الأحد، 20 ديسمبر، 2009

هل لفق العهد الجديد النبوات؟


"الراسخون فى العلم"
(8)
هل لفق العهد الجديد النبوات؟
بول كوبان


فى هذه المقالة يحدثنا العالم القدير بول كوبان، رئيس قسم الفلسفة و اللاهوت الأخلاقى بجامعة بالم بيتش (انظر موقعه هنا)، عن مفهوم "النبوة" و كيفية إتمامها فى العهد القديم. يعرفنا هذا العالم، أحد أكبر الفلاسفة المسيحيين فى العالم اليوم، أن مفهوم إتمام النبوة أوسع و أشمل من مجرد الإتمام الحرفى لنبوة معينة هنا و هناك فى العهد القديم. مصدر هذه المقالة هو مرجع هذه السلسلة (راجع الجزء الأول منها): الكتاب المقدس الدفاعى، ص 1408 – 1409.


هل لفق العهد الجديد النبوات؟
بول كوبان
رئيس قسم الفلسفة و اللاهوت الأخلاقى بجامعة بالم بيتش
فلوريدا، الولايات المتحدة الأميركية


ربما تكون قد تعجبت حول لما يبدو أن بعض مؤلفى اسفار العهد الجديد يأخذون أعداد العهد القديم خارجاً عن سياقهم فى العهد القديم ليجعلوهم يتوافقون مع اللاهوت الذى يقدمونه حول تعاليم يسوع أو خدمته. و النُقاد يصرخون و يتهمون هذه الممارسات بـ "نبوات مُفبركة" تُشير أصلاً إلى أشياء أخرى غير مجىء المسيا. مثلاً، سياق النص فى:"من مصر دعوت ابنى" (هو 11 : 1) يُشير إلى خروج اسرائيل من مصر، و لكن متى يقول أن "الابن" كان يسوع الخارج من مصر (مت 2 : 15). و نص:"العذراء تحبل و تلد ابناً" (اش 7 : 14) تُشِير بشكل مباشر إلى زمن الملك أحاز، حيث سيُولد طفل كعلامة فى حياة اشعياء النبى (7 : 15 – 16؛ 8 : 4)، و لكن متى يقول أن مريم هى العذراء التى أتمت نص اشعياء (مت 1 : 22 – 23). و دموع راحيل (ار 31 : 15) تُشِير غالباً إلى الحداد على مملكة يهوذا حيث قد تم سبيها بواسطة البابليين فى عام 586 قبل المسيح، و لكن متى يتكلم عن دموع الأمهات بعد قرار هيرودس بقتل كل الاولاد دون السنتين فى بيت حلم حيث دُفِنت راحيل (مت 2 : 18).

يقول النقاد – و المسيحيين أيضاً – أن النبوة Prophecy تعنى "التوقع" Prediction و الإتمام يعنى "تحقيق التوقع". و إنطلاقاً من هذا الأساس، يصل النقاد إلى أن هذه النبوات هى "تنبؤات مفبركة". و لكن هذا الإتهام تأسس على خطأ كبير جداً، و فى بعض الأوقات يقع فيه المسيحيين أيضاً:

· أولاً، إذا أراد مؤلفى كتب العهد الجديد أن يسرقوا نصوص من العهد القديم ليثبتوا لاهوتهم، فلماذا، مثلاً، لا يقوم لوقا – الذى يذكر الميلاد العذراوى – بإقتباس نص اش 7 : 14 كما فعل متى؟ و نفس السؤال يمكن سؤاله حول مقاطع أخرى مشابهة.
· ثانياً: التفسير اليهودى للعهد القديم فى زمان يسوع، كان يرى مفهوم "الإتمام" بشكل أوسع و أعرض بما يعكس تنوعات و فروقات دقيقة. و طريقة الإقتراب الحرفية من النص كانت مجرد وسيلة واحدة منهم.
· ثالثاً: و هو الأهم، أن كلمة "يتمم" (بلييروو فى اليونانية) فى العهد الجديد تُستخدم لتصور يسوع كمن يحمل التحقيق التام لأحداث العهد القديم أو خبراته (الخروج، العهد)، الشخصيات (يونان، سليمان، داود)، و العمل المؤسساتى (الهيكل، الكهنوت، الذبائح، الأيام المقدسة).

