الجمعة، 18 ديسمبر، 2009

مدخل ايرمان (1)


بدأت بالأمس فى قراءة أولى فصول كتاب ايرمان "العهد الجديد: مقدمة تاريخية للكتابات المسيحية الأولى"، و قد أنهيت أمس و اليوم القراءة حتى الفصل الخامس (أى إلى ص 74). يتكون الكتاب من ثلاثين فصلاً، مُوزعة على كافة أسفار العهد الجديد. و عبر صفحات الكتاب، وضع ايرمان بعض الأدوات الظريفة التى تساعد على تذكر المعلومة، مثل: "الصندوق" Box و هو عبارة عن صندوق تجده كل عدد من الصفحات حيث يتكلم فيه ايرمان ببعض التفصيل عن معلومة معينة، و "لمحة" At A Glance و هو عبارة عن ملخص فى نهاية كل فصل للنقاط التى تم تناولها و شرحها فى الفصل، و "استطراد" Excursus و يشرح فيه ايرمان موضوع ذى صلة لم يتناوله بالتفصيل فى سرده. و تأتى أول خمسة فصول من الكتاب كدراسة شاملة جداً للعالم الذى خرج فيه العهد الجديد: المسيحيين الأوائل، العالم اليونانى و الرومانى، العالم اليهودى، التقليد الشفهى للأناجيل، و الماهية الأدبية للأناجيل الأربعة.

الفصل الأول "ما هو العهد الجديد؟ المسيحين الأوائل و أدبهم" (ص 1 – 16)، و هو بمثابة مقدمة تعريفية للعهد الجديد و المسيحيين اللذين عاشوا فى القرن الأول و الثانى، و يرتكز بشكل خاص على مفهوم "المسيحيات المفقودة". بحسب ايرمان، لم تكن المسيحية فى القرن الأول و الثانى موحدة و إنما كان هناك أشكال و أنماط مختلفة لها، فمنهم: التبنويين، الإبيونيين، الغنوصيين، و الأرثوذكس الأوائل (و هو المصطلح الذى رأيته مناسباً لترجمة مصطلح ايرمان Proto-Orthodox). و قد كان إستفزاز ماركيون للأرثوذوكس الأوائل هو الذى دفعهم لوضع "قانون" للعهد الجديد، أى:"مجموعة من الكتب مقبولة ككتب سلطوية بواسطة هيكل دينى معين" (ص 2). و تنوع أشكال و أنماط المسيحية ظهر فى العديد من الكتابات التى وجد البعض منها فقط طريقه للعهد الجديد. لهذا قام الأرثوذكس الأوائل بوضع القانون حتى يتسنى لهم إعلان أن رؤاهم هى الموجودة فى كتابات تلاميذ يسوع.

الملفت فى هذا الفصل هو الموضوع الذى ناقشه ايرمان فى "الاستطراد" و هو بعنوان "المؤرخ و المؤمن" (ص 14 - 15). و فيه يلقى ايرمان كلمة للقارىء المؤمن الذى سيقرأ كتاب يدرس العهد الجديد بكونه مجرد وثائق تاريخية فقط. و فى هذا الاستطراد ينصح ايرمان القارىء بالفصل بين الايمان و البحث التاريخى. و يعطى مثالاً، ضمن أمثلة أخرى، بأن المؤرخ يستطيع أن يقول لك أن يسوع قد مات بالصلب، و لكنه لا يستطيع أن يقول لك أنه مات بالصلب حتى يخلص العالم، لأن هذه عقيدة إيمانية و ليست تاريخاً. و لكن ليس معنى هذا أن المؤرخ لا يجب أن يكون مؤمناً، و لكنه حينما يقول لك أن يسوع مات على الصليب لأجل غفران الخطايا فهو يقول لك هذه المعلومة بصفته مؤمن، و ليس بصفته مؤرخ. قد يجد المؤرخ ما يتوصل له متوافق مع ايمانه، و قد يجده متعارض مع ايمانه. فى بعض الحالات يرفض المؤرخ ايمانه، فى حالات أخرى يقبل المؤرخ غير المؤمن الايمان، و فى حالات أخرى يكيف المؤرخ معتقداته بحسب ما يقوله الدليل التاريخى.

فى رأيى، فإن هذا الإستطراد فى هذا المكان من المقدمة جميل جداً، لأنه يدعو القارىء "منذ البداية" للفصل بين ايمانه المبنى على الاختبار الروحى و الذى يستخدم الكتاب المقدس فى عملية النمو، و بين الدراسة الأدبية و التاريخية للعهد الجديد، و التى قد يكون لها أثر على ايمان الفرد، سواء بالإيجاب أو السلب. و أنا شخصياً إستفدت جداً من تذكير ايرمان هذا. و لعل هذه التَذكِرة فى بداية الكتاب (ص 14 – 15) أفضل بكثير من أيرادها فى آخر الكتاب (كما فعل فى كتاب "يسوع أُعتُرِض" حيث أورد نفس الإستطراد تقريباً و لكن فى شكل مطول فى الفصل الثامن، ص 269 – 283).

و فى نهاية كل فصل، يضع ايرمان المصطلحات الرئيسية التى وردت فى الفصل، و لكن لا يقدم شرحاً لها، إذ أنه قد شرحها بالفعل فى الفصل، و قد خصص ملحقاً لشرح مصطلحات الكتاب فى النهاية (ص 501 – 514). و من ضمن المصطلحات الرئيسية التى يضعها ايرمان فى نهاية الفصل الأول: التبنويين، الرؤيا، قانون، هرطوقى، مخطوطات، الأرثوذكس الأوئل، نجع حمادى، و التوراه.

و يتبع المصطلحات الرئيسية فى كل فصل، اقتراحات ايرمان للكتب التى تتناول موضوعات الفصل بالتفصيل. و فى الفصل الأول، جاء كتاب والتر باؤر "الأرثوذكسية و الهرطقة فى المسيحية الأقدم" فى المقدمة. و الملفت للنظر، هو أن ايرمان يضع كتابين له فى هذه القائمة، و هما "المسيحيات المفقودة"، و "الإفساد الأرثوذكسى للنص المقدس". و من ضمن الكتب الأخرى التى يقترحها ايرمان: "قانون العهد الجديد" لميتزجر، و هو الكتاب الذى يلقبه بـ "المناقشة السلطوية" Authoritative Discussion لقانون العهد الجديد، و كتاب ايلين باجيلز المثير جداً "الأناجيل الغنوصية".

و بشكل عام، طباعة الكتاب راقية جداً، مما قد يوحى لك بثمنه!

هناك تعليق واحد:

  1. يجدر أن نقوم بتعريف القارئ لهذه المدونة بمن هو بارت ايرمان، حتى لا يتم أخذ كتابات بارت كأنها صادرة عن لاهوتي مسيحي. بارت إيرمان ليس مسيحياً في الوقت الحاضر وهو قد فارق الإيمان المسيحي منذ أمد بعيد. أود أن أقتبس كلماته حول الإيمان المسيحي: "لقد أدركت أن المسيحية هي إختلاق إنساني...رسالة المسيحية حول الله، المسيح والفداء الذي جلبه هي نوع من الأسطورة الدينية"
    Bart D. Ehrman, Jesus Interrupted,Harper Collins, p. 275
    وحول مفارقته للإيمان المسيحي يقول: "تركت الإيمان بسبب غير مرتبط (بما ذكره من قبل) هو مشكلة المعاناة في العالم" p.277
    لا يعني هذا عدم الإقتراب من كتابات بارت، لكن يجب أخذ خلفيته ورؤيته الدينية أثناء قراءة كتبه.

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!