الجمعة، 11 ديسمبر، 2009

انتحار العقل


قد لا تتذكر ذلك، و لكنه حدث أن ناقشت على هذه المدونة موضوعين فلسفيين فى موضوع رئيسى و هو العلاقة بين الإيمان و العقل (الحقيقة و الدليلالإيمان و الدليل). فى هذه المقالة اريد التركيز على نقطة الفحص العقلى للمعتقدات. لا يوجد لدى الإنسان آلية أخرى يستطيع بها فحص البرهان المتوفر، فلم يخترع أحدهم آلة إنتقال بالزمن حتى نعود للقرن الأول و نقابل يسوع وجهاً لوجه، ولا يوجد ملاك يظهر لكل فرد يقول له ما حدث. لذلك فى أى مجال بحثى نحتاج إلى شيئين: المادة و المنهج. المادة هى البيانات المتوفرة التى سيفحصها الباحث، و المنهج هو الوسيلة التى سيتخدمها الباحث فى فحصه للبيانات المتوفرة. الهدف من ذلك هو الوصول إلى أفضل تفسير ممكن للدليل. لكن بدون العقل، كيف ستحكم على صحة البيانات المتوفرة؟ انا أقدر جداً خبرتك الشخصية مع يسوع، و لكن ماذا عن خبرتك الكتابية؟ الايمان يجب أن يكون مبنياً على الدليل. كريج بلومبيرج يصف الإيمان عكس الدليل بأنه:"غير عقلانى تماماً و تصرف غير مسيحى حقاً، لأن المسيحية كلها مبنية على مفهوم أن الله يعمل فى التاريخ" (The Historical Reliability of The Gospels, P. 10). و بالتالى لا يوجد أى سبب يجعلك تستبعد الفحص التاريخى بمنهج عقلى منطقى سليم عن الايمان. إذا كان الله قد إقتحم الزمان و المكان، أى التاريخ، فإن هذا يعنى أنه يدعونا لكى نفحص هذا التاريخ أيضاً.

و المشكلة تزداد تعقيداً إذا تخيلنا أن إستخدام النقدى للعقل سيضر بنا! هذه هى الأسطورة المسيطرة على العقل المسيحى، ليس فى مصر فقط و إنما فى المستوى الشعبى الغربى أيضاً. و لكننا تفوقنا أكثر، إذ أصبح العلماء يهابون "إعمال العقل"! هذه الصورة لن تفيد و لن تجعل باحث يتمسك بالمعتقدات أكثر. لا نستطيع تحديد الفكر الآن، لا فى المسيحية ولا فى غير المسيحية، فكل باحث أصبح يعرف طريقه جيداً الآن. لذلك علينا نحن أن ندرس العلوم النقدية، و علينا أن نهتم بكل من يبحث. فوق كل ذلك، علينا أن نعرف أن عدم إستخدام العقل هو خيانة لله. الرب هو الذى وهبنا تلك الوزنة حتى نستخدمها لمجد إسمه، فهل إستخدمناها أم خفنا عليها من الضياع فدفناها فى التراب؟ و لكن لا كلام يُقال يوم أن يأتى صاحب الوزنة يسأل!

د. ق. فهيم عزيز فى مقدمة كتابه "المدخل إلى العهد الجديد" كتب الكلمات التالية منذ نحو ربع قرن من الزمان، و أعتقد أنها أكثر ما نحتاج أن نسمعه اليوم:

"فى معرض الدراسة جاءت أفكار و نظريات يظن كثيرين منا أنها ليست ضرورية، مثل قضية الأناجيل الثلاثة الأولى، و كم رسالة كتب الرسول بولس، و غير ذلك. لكنى أعتقد أن الوقت قد جاء ليعرف القارىء المسيحى المصرى كيف يدرس العلماء فى الخارج الكتاب المقدس. إن هذه النظريات تأتينا الآن من الخارج عن طريق قنوات أخرى و بكيفية لا تخدم الغرض الذى من أجله ندرس المقدمات، فلماذا لا ندرسها نحن فى كلياتنا، و لماذا لا نفهمها عن طريق من يتمسكون بالكتاب المقدس ككتاب الله؟ لماذا نخشى من هذه الدراسات الحديثة؟ إن الأساس الأكمل للايمان المسيحى هو المسيح نفسه، و الكتاب المقدس هو شهادة له، و نحن نريد أن الجميع يقرأونه سواء بقصد الهجوم أو المعرفة، لأن الكتاب المقدس لا يحتوى على كلمات مطبوعة، بل هو شهادة حية...إنجيل...فيه يأتى المسيح مواجهاً للشخص. فسواء أكانت رسالة العبرانيين من قلم الرسول بولس أم من قلم غيره، ففيها أواجه سيدى ليدور حوار بينى و بينه، يتكلم لى و أنا أصفى له، و فى هذا الحوار أنسى كل شىء عن الكاتب أو أسلوب كتابته، و لا يكون فى هذا الموقف إلا المسيح وحده و نحن فى حضرته" (المدخل إلى العهد الجديد، ص 8).

