الثلاثاء، 1 ديسمبر، 2009

سلطان إبن الله


سلطان إبن الله
(دراسة لاهوتية فى علاقة الإبن بالآب كما شرحها يسوع)
فادى اليكساندر


المقدمة

بدأنا سلسلة دراستنا فى لاهوت المسيح بنص يو 1 : 1، و بينّا كيف أن النص يتكلم عن المسيح بكونه "الله" و أنه يحمل نفس طبيعة الله، من خلال قواعد اللغة اليونانية. ثم فى دراسة أخرى تكلمنا عن نص يو 8 : 58 و رأينا كيف أن المسيح تكلم عن نفسه بوصفه إله العهد القديم. و بحسب معرفتى، لم اقرأ أى تفنيد أو تشكيك فيما أتيت بأدلة إعتمدت بشكل كلى على الدراسات العلمية الأكاديمية و بحوث العلماء المدققين. و بتشجيع خاص من الباحثين الأكاديميين، رأيت أن أستمر فى الدراسات اللاهوتية فى لاهوت المسيح عند يوحنا البشير، لتكون سلسلة كاملة.

يأتى هذا الجزء كدراسة لاهوتية تعتمد على نفس الثوابت و الأسس العلمية التى أتبعها دائماً، فى شرح حوار مُطول بين المسيح و اليهود، ورد فى الإصحاح الخامس من إنجيل يوحنا. و هذا الحوار فى حقيقته، ليس إلا خطاب دفاعى طويل من يسوع رداً على تشكيك اليهود فى سلطته. هذا الإصحاح يحمل مكانة خاصة فى قلبى، إذ أعتبره أقوى الإستدلالات على لاهوت المسيح بحسب تسجيل يوحنا لكلمات يسوع نفسه. و القوة لا تكمن فى أن أحد تصريحات المسيح فى هذا الإصحاح أقوى من بقية التصريحات الخطيرة الواردة فى هذا الإنجيل أو غيره، و إنما تكمن القوة فى كثرة عدد التصريحات الوصفية الواردة على لسان يسوع فى هذا الإصحاح. ففى هذا الإصحاح نعرف أن أبوة الآب ليسوع تعنى مساواته للإبن، و أن للإبن كل ما يفعله الآب، و أن الإبن هو الديان، و أن للإبن نفس مجد الآب، و أن الإبن كما الآب مصدراً للحياة، و خصائص أخرى ينسبها المسيح لنفسه تتعدى كل الحدود البشرية.

و كما هو المنهج دائماً كذلك هو الآن، عبر شقى التفسير اللاهوتى التاريخى المستقيم: الآباء و العلماء. فالآباء هم قناة تدفق التقليد الرسولى الذى بدأ فى العصر الرسولى الأول، و العلماء هم الباحثين المفتشين فى التاريخ و اللغة و السياق لأجل الوصول للتفسير الإستنتاجى الصحيح
[1] . و لذلك أحرص دائماً على إخضاع النتائج التى أصل لها فى بحوثى العلمية للإختبار فى ضوء المنهج الآبائى العلمى.

و قبل أن نبدأ فى هذه الدراسة، أحب أن أشير إلى تشكيك شهير قد يُثال مستقبلاً فى طعن دراساتنا، و هو تأخر زمنية إنجيل يوحنا بهدف إعلان لاهوت المسيح. لقد قمت سابقاً بترجمة مقالة لبروس ميتزجر بهدف الرد على هذا الطعن حيث شرح بتدقيق مُختصر لاهوت المسيح فى الأناجيل الإزائية. نقطتى الإيجابية و التى سأشرحها بالتفصيل لاحقاً فى دراسة منفصلة هى: أقدم كريستولوجية فى تاريخ المسيحية هى كريستولوجية بولس الرسول، حيث أن كتابات بولس تسبق الأناجيل الأربعة و بقية كتابات العهد الجديد، و هى التى لم أجد أى عالم يشكك فى كونها "كريستولوجية عالية"، أى كريستولوجية تبشر و تكرز بلاهوت المسيح. هذا رد مُختصر، لحين وضع نقد تفصيلى لما يُثار حول لاهوت المسيح فى إنجيل يوحنا، و أعد برد تفصيلى منهجى حين أقرأ نقد تفصيلى!

نحتاج أيضاً أن نعرف ما هو المقصود بوحدانية المسيح مع الآب فى الجوهر. ماذا نعنى بإيماننا بأن الآب و الإبن واحد فى الجوهر؟ و ما معنى وحدانية الله فى اللاهوت المسيحى؟ و ما هى الطبيعة؟ هذه الإصطلاحات شغلت آباء الكنيسة الأوائل جداً، فقد كان من الواجب عليهم أن يتصدوا للهرطقات المخالفة للتعليم المسيحى المستقر فى الكنيسة الأولى. و لأجل إستخدام تعبيرات دقيقة لا يمكن الإختلاف فى معناها العقيدى، كان لابد من إستخدام أدق الألفاظ المتاحة. فنحن نعرف أنه كان هناك خلاف تاريخى حول معنى الكلمة اليونانية هيبوستاسيس، فبينما استخدمها البعض للإشارة للأقنوم، استخدمها البعض للإشارة إلى الجوهر. نفس الأمر ينطبق على كلمة هوموسيون؛ واحد فى الجوهر و مشابه للجوهر. القديس أثناسيوس نفسه لاحظ هذا الخلط، لذا وضع تفصيل شديد فى معانى الكلمات كما قصدها. و المستقر فى الكنيسة منذ هذا العصر، أن هيبوستايس تعنى الأقنوم، وهوموسيون تعنى واحد فى الجوهر. و قد كان لهذا الخلاف جزوره التاريخية، فالأولى كانت تُستخدم بمعنى جوهر بالفعل فيما قبل الميلاد و حتى بعده، و قد وردت بهذا المعنى فى العهد الجديد
[2].

ما يهمنا من المناظرات اللاهوتية فى العصور الأولى، هو معنى و كيفية وحدانية المسيح مع الآب فى الجوهر، حتى نرى إذا كان هذا التعليم كتابى أم لا. و هنا يتحتم علينا أن نعرف معنى كلمة جوهر. هذه الكلمة تعنى الطبيعة، أى أن الآب و الإبن واحد معاً فى طبيعتهما. و حينما نقول أن الآب و الإبن واحد فى الطبيعة، لا نعنى أنهما من طبيعتين متشابهتين، ولا أنهما منفصلين فى هذه الطبيعة. بل إن ما نعنيه بكل دقة: أن الآب و الإبن، إن جاز التعبير، لهما نفس المادة الواحدة المكونة لهما. هذا التعبير لا يستقيم فى الحديث عن الله، لأن الله ليس مادى، و لكنه لتقريب الصورة فقط عن معنى وحدانية الآب و الإبن. الآباء استخدموا مثال الشمس و الشعاع و النور عن الثالوث، و استخدموا مثال الحديد المحمى بالنار عن طبيعة المسيح بصفته الكلمة المتجسد، و أيضاً استخدموا مثال الينبوع و النهر لتوضيح وحدانية الآب و الإبن. فكما أن المادة المكونة للينبوع هى الماء، و كما أن المادة المكونة للنهر هى الماء، كذلك اللاهوت هو الله و اللاهوت هو الإبن. و لكننا إذا صمتنا عند هذا الحد، نكون وثنيين نعبد إلهين، إذ لابد من تكملة المثال، كما فعل الآباء، بأن نفس الماء الذى يجرى فى الينبوع هو نفسه الماء الذى يجرى فى النهر. و بدون المياه لا يصبح الينبوع ينبوعاً ولا النهر نهراً. و هذا هو نفس ما يُقال عن وحدانية الآب و الإبن، فاللاهوت الذى للآب هو نفس اللاهوت الذى للإبن. هو ليس لاهوتاً شبيهاً، ولا هو إلوهية موازية. بل، و كما قلت إن جاز التعبير، نفس المادة المكونة للآب، و هى اللاهوت، هى نفس المادة المكونة للإبن، و هى ذات اللاهوت الذى للآب. و المشابهة فى الطبيعة كما شرحها الآباء، هى أن يكون الآب و الإبن كيانين منفصلين لهما نفس النوعية من المادة المكونة، و هذا ما قد رفضه الآباء فى نيقية و على رأسهم أثناسيوس. لأننا بهذا لا نعود نعبد إلوهية واحدة، بل إثنين. لهذا إيماننا المستقيم فى وحدانية الآب و الإبن، هو أن الإلوهية الكاملة الواحدة الغير قابلة لتقسيم ولا انفصال هى لكلاهما. لا يمكننا أن نقول عن الآب و الإبن أنهما مثل أى من بنى الإنسان، لهما طبيعة بشرية واحدة و لكنهما فى النهاية كيانين مختلفين. و هذا القول لا يصح لأن وحدانية الآب و الإبن ليست فقط فى نوعية الطبيعة، و إنما فى نفس الطبيعة. كما قلت، الآب و الإبن لهما نفس الطبيعة، و ليس فقط نفس نوعية الطبيعة
[3].

