الثلاثاء، 8 ديسمبر، 2009

ليبرالية باؤر


قرأت بالأمس مقالة للعالم الأسترالى، بول تريبلكو، أستاذ و رئيس قسم اللاهوت و الدراسات الدينية بجامعة اوتاجو، بنيوزيلاند، استراليا، بعنوان:"المجتمعات المسيحية فى شرق آسيا الصغرى فى القرن الثانى: اغناطيوس و آخرين كشواهد مضادة لباؤر" (مجلة الجمعية الإنجيلية اللاهوتية، العدد 49، الجزء الأول: مارس 2006، ص 17 – 44). هذه المقالة هى معالجة نقدية لأحد الأدلة الرئيسية التى يطرحها باؤر فى عمله:"الأرثوذكسية و الهرطقة فى المسيحية الأولى". والتر باؤر هو عالم ألمانى له سلطة قيمة جداً فى مجال القواميس و المعاجم اليونانية. فى عام 1934 كتب باؤر كتابه هذا بالألمانية، و تُرجِم للإنجليزية لأول مرة فى عام 1971. هذا الكتاب ملخصه كالتالى: المجموعات و القطاعات التى سُمِيت لاحقاً بلقب "الهرطقة" كانت فى الحقيقة هى الشكل الوحيد المتوفر للمسيحية فى بعض المناطق، بما يعنى أنها كانت الفكر السائد و المهيمن على المجتمعات الموجودة فى هذه المناطق. بحسب كلمات باؤر:"ربما، و أكرر "ربما"، بعض المظاهر المعينة للحياة المسيحية التى أعلنها مؤلفى الكنيسة أنهم "هراطقة" لم تكن فى الأصل كذلك أبداً، و لكن على الأقل، كانت هنا و هناك هى الشكل الوحيد للدين الجديد، أى أنهم كانوا هم "المسيحية" ببساطة فى هذه المناطق. و هناك إمكانية أيضاً أن معتنقى فكرهم كانوا هم الأغلبية، و أنهم كانوا ينظرون للأرثوذكسيين بضغينة و إحتقار حيث إعتبروهم مؤمنين غير حقيقيين" (السابق، ص 17). ببساطة، سيناريو "المسيحيات المفقودة" و "الكتب المفقودة"، الذى أسميته "سيناريو انتصار الأرثوذكسية"، أسسه باؤر. و قام باؤر بعمل فحص تاريخى جغرافى للعقيدة فى عدة مناطق، و هى: إديسا، آسيا الصغرى، مصر، و روما. الوثائق الرئيسية التى إستخدمها باؤر فى تحقيقه عن آسيا الصغرى هى: سفر الرؤيا، اغناطيوس الأنطاكى، بوليكاربوس و آخرين. قام تريبلكو بفحص البرهان الذى قدمه باؤر عن أغناطيوس الأنطاكى، و قدم تقييم شامل و متكامل حول إستدلالات باؤر بأغناطيوس و علاقته بسفر الرؤيا.

