الاثنين، 7 ديسمبر، 2009

كيف تصبح مدافعاً؟


كيف أصبح مدافعاً جيداً عن الإيمان؟ لا يوجد سؤال يُطرح علىّ أكثر من ذلك السؤال، ولا أبالغ لو قلت أنه طُرِح مئات المرات بالفعل. و لابد أن نعرف كلنا أننا أصبحنا فى عصر جديد، لا يوجد فيه وصاية على الفكر، ولا يوجد فيه موانع تعوق النشر. يستطيع كل الفرد الآن أن يعبر عن إيمانه و عقيدته و آراؤه بكل حرية و جرأة. و لذلك لم أستعجب حينما أرى أعمار السائلين صغيرة نسبياً. إنتهى العصر الذى كان يخضع فيه الفكر للشيخ فقط!

و لكى أجيب على هذا السؤال، أقول أن مرحلة الدفاع عن الإيمان هى آخر مرحلة فى رحلة الإنسان نحو الله. هذا الكاتب لا يعتبر نفسه مدافعاً عن الإيمان، بقدر ما هو عارضاً للبرهان المتوفر. لذلك أقترح تعديل السؤال إلى صيغة أكثر واقعية فى الحياة الروحية، و هى كيفية دراسة رسالة الله للإنسان بشكل مقبول روحياً و تاريخياً. فإذا درست هذه الرسالة التى قدمها الله للإنسان بشكل صحيح، فإن مجرد عرض الصحة سيعنى وضوح الخطأ تماماً. و لكى نصل لهذه المرحلة، فهناك سلم يجب علينا أن نصعده درجة درجة. و هناك مقولة أحب أن أرددها دائماً: المصعد نحو النجاح مُعطل، لكن السلم مُتاح دائماً! و هناك طريقين، الأول آمن و الثانى خطر. لقد عرفت الله عن طريق الوسيلة الثانية، الخطرة. و لكنى أنصح كل فرد أن يسلك الطريق الأول الآمن. ستوفر مجهود كبير و سنين طويلة من البحث عن الله، و ستتجنب آلام شديدة فى رحلتك.

المرحلة الأولى هى أن تعرف الله. و معرفة الله لا تأتى بالدليل، إنما بالروح. الدليل قاصر، و لن يصل بك إلى شىء موثوق به بنسبة مُطلقة، إنما الخبرة الروحية ستصل بك إلى عيان الله وجهاً لوجه، و سيتحقق الوجود الحقيقى لله فى حياتك. بذلك سيكون لديك البرهان الأساسى الذى ستستطيع من خلاله النظر بموضوعية للدليل. بذلك لن تستسلم بسهولة لتحديات ستقبل عليها لاحقاً. كثيرين بدأوا فى ذلك الطريق دون الخبرة الروحية و سقطوا و أنكروا الرب. كلهم بدأوا بالرغبة فى الدفاع عن الإيمان، لكنهم سقطوا لأنهم لم يكن لديهم الخبرة الروحية. فى نفس الوقت، هذا لا يعنى أن الدليل يجب أن تتبعه و أنت مؤمن. لكن هذا يعنى أن السيطرة على النزعة مهمة صعبة جداً على الباحث، ولا يتقنها الكثيرين. بالإضافة إلى ذلك، فالباحث لن يؤمن بسبب الدليل، إنما بسبب عمل الروح القدس. لا نحتاج أن نسرد أدلة، فيكفى أن تنظر لما يدور حتى فى شرقنا من مناظرات و حوارات ينتهى الكثير منها بالإستسلام للدليل المُقدم، و مع ذلك لا يؤمن الباحث. هذا ليس إلا عدم قدرة على التحكم فى نزعته، و عدم سماحه بعمل الروح فى داخله. لذلك، و لتبدأ آمناً، اعرف الله أولاً، و إختبره فى الكنيسة. و الله موجود فى الكتاب المقدس، و تستطيع أن تعرفه من خلاله. صفى ذهنك من كل التحديات التى قابلتها حول الكتاب فى هذه المرحلة، فكل ذلك ستعرف كيف تعالجه مُستقبلاً. مهمتك الآن هى أن تعرف الله جيداً، و تتصارع معه حتى تصل له. و أن يكون لك علاقة بالله هى تماماً مثل أن يكون لك علاقة بأى فرد فى المجتمع. تتكلم و تسمع، و ستمر العلاقة بمنعطفات كثيرة حتى تصل إلى مرحلة الإستقرار. ستتكلم معه فى صلاتك، فى ترنيمك، فى عبادتك. و ستسمع صوت الله فى الكتاب المقدس، و ستسمع صوت الروح بداخلك يرشدك و يقومك. إلتصق بالرب دائماً! أحد الأمور التى إستفزتنى جداً فى تصرفات يسوع فى مرحلة معينة نحو أى مريض هو أنه كان يطلب منه أن يؤمن أولاً قبل أن يرى. هذا يعنى أنه يجب عليه أن يعترف بسلطانه بدون أن يكون لديه دليل على ذلك. هذا لا يعنى عدم وجود الدليل، فبعد الإيمان كان المريض يرى الدليل أمامه فى إتمام شفاؤه! و هكذا قاعدة الرب دائماً:"إن لم تؤمنوا، فلن تفهموا" (اش 7 : 9 سبعينية). لكن تذكر، الإختبار الروحى ليس له أى شرعية إستدلالية، لأنه خبرة شخصية فقط. لا تستطيع أن تذهب لأحدهم و تقول له: أنظر الآن، أنا أعرف أن الكتاب المقدس هو كلمة الله لأننى عرفت الله من خلاله، و هذا هو دليلى. تستطيع أن تعرض خبرتك بشكل شخصى فقط، لكنك لا تستطيع توظيفها كدليل أو برهان عقلى مجرد، لأنه ليس برهاناً عقلياً أصلاً!