الآن، لماذا علينا أن نقول أنه لا يوجد شىء إسمه "مشكلة إزائية" لأن الروح القدس هو الذى أوحى الكتاب؟ نعم الروح القدس أوحى بالكتاب، لكنه لم يملى الكاتب! إذن، لا يوجد سبب لرفض دراسة المشكلة الإزائية. و هذا مجرد مثال، مع أن المشكلة الإزائية لا يوجد بها أى شىء يعيب الكتاب المقدس أو يشكك فى موثوقيته أبداً. فلماذا إذن نرفضها دون دراية أو دراسة؟ لقد أصبح الآن واحد من المعايير الليبرالية لقياس مدى علم الباحث: من هو كاتب الرسائل الرعوية؟ حسناً، فلنقل ليس بولس هو الكاتب. الآن، أين هى المشكلة؟ إن الدليل على أن هذه الرسائل هى كلمة الله هو خبرتك الشخصية فقط، و ليس أن بولس كتب هذه الرسائل. لأن الوحى شىء غيبى غير قابل للإستدلال، فهو ايمان بحت.

لكن عليك أن تفرق بين ما يخضع للعقل، و ما لا يخضع للعقل. أن نقول أن الإعتقاد بوحى الكتاب المقدس هو مجرد ايمان، فهذا لأن الغيبيات غير خاضعة للحكم العقلى. أن نعتقد بأن طبيعة الله ثالوثية بدون أن نرى الله (أى بدون دليل مادى!) و نبنى ثقتنا فى هذا الإعتقاد على اعلان الله لنا فى الكتاب المقدس فقط، فهذا ليس عيباً. إنما العيب، و كل العيب، أن ترفض تطبيق المنهج العقلانى على ما هو خاضع للعقل، و على ما يمكن فحصه بالعقل. فنحن نؤمن أن الرسائل الرعوية هى كلمة الله و هذا أمر غير خاضع للإستدلال العقلى. و لكن الإعتقاد فى كاتب الرسائل الرعوية هو أمر عقلى بحت، يخضع للدليل التاريخى المتوفر لدينا. الآن لو توقف لدقيقة و نظرت فى المسألة، ستجد أن كاتب الرسائل أمر لا يؤثر إطلاقاً فى ايمانك.

إن نفس ما قلناه، ينطبق على كل شىء فى الحياة. حينما نفكر فى شراء سيارة، نستخدم عقلنا حتى نضمن أننا سنحصل على سيارة تستحق الشراء. حتى فى أبسط تفاصيل الحياة، حينما تفكر فى عبور طريق مثلاً، تقوم بحساب كيفية ضمان العبور سالماً بين السيارات فى الطريق. لأن كل هذه الأمور تخضع للإستدلال العقلى، فإننا يجب أن نستخدم العقل. و نفس الأمر ينطبق على مجال البحث العقيدى، فكل ما يمكن أن يقع فى نطاق العقل، و كل ما يمكن للعقل أن يحكم فيه و يبت فيه، يجب أن يعطى العقل حكمه.

لو نظرنا الآن فى الغيبيات، فإننا سنجد دليل يُشِير إلى اتجاه واحد من اثنين. لا يوجد اتجاه ثالث. لكن هذا الدليل ليس فى النقاط الغيبية بحد ذاتها. مثلاً، نستطيع أن نطرح تساؤل: هل الكتاب المقدس يُمكن الثقة فيه و الإعتماد عليه؟ هذا السؤال يشمل أكثر من نقطة، فنعم الكتاب المقدس يمكن الثقة فيه و الإعتماد عليه من ناحية موثوقيته التاريخية. و لكن ما الذى تتضمنه هذه الثقة؟ ليس معنى أن الكتاب المقدس موثوق به تاريخياً أنه كلمة الله، و إلا فإن حوليات تاسيتوس سيكون كلمة الله أيضاً. فالنقطة إذن هى أن كون الكتاب المقدس كلمة الله هو ايمان يدعمه الدليل فى موثوقيته تاريخياً، لكن الدليل لن يقول لك أن الكتاب المقدس كلمة الله!

الايمان المسيحى، بهذا الشكل، ليس "وثبة عمياء" كما يسميها والاس، ولا هو "وثبة فى الظلام" كما يسميها بلومبيرج، و لا هو "انتحار العقل" كما أحب أن اسميه. بذلك أنت تبنى ثقتك فى الكتاب المقدس ككلمة الله على أساس تاريخى صحيح، يبنيه و ينميه الخبرة الروحية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!