فالفعل "يتمم" لا يعنى بالضرورة ولا حتى بالدرجة الأولى للإتمام المجرد للتوقع. على العكس، فإن هناك نقطة لاهوتية يتم وضعها: الكثير من أحداث العهد القديم و أعماله المؤسساتية – التى ترتبط عادةً باسرائيل – هى عبارة عن ظلال لشىء ما أكبر و أعظم فى المسيح و المجتمع الجديد الذى أسسه (مثل دعوة المسيح للتلاميذ الإثنى عشر، و هو يتمم تذكار الأسباط الإثنى عشر فى اسرائيل). فيسوع هو الابن الحقيقى المحبوب الذى فشل اسرائيل فى أن يكونه (هو 11 : 1 و قارن مع مت 2 : 15؛ لو 3 : 22)، و هو الراعى الذى لم يستطع قادة اسرائيل أن يكونوه (حز 34 و قارن مع يو 10 : 1 – 18)، و هو الكرمة الحقيقية الأصيلة الحاملة للثمار التى لم يكونها اسرائيل (مز 80 : 8، 14؛ اش 5 : 1 – 7 و قارن مع يو 15 : 1 – 11).

و فى خدمته، كان يسوع يعيد تقنين تاريخ و خبرات شعب اسرائيل و لكن على مستوى أكبر و أعلى، مثل التجربة فى البرية للأربعين يوماً، و إعطاء "ناموس" جديد على الجبل فى متى 5 – 7، و البقاء فى "بطن" الأرض لمدة "ثلاث أيام و ثلاث ليال". لقد أخذ يسوع قدر و دور اسرائيل، حتى يأتى باسرائيل لمرحلة "الإتمام". ناموس موسى به الكثير من التنبؤات المسيانية، و لكن إتمام يسوع للناموس (مت 5 : 17؛ لو 24 : 44) يُشِير إلى إحضاره لإسرائيل ليتمم هذه التنبؤات فى شخصه.

بالتأكيد هناك تنبؤات حول مكان ميلاد المسيا (مثل ميخا 5 و قارن مع مت 2 : 5)، و حول موت المسيا و كفارته (اش 53)، و مجىء النبى المُرسل (تث 18؛ مل 3). و لكن إتمام العهد القديم يُشِير بشكل عام للفكرة الأوسع و الأعرض للتشخيص الكامل، التمثيل الكامل، تشكيل نموذج أو تحقيق الذروة لإسرائيل. كمثال، بينما يقتبس يسوع (اش 29 : 13) قائلاً ليهود يومه غير المؤمنين به:"يَا مُرَاؤُونَ! حَسَناً تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هَذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً" (مت 15 : 7 – 8). بالتأكيد لم يكن يتوقع اشعياء حرفياً أن يسوع سوف يتعامل مع القادة الدينيين بشكل عدائى، بل على العكس، كان يسوع يستخدم الموقف من زمن اشعياء حتى يمثل و يشخص و يشكل نموذجاً لنفس الموقف فى زمانه.

لقد كان هذا هو النموذج المثالى حول كيفية تكلم يسوع عن "الإتمام"، و هى طريقة عبارة عن "هذا هو ذلك" تُسمى "بيشير" Pesher: هذا الموقف هو إتمام أو تشخيص لهذا النص المقدس (ملحوظة من المترجم: كلمة "بيشير" هى كلمة عبرية و هى تعنى هذا الاسلوب من التفسير، و قد وردت بهذا الاسم فى تفاسير الأسفار المقدسة الموجودة فى مخطوطات البحر الميت، و تعنى حرفياً "تفسير" و لكن تميزت هذه النوعية من التفاسير بهذا الإسلوب فى مخطوطات البحر الميت، فأطلق عليها العلماء وسيلة بيشير أو منهج بيشير).

لم يكن مؤلفى العهد الجديد ناس فاسقين أو جهلة حتى يلفقوا من العهد القديم. لم يقم هؤلاء بشق المقاطع من سياقاتها بطرق غير شرعية ثم يكيفونهم بشكل منحرف ليكونوا توقعات مسيانية. لقد كانوا على دراية كاملة بأن مؤلفى اسفار العهد القديم، مثل هوشع، يعلقون على أحداث فى تاريخ اسرائيل الماضى (مثل الخروج فى هو 11 : 1 "من مصر دعوت ابنى") أو أحداث معاصرة لأزمنتهم. و لكن مؤلفى العهد الجديد، و قبلهم يسوع، فسروا العهد القديم بطريقة "مركزية المسيح" Christocentric، أى أن: يسوع هو المُشخِص أو المكمل لأحداث تاريخ العهد القديم، صوره، و شخصياته الظلالية.

بينما الإتمام يشمل التوقعات الحرفية للمسيح و العهد الجديد، فإنه يذهب لأكثر من ذلك ليصل إلى تشخيص لاهوتى أغنى من مجرد ظلال العهد القديم.

هناك تعليق واحد:

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!