و على هذا الأساس يأتى إيماننا بوحدانية الإلوهية، وحدانية اللاهوت، أى وحدانية الله. و قد ألصق الآخر صفة الشرك بنا، لأنه أدرك بتشويش إيماننا بالأقانيم، فى الوقت الذى رفض فيه أن ينظر فى إيماننا بوحدانية الإلوهية. و إيماننا بالأقانيم ليس تعدداً فى الإلوهية، و إنما تعدداً فى الأقنومية. و الأقنوم هو الشخص الذى لا يوجد إلا فى وجود الآخر. إذن، فإيماننا بطبيعة الله الثالوثية لا علاقة له أبداً بإيماننا بوحدانية الإلوهية. و مفهومنا عن الأقانيم هو أن كل منهما شخص لا يقوم بدون الآخر. كل أقنوم منهم ليس هو الآخر، و هذا هو معنى التمايز الأقنومى. فالآب ليس هو الإبن، و ليس هو الروح القدس. و هذا هو ما ينطبق أيضاً على الإبن و الروح القدس. و هذا التمايز أقنومى و ليس فى الإلوهية.

إذن، فالآب و الإبن واحد فى إلوهيتهما، و الإبن له ذات الإلوهية التى للآب، أى نفس طبيعة الآب. و لكن الآب كشخص ليس هو الإبن كشخص، أى أن الآب أقنوم و الإبن أقنوم آخر. و هذه هى العقيدة المسيحية المستقيمة التى شرحها الآباء الأوائل، خاصةً فى العصر الذهبى.

كثيراً ما نرى إدعاءات تقول أن هذه العقيدة غير موجودة فى الكتاب المقدس، و أن أثناسيوس هو الذى أختلقها فى مجمع نيقية. و هذه السلسلة بأكملها هى رداً على هذه السخافات، خاصةً هذا الجزء. فكما سنرى، هذه العقيدة منسوجة بشكل حقيقى فى انجيل يوحنا، و خاصةً فى النص محل الدراسة الآن. و هذه المقدمة هى فكرة الدراسة بأكملها، و هى أن هذا الإصحاح فى سياقه، يقدم لنا هذه الحقيقة العقيدية بالضبط.

و لأن الآخر غاب عنه هذا الفكر، فتشوش فى ظلام مميت و قاتل، كان علينا أن نوضح ما نعتقده و نؤمن به لينتفع به فيخرج للنور. إن هذه العقيدة المشروحة بالأعلى، هى التى علم بها المسيح، و هى التى علم بها تلاميذ المسيح، و هى ذاتها التى نجدها فى الكتاب المقدس، و هى التى نشهدت لها الكنيسة الجامعة منذ فجر العصر الرسولى الأول. يسوع هو هو أمساً و اليوم و إلى الأبد!

إلى الصديق العزيز، دكتور لاهوت المسيح: egoemi، لكم أهدى هذه الدراسة و السلسلة بأكملها، عرفاناً بالجميل و إيماناً بموهبتكم و حثاً للرجوع مرة أخرى لمجال إفتقدكم بشدة..

فادى اليسكاندر
1 – 12 – 2009

النص كنص

يبدأ النص محل الدراسة بعد أحد المعجزات التى صنعها يسوع، و قد صادف أن يسوع قد أجرى هذه المعجزة يوم السبت. و قد كان اليهود يعتقدون أن يوم السبت لا يحل فيه صنع أى شىء، فكيف يصنع يسوع معجزة يوم السبت ليشفى شخصاً ما؟ بناء على ذلك:"كَانَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَ يَسُوعَ وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ عَمِلَ هَذَا فِي سَبْتٍ" (يو 5 : 16). فبدأ يسوع الحوار معهم كالتالى (بحسب فانديك):

" أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ». فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللَّهِ. فَقَالَ يَسُوعُ لَهُمُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَقْدِرُ الاِبْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهَذَا يَعْمَلُهُ الاِبْنُ كَذَلِكَ. لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الاِبْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ وَسَيُرِيهِ أَعْمَالاً أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي كَذَلِكَ الاِبْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ. لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَداً بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلاِبْنِ لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الاِبْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الاِبْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ. «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللَّهِ وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ كَذَلِكَ أَعْطَى الاِبْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ وَأَعْطَاهُ سُلْطَاناً أَنْ يَدِينَ أَيْضاً لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ. لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ. أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئاً. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 5 : 17 – 30).

و النص كنص لا يوجد فيه مشكلات نصية تغير من شكله بين النص التقليدى و النص النقدى ولا تؤثر على الترجمة. ففى ع 17 لا نعرف هل يقرأ النص "فأجاب" أم "فأجاب يسوع"، كما أن النص الغربى فى ع 32 يحول "أنا أعلم" إلى "أنتم تعلمون"، و عدد من المشكلات البسيطة كتلك. غير أن النص بحسب ترجمة فانديك غير واضح الألفاظ، لذا أوصى بمتابعة النص بحسب الترجمة العربية المشتركة أثناء قراءة هذه الدراسة. إن خطاب يسوع لا ينتهى عند هذا الحد، و إنما يستمر لنهاية الإصحاح. و لكن رأيت أن أكتفى بشرح النص المعروض بالأعلى فقط حتى يكون الحديث مُركزاً على لاهوت مخلصنا.

الخدعة الأولى

أولى المرات التى نجد اليهود فيها يطاردون يسوع فى إنجيل يوحنا، هى هذه المرة. و نلاحظ أن هذه المرة بدأت بعد خدمة يسوع الأولى حيث إنطلق من قانا الجليل إلى أورشاليم ثم السامرية فعائداً مرة أخرى للجليل. و هم كانوا يطلبونه ليس لأنه شفى هذا المريض يوم السبت، أى ليس لأنه كسر السبت مرة واحدة، بل لأنه كان معتاداً على ذلك. لذلك تضع الترجمات الإنجليزية الدقيقة النص:"فلأن يسوع كان يفعل هذه الأشياء فى يوم السبت". و كسر السبت عند يسوع ليس مجرد ظاهرة عادية، بل له مدلول خاص فى نظر يسوع، خاصةً إذا قارناه بقوله أن:"ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً" (مت 8 : 12؛ مر 2 : 28؛ لو 6 : 5). فواضح من تصرف يسوع المناهض للناموس، و هو التصرف المؤسس للاهوت بولس فى النعمة، أن كسر السبت كان أقصر الطرق لبيان عدم فاعلية الناموس فى تبرير الإنسان أمام الله. و بالتالى يتضح أمامنا أن كسر السبت كما أورده يوحنا فى هذا الإصحاح كان بمثابة إفتتاحية لاهوتية لخطاب أعتبره شخصياً أقوى الخطابات اللاهوتية التى ألقاها يسوع على مسامع اليهود.