أولاً: طبيعة من كتب ضدهم أغناطيوس. المخالفين الذين كتب عنهم أغناطيوس فى نظر باؤر، هم نوع ما من الغنوسيين الذين يحاولون التهود، و أسماهم "غنوسيين متهودين". غير أن تريبلكو يذكر عدة إستدلالات تاريخية على أن تحقيقات العلماء المتخصصين توصلوا إلى أن أغناطيوس واجه فرقتين من المخالفين: المتهودين، و الدوسيتيين. و الدوسيتية هى أحد الكريستولوجيات القديمة التى نستطيع تتبعها حتى القرن الأول نفسه. و قد يكون يوحنا كتب رسائله الثلاثة لمواجهة هذه شكل أولى جداً لهذه البدعة التى تقول أن المسيح إله فقط و لم يكن إنسان حقيقى. و المشكلة مع طرح باؤر هو إعتقاده بأن الدوسيتية كانت الشكل الأصلى للمسيحية، حيث أن طرحه الرئيسى هو أن ما أُعتبِر هرطقة فيما بعد، كان هو الأصل فى الحقيقة. أول الإستدلالات التى يقدمها تريبلكو هى أن يوحنا كتب لكنيسة سميرنا (أحد كنائس شرق آسيا الصغرى) و لم يذكر أى شىء عن وجود الدوسيتية هناك (رؤ 2 : 8 – 11). رغم أن يوحنا يخاطب مشكلة المجمع اليهودى هناك، فإنه لم يذكر شيئاً عن الدوسيتية فى هذا المجتمع، و لو كان الوجود الدوسيتى فى هذه الكنيسة منتشر لدرجة تمثل خطراً، فكيف نتوقع من يوحنا أن يصمت عنه؟ و مع ذلك، فنجد أغناطيوس يتكلم عن الدوسيتية مواجهاً لها فى رسالته إلى سميرنا! هذا يعنى أننا لدينا دليل على تطور الدوسيتية فى العقدين الفاصلين بين كتابة يوحنا للرؤيا فى تسعينات القرن الأول، و كتابة أغناطيوس لرسالته فى نهاية العقد الأول من القرن الثانى. بهذا الدليل، فإن الدوسيتية لم تكن هى الشكل الأصلى للمسيحية فى كنيسة سميرنا. قد تكون الدوسيتية إنتقلت لها بواسطة معلمين من مكان آخر فى وقت ما فى الفترة الفاصلة بين كتابة يوحنا و كتابة أغناطيوس. الدليل الثانى بحسب كلمات تريبلكو:"طبيعة الفكر الدوسيتى تفترض كريستولوجية عالية تبدأ منها. لقد نظر ليسوع على أنه إله أولاً، و بعد ذلك و كخطوة تالية و بسبب آراء معينة ترى عدم الإتساق بين الإلوهية الحقيقية و الإنسانية الواقعية، فقد نظروا لإنسانية يسوع بشكل جزئى أو ضمنى، أو أنه ظهر فقط على أنه صُلِب. تبعاً لذلك، فمن غير المرجح أن الدوسيتية كانت هى الشكل الأول للمسيحية فى أى مركز، سواء كان تراليس أو سميرنا أو أى مكان" (السابق، ص 23).

شكل آخر لنفس هذا الإستدلال يتعلق بما كتبه أغناطيوس عن مشكلة المتهودين فى ماغنيسيا و فيلادلفيا. الآن حينما ننظر فيما كتبه يوحنا عن كنيسة فيلادلفيا (رؤ 3 : 7 – 13)، لا نرى أى أثر لمشكلة التهود، رغم أن يوحنا لم يكن ليتردد فى معالجة أى فساد فكرى منتشر فى كنائسه! و يوحنا نفسه هو الذى وصف اليهود بـ "مجمع الشيطان" (رؤ 2 : 9). الآن، إذا كان يوحنا لا يعرف شىء عن مشكلة التهود فى فيلادلفيا فى تسعينات القرن الأول، ثم يتكلم أغناطيوس عن إنتشار فكر المتهودين فى فيلادلفيا فى عام 110 م، فإن هذا يعنى أن هذا الفكر تطور فى هذه الفترة الفاصلة بين التاريخية. و هذا يعنى أيضاً أن الفكر المتهود لم يكن هو الشكل الأصلى للمسيحية فى فيلادلفيا!