المرحلة الثانية هى المعرفة الكتابية. يجب أن تقرأ فى الكتاب المقدس بغرض معرفة هذا الكتاب. عما يتكلم؟ إلى ماذا يُشِير؟ ما هو تعليمه اللاهوتى؟ إنتبه للفارق بين قراءة الكتاب المقدس الروحية و قراءة الكتاب المقدس المعرفية. أنت الآن فى مرحلة إستكشاف رسالة الله للإنسان كما وردت بتفاصيلها فى الكتاب المقدس. تعرف على الشخصيات، تعرف على الأزمنة، تعرف على الأماكن، اربط الأحداث ببعضها. فى هذه المرحلة، ستحتاج أن تدرس علم التفسير Exegesis. هناك عدة كتب فى المكتبات رائعة فى ذلك المجال نشرتها دار الثقافة، مثل "اصول تفسير النصوص الكتابية" أو "خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية" (كان هناك كتاباً بعنوان "علم التفسير" لمؤلفه د. ق. فهيم عزيز، لكنه نفذ و هو الأروع فى ذلك المجال). فى هذه الخطوة ستبدأ فى التعرف على الكتاب المقدس، و فى هذه المرحلة غايتنا هى "فى داخل الكتاب" و ليس "حول الكتاب". النقد الحديث بكامله الآن ينصب على ما حول الكتاب، و ليس بداخل الكتاب نفسه. لكنك يجب أن تدرب على دراسة النص، و كيفية تفسيره، و كيفية فهمه، و كيفية تطبيقه فى الوقت الحالى. إستمر فى ذلك حتى تشعر أنك وصلت للمستوى المطلوب من الخبرة الكتابية. بعد ذلك، يمكنك أن تبدأ النظر فى الموضوعات المُثارة حول ما داخل النص الكتابى نفسه. إبتعد فى هذه المرحلة عما يدور "حول" النص الكتابى، لأنك مازلت فى المرحلة الثانية. و حاول أن تعكس خبرتك الروحية التى إكتسبتها فى المرحلة الأولى، على بحثك فى الخبرة الكتابية. انت تستطيع الآن أن تسأل الله مباشرةً و هو يشرح لك! بجانب دراستك الشخصية، إطلع على أبحاث الآخرين. و سأخبرك سراً: حينما اقرأ أى كتاب لا يكون إهتمامى منصب على المعلومات المُقدمة، إنما على كيفية وصول المؤلف للمعلومة. إجعل الهدف الأول من قراءة بحث الآخر هو أن تعرف كيف توصل للمعلومة أو الإستدلال. بذلك لن تحصل فقط على المعلومة المُقدمة، إنما ستتعلم، مع مرور الوقت بالتأكيد، كيف تصل للمعلومة بنفسك. ستصل فى وقت معين إلى معرفة نوعية الكتاب من قراءة إسم الناشر فقط! بذلك ندخل فى المرحلة الثالثة.