رد يسوع على إضطهاده لهم قائلاً (العربية المشتركة من الآن):"أبى يعمل فى كل حين، و أنا أعمل مثله". هذا الرد يحتاج إلى وقفة لأنه يحمل الكثير ليقوله. لقد كان إعتراض اليهود على يسوع أنه يكسر السبت، أى يعمل يوم السبت. فماذا عن وضع الله يوم السبت؟ هناك من اليهود من آمن أن الله يعمل فى السبت، و هناك من آمن أنه لا يعمل فى السبت. ففيلو يتكلم عن الله بعدما خلق الخليقة، إستمر فى العمل أيضاً
[4]. و لكن هناك يهود آخرين عقدوا مجمعاً فى نهاية القرن الأول، رأوا فيه أن الله نفسه لا يعمل فى السبت[5]! على أى حال، أى كان ايمان اليهود الذين يخاطبهم يسوع فى هذا الخطاب[6]، فإن قوة النص تكمن فى قوله عن الله "أبى" ثم قوله "و أنا أعمل مثله". فلو أن الله كان هو الوحيد العامل فى السبت، فإن يسوع يلقب هذا العامل بـ "أبى". و هذا اللقب لم ينادى به شخص ما أبداً الله. لا يوجد أحد خاطب الله فى العهد القديم قائلاً له "أبى"، و المرتين الوحيدتين اللتين ورد فيهما لقب "أبى" على الله فى العهد القديم (ار 3 : 4، 19؛ مز 89 : 26)، كان الله هو المتكلم بصفة شعب اسرائيل، و ليس مخلوق قال ذلك. لكن تكلم يسوع بجرأة قائلاً "أبى يعمل". و لم يقف يسوع عند هذا الحد، بل بلغ به التحدى ليقول "و أنا أعمله مثله". لم يكن سوى الله فقط الذى يعمل فى السبت، فرفع يسوع نفسه بجانب الله عاملاً فى السبت! ذهبى الفم يعبر عن كلمات يسوع قائلاً:"حيث أنه توجد هنا مساواة فى الرتبة، فإنه أفاض لذلك فى ذكر تفاصيل دفاعه بطمأنينة. و هو كأنه يقول: لأن من نفس التهم التى تبرأون الله منها ينبغى أن تبرأوننى أنا أيضاً منها. و لهذا السبب ابتدأ يقول "أبى" لكى يقنع حتى المقاومين له أن ينسبوا نفس له الصفات بدافع من توقيرهم لبنوته لله التى تبرهنت بوضوح"[7]. و هو ما رآه كوستينبرجر:"إدعاء يسوع بعلاقة فريدة بينه و بين الله هو الذى شكلّ هذا الإعتقاد برفع يسوع إلى نفس مستوى الخالق"[8].

اليهود فهموا إدعاء يسوع بأن الله هو أبيه، فيقول النص:"فإزداد سعى اليهود إلى قتله، لأنه مع مخالفته الشريعة فى السبت، قال إن الله أبوه، فساوى نفسه بالله". كلمات يسوع كانت واضحة لهم، فهو يدعى أن الله أبيه و لذلك مستحق أن يرث صفاته، لذلك فهم اليهود مباشرةً معنى إدعاء يسوع. نيومان و نيدا يلخصان هذه الجملة كالشرارة التى ألهبت رد يسوع عليهم قائلين:" "رأى اليهود ما يتضمنه كلام يسوع بسرعة و قد إستنتجوا فوراً أنه قد وضع نفسه مساوياً لله. و بقية هذا الإصحاح يشرح هذا المعنى الذى يدعى فيه يسوع مساواته لله"
[9]. قوة إدعاء يسوع تكمن فى معنى الكلمة اليونانية ἴδιον التى تعنى أن الله هو أبيه "الشخصى"، أى الخاص به[10].

لم يكن اليهود مستعدين لقبول هذا الإعلان، لأن الإنسان بشكل عام – ليس اليهودى فقط – يخاف من الله. علاقة الإنسان بالله بشكل عام قبل مجىء المسيح إتسمت بروح الخوف لكى يحرص الإنسان الضعيف على إرضاء ذلك الكائن الجبار الذى يستطيع إفناؤه بكلمة واحدة. الفارق كان فى ذهن الإنسان متمركزاً، بين المقدس و الدنس، بين السرمدى و الفانى، بين الإنسان و الله! لذلك كان من الصعب عليهم تقبل فكرة وجود الإله فى شكل مادى أمامهم. كانوا بحاجة لأن يسمحوا بعمل الروح فى داخلهم، و أن يتفحصوا البرهان الذى يقدمه يسوع لهم. و لأن على أعينهم غشاوة ليس من السهل إزالتها، بدأ يسوع فى إلقاء الخطاب اللاهوتى العميق جداً عن طبيعة علاقته بالله!

الآب و الإبن

يبدأ هذا الخطاب بلغة عميقة جداً يشرح فيها يسوع تفاصيل العلاقة بينه و بين الله الآب. و نلاحظ أن يسوع قد بدأ خطابه بالكلمات "الحق الحق أقول لكم"، و هى الكلمات التى تقدس ما سيطرحه، كأنه حقيقة مطلقة لا تقبل المساس بها. إفتتح يسوع الإعلان الإلهى عن علاقته مع الآب قائلاً:"لا يقدر الإبن أن يعمل شيئاً من عنده، بل يعمل ما رأى الآب يعمله، فما يعمله الآب يعمل مثله الإبن". هذه البداية هى بداية قوية جداً فى عمق اللاهوت الذى تحمله. و لكن نتجع عنه مشكلات لاهوتية عبر التاريخ المسيحى بأكمله.

دعونا نفهم أولاً ما الذى قصده يسوع، قبل أن ندخل فى المشكلات. ما نفهمه من يسوع هو أن كل شىء يعمله الآب يعمله الإبن كذلك، و لذلك لا يمكن للإبن أن يعمل شىء لا يعمله الآب. السؤال الآن هو: لماذا؟ السؤال ببساطة: لماذا الإبن يستطيع فعل ما يفعله الآب و لا يستطيع فعل ما لا يفعله الآب؟ إجابة السؤال تحتم تقسيم النص إلى شقين: التابعية الوظيفية و وحدانية الجوهر. و يجب ملاحظة أننا نتكلم عن "تابعية وظيفية" Functional Subordination و ليس عن تابعية مجردة Subordination. أحد القواميس يضع تعريفى المصطلحين كالتالى:

· "التابعية الوظيفية: هى فكرة أن المسيح، الأقنوم الثانى فى الثالوث، رغم أنه مساوى للآب فى كينونته، فإنه وضع نفسه تحت تصرف الآب فيما يفعله"
[11].
· "التابعية: هى عقيدة أن الإبن بحسب الطبيعة و المكانة أدنى و أقل من الآب، أو أن الروح القدس أدنى من الآب و الروح القدس. و هذه العقيدة يجب تفريقها عن التابعية الوظيفية و التى ترى أن أدوار الإبن و الروح القدس تابعة وقتياً للآب خلال فترة معينة من الخدمة"
[12].