يُذكر هنا أن يوحنا واحد من ممثلى الفكر الأرثوذكسى عند باؤر. و رغم أن تريبلكو لم يذكر هذا الإحتجاج، فقد لفت إنتباهى نقطة تدعم فكرة إنتقال معلمين مؤمنين بالتهود و الدوسيتية لنشر فكرهم فى سميرنا و فيلادلفيا. النقطة بإختصار هى: إذا كان يوحنا لا يعرف شيئاً عن الدوسيتية أو التهود فى سميرنا و فيلادلفيا، فإن غير أن هذا يعنى أن الفكرين لا يمثلان الفكر الأصلى للكنيستين، فإنه أيضاً يعنى إستحالة تطور الفكر الدوسيتى و الفكر المتهود بشكل طبيعى كناشىء فى الكنيستين. هذه هى: لا يمكن أن نعتقد أن الدوسيتية مثلاً وُلِدت فى سميرنا منذ عام 95 و نشأت حتى الإنتشار بشكل طبيعى دون تعليم مثقف إلى عام 110 م. لذلك لا مفر من وجود معلمين ليسوا من سميرنا دخلوا هذه الكنيسة لنشر الفكر الدوسيتى. و نفس الأمر ينطبق على الفكر المتهود و فيلادلفيا.

ثانياً: الكنائس التى لم يكتب لها يوحنا و أغناطيوس. يسير استدلال باؤر فى هذه النقطة كالتالى: الكنائس الموجودة و التى لم يكتب لها يوحنا فى الرؤيا أو أغناطيوس فى رسائله كانت كنائس هرطوقية، و لم يكتب لهما الإثنان لأنهما تأكدا من عدم وجود فائدة من محاولة جذب هذه الكنائس، فلن يقدموا لهما أى دعم. ذلك يعنى أن الفكر الذى إعتبرته الكنيسة فيما بعد "هرطوقى" كان هو السائد فى هذه الكنائس. مثال على ذلك هو كنيسة كولوسى. هذه الكنيسة التى رعاها بولس، لم يتطرق لها يوحنا أو أغناطيوس. لذلك، و بحسب باؤر، فإن يوحنا إختار أن يكتب للكنائس التى يعرف أن له تأثير عليها. و لأن كنائس أخرى، ذكر منها باؤر كولوسى و هيرابوليس، لم تكن فى إتفاق مع رؤى يوحنا اللاهوتية، فقد أُطلِق عليهم فيما بعد "هراطقة". لكن هناك عدة مشكلات يطرحها تريبلكو فى هذه الفكرة. المشكلة الأولى هى أن مدينة كولوسى كانت قد تدمرت فى عام 60 م بسبب زلزال قوى جداً هدمها هى و لاودكيا (تاسيتوس، الحوليات 14 : 27 : 1). أما هيرابوليس، فكل ما لدينا من معلومات عنها هو أنها كان بها مجموعة من المسيحيين (كو 4 : 16) و أن بابياس كان أسقفاً لها. لا يوجد أى معلومات أخرى حول هذه المدينة، فكيف يستطيع أحد أن يبنى قضية بهذه الضخامة اللاهوتية، لها نتائج و تضمينات خطيرة، بناء على هذا الدليل البسيط جداً؟ لذلك دعا تريبلكو هذا الموقف بأنه "غير حكيم" (السابق، ص 25). هذا دون ذكر أن اللاهوتيين لهم آراء كتابية و لاهوتية متنوعة فى سبب إختيار هذه الكنائس فقط دون غيرها.