المرحلة الثالثة هى الخبرة المعرفية العامة. لا تتوقع حينما تبدأ أن تقرأ كل ما هو نافع فقط. لكن نصيحتى هى أن تقرأ كل ما تستطيع أن تصل له. و تذكر، نحن مازلنا "داخل النص". اقرأ كل ما يمكن أن يفيدك للحصول على خبرة الآخر المعرفية لما هو داخل النص. و حاول أن تقرأ الكتب المُترجمة أكثر، لأنها تحمل بطبيعتها منهجاً علمياً حتى لو إختلفت مع الكاتب. اقرأ كتابات آباء الكنيسة، اقرأ كتابات المفركين فى العصور الوسطى، و اقرأ كتابات المعاصرين. يجب أن تدرس تطور الفكرة، و ليس فقط شكلها الحالى أو المعاصر. إطلع على وجهات النظر المختلفة و قيّم هذه الآراء بما يتوافق مع المنطق السليم. لا تقدس شخص، ولا تؤله فرد. ليس لأن اثناسيوس الرسولى قال كذا فهذا يعنى أنه مُصيب، و إلا عليك أن تنزع سفر استير من الكتاب المقدس مثلاً. كل رأى و كل فكر يجب أن يُختبر و يُمتحن فى ضوء الكتاب المقدس، و هو السلطة الأولى و النهائية فى حياة المؤمن المسيحى. المشكلة فى هذه المرحلة هى أن تنقية الفكر المُشوش من الفكر الصحيح أصبح صعباً فى ذلك الزمان، و فحص الدليل الكتابى يحتاج فى مراحل معينة إلى خبير متخصص يميز الفوارق الدقيقة. لذلك أنصحك بعدم الدخول فى المُتناظر عليه (فى الكنيسة بالطبع و ليس خارجها!) مؤقتاً، حتى لو كنت تريد أن تفهم الموضوع. لن تصل لشىء بدون أن يكون لديك الخبرة الكافية و القدرة التى تؤهلك لفحص البرهان الكتابى بدقة. و هناك مراجع رئيسية فى تلك المرحلة تستطيع القراءة فيها: كتب الأب القمص عبد المسيح بسيط مفيدة جداً فى اللاهوت الدفاعىً، كتب الأنبا بيشوى مفيدة جداً فى نواحى معينة من اللاهوت العقيدى، و كتب د. موريس تاوضروس مفيدة جداً فى الكتاب المقدس، و فى مجال اللاهوت الآبائى، فهناك إصدارات المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية و الأب القمص تادرس يعقوب و الأب القمص اثناسيوس فهمى. هذا بالإضافة إلى عالم هذا الزمان و كل زمان: الأب القمص متى المسكين. و كن زائراً متابعاً فى دار الثقافة، حيث يمكنك أن تحصل على كتابات علماء الكنيسة الإنجيلية، و الكتابات الغربية مُترجمة للعربية.