و بالتالى المقصود من أن المسيح تابع للمسيح وظيفياً، هو طاعة المسيح الحرة بكامل إرادته للآب فى إخلاص تام و محبة كاملة. ليس أن المسيح أدنى من الآب بحسب الطبيعة، بل إن هذا هو ما ينقده المسيح بتصريحه أن كل شىء يعمله الآب يستطيع الإبن يعمله، بل و يعمله فعلاً. و بالتالى فى النص إشارتين مزدوجتين: الإبن يحب الآب فيطيعه فى إخلاص تام و كامل، و فى نفس الوقت هذه المحبة نابعة عن مشيئة واحدة و إرادة واحدة، أى عن طبيعة واحدة للآب و الإبن. فنظرياً، الآب و الإبن و الروح القدس كل منهم له إرادة، و لكن هذه الإرادة واحدة لأنها فى إتفاق عملياً. يشرح القديس كيرلس الكبير هذا الفكر قائلاً:"لأنه فى ذلك هو قادر أن يفعل دونما تمييز اعمال الله (الآب), وأن يعمل نفس الاعمال مع ذاك الذى ولده، شاهداً بذلك انه من نفس جوهره. لأن الاشياء التى لها ذات الطبيعة احداها مع الاخر، إنما تعمل نفس العمل، اما تلك التى تختلف فى كيفية وجودها لا تكون لها نفس طريقة العمل من جميع الوجوه، هذا كأله حق من اله حق, يقول انه يقدر ان يفعل هذه الاشياء بالمساواة معه، لا ليظهر فقط معادلاً فى القدرة للآب، بل يكون له نفس الفكر وله فى كل شىء المشيئة الواحدة معه، وهو يقول انه لا يقدر ان يفعل شيئاً من ذاته، بل ما يرى الاب يفعل. تماماً كأنى به يقول للذين يحاولون اضطهاده؛ لانه شفى انساناً فى يوم السبت، انتم تزعمون ان كرامة السبت امتهنت لكنى ما كنت افعل ذلك، لو لم أكن قد رأيت ابى يفعل ذات الشىء، لأنه يعمل لصالح الترتيب الحسن للعالم فى يوم سبت ايضاً، بواسطتى انا. ومن المستحيل أننى انا ابنه بالطبيعة لا اعمل كلية فى كل الاشياء. واريد أعمال الآب، لا كأنى قد قبلت من خارج تعلم نوذج العمل، أو دعيت بحركة متعمدة أن اريد نفس الشىء الذى يريده الآب، بل بواسطة الطبيعة غير المخلوقة أنا مرتفع لمستوى المساواة فى المشورة وفى العمل مع الله الآب لأننا نجد هنا تعبيراً ممتازاً ومحدداً عن كونه لا يقدر أن يفعل شيئاً من نفسه، وأننا كأتقياء يجب أن نستأسر كل فكر "إلى طاعة المسيح"( 2كو 5: 10) كما هو مكتوب"
[13].

فالمسيح لا يستطيع أن يفعل شىء من نفسه أو من عنده، ولا يفعله الآب، لأن الآب و الإبن واحد فى الطبيعة. و مادام الإثنين واحد فى الطبيعة، فلابد أن العمل الذى يفعله أحدهم يفعله الآخر، لأنهم ليسا إثنين فى الجوهر، إنما واحداً مع كونهما إثنين فى الأقنومية. ليس هذا فقط، بل إن هذه الوحدانية الجوهرية ممتدة حتى فى فترة تجسد المسيح، الذى يعرف فكر الآب و عمله حتى و هو على الأرض. يعبر العالم عن هذه الحقيقة قائلاً:"هكذا، فإن الإبن المتجسد قد تمثل على أنه مازال يستطيع على الأرض أن ينظر ما يفعله الآب فى السماء، بكونه يفعل الشىء نفسه"
[14].

يستمر يسوع قائلاً:"فالآب يحب الإبن و يريه كل ما يعمل، و سيريه ما هو أعظم فتتعجبون". إنها محبة الثالوث القدوس، الإتحاد الكامل و الوحدانية التامة فى المحبة الإلهية. هذه المحبة العميقة لدرجة أن الإبن يعلم كل شىء يجريه الآب. و كيف لا و هم فى وحدانية تامة؟ فكيف سيطلع الله مجرد إنسان على كل ما يعمله و يقوم به؟ ليس كذلك فقط، بل إن يسوع يعلم أن القادم أعظم، و يعلم أن القادم سيجعلهم يتعجبون! يسوع بهذا يتصرف كمن يعلم الآب للبشرية، فهو يعمل أعماله، و يتكلم بكلامه ليعلنه للبشرية، فى الوقت الذى يظهر فيه طاعة و إخلاص للآب. هذا يعنى أن دور يسوع كوسيط فى علاقة متبادلة مع الآب كإبن الله، و الإنسان كإبن الإنسان، يمثل التجسد فى ذروة إعلاناته. دونالد كارسون يشرح هذه العلاقة كالتالى:

"إذا كان يسوع إبن الله يقف بين البشر فى مقابلة مع الله فى إعتماده عليه و طاعته له، فإنه أيضاً يقف مع الله فى مقابلة مع البشر فى سلطته و إعلانه. و فى ضوء التجسد، فإنه من الصعب تخيل كيفية إعلان الله المتجسد عن نفسه بطريقة أخرى. الطاعة الكاملة و الإعتمادى الكلى الذى يميز خضوع يسوع للآب، كاملين حتى أن كل ما يفعله يسوع هو ما يريده الآب و ما يفعله، لذا فهو ليس أقل من إعلاناً عن الله. و أحد العجائب التى سيعلنها يسوع لاحقاً أن:"كل من رآة فقد رأى الآب" (14 : 9). و فى السياق الحالى، فإن زعم يسوع ضمنياً "المساواة مع الآب" (ع 17 - 18)، واقعياً جداً حتى أنه لا يجب أن يُفهم أبداً كما فهمه اليهود أن الله قد عُرِض للشبهة، هذا إذا كان الزعم قد أُعطِى أى اعتبار، أو أنه زعم حُقِر منه زاعمين أنه غير حقيقى. غير أن الزعم الحقيقى، و بهذا قد أُعلِن الله"
[15].

و لم تكن هذه العجائب التى صنعها سوى إفتتاحية، لما سيريهم إياه. و هذا ما سيتحداهم بإعلانه أعظم بكثير مما فعله قبلاً. و أولى هذه العجائب هى قوله:"فكما أن يقيم الآب الموتى و يُحييهم، كذلك الابن يحيى من يشاء". هذا الإستعلان هو أولى تلك العجائب التى تكلم بها يسوع، الله المتجسد الذى يحى من يشاء. و إذا نظرنا للسياق اليهودى الذى خرج فيه هذا الإعلان، نرى أن العهد القديم ينسب إقامة الموتى لله فقط. يعلق العالم بويس قائلاً:"لقد كان يُشير للعهد القديم فى إشارات سيدركها جيداً كل يهودى متعلم؛ فالعهد القديم علّم بأن الله فقط هو الوحيد القادر على إعطاء الحياة أو إقامة الميت لحياة جديدة"
[16]. و لذلك يتكلم الله قائلاً (فانديك):"اُنْظُرُوا الآنَ! أَنَا أَنَا هُوَ وَليْسَ إِلهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي. سَحَقْتُ وَإِنِّي أَشْفِي وَليْسَ مِنْ يَدِي مُخَلِّصٌ" (تث 32 : 39)، "الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ" (1 صم 2 : 6)، و تكلم ملك اسرائيل سائلاً:" هَلْ أَنَا اللَّهُ لِكَيْ أُمِيتَ وَأُحْيِيَ" (2 مل 5 : 7). ليس العهد القديم فقط، و إنما أدب يهودية الهيكل الثانى (الأسفار القانونية الثانية عند الأرثوذكس و الكاثوليك – الأبوكريفا عند البروتستانت)، فنقرأ (العربية المشتركة):"فأنت سيد الحياة و الموت، تنزل من تشاء إلى أبواب الجحيم و تُصعِده منها" (حك 16 : 13)، و أيضاً:"مبارك انت يارب و إلى الأبد مُلكك، تعاقب و ترحم، إلى الجحيم تنزل و تصعد ولا أحد ينجو من يدك" (طو 13 : 1 – 2). فى الحقيقة، لقد وضع الله الإقامة من الموت كعلامة حقيقة ربوبيته و إلوهيته، فيتكلم على لسان النبى حزقيال (فانديك):"هَئَنَذَا أَفتَحُ قُبُورَكُمْ وأُصْعِدُكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ يَا شَعْبِي وَآتِي بِكُمْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ عِنْدَ فَتْحِي قُبُورَكُمْ وَإِصْعَادِي إِيَّاكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ يَا شَعْبِي" (حز 37 : 12 – 13). و قد وضع الرابيين اليهود ثلاثة أشياء تبقى فى يد الله فقط: إنزال المطر، ميلاد الطفل، و القيامة من الموت[17]. ليس العهد القديم فقط، إنما هى عقيدة العهد الجديد أيضاً، فيعلّم بولس قائلاً (العربية المشتركة):"و هو أب لنا عند الذى آمن به إبراهيم، عند الله الذى يُحى الأموات و يدعو غير الموجود للوجود" (رو 4 : 17).