مشكلة أخرى يناقشها تريبلكو، و هى أن يوحنا خاطب بعض الكنائس التى لم يخاطبها أغناطيوس. و إستنتج باؤر بذلك أن يوحنا كان لديه أمل فى هذه الكنائس، و لكن فى زمن أغناطيوس، فُقِدت هذه الكنائس تماماً و أنصاعت للفكر الهرطوقى. كنيسة ساردس كمثال، كتب لها يوحنا و لم يكتب لها أغناطيوس. هل هذا يعنى أن هذه الكنيسة فُقِدت بالفعل مع مجىء عام 110؟ المشكلة الرئيسية فى الإستدلال فى هذه النقطة هى أنها تقوم على "دليل الصمت". هناك تفاسير أخرى أكثر إحتمالية و أقوى من هذا التفسير الذى يطرحه باؤر. ليس معنى أن أغناطيوس لم يكتب لهذه الكنيسة، أنها قد أصبحت هرطوقية بالفعل فى زمنه. قد يكون هناك أسباب أخرى دعته لعدم الكتابة لهذه الكنيسة. و يخبرنا تريبلكو أن أحد العظات المفقودة لميليتو أسقف سادرس أكتشفت بعد عصر باؤر (بعنوان "فى البصخة"). و رغم أن:"النص لا يُشير صراحةً للمسيحيين فى ساردس، فإنه يُشير إلى وجود مجتمع للمسيحيين فى هذه المدينة فى فترة 160 م" (السابق، ص 27). فهل نتخيل أن فى عام 110 م إندثرت الأرثوذكسية، ثم بحلول عام 164 م – و هو أكثر التواريخ تطرفاً فى تأريخ الوثيقة – كانت الأرثوذكسية كاملة الوجود فى ساردس؟ حسناً، أحب أن أذكرك أن كل هذا مبنى على أن أغناطيوس لم يكتب رسالة لكنيسة ساردس! هذا الدليل "الهش" – بحسب وصف تريبلكو – لا يمكن أن يُبنى عليه أى شىء أبداً، ناهيك عن هذا التعقيد التاريخى – اللاهوتى!

ثالثاً: طبيعة المشكلة التى خاطبها أغناطيوس. فى نظر باؤر، فإن كل رسائل أغناطيوس تمثل الصراع بين الأسقف (ممثل الأرثوذكسية) و الشعب (ممثل الهرطقة). لذلك فإن أغناطيوس بحسب باؤر يقدم لنا توثيقاً تاريخياً حول الصراع على الأصولية بين الأرثوذكسية و الهرطقة. و فى هذه النقطة، قام تريبلكو بوضع تقييم مُطول لرؤية باؤر، و تناول بالتحليل القياسى كافة المقاطع التى إستشهد بها باؤر. و الخلاصة هى كالتالى: لم يكن هناك خلاف بين أغناطيوس و الشعب عموماً، إنما كان هناك خلافاً بين أغناطيوس و مجموعة معينة من الشعب كانت رافضة لواحد من أهم التغييرات فى الإدارة الكنسية للمجتمع المسيحى. فى ذلك الوقت، تحولت الرئاسة الكنسية من اللامركزية إلى المركزية، أى من مجموعة من الأفراد إلى شخص واحد فقط. هذا الشخص، أى الأسقف، كان الوحيد الذى له كافة السلطات فى الكنيسة. و قد كان هناك مجموعة رفضت هذا التحول فى التركيب الإدارى الجديد للكنيسة، و هى نفس المجموعة التى يخاطبها أغناطيوس. و لذلك فإن تشديد أغناطيوس على دور الأسقف حينما يُقرأ فى سياقه السليم، يتضح أنه معالجة لمشكلة إدارية و ليس لمشكلة عقيدية. هؤلاء الأفراد قرروا ألا يصلوا مع بقية الجماعة، و إنما منفردين. لذلك كتب لهم أغناطيوس قائلاً:"إذا كانت لصلاة انسان أو انسانين مجتمعين هذه الفاعلية، فما قولكم بصلاة الأسقف و كل الكنيسة؟ من امتنع عن الحضور إلى الكنيسة فهو يتكبر و يقطع ذاته من الشركة" (إلى أفسس 5 : 2 – 3، الياس معوض، الآباء الرسوليين، ص 110). و بذلك فإن المشكلة لم تكن إلا فى عدم حضور هؤلاء المعترضين للكنيسة، لأنهم لم يكونوا معجبين بالنظام الجديد. تريبلكو يشرح هذه المشكلة قائلاً:"هذا يعنى أن بعض المسيحيين الأفسسين كانوا يقاومون تغيير التكوين الكنسى، و الذى تضمن أن الأسقف له كل السلطة فوق كل المسيحيين فى أفسس. و وحدانية الأسقفية كان تطور هام بالنسبة للمسيحيين الذين إعتادوا على القيادة بوساطة مجموعة من الشيوخ، بدون أن يكون هناك واحد منهم يُعتبر قائد القادة" (المجتمعات المسيحية فى شرق آسيا الصغرى، ص 31).