المرحلة الرابعة هى ما حول الكتاب. إذا بدأت فى هذه المرحلة دون الحصول على الخبرة الروحية (المرحلة الاولى) و الحصول على الخبرة الكتابية (المرحلة الثانية)، فسيكون طريقك خطر و غير آمن. لقد تصارعت لسنوات مع النقد النصى و كدت أفقد إيمانى منذ سنين لأننى لم أكن قد حصلت على الخبرة الروحية و الخبرة الكتابية. و المشكلة مع هذه الدراسة هى أنها نادرة بالعربية. حتى الآن لا يوجد أى كتابات متخصصة فى النقد الكتابى باللغة العربية إلا نادراً جداً. لذلك، حاول أن تتابع فى هذه المدونة المتخصصة فى الدراسات النقدية للعهد الجديد. الآن تستطيع أن تفهم النقد النصى بشكل بدائى على الأقل من خلال ما تم نشره فى هذه المدونة، و عليك أن تكمل دراستك بنفسك. كما يعمل هذا الكاتب حالياً فى كتابة مدخل منهجى مُنظم للنقد الأعلى سيُنشر فى مجلدين، لكن لن يرى النور قبل سنتين! اقرأ المداخل للعهدين القديم و الجديد لتتعرف على الثقافة النقدية (ستجد إثنين باللغة العربية تحت قائمة "مراجع" إلى يمين المدونة). لكن الخطوة التى يجب أن تحرص عليها قبل دراسة النقد الأعلى، هى دراسة مفهوم الكتاب المقدس. نحن الشرقيين نحتاج إلى إعادة بناء لاهوتنا فى الكتاب المقدس لأنه تأثر جداً بسبب الثقافة المحيطة حتى أنه تغير تماماً! هناك عدة أعمال متوفرة على الشبكة بالإنجليزية (أنظر مثلاً مقال توم رايت هنا). هذه المرحلة لن تحقق فيها شىء إذا كنت لا تجيد الإنجليزية، ولا أجد حل لها سوى أن يعطيك الرب الصبر و العمر لترى ما ننجزه فقط. إذا كان لك طموح فى النقد الكتابى، فيجب أن تتعلم الإنجليزية حتى تستطيع قراءة مصادر النقد الكتابى. بعد أن تدرس سلطة الكتاب المقدس، تستطيع أن تدرس النقد الكتابى بشكل سليم و آمن. فى التسعينات ظهرت صحوة علمية تدعو إلى توفير العلم الكتابى التكنيكى فى صورة بسيطة و سلسة تصلح للقارىء العادى، و كتاب "القضية...المسيح" يُعتبر عينة لهذه الصحوة. اقرأ كتب لى ستروبل و ادرسها جيداً، مرة و إثنين، و هى متوفرة فى دار الكلمة و دار الثقافة (كتاب "القضية...المسيح" موجود على هذه المدونة). هذا الموقع مفيد فى النقد الكتابى كبداية فقط.

المرحلة الخامسة هى عرض الإيمان. دائماً و أبداً أترك الدليل هو الذى يشكل عقيدتك و فكرك. لا تسمح لنفسك أبداً أن تكون عاطفتك هى التى تقودك. حيثما سار بك الدليل، إذهب. لو قال لك الدليل أنك لا تستطيع أن تستمر فى الثقة فى الكتاب المقدس، فلا تكمل. لكن عليك أن تفحص البرهان بصبر و عقل منفتح. عليك أن تكون متدرباً فى المجال حتى تستطيع أن تضع القرار الصائب و الصحيح. و فى عرضك للإيمان، أعرض ما يقوله الدليل بعد أن تكون درسته جيداً. هذه الجملة إختبرتها لسنين: حينما تكون دارساً للموضوع بكل نواحيه، ستبنى قراراً يجعل ثقتك فيه نفسها كفيلة بنقد المخالف. إبحث عن الأرض الصلبة و قف عليها. لا تقف على أرضية هشة ثم تحاول أن تصمد، فأنت بذلك لا تخدع أحد سوى نفسك. تذكر أيضاً أنك حينما تريد أن تدافع فأنت لا تهدف فقط إلى دحض إدعاءات المخالف، إنما أن تقنعه أيضاً. هذه القناعة بكل تأكيد لن تظهر على السطح، إنما يكفينا ثقتنا فى أن البذرة التى ألقيناها ستأتى بثمار، حتى لو لم نرى الثمار. لكنك لن تصل إلى هذا إذا كان عرضك للبرهان ليس منطقياً ولا مستقيماً ولا متماسكاً. ضع الحقيقة أمام عينيك، و ضع الدليل هدفك دائماً. اقرأ فى كيفية البحث العلمى، حتى تتعلم كيف تفكر. لذلك، كما أكرر دائماً، الفلسفة قبل كل شىء. لا سبيل لعرض فكر صائب بدون دراسة فلسفية. الفلسفة هى أن تتعلم كيف تفكر، و هذا هو الطريق الذى عن طريق ستستطيع أن تفكر و تقنع الآخر بشكل عقلى و منطقى سليم!