إن الوحيد الذى أحيا ميتاً فى العهد القديم هو النبى إيليا (و تلميذه اليشع)
[18]. لكن السؤال الذى يجب أن ننتبه له هو: هل إيليا إستطاع أن يحى من يشاء و من يريد؟ دعونا نقرأ النص لنرى تفاصيله و ندقق فيه (فانديك):"وَبَعْدَ هَذِهِ الأُمُورِ مَرِضَ ابْنُ الْمَرْأَةِ صَاحِبَةِ الْبَيْتِ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ جِدّاً حَتَّى لَمْ تَبْقَ فِيهِ نَسَمَةٌ. فَقَالَتْ لإِيلِيَّا: [مَا لِي وَلَكَ يَا رَجُلَ اللَّهِ! هَلْ جِئْتَ إِلَيَّ لِتَذْكِيرِ إِثْمِي وَإِمَاتَةِ ابْنِي؟] فَقَالَ لَهَا: [أَعْطِينِي ابْنَكِ]. وَأَخَذَهُ مِنْ حِضْنِهَا وَصَعِدَ بِهِ إِلَى الْعُلِّيَّةِ الَّتِي كَانَ مُقِيماً بِهَا، وَأَضْجَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ: [أَيُّهَا الرَّبُّ إِلَهِي، أَأَيْضاً إِلَى الأَرْمَلَةِ الَّتِي أَنَا نَازِلٌ عِنْدَهَا قَدْ أَسَأْتَ بِإِمَاتَتِكَ ابْنَهَا؟] فَتَمَدَّدَ عَلَى الْوَلَدِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ: [يَا رَبُّ إِلَهِي، لِتَرْجِعْ نَفْسُ هَذَا الْوَلَدِ إِلَى جَوْفِهِ]. فَسَمِعَ الرَّبُّ لِصَوْتِ إِيلِيَّا، فَرَجَعَتْ نَفْسُ الْوَلَدِ إِلَى جَوْفِهِ فَعَاشَ" (1 مل 17 : 17 – 22). إن ما فعله إيليا هو أنه "صرخ إلى الرب"، صلى للرب إلهه لترجع النفس الولد إليه. فما حدث هو أن الرب "سمع لصوت إيليا"، و فى الترجمة المشتركة "فاستجاب الرب له". و لأن الرب سمع له و استجاب لصلاته، عادت الحياة مرة أخرى إلى الولد. لم يكن إيليا هو الذى أحيا الولد، و لم يكن هو صاحب القوة و السلطان ليحيه، إنما الرب الإله هو الذى أرجع نفسه إليه بسبب صلاة إيليا. و نفس ما حدث مع إيليا، حدث أيضاً مع اليشع، فنقرأ أنه:"وَدَخَلَ أَلِيشَعُ الْبَيْتَ وَإِذَا بِالصَّبِيِّ مَيِّتٌ وَمُضْطَجِعٌ عَلَى سَرِيرِهِ. فَدَخَلَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ عَلَى نَفْسَيْهِمَا كِلَيْهِمَا وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ" (2 مل 4 : 32 – 33). و لكن هل هذا هو موقف يسوع؟ كلا، إنه يقول بكل صراحة:"الابن يحيى من يشاء". من هو هذا؟ إنسان يحيى من يشاء؟ أسمع الآن صدد كلام ملك إسرائيل ينادى:"هَلْ أَنَا اللَّهُ لِكَيْ أُمِيتَ وَأُحْيِيَ؟"! نعم، يسوع المسيح هو الله لأنه يحى من يشاء! دون كارسون يضعها بشكل رائع:"يسوع ليس مجرد قناة تعبر من خلالها القوة الإلهية"[19]. فهكذا كان إيليا، مجرد أداة فى يد الله ليصنع بها المعجزة. لكن يسوع ليس كذلك، يسوع نفسه مصدر الحياة (كما سنرى لاحقاً)؛ بل إن يسوع هو الحياة نفسها (يو 11 : 25). هو الذى يُحى الميت جسدياً، و هو الذى يحى الميت فى خطاياه...و هو الذى يحى العظام و هى رميم[20]! ذهبى الفم برع فى شرح النص من زاوية رائعة:"و فى الحقيقة فإن عبارة "كما أن الآب يقيم" تبيّن التماثل التام لقوته مع قوة الآب، بينما عبارة "لمن يشاء" تبين المساواة فى المشيئة. هل تدركون أن الكلمات "لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً" لا تنقص من مدى قوة الابن بل تبرهن على التماثل التام فى القوة و المشيئة؟"، ثم أوضح لاحقاً:"عندما قال:"لأنه مهما عمل ذاك، فهذا يفعله أيضاً"، بهذه العبارة أوضح أنه يعمل كل ما يعمله الآب، و أيضاً يعمله بالطريقة التى يعملها الآب. سواء تذكرون القيامة من الأموات أو خلق الأجساد أو غفران الخطايا أو أى شىء آخر أياً كان، فإنه يفعله بنفس الطريقة كما يفعله الآب"[21].

كانت هذه العجيبة الأولى، ثم تابع يسوع العجيبة الثانى لتنزل كالصدمة فوق رؤوس اليهود:"و الآب لا يدين بنفسه أحداً، لأنه جعل الدينونة كلها للإبن". من هو ديان الأرض؟ يجيب الروح على لسان إبراهيم مخاطباً الله متسائلاً:"حَاشَا لَكَ انْ تَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا الامْرِ انْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الاثِيمِ فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالاثِيمِ. حَاشَا لَكَ! ادَيَّانُ كُلِّ الارْضِ لا يَصْنَعُ عَدْلا؟" (تك 18 : 25)، و شرح موسى شريعة الرب قائلاً:"لا تَنْظُرُوا إِلى الوُجُوهِ فِي القَضَاءِ. لِلصَّغِيرِ كَالكَبِيرِ تَسْمَعُونَ. لا تَهَابُوا وَجْهَ إِنْسَانٍ لأَنَّ القَضَاءَ لِلهِ. وَالأَمْرُ الذِي يَعْسُرُ عَليْكُمْ تُقَدِّمُونَهُ إِليَّ لأَسْمَعَهُ" (تث 1 : 17)، و أيضاً:"لِيَقْضِ الرَّبُّ الْقَاضِي الْيَوْمَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَنِي عَمُّونَ" (قض 11 : 27). إن ديان كل الأرض هو الله، و القاضى هو الله، و القضاء كله لله. و يخبرنا العالم كوستينبرجر:"الكتابات الرابينية تنسب دينونة العالم لله فقط"
[22]، و لكن يسوع المسيح هو الذى له كل دينونة على الأرض بصريح كلماته! هل تريد أن تقول أن يسوع و هو إنسان بشرى لا أكثر سيحاسب البشرية، و يأخذ الله مقعده مع المتفرجين؟! أم أن العقل و المنطق يقولان أن يسوع المسيح بصفته حاملاً لهذه المهام: إحياء من يشاء و إدانة الأرض كلها، هو نفسه الله؟ يسوع يجيب على ذاك السؤال مباشرةً قائلاً:"حتى يُمجد جميع الناس الابن، كما يمجدون الآب. من لا يُمجد الابن لا يُمجد الآب الذى أرسله". فهو له ما للآب من مجد و كرامة، ليس لأنه مجرد رسول و إكرامه هو فى الحقيقة إكرام للآب فقط و ليس للرسول نفسه، إنما إكرامه كامل و عن إستحقاق جدير به، لأن جميع الناس سيمجدون الابن بسبب ما أراهم من عجائب، و ليس لأن الآب أرسله، لأنهم لم يصدقوا أن الآب أرسله من البداية! يسوع يأخذ نفس الحق الذى للآب، أن يمجده و يكرمه الجميع...أى أن يعبده الجميع! يشرح ذلك تفصيلاً العالم ليون موريس:

