الثلاثاء، 24 نوفمبر، 2009

نظرة فى اللاهوت العلمى


إستلهمت عنوان هذه المقالة من أحد كتب إيتا لينمان، و هى تتناول أحد الأسئلة التى أسمعها كثيراً، و يرسلها لى أصحابها فى شكل نصائح – مشكورين عليها بالطبع – و هو سؤال غيور جداً لدرجة أنه لا يرى ما الذى يحمله فى ثانياه: ماذا لو ظهرت مخطوطة غداً من القرن الأول تحتوى على النص، و لنقل الفاصلة، الذى يقول العلماء أنه غير أصلى؟ هذا سؤال غيور جداً على كلمة الله، و لكن وسط غمرة هذه الغيرة يحمل السؤال فى داخله تشكيكات خطيرة فى نص الكتاب المقدس (رغم أننى واثق أن السؤال يُطرح بصيغة أمينة جداً تهدف للدفاع عن كلمة الله!). هذا السؤال يحمل من خلفه فكر لاهوتى ضخم جداً، و لكن هناك عدة مشكلات فى هذا السؤال بالتحديد و سأناقشها فى هذا الموضوع.

المشكلة الأولى و الرئيسية فى هذا السؤال و التى أعتبرها التشكيك الأكبر، هى أنه يحمل فى معناه أننا لا نعرف شكل النص فى القرن الأول و ربما تكون هناك فرصة لأصالة النص! من قال أننا نحتاج لمخطوطة من القرن الأول حتى نستطيع معرفة شكل النص فى القرن الأول؟ التقليد النصى تقليد متماسك منذ بداية النسخ عن الأصول. لذلك يعتقد غالبية علماء النقد النصى بما فيهم أكبرهم و أشهرهم أن القراءة الأصلية محفوظة فى التقليد النصى المتوفر. هذه الجملة تعنى أن النص الأصلى المكتوب فى القرن الأول موجود فى الشواهد المتوفرة (أى المخطوطات اليونانية، الترجمات، و الآباء). كل هذه الشواهد لا يوجد فيها شاهد يرجع للقرن الأول. فأقدم مخطوطة يونانية هى البردية 52 و ترجع لبداية القرن الثانى، و أقدم الترجمات هى الترجمة اللاتينية القديمة و ترجع لمنتصف القرن الثانى، و أقدم شاهد للآباء هو الآباء الرسوليين الذين يرجعون لبداية القرن الثانى. و بالتالى، نحن نستطيع معرفة شكل النص، ليس فى القرن الأول فقط، و إنما شكل النص الأصلى نفسه من خلال التقليد المتوفر.

المشكلة الثانية هى أن هذا السؤال يطعن طعن مباشر فى إستقرار الإنتقال النصى. بكلمات بسيطة، وجود مخطوطة من القرن الأول أو الثانى تحتوى على نص مختفى من التقليد النصى بشكل شبه كامل، يطعن فى مدى الإستقرار الذى إنتقل به نص العهد الجديد. بهذا الشكل يصبح لا يوجد شىء ثابت فى نص العهد الجديد، لأنه نص لم ينتقل بإستقرار. لكن هذا يسير عكس البرهان التاريخى و النصى المتوفر. الدليل يُشير بشكل مباشر إلى أن النص إنتقل بشكل مستقر عن طريق مقارنة نصوص أقدم الشواهد و أكