيرت الأنظمة الحكومية فى القرن الأول. توصل رامساى أن فى كل حالة، إستخدم لوقا الكلمة الصحيحة لنوع المقاطعة و الإسم الصحيح للحاكم الرسمى. لم يجد أى خطأ فى بحث لوقا.

لكن هذا لا يعنى بالتأكيد أنه لا يوجد أى صعوبات. مثلاً، نحن مازلنا لا نملك تأكيداً على أن كيرينيوس كان حاكماً لسوريا فى وقت ميلاد يسوع؛ نحن نعرف بالفعل أنه كان حاكماً لسوريا و لكن بعد عشرة سنوات لاحقة. و لكن تسجيلات سوريا من هذا العصر ليست كاملة، ولا يوجد سبب يجعلنا نرفض أن كيرينيوس كان لديه فترتين كحاكم، واحدة مبكرة فى زمن ميلاد يسوع و هى الغير مُسجلة فى المصادر القديمة، و أخرى لاحقة و هى المُسجلة؛ و لكن هناك وثيقة تُدعى "حجر طيبر" Lapis Tiburtinus تقترح أن كيرينيوس كان له فترة حكم سابقة. أو أن كيرينيوس، الذى أصبح حاكماً فيما بعد، قد يكون أشرف على احصاء هيرودس قبل أن يصبح حاكماً. بكلمات أخرى، نحن لا يوجد لدينا وثائق قديمة كاملة، ولا يجب أن نتهم لوقا بالزلل، و إتهام كلمة الله بالخطأ التاريخى، فى الوقت الذى لا يوجد فيه لدينا تسجيلات "سنة بسنة" من المصادر اليونانية و الرومانية.

هناك صعوبات أيضاً فى ربط بعض التواريخ الموجودة فى أعمال الرسل للتواريخ المذكورة فى رسائل بولس عن رحلاته و تنقلاته. و لكن يجب أن تتذكر ذلك دائماً: لا بولس و لا لوقا كان هدفهما الرئيسى هو كتابة تاريخ بحسب مقاييس القرن العشرين و الواحد و العشرين، إنما كان هدفهما هو كتابة قصة يسوع و نشر الإنجيل، و هو الأمر الذى تم فى القرن الأول. لا يمكننا أن نقول أن بولس أو لوقا أخطأوا لأنهما لم يضعا حواشى footnotes يوثقان الوثائق القديمة، و هو الأمر الذى يحدث اليون و لكن لا يحدث فى القرن الأول.

فى النهاية، هناك تفسيرات معقولة لكل تاريخ فى العهد الجديد. تستطيع أن تقرأ عنهم فى "الكتاب المقدس الآركيولوجى"، الذى ذكرته فى الحوار الرئيسى، أو فى تفسيرات كتبها العلماء المؤمنين. حسناً، فادى، كانت هذه صورة عامة عن هذا السؤال. أستطيع بالتأكيد مجاوبة تاريخ مُحدد، و لكن هذا سيأخذ وقت طويل جداً للبحث فى الأناجيل اصحاح اصحاح، و تاريخ تاريخ لإجابة كل تاريخ منفصل.

8- ما هى جودة يونانية العهد الجديد؟

لا يوجد يونانية أفضل من اليونانية الكلاسيكية، و التى تكلم بها الناس و كتبوا بها فى القرنين السادس و الخامس قبل الميلاد، مثل يونانية أفلاطون، أرسطو، سقراط). فى القرنين الرابع و الثالث قبل الميلاد، قام الإسكندر المقدونى و خلفاؤه بنشر الثقافة اليونانية فى العالم القديم كله، و اليونانية أصبحت اللغة التى يتكلم بها غالبية البشر، بالإضافة إلى لغتهم الأم. و بينما يحدث ذلك، فإن لغة الناس الذين نموا و هم لا يعرفون هذه اللغة، تتغير على نحو هام، مثلما يحدث فى الإنجليزية اليوم. اليونانية لغة صعبة، و لغة ملتوية، تحب أسماء الفاعل و المفعول، الفقرات، و الجمل المُركبة، و لكن اليونانية التى تكلم بها الناس فى الإمبراطورية الرومانية فى القرون السابقة على المسيح لم تكن مُعقدة بهذا الشكل. هذه اليونانية تُسمى "اليونانية الهيلينية"، و هى اليونانية التى تكلم بها ناس مثل فيلو و يوسيفوس. بالإضافة إلى ذلك، فعلى مستوى القاعدة الشعبية، أصبحت اللغة أسهل و أبسط، و هذه تُسمى "اليونانية الكوينية"، أى اليونانية العامية. العهد الجديد كُتِب باليونانية الكوينية. بعدما قلت ذلك، يجب أن أتعجل و أقول أن بعض من مؤلفى العهد الجديد قد إستخدموا يونانية أفضل من آخرين. تظهر الإختلافات فى هل المؤلفين (أو بعض الأحيان، النُساخ) قد نموا فى مناطق تتكلم باليونانية أو الآرامية. لوقا (الذى يبدو أنه أتى من ترواس) و بولس (الذى يبدو أنه أتى من كيلكيليا) كتبوا بالكوينية جيد جداً، بل و حتى نستطيع أن نقول يونانية هيلينية. من أفضل اليونانى المُستخدم فى العهد الجديد هو الرسالة إلى العبرانيين (أى كان كاتب هذه الرسالة فيبدو أنه قد عاش فى الإسكندرية، التى كانت مركزاً للثقافة اليونانية الهيلينية فى القرن الأول). أما الأناجيل فلم تُكتب بإسلوب يونانى جيد، رغم أن فى الغالبية كُتِبت بشكل صحيح نحوياً. تستطيع أن تقول من خلال يونانية الأناجيل أن المؤلفين كانوا متأثرين بيونانية السبعينية، و هى الترجمة اليونانية للعهد القديم العبرى. و بلا شك، فإن أبسط يونانية فى العهد الجديد هى يونانية إنجيل يوحنا.

أما أسوء يونانية فى العهد الجديد هى سفر الرؤيا. مثلاً، يوحنا، كاتب السفر، أراد فى بعض الأحيان أن يجعل كلمتين، مثل إسم و صفة، يرتبطان ببعضهما البعض، و حينما تفعل ذلك فى اليونانية يجب أن تضعما فى نفس الحالة. و لكن مؤلف الرؤيا أحياناً يضعهما فى حالات مختلفة. لا أحد يعرف على وجهة الدقة السبب وراء ما نستطيع أن نسميه "أخطاء نحوية" فى سفر الرؤيا. البعض يقول أن يوحنا كان مشدوداً جداً للرؤى التى كان يتلقاها حتى أنه كان عليه أن يكتب بسرعة جداً فلم يفكر أن يجعل كل شىء صحيح نحوياً. و البعض يقول أن يوحنا كان معزولاً فى جزيرة بطمس وحده حينما كتب الرؤيا حتى أنه لكن لديه ناسخ أو مساعد يراجع اللغة، و أنا أتفق مع رأى هؤلاء العلماء.

إذن، بإختصار، هل يونانية العهد الجديد جيدة؟ الإجابة هى نعم و لا، و هذا يعتمد على الكاتب، نوعية الكتاب (سرد قصصى أم رسائل؟) و الموقف الذى يكون فيه الكاتب.

9- هل تطورت اللغة اليونانية عبر الزمان، من القرن الأول للخامس مثلاً، بما يسمح للناسخ أن يغير كلمة قديمة ليست سائدة فى عصره لكلمة أخرى بديلة لها و لكنها معاصرة له؟

لا أعتقد أننى سأكون إيجابياً نحو هذا السؤال، أن النساخ قد غيروا فى الكلمات ليستخدموا كلمات معاصرة. بالتأكيد هذا إحتمال ممكن. هذه هى طبيعة الترجمة نفسها. أعرف أنك لو قارنت بين عهد جديد باليونانية الحديثة و عهد جديد باليونانية القديمة، سوف تجد كلمات كثيرة، كثيرة جداً، مختلفة جداً. اللغات تتطور، و لذا يجب علينا أن نتكلم بشكل مختلف، و إلا فسوف نفقد القدرة على التواصل. و لكن دعنى أربط هذا السؤال ببعض تفاصيل النقد النصى. أنظر لنص لوقا 2 : 43، و الذى يقرأ أن يسوع بعدما ذهب للفصح و هو ابن إثنتى عشر عاماً و تخلف عن أسرته و تركهم فى اسرائيل:"لم يعرف أبواه". الآن إذا نظرت فى بعض المخطوطات المتأخرة للعهد الجديد، ستجد النص يقرأ:"يوسف و أمه لم يعرفا". لماذا يُقرأ النص هكذا؟ حسناً، الأناجيل واضحة بصراحة فى أن يوسف ليس هو أب يسوع، إنما الله الروح القدس هو أبيه. لذا فإن القول "أبواه" لم يعرفاه ليس صحيحاً لاهوتياً، لأن الله الذى هو أبيه يعرف جيداً أين كان يسوع؛ لذا فمن الأدق القول "يوسف و أمه لم يعرفا". و هذه هى قراءة ترجمة كينج جيمس. إذن ففى نقطة ما فى إنتقال النص، ناسخ ما غيرّ "أبواه" إلى "يوسف و أمه".

الآن، هذا شىء رهيب الحدوث، أليس كذلك؟ أن تغير ما كتبه لوقا، كاتب الإنجيل المُوحى به؟ حسناً، أنا لن أحكم على هذا الشخص الذى أدخل هذا التغيير. و لكن ها هى النقطة الرئيسية: نحن لدينا الآن مخطوطات أقدم تقرأ "أبواه" بها بدلاً من "يوسف و أمه". و بغض النظر عما حدث فى وقت ما فى القرن السابع أو الثامن أو فى أى وقت، نحن الآن نستطيع أن نعرف ما الذى كتبه لوقا لسبب بسيط: نحن الآن لدينا مخطوطات أقدم. فى الحقيقة، أقدم قطعة من وثيقة للعهد الجديد لدينا الآن ترجع لعام 125 م. تقريباً. إنها قطعة من إنجيل يوحنا، و قد نُسِخت فى أقل من 50 عاماً بعدما كتب يوحنا إنجيله على أقصى تقدير. و بالفحص الدقيق فى أعمار المخطوطات و اسلوب الكتابة و ببفحص الكتابة الدقيقة أو التى زلت فى بعض الأوقات لكل وثيقة، نحن نستطيع أن نحدد، كما قلت سابقاً، بنسبة من الدقة 99 % ما الذى كتبه المؤلفين الكتابيين. لا يوجد وثيقة قديمة فى مثل دقة العهد الجديد فى تحديد أصولية نصوصه للمؤلف الأصلى.

لنأخذ مثال آخر. بعض الأحيان فى مخطوطات العهد الجديد، النحو فى جملة معينة لا يسير صحيحاً، و من الصعب أن تحدد ما الذى كان يريد أن يقول الكاتب الأصلى. ثم تنظر نفس الجملة فى مخطوطات أخرى، و عادةً تكون متأخرة، و فجأة تجد النحو يسير بشكل لطيف. إذن السؤال الآن هو: أى جملة هى التى كتبها المؤلف الكتابى؟ الجملة التى تحتوى على نحو صعب أم على نحو سهل؟ حسناً، هناك قاعدة فى النقد النصى، و هى تبدو معقولة جداً، أنه من المرجح بالأكثر أن جملة ستسير من النحو السىء للنحو الأفضل عن من النحو الأفضل و المتناغم للنحو السىء. فالناسخ المتأخر سوف يحاول أن يجعل الأشياء أكثر وضوحاً. و لكن مرة أخرى تبرز النقطة الممتعة حقاً. فى نسخ العهد الجديد اليونانى التى يستخدمها العلماء اليوم (يو بى اس 4 أو نيستل - آلاند 27) سوف نجد الجملة التى تحتوى على نحو ضعيف، لأنها هى ما كتبه المؤلف الكتابى على الأرجح. إذن مرة أخرى، نحن نستطيع عن طريق قواعد النقد النصى أن نحدد ما الذى قاله النص الأصلى للعهد الجديد. و هذا هو هدفنا: أن نجد ما الذى قاله العهد الجديد بالتحديد كما كُتِب. فبوجود ما يزيد عن خمسة آلاف مخطوطة نستطيع النظر فيهم، يمكننا أن نثق أننا لدينا، بلا سؤال يُذكر تقريباً، ما قاله العهد الجديد كما كُتِب أولاً.

10- إستناداً إلى خبرتك فى اللغة اليونانية، هل الإسلوب اللغوى فى كتابات يوحنا هو اسلوب واحد؟ و ماذا عن رسائل بولس؟

أعتقد أن السؤال هنا يقول: هل إسلوب الكتابة فى إنجيل يوحنا و رسائله هو إسلوب متماسك مما يعنى أن الكاتب هو شخص واحد؟ إجابتى لهذا السؤال هى "نعم". الطريقة التى يستخدمها يوحنا فى صياغة الكلمات و اللغة اليونانية البسيطة التى يكتب بها تقول أن نفس الكاتب هو الذى كتب هذه الكتابات كلها. لكننى لا أستطيع أن أقول نفس الكلام عن سفر الرؤيا، فله إسلوب مختلف بوضوح. و يختلف العلماء فى شرح هذا الموضوع. و هذه الرؤى تسير كالتالى:

أولاً: العنوان الوحيد الذى يعطيه المؤلف لنفسه فى الرؤيا هو "يوحنا الشيخ". لا يقول "يوحنا الرسول". لذا يقول البعض أن مؤلف الرؤيا و إنجيل يوحنا شخصين مختلفين. الآن كلمة "الشيخ" تعنى ببساطة رجل عجوز، إذن فمن الممكن أن يكون الكاتب، يوحنا، يُشير لنفسه ببساطة على أنه رجل عجوز. بالإضافة إلى ذلك، كاتب سفر الرؤيا لا يحاول بأى شكل أن ينتحل شخصية يوحنا. إذا كان شخص ما يحاول أن ينتحل شخصية يوحنا، كان سيقول هذا الشخص و هو يعرف نفسه "يوحنا الرسول".

ثانياً: لاحظ أننا يمكننا توقع إسلوب مختلف فى الرؤيا لأن الرؤيا هى ما نستطيع أن نسميه "كتابة رؤيوية"، و هى الكتابات التى تحتوى على رؤى و وحوش و حروب و أشياء كهذه. و هذا النوع فى الكتابة يتطلب اسلوب مختلف. بالإضافة إلى ذلك، ففى رؤاه، يُخبَر يوحنا ما الذى يجب أن يكتبه؛ فهو لا يكتب شىء ما قرر أن يكتبه لكنائس آسيا الصغرى. بكلمات أخرى، بسبب طبيعة الرؤيا، فإن المفردات مختلفة و إسلوب الكتابة مختلف بالضرورة.

ثالثاً: كما كتبت سابقاً، إذا كان يوحنا يكتب بنفسه هذا السفر فى بطمس، فلم يكن لديه شهص ما يساعده فى تصحيح النحو و الإسلوب كما فعل تقريباً فى إنجيله و رسائله.

أنا شخصياً أعتقد أن يوحنا الرسول كتب سفر الرؤيا حينما كان رجلاً عجوزاً معجزولاً فى جزيرة بطمس بسبب الإضطهاد.

ماذا عن بولس إذن؟ يوجد تماسك أيضاً فى كتابات بولس، حتى نصل إلى الرسائل الرعوية (تيموثاوس الأولى و الثانية و تيطس). بولس يكتب مستخدماً جمل طويلة و غالباً يستخدم أسماء فاعل و مفعول كثيرة، و كثيراً يتكلم عن موضوعات مثل التبرير بالايمان (أى الإعتقاد فى يسوع) و كينونة الفرد "فى المسيح". هذه العناصر لا ترد فى الرسائل الرعوية كثيراً. لماذا؟ سبب رئيسى لذلك هو أن بولس يكتب لأصدقاء شخصيين له، و هو رعاة يخدمون عنه فى كنائس ساعد هو فى تأسيسها. أنت نفسك سوف تكتب بشكل مختلف إذا كنت تعلم راعى كيف يرعى كنيسة عن إذا كانت تعلم كنيسة كيف تعيش بحسب المسيح.

بالإضافة إلى ذلك، مرة أخرى، إذا كان شخص لديه الرغبة أن يزعم أن بولس هو الكاتب، فكان سيكتب بالتأكيد فى جمل طويلة بأسماء فاعل و مفعول كثيرة؛ و لكننا لا نجد ذلك فى الرسائل الرعوية. بولس حر ليكتب بالطريقة التى يقوده الروح بها؛ فأى شخص يريد أن ينتحل شخصية بولس سوف يحاول أن ينسخ إسلوب بولس فى هذه الرسائل.

أخيراً، لو قرأت رسالة تيموثاؤس الثانية، الإصحاح الرابع، سوف تجد الكثير من التعاليم التى لا يعطيها بولس فى الرسائل الأخرى، و أيضاً يكتب أسماء مجموعة من الناس الذين لا نعرف عنهم شىء، و البعض نعرف عنه مثل لوقا. لو أن شخصاً يحاول إنتحال بولس فلن يكتب تفاصيل كثيرة كهذه لناس غير معروفين و مواقف مجهولة.

و لهذا، رغم أن هناك الكثير من الإختلافات فى الإسلوب اليونانى فى بعض رسائل بولس، فلا يوجد سبب لدى عدد من العلماء ليقولوا أن بولس لم يكن ليكتب بهذه الطريقة.

فادى: شكراً د. فيربروج لمحبتك، نصلى أن يكون هذا العام الجديد عاماً مُباركاً لك و لأسرتك. صلى لأجلنا!

فيربروج: لقد سعدت أننى أستطيع أن أخدم المجتمع المسيحى فى مصر من خلال مكتبى فى شيكاغو! دائماً فى صلاواتى و الرب معكم و يعضد خدمتكم لأجل نشر و الدفاع عن إنجيل المسيح. عام سعيد ملىء بالبركات لك و لكل القراء!

هناك تعليق واحد:

  1. لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة30 ديسمبر، 2009 9:55 م

    سلام و نعمة عزيزي فادي,,

    مقالة مهمة جدا من عالم مهم جدا,,

    اجوبته البسيطة رائعة و هي تحمل الجواب دون تعقيد او تكلف و بطريقة يفهمها الجميع,,

    الرب يبارك تعبك و انا متابع دوما لما تكتب و سامحني على قلة التعليق على مقالاتك و التي جميعها تستحق الثناء و الشكر.

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!