ما الذى يحمله هذا نحو طرح باؤر؟ شىء واحد فقط: خلاف المسيحيين مع الأسقف كان على أمر إدارى، ليس على أمر لاهوتى. لا يوجد أى دليل فى رسائل أغناطيوس أن الذين كان يخاطبهم كانوا هراطقة فى نظره. لخص تريبلكو إستنتاجه فى هذه النقطة قائلاً:"لم يكونوا هراطقة، بل مؤيدين لشكل مختلف من القيادة الكنسية. باؤر لم يدرك هذا. و هذا يعنى أنه قد غالى جداً بشكل ملحوظ فى الإختلاف اللاهوتى فى معالجاته لشرق آسيا الصغرى" (السابق، ص 33).

رابعاً: ذاكرة بولس. يدعى باؤر أن بوجود سفر الرؤيا، ضاعت رعاية بولس لكنيسة أفسس و إندثرت. و لم يكن تأسيس بولس لأفسس فقط الذى ضاع، و إنما بولس نفسه ضاع، فيذكر يوحنا أن أسماء الرسل الإثنى عشر فقط هم الموجودين على أسوار اورشاليم الجديدة. فأين ذهب بولس؟ بحسب باؤر، ضاع! و بعد ذلك، أصبح شعب كنيسة أفسس ينظر ليوحنا كالآخذ لمكان بولس الذى نسوه.

باؤر يعتقد أن بولس لم يكن له أى أثر فى كنيسة أفسس، فقط لأن يوحنا لم يذكر إسمه مع بقية أسماء الرسل الإثنى عشر! لا يوجد دليل آخر لدى باؤر. المشكلة الحقيقية هى: ألا يوجد أى تفسير آخر مُحتمل لعدم ذكر يوحنا لإسم بولس؟ هل لا يوجد أى تفسير أكثر إحتمالية من هذا الذى يطرح باؤر؟ لماذا قد يكون يوحنا لم يذكر الشخص الذى أسس الكنيسة فقط لأنه لا يوجد أحد لا يعرفه فى الكنيسة؟! يضع تريبلكو عدة إستدلالات على وجود بولس الحيوى فى الذاكرة المسيحية:

1- بولس هو بطل سفر أعمال الرسل، الذى لا يؤرخه باؤر لما بعد القرن الأول الميلادى. و بذلك فإن بولس كان يتمتع بذاكرة حيوية فى تاريخ كنيسة القرن الأول.
2- الرسائل الرعوية تحتوى على الرسالتين إلى تيموثاوس اللتين كُتِبتا إلى أفسس (1 تى 1 : 3؛ 2 تى 1 : 18؛ 4 : 12). فلو أن بولس كاتب الرسائل الرعوية، فإن تاريخ الرسالتين يرجع إلى الستينات (وجهة نظر المحافظين)، و لو كانت خارجة من أحد تلاميذ بولس فترجع للثمانينات (وجهة نظر الليبراليين). أما باؤر، فلكى يتخلص من هذا الدليل كليةً، أرجع الرسائل الرعوية لعام 140 م.
3- كتب أغناطيوس واصفاً بولس (عام 110 م):"هذا الإنسان المشهود له بالقداسة، هذا المغبوط الذى أريد أن أترسم خطاه فى طريقى إلى الله، و الذى يذكركم فى كل رسائله بيسوع المسيح" (إلى أفسس 12 : 2). هل هذا هو بولس الضائع؟
4- كتب بوليكاربوس واصفاً بولس (عام 110 – 115 م):"بولس المُمجد المغبوط، حينما أقام بينكم كان يخاطب البشر وجهاً لوجه، و كان يعلمهم بدقة و تأكيد كلام الحقيقة. بعد رحيله كتب لكم رسالة، إذا درستموها بإنتباه فإنكم تستطيعون أن تتربوا فى الإيمان الذى الذى أعطاه لكم" (إلى فيلبى 3 : 2). هل هذا هو بولس الضائع؟