منذ ثلاثة سنوات طلب منى أحدهم أن أكتب إليه نصائح ترشده فى الحوار مع المخالف، و ها هى أضعها لك فيمكنها أن تفيدك:

الأولى: اقرأ يا صديقى. عاشق القراءة سيكون له مستقبل عظيم فى المجال الدفاعى، فمن أين ستبنى نفسك لاهوتيا و ثقافيا إن لم تقرأ؟ و كيف تستطيع ان ترد و تناظر و انت لا تعرف؟ كيف ستثبت الإيمان المسيحى فى داخل القارىء المسيحى إن كان ردك ليس بالرد العلمى ناتجاً عن عدم القراءة؟ اقرأ كل ما يقع تحت يديك: كتاب، مجلة، صحيفة، رسالة، و أى شىء مكتوب يقع تحت يديك اقرأه و استفيد منه ولا تتركه من يدك الا و انت تعرف انك استفدت منه شيئا، حتى لو كان كيف تكتب الهمزة!

الثانية: ضع الرب الإله أمام عينيك دائماً. تذكر دائما انك دخلت هذه الدائرة لثلاثة أسباب لا رابع لهم: خدمة الله القدوس، تثبيت إيمان الإنسان المسيحى، و إجابة كل من يسألك عن سبب الرجاء الذى فيك بوداعة و خوف. تذكر دائماً انك إن جرحت شخصاً ما فى حوار ما قد يكون هذا سبباً لإبعاده عن الإيمان فتكون بذلك عثرة، و ويل لك إن كانت تأتى بواسطتك العثرات. ليس معنى هذا أن تكون ضعيفاً، فقد علمنا الكتاب أن نغضب و لكن لا نخطأ و بهذا أنصحك: ان تغضب و لا تخطأ. و لكن فضلاً، لا تجعل الشمس تغرب على غيظك.

الثالثة: إبنى ثقتك على الرب، لا على قدرتك أو قوتك. الرب هو الذى سيمنحك القوة و القدرة. الرب هو الذى سيرشدك الطريق الصحيح الذى تسلكه. لا تعتمد على ذاتك ولا على علمك مهما كان، لأنك فى النهاية إنسان ضعيف تحت الآلام.

الرابعة: كيف تتجنب وجود ثغرات فى ردك؟ انت مسيحى ترد على شبهة ما، ضع ردك الذى كتبته امامك قبل أن تنشره، تخيل كيف يُمكن ان يرد عليك المخالف حتى تعرف ما هى الأخطاء التى وقعت فيها؟ ما الذى يُمكن أن يستغله ضدك من ردك؟ عادةً اى مُدافع محترف يعرف بما سيرد عليه مُحاوره أثناء كتابة رده و عليك أن تصل لهذه المرحلة. ضع ردك نصب عينيك دائما، تأمل شكل حروفه، تابع كلماته و انظر فى مدى منطقيته و حجته، هل يُمكن ان يُنقد؟ كيف؟ علمياً أم جدلياً؟ حقيقةً ام سوء فهم من الطرف الآخر؟ تحقق من كل هذه الخطوات لتصل الى شكل شبه كامل فى مخيلتك حول رد محاورك القادم!

الخامسة: لا ترهب ولا تخف. و أدخل الحوار لكى تتعلم لا لكى ترد. ستعرف فى الحوار نقاط الضعف و نقاط القوة، و هذا سيجعلك تعيد النظر فى السقطات المنطقية و الإستدلالية فى ردك. أحرص دائماً أن يكون ردك علمياً خاضعاً للأسس و الثوابت السليمة حتى يكون رد متكامل و يقتنع به المخالف.