"ينتقل فكر النص إلى الدينونة. فينبع من قدرات الابن على إعطاء الحياة أن الآب لا يدين البشر. و قد كان هذا شيئاً جديداً لليهود الذين كانوا يعتقدون أن الآب هو ديان كل البشر، و قد توقعوا أن يقفوا أمامه فى اليوم الأخير. و لكن يسوع يخبرهم الآن أن الآب سوف يمارس إمتياز الدينونة الذى له لأجل ضمان أن البشر سوف يعطون الابن نفس المجد الذين يعطونه له نفسه. و هذا شىء ما قريب جداً من إعلان الإلوهية. فاولئك الذين لا يكرمونه لا يكرمون الآب الذى أرسله. و هذا يعنى أكثر من مجرد أن الراسل لا يلقى إكراماً إذا لم يُكرم رسوله. و ذلك لأن قوة النص الحالى تكمن فى الوحدة بين الآب و الابن. فما يحدث للواحد يحدث للآخر. فالكرامة المتأصلة فى الابن و علاقته الحميمة بالآب تجعل عدم إكرامه أمر خطير جداً بالفعل"
[23].

السياق اليهودى الذى يتكلم فيه يسوع يشرح هذا السبب بأكثر قوة، فقد قال القدير قديماً (فانديك):"أَنَا الرَّبُّ هَذَا اسْمِي وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لِآخَرَ وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ" (أش 42 : 8). و هو الذى قال أيضاً:"مِنْ أَجْلِ نَفْسِي مِنْ أَجْلِ نَفْسِي أَفْعَلُ. لأَنَّهُ كَيْفَ يُدَنَّسُ اسْمِي؟ وَكَرَامَتِي لاَ أُعْطِيهَا لِآخَرَ" (أش 48 : 11). الرب الإله لا يعطى مجده لآخر، ولا يعطى كرامته لآخر، لذا المجد الذى يليق تقديمه ليسوع عن إستحقاق كامل، و ليس إكراماً للآب و كأن يسوع مجرد قناة تعبر فيها الكرامة للآب. فى الحقيقة، لقد أوضح يسوع نفسه السبب الذى لأجله يليق به المجد و الكرامة، فالآب قد ترك كل الدينونة للابن حتى يقدم جميع الناس للابن نفس المجد الذى يقدمونه للآب. كارسون يشرح هذا السبب قائلاً:"السبب الذى لاجله ترك الآب كل الدينونة للإبن قد ظهر الآن: و هو أن الكل يمجد الابن تماماً كما يمجدون الآب. و أى كان نوع التتابع الوظيفى الظاهر فى هذا المقطع، فإننا نعرف كما رأينا أن الابن يفعل كل شىء يفعله الآب؛ و الآن يعلن يسوع أن السبب هو أن يكون الابن واحداً مع الآب ليس فقط فى العمل إنما أيضاً فى المجد. و هذا بعيد جداً عن تخيل يسوع كمجرد سفير يتصرف بإسم العاهل الذى أرسله، أو أنه مجرد مبعوث مُفوض تتساوى سلطته المُستمدة مع سيده. هذا التشبيه لا وجود له إطلاقاً هنا، لأن الكرامة التى تليق بالمبعوث ليست أبداً هى نفس الكرامة التى تليق بالرئيس. لذا كان اليهود محقين فى تبينهم أن يسوع كان "يساوى نفسه بالله" (ع 17 - 18). و هذا الإكرام ليسوع لا يهمش الله. فبالفعل أى تمجيد للابن هو ذاته تمجيد الآب، تماماً كما نقرأ فى فيلبى 2 : 9 - 11 حيث ستسجد باسم يسوع كل ركبة، و سيعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب، و كل هذا لأجل مجد الله الآب"
[24].

دينونة الإبن

ينتقل يسوع فى الحديث إلى ناحية تطبيقية فى الايمان، فبعد أن وضع الأساس العقيدى و اللاهوتى للايمان، ينتقل الآن إلى الحديث عن الممارسات العملية، مدعماً هذه الممارسات الايمانية بحقائق لاهوتية أكثر تتناسب مع الموقف المطروح. يفتتح يسوع هذا الشق الثانى من الحوار بتعريف المستمع كيفية نوال الحياة الأبدية، قائلاً (العربية المشتركة):"الحق الحق أقول لكم: من يسمع لى و يؤمن بمن أرسلنى فله الحياة الأبدية، ولا يحضر الدينونة، لأنه انتقل من الموت إلى الحياة". و ما يقوله يسوع هنا هو "الحق"، الحق المُطلق الذى لا يقبل جدال، ليس نسبياً ولا خاضع لمتغيرات، إنما هو المبدأ الثابت دائماً و أبداً: لا حياة أبدية إلا فى المسيح يسوع. لا طريق للآب إلا من خلال يسوع المسيح. و يرى كوستينبرجر أن يسوع بقوله "انتقل من الموت إلى الحياة"، أى بحديثه عن نوال الحياة فى الحاضر، قد تحدى الإعتقاد اليهودى فى الحياة الأبدية الذى يقول أن نوالها سيكون فى المستقبل، لا فى الحاضر
[25]. و هذه هى المسيحية، أن يتأسس ملكوت الله على الأرض و يمتد ليشمل كل من يؤمن ليكون له الرجاء فى المسيح. ثم يتابع يسوع فى الشرح قائلاً:"الحق الحق أقول لكم: ستجىء ساعة، بل جاءت الآن، يسمع فيها الأموات صوت ابن الله، و كل من يصغى إليه يحيا". لأن الحياة فى يسوع المسيح نفسه. ليست الحياة فى الله و يسوع مجرد نبى بشرى ناقل لرسالة الله و بالتالى سيحيا من خلال نقله البشر. كلا، صوت ابن الله نفسه هو المحى، و يشرح كارسون فكرة النص بقوله:"صوت كهذا، كلمة كهذه تعطى الحياة، ليست شيئاً آخر غير صوت الله نفسه"[26]. و هذا يظهر بشكل أوضح حينما نقرأ كلمات القدير:"أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ" (أش 55 : 3)، فالحياة فى صوت الله فقط، و من يسمع فقط هو الذى سيحيا. و لأن يسوع هو الله، فصوته هو الذى سيحى الموتى فى الخطية. و الحياة التى يقصدها يسوع هنا ليست الحياة الجسدية فقط، إنما الحياة الأبدية و الروحية، و هذا واضح من كلام يسوع فى العدد السابق حيث كان كلامه عن الحياة الأبدية.

إصرار يسوع على أن الحياة فيه و من خلاله و به يتضح أكثر فى قوله:"فكما أن الآب هو فى ذاته مصدر الحياة، فكذلك أعطى الابن أن يكون فى ذاته مصدر الحياة". و العهد القديم يوضح بجلاء أن الله وحده هو رب الحياة، فنقرأ فى عدة أماكن:

· "وَجَبَلَ الرَّبُّ الالَهُ ادَمَ تُرَابا مِنَ الارْضِ وَنَفَخَ فِي انْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ ادَمُ نَفْسا حَيَّةً" (تك 2 : 7).
· "مَنَحْتَنِي حَيَاةً وَرَحْمَةً وَحَفِظَتْ عِنَايَتُكَ رُوحِي" (أى 10 : 12).
· "رُوحُ اللهِ صَنَعَنِي وَنَسَمَةُ الْقَدِيرِ أَحْيَتْنِي" (أى 33 : 4).
· "لأَنَّ عِنْدَكَ يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ. بِنُورِكَ نَرَى نُوراً" (مز 36 : 9).
· "تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ الْحَيَاةِ. أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ" (مز 16 : 11).
· "الْجَاعِلَ أَنْفُسَنَا فِي الْحَيَاةِ وَلَمْ يُسَلِّمْ أَرْجُلَنَا إِلَى الزَّلَلِ" (مز 66 : 9).
· "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْمَعُ لِصَوْتِهِ وَتَلتَصِقُ بِهِ لأَنَّهُ هُوَ حَيَاتُكَ" (تث 30 : 20).
· "بِالنَّهَارِ يُوصِي الرَّبُّ رَحْمَتَهُ وَبِاللَّيْلِ تَسْبِيحُهُ عِنْدِي صَلاَةٌ لإِلَهِ حَيَاتِي" (مز 42 : 8).