هذا الدليل المتامسك جعل أحد العلماء يقول:"بكل تأكيد لا يوجد أى أساس للقول بأن بولس كان منسياً أو غير هاماً فى الكنيسة التى خدم فيها كليمندس الرومانى، أغناطيوس، و بوليكاربوس" (السابق، ص 37). المشكلة التى أراها فى طرح باؤر هى: هل الأصل فى أفسس هو الأرثوذكسية أم الهرطقة؟ باؤر يقر أن مؤسس كنيسة أفسس هو بولس، و معنى ذلك أن الأصل أرثوذكسى. السؤال الذى يطرح نفسه الآن: ما الذى يريد أن يقوله باؤر إذن؟ لا شىء إلا أن يثبت أن وجود الهرطقة فى أفسس كان قديماً جداً. ثم ماذا؟ لا أعرف بالضبط.

بعد هذا العرض و التفنيد، يبدأ تريبلكو فى شرح وضع المسيحيين فى شرق آسيا الصغرى. و تنقسم معالجة تريبلكو لشقين رئيسيين: التأثير البولسى، و التأثير اليوحناوى. و فى القسمين يشرح كيف أن الوثائق الموجودة من كنائس شرق آسيا الصغرى تفخر بكتابات الرسولين. بعد ذلك يدخل تريبلكو فى أهم أجزء الدراسة: الخطوط الفاصلة.

زعم باؤر أن الهرطقة عنصر قديم و غالب فى عدد من المجتمعات. لكن أى مراجعة لعدد من وثائق العهد الجديد التى ترتبط بشرق آسيا الصغرى، يجد شىء ما مثل الخطوط الفاصلة، التى تحدد الصحة العقيدية و الأخلاقية عن غيرها. نوع ما من المعيارية القياسية موجودة فى هذه الوثائق. فى الرسائل الرعوية، نجد أن المشكلة التى يعالجها بولس هى الإسخاتولوجية العالية، التى وصلت لحد القول بأن القيامة الأخيرة قد تمت! ترتب على ذلك وجود نوع من الزهد الغريب، و إضفاء شرعية جزئية على الناموس. فى رده عليهم، يذكر بولس خطوط عريضة للتعليم الصحيح حول الإسخاتولوجيا السليمة و الإستخدام المسيحى للناموس (أنظر كمثال 1 تى 1 : 7 - 11؛ 3 : 7؛ 4 : 1 - 5؛ 5 : 7؛ 6 : 1 - 2؛ 2 تى 2 : 17 - 18؛ تى 2 : 9 – 10). و عند يوحنا، تظهر المشكلة عند الذين شددوا على إلوهية المسيح للدرجة التى فقدوا بها الإعتقاد فى إنسانيته الكاملة، و هو ما يتناظر عليه العلماء هل هو شكل أولى من الدوسيتية أم لا. يأتى الرد من يوحنا ليؤكد أن كل من ينكر إنسانية المسيح الحقيقية ليس من المسيح (أنظر كمثال 1 يو 2 : 18 - 23؛ 4 : 1 - 5؛ 2 يو 7).