السادسة: أسلك مسلك آباء الكنيسة الأولى. أنظر كيف كان يُدافع اثيناجوراس؟ كيف حارب بدعة قيامة الموتى ضد العالم الوثنى بأكمله وحده و انتصر عليه بقوة الرب! كيف دافع يوستينوس الشهيد عن العقيدة، و كيف استطاع ان يُوظف فلسفته للدفاع عن عقيدته حتى صار شفيع المدافعين جميعا فى مشارق المسكونة و مغاربها؟ انظر الى دفاع ترتيليان و تعلم منه اسلوبه، انظر الى حجته و برهانه و تعلم أن تخرجه كما أخرجه هو. أوصانا الكتاب ان ننظر الى نهاية سيرتهم و نتمثل بهم، و هم خير المثال الذين تتمثل بهم. لازالت كتابات اثناسيوس عن لاهوت المخلص هى المنبع الأول للرد على الشبهات حول لاهوت المخلص، تخيل كيف حدث هذا؟ تغلغل وراء الكلمات و الحروف الى ان تصل للأسلوب و الصياغة و كيفية إستخراج المعلومة. ليس مهماً ان تحصل على المعلومة جاهزة من اثناسيوس بقدر ان تتعلم منه كيف إستطاع ان يحصل عليها هو من الكتاب المقدس.

السابعة: تعلم كيف تجد الخيوط التى تذهب ورائها وحدك. اذا أعتدت على مساعدة الآخرين لك لن يكون لك قيمة، لن تستفيد شيئاً و لن تفيد بشىء، لأنك لم تبحث بنفسك و لم تجتهد بنفسك! أتعلم، قد تتعب جداً و تستنزف مجهوداً كبيرا لتصل الى معلومة، قد تصل لها بسهولة اذا سألت أحدهم. و لكن ماذا إذا فوجئت برد على المعلومة و انت أخذتها عن آخر؟ فى بحثك و اجتهادك و دراستك ستتعلم و ستستطيع ان تصل للرد الصحيح، لكن لو أنك أخذت المعلومة عن غيرك؟ ستعود تسأله أيضاً، و هكذا لن تكون سوى ناقلاً و فقط. اجتهد و ادرس و ابحث بنفسك اولاً، فإذا لم تصل لشىء فيمكن أن تسأل من يعرف و لكن بعد أن تعمل ما عليك.

الثامنة: لا تلغى شخصيتك أبداً، ولا تلغى فكرك انت ابداً، بل أتبع التحقيق العلمى الصحيح، و تأكد مرة و اثنين و ثلاثة أنك سرت فى التحقيق الصحيح. فاذا وصلت لنتيجة قد تُخالف العادة لا تخاف ولا ترهب بل إعلن إيمانك فى اى وقت و امام اى انسان ولا تسمح لأحد ان يفكر بدلاً منك بل ما توصلت له بتعبك و دراستك و بحثك و رأيته صحيحاً إعتمده فى فكرك.

التاسعة: إحذر بعد ان تكرز للآخرين، أن تصير انت مرفوضاً! لا تخدم فى بيت الرب، بل إخدم الرب نفسه دون أن تنسى أن تلاحظ نفسك و التدقيق. و أنصحك ان تقرأ كتاب "معلمين كثيرين" للأنبا مكاريوس لئلا تنسى أنك ربما بعدما تكرز الآخرين قد تصير انت مرفوضاً...

العاشرة و الأخيرة: هى كلمات الرسول بولس:"اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ. لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ، فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ. وَأَمَّا أَنْتَ فَاصْحُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ. اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ". (2 تي 4 : 2 - 5).

الله وهبنا نعمة العقل، و أوصانا المخلص أن نحب الرب من كل فكرنا. لذلك تذكر دائماً أن عقلك هو الحكم بينك و بين الله. لا تخالف العقل، ولا تخالف المنطق. آمن بهو فوق العقل، لكن ليس بما هو مناقض للعقل. الرب معك و يرشدك!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!