و يسوع يقول أنه كما الآب "مصدراً للحياة"! ليس يسوع إنساناً لكى يتجرأ بهذا الشكل و يشارك الله فيما لا يستطيع إنسان أن يشاركه فيه. و إعلانه أنه مثل الآب مصدراً للحياة فى ذاته ليس سوى إعلاناً عن وحدانية جوهرهما و طبيعتهما. ليس إنساناً ولا بشراً مجرداً، إنما هو الحياة نفسها. و لكى يؤكد ذلك، أتبع قوله هذا بقوله:"و أعطاه أن يدين أيضاً لأنه إبن الإنسان". و اقرأ معى و تعجب، لتعرف أن النص اليونانى لـ "إبن الإنسان" فى هذا المكان، هو المرة الوحيدة فى العهد الجديد بالكامل الذى لم يسبقه أداة تعريف، أى "إبن إنسان". ثم نقارن النص مع رؤية دانيال:"كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَاناً وَمَجْداً وَمَلَكُوتاً لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ" (دا 7 : 13 – 14). لم يرد النص هنا مُعرفاً، و هو الذى يتكلم عن سلطان الإبن فوق الشعوب، بنفس الطريقة التى إستخدمها يسوع ليبرز سلطانه فوق كل البشر فى دينونته لهم! فى إنجيل يوحنا ترتبط الدينونة بالإعلان الإلهى (قارن 3 : 19؛ 8 : 16؛ 12 : 31 ؛ 18 : 8، 11)، لأن الناس أحبت الظلمة أكثر من النور، و بالتالى إستحقت عليهم الدينونة. و فى خلال هذا الإصحاح ظهر دور يسوع فى تقديم الإعلان الإلهى عن عدة فروع بشكل بارز، و لكن بلقب "الإبن" و الذى يُشير إلى يسوع بصفته إبناً لله حينما يأتى منفرداً. و لكن إبن الله هذا هو نفسه إبن الإنسان، الممثل عن الإنسان، و الذى فى يده كل سلطان الدينونة. بذلك نستطيع فِهم دور يسوع فى الدينونة أكثر ليس فقط عن طريق نبوته، إنما أيضاً عن طريق تمثيله للإنسان أمام الله، فى الوقت الذى سينعكس فيه الدور فى اليوم الأخير، حينما يلتفت يسوع للخلف و يدين من كان يمثلهم أمام الآب
[27].

فى ذلك اليوم الأخير، "ستجىء ساعة يسمع فيها صوته جميع الذين فى القبور". لأن سلطة يسوع ليست فقط على الحياة الأبدية، و إنما على الحياة البشرية أيضاً. قدرته على إقامة الميت ليست قاصرة على الموت الروحى فقط، رغم أنه هو الأخطر و الأهم، إنما أيضاً على الموت البشرى. فى ذلك اليوم، سيرجع للحياة كل من يسمع صوته، ليقف أمامه ليس كحمل قدمه الآب كفدية عن الآخرين، و إنما كأسد يهوذا الذى سيدين كل الخليقة. لهذا دعا تلاميذه قائلاً "لا تتعجبوا"، لأن ما يسرده هذا فعلاً عجيب و مدهش...من هو هذا؟ يحيا بصوته الميت فى الخطية، و يحيا بصوته أيضاً الميت بجسده. و كما كان صوت يسوع قوى للدرجة التى تسمح له أن يرد النفوس الهالكة فى تيه الخطية، كذلك سيكون بنفس القوة ليرجع الجميع للحياة مرة أخرى حتم يقفوا أمامه ليحاسبهم. و بعدما يسمعوا صوته من القبور:"يخرج منها الذين عملوا الصالحات و يقومون للحياة". تلك الحياة التى كانوا نالوها بالفعل و هم على الأرض فور ايمانهم بالمسيح (راجع ع 24)، و الآن قد تحقق الرجاء بالعيان، ليخرج العبد الصالح للحياة الأبدية فى حضن ابراهيم و اسحق و يعقوب. أما "الذين عملوا السيئات يقومون إلى الدينونة". لأنهم رفضوا إبن الله، و رفضوا الإعتراف به، و رفضوا عطيته و نعمته التى قدمها لهم، و هى الحياة الأبدية، فصارت حياتهم حسب شهواتهم، و أصبحوا هم آلهة أنفسهم و أسياد فكرهم. هؤلاء هم من كانت أعمالهم شريرة و لذلك أحبوا الظلمة أكثر من النور. لا معنى للمسئولية فى نظرهم، لأنهم رفضوا الحياة الأبدية التى يمنحها المسيح فوراً لكل من يؤمن به، إيماناً حقيقياً نابعاً من كل الفكر و القلب و العقل. بذلك تصبح الحياة الأرضية لا قيمة ولا وزن لها، لأن المسيح، رب الحياة الحقيقية و أصلها و مصدرها، منحها لكل من يعترف به رباً و إلهاً و مخلصاً. فى هذا الوقت ستنقطع الحياة الأرضية، و سيبدأ الإنسان حياة جديدة: الحياة الأبدية. لقد تحول اللاهوت إلى ممارسة، و تحول الايمان إلى حياة، لأن الله يطلب رحمة لا ذبيحة.

ثم يشرح يسوع كيف سيتمم دينونته، قائلاً:"أنا لا أقدر أن أعمل شيئاً من عندى، فكما أسمع من الآب أحكم، و حكمى عادل". لأن يسوع يحب الآب و الآب يحبه، فهو ليس بظالم، و دينونته عادلة. كما سيسمع من الآب سيدين، لأنه يريد تنفيذ مشيئة الآب. النص لا يتكلم عن محدودية قوة الإبن فى المقارنة مع الآب، لأن كل شىء يفعله الآب يفعله الإبن أيضاً. إنما يتكلم النص عن التتابع الوظيفى للإبن تجاه الآب. إنما النص يتكلم عن الوحدانية التامة بين الآب و الإبن، حتى أن الإبن لا يستطيع فعل شىء ما لا يفعله الآب. سابقاً كان يسوع يعمل ما ينظر الآب يعمله (ع 19)، و الآن يعمل ما يسمع الآب يعمله. يشرح ذلك العالم موريس قائلاً:"كما فى عدد 19، فإنه يعترف بعدم قدرته على فعل أى شىء تماماً بإرادته الخاصة. ففيه يتكلم عن رؤية الآب، أما هنا فيتكلم عن سمع الآب. و لا يوجد أى فارق جوهرى بينهما، لأن فى المكانين اللغة المُستخدمة هى مجازية و تشير إلى إعتماد الإبن التام على الآب"
[28].

الخاتمة

لصد أعلن يسوع للبشرية عن لاهوته المُحى، و صرح كثيراً أنه هو الله، الواحد مع الآب فى الجوهر و الطبيعة. و سلطان الإبن ممتد فوق الخليقة كلها، و له وحده السيادة فوق كل مخلوق. كان يسوع إنساناً يهودياً عاش على الأرض، لكنه لم يكن مجرد إنسان. كان يسوع أكثر و أعظم من ذلك، و قد أعلن لنا ذلك فى هذا الإصحاح الذى درسناه.