هذا الخط من الإستدلال قوى جداً، خاصةً حينما نراه أيضاً فى سفر الرؤيا (رؤ 2 : 6؛ 14 - 16؛ 20 – 23) و عند أغناطيوس (أنظر تصريحه القوى فى رسالته إلى مغنيسيا 10 : 1). إرساء وجود الخطوط الفاصلة بين الصحيح و الخاطىء، هو بذرة قوية جداً لبناء لاهوتى ضخم. هذا البناء اللاهوتى الضخم هو الأرثوذكسية. كل ما إعتنقته الأرثوذكسية كان يسير على إمتداد هذه الخطوط الفاصلة فى العقيدة. الأرثوذكسية لم تخالف هذه الخطوط فى أى شىء من الناحية الإيجابية. و قد حرصت الأرثوذكسية على نفى كل شىء نفته هذه الخطوط سابقاً. فى الرسائل الرعوية نعرف أن الخلق جيد (1 تى 4 : 1 – 5)، و هو ما يخالف الإعتقاد الغنوسى فى شر المادة. و لكن لاحقاً، كانت الأرثوذكسية هى التى تسير على نفس الخطوط الفاصلة (أنظر تأكيد ايريناؤس على جودة الخلق فى ضد الهرطقات 1 : 28 : 1 و 2 : 1 : 1). و فى رسائل يوحنا نعرف أن الخط الفاصل الخاص بعقيدة التجسد، و أن جسد المسيح كان جسد حقيقى، و هو ما يخالف الإعتقاد الغنوسى و الدوسيتى. و لكن مرة أخرى، كانت الأرثوذكسية هى التى سارت على الخطوط التى وضعها الرسل (أنظر دحض ايريناؤس لهيولية جسد المسيح فى ضد الهرطقات 1 : 23 : 3 و 3 : 16 : 1 و 4 : 33 : 5 و 5 : 1 : 2 و أماكن أخرى و آخرين غير ايريناؤس يبدأون مع بوليكاربوس).

هكذا، نستطيع أن نرى كيف أن الأرثوذكسية حافظت على نفسها، فى أصالتها و فى إمتدادها. يضع تريبلكو خلاصة ما توصل إليه قائلاً:"الأرثوذكسية لا يصح أن يُنظر لها كنصر تحقق لاحقاً بواسطة من إمتلكوا القوة، أو أنها شىء ما يمكن تحديده بالسياسات. بل إنها ترجع إلى فترة أقدم بكثير جداً و هى تطور عضوى لها. و رغم أنه سيكون مجحفاً أن نتكلم عن وجود أرثوذكسية فى ذلك الوقت المبكر، فإن الإحتجاج الذى أُثِير ضد المخالفين فى أدب شرق آسيا الصغرى، يكشف عن وجود معنى قوى لوعى ذاتى عقيدى عند المؤلفين القانونيين. لأن المؤلفين أظهروا أنهم على وعى بموقف عقيدى و سلوكى دافعوا عنه. هذا الشكل من وجود حد معين تبنوه عن وعى ذاتى هو سمة هامة جداً فى شرق آسيا الصغرى. و ما قد وعوه و تبنوه و دافعوا عنه أصبح له إمتداداً فى الأرثوذكسية لاحقاً" (السابق، 43).

كان هذا عرضاً لشكل و إسلوب الإستدلال عند باؤر. و قد رأيت أن أكتب هذا العرض فقط حتى ترى و تقرأ على أى أساس تقوم الليبرالية اللاهوتية. قارن بين إستدلالات باؤر المعروضة فى هذه المقالة، و بين الإستدلالات المعروضة فى كتابات المحافظين. قارن بين كيفية الإستدلال، و قارن بين إسلوب الإستدلال. و بالأحرى، قارن بين قيمة و وزن الدليل المُقدم. منذ أيام، طرح والاس تسؤالاً خطيراً: من هو الليبرالى الحقيقى؟ للأسف، هذه ليست ليبرالية، إنما أصولية إلى أقصى اليسار. تبدأ من حيث تريد أن تنتهى. لهذا فإن الإعتقاد بهذه الرؤى، يحتاج إلى إيمان أكثر من الإعتقاد بالأرثوذكسية!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!