إن الحقائق التى أعلنها يسوع فى هذا الإصحاح عن نفسه هى:

1- الإبن يستطيع عمل كل شىء يستطيع الآب عمله.
2- الإبن يستطيع أن يُحى من يشاء من الموت.
3- الإبن هو ديان الأرض كلها، و هو الذى سيحاسب كل البشر.
4- الإبن له نفس المجد و الإكرام الذى يليق بالآب عن إستحقاق كامل.
5- صوت الإبن فقط هو القادر على إحياء البشر من الموت البشرى و الروحى.
6- الإبن فى ذاته هو مصدراً للحياة، تماماً كما الآب مصدراً للحياة.
7- إبن الإنسان هو الذى له كل السلطة على الشعوب و له وحده القضاء فيهم و بينهم.
8- الإبن سيقف أمامه كل البشر، و سيحاسبهم على أعمالهم كافةً، و دينونته عادلة.

هل من يحمل هذه الصفات يكون مجرد إنسان؟ لا يمكن أبداً أن يكون مجرد إنسان، لأنه مَن مِن البشر يستطيع أن يشارك الله فى كل هذه الأعمال الإلهية؟ أعتقد أننا بحاجة لأن نعيد نظرنا فى المفاهيم و المعانى و التضمينات التى تترتب عن لفظ "الإله". من هو الله بالضبط؟ هذا هو السؤال الذى نحتاج أن نبحث فيه، ليس عن آراء و وجهات نظر، و إنما عن تأسيس لوعى عقلى ناضج. حينما نأخذ هذه الخطوة، سندرك أن يسوع أعلن كل ما يُعلِنه لشرح إلوهيته للإنسان. المسيح نفسه هو الذى قال واصفاً نفسه:"بل أفضل منى نبى"!

الإعلان الإلهى واضح، و كلمات يسوع صريحة، و لغة الله معك مُباشِرة. إذا كنت مازلت تشك أن يسوع أعلن إلوهيته، فعليك أن تفكر قليلاً: على أى دليل تقف؟ لقد وهبنا الله العقل لنفكر به، لنبحث و ندرس الدليل المتوفر، و نكون أمناء تجاهه. مازالت الفرصة الآن موجودة، لكن لا أحد يضمن وجودها مرة أخرى. يسوع المسيح هو الرب الإله المخلص خالق هذا العالم و كل ما فيه، و سيأتى اليوم الذى ستسجد فيه كل ركبة إليه!

آمين يا ربنا و إلهنا و مخلصنا يسوع المسيح، نؤمن بك، نعترف بك رباً و إلهاً و مخلصاً لنا، نسجد لك و نقدم لك المجد و الإكرام اللائق بك مع الآب و الروح القدس، رب واحد و إله واحد قدوس و كائن من الأول و إلى الأبد.

فادى اليكساندر
1 – 12 – 2009

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] علم التفسير ينقسم إلى شقين: تفسير إستنتاجى و تفسير حياتى. التفسير الإستنتاجى هو الذى يسعى للوصول إلى المعنى الذى قصده كاتب النص. النص لا يحمل إلا تفسير إستنتاجى واحد، لأن الكاتب لم يقصد به سوى شىء واحد. أما التفسير الحياتى فهو التفسير الروحى و هو بذلك الوجه متعدد حسب إستنارة كل فرد بالروح القدس. أنظر: جوردون فى و دوجلاس ستيورت، خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية، ص 18، و أنظر المقالة التمهيدية الرائعة لداريل بوك:
Darrell L. Bock, Opening Questions: Definitions and Philosophy of Exegesis, In: Interpreting The New Testament Text: Introduction to The Art and Science of Exegesis, Edited By Darrell L. Bock & Buist M. Fanning, Crossway Books: USA 2006, P. 23 – 30.
[2] عب 1 : 3. و أنظر البحث التفصيلى الذى قدمه العالم الشهير هيملت كويستر من جامعة هارفارد فى:
G. Kittel & G. Friedrich, Theological Dictionary of The New Testament, Vol. 8, English Translation By Geoffrey W. Bromiley, Eerdmans: USA 1964, P. 572-589
[3] إذا كان علينا أن نحدد كتاب واحد بالعربية برع فى شرح الثالوث بلغة كتابية آبائية، فهو كتاب المطران يوحنا زيزيولاس، أستاذ علم الآباء فى جامعة تسالونيكى باليونان و جامعة جلاسكو بالمملكة المتحدة، بعنوان: الوجود شركة، ترجمة و إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، و هو فى طبعته الثانية المنقحة الآن، و التى صدرت فى عام 2006 (صدرت الطبعة الأولى فى عام 1989).
[4] فقال مثلاً:"الله لا يتوقف عن العمل" و عبارات أخرى مماثلة فى سياق إحتجاج فلسفى على ضرورة عمل الله دائماً. أنظر:
Allegorical Interpretation 1:2-3
[5] أنظر: الأب متى المسكين، الإنجيل بحسب القديس يوحنا: دراسة و شرح و تفسير، الجزء الأول، ص 338، حيث أورد تقريراً لأحد العلماء عن بعض اليهود الذين قالوا بذلك فى عام 95 م، و قد ذكر دون كارسون نفس الحادثة فى تفسيره:
D. A. Carson, The Gospel According To John, Eerdmans: USA 1991, P. 247
[6] ينقل لنا العالم كوستينبرجر أن:"إجماع الرابيين اليهود هو أن الله كان يعمل بالفعل و لكن فى سكون، و لكن هذا العمل لا يُعد كسراً للسب منه. فلأن الكون بأكمله هو نطاق الله (أى الإطار الموجود به الله)، فلا يمكن أن يُتهم الله بتحويل شىء ما من نطاق لنطاق آخر". و قد قال ذلك مستشهداً بتفسير مدراش راباه للتكوين و الخروج و عدد آخر من المراجع اليهودية و هو نفس التقرير الذى أورده الأب متى المسكين فى المرجع السابق. أنظر:
Andreas J. Kostenberger, Baker Exegetical Commentary on The New Testament: John, Baker Academic: USA 2004, P. 184
[7] يوحنا ذهبى الفم، شرح إنجيل يوحنا، الجزء الأول، مراجعة القمص يوحنا فوزى، ص 266.
[8] Kostenberger, Op. Cit., P. 185.
[9] A Translator's Handbook on The Gospel of John, United Bible Societies: USA 1980, P. 152
[10] فيرلين د. فيربروج، القاموس الموسوعى للعهد الجديد، ص 536 – 537. أنظر أيضاً الأب متى المسكين، مرجع سابق، ص 342.
[11] Millard J. Erickson, The Concise Dictionary of The Christian Theology, Revised Edition, Crossway Books: USA 2001, P. 72.
[12] Ibid, P. 192.
[13] كيرلس السكندرى، شرح إنجيل يوحنا، الجزء الثانى، ترجمة و إصدار مركز الآباء، ص 96 – 97.
[14] J. H. Bernard, A Critical & Exegetical On The Gospel Aaccording to St. John, Vol. 1, T&T Clark: USA 1953, P. 238
[15] Crason, Op. Cit, P. 252.
[16] James M. Boice, The Gospel of John, Vol. 2, Baker Books: USA 1999, P. 389
[17] Carson, Op. Cit, P. 252
[18] حزقيال لم يُحى جيشاً من الموت لأن تلك الواقعة كانت رؤيا و ليس واقعية!
[19] Ibid, P. 253
[20] سأعالج معجزة إقامة لعازر فى دراسة قادمة.
[21] ذهبى الفم، مرجع سابق، ص 374.
[22] Kostenberger, Op. Cit., P. 188.
[23] Leon Morris, The Gospel According To John, Revised Edition, Eerdmans: USA 1995, P. 279
[24] Carson, Op. Cit., P. 254-255.
[25] Kostenberger, Op. Cit., P. 188.
[26] Carson, Op. Cit, P. 256.
[27] Carson, Op. Cit., P. 257; Kostenberger, Op. Cit, P. 189; Morris, Op. Cit., P. 283.
[28] Morris, Op. Cit., P. 286.

هناك تعليق واحد:

  1. We wish you further progress in your studies, theological, scientific, and this is the link of this article published on the pages of the site
    http://www.god-i-l.com/the-holytrinityamonotheism/jesuschrist/185-2009-12-11-16-58-30.html
    and thank you very much for allowed us to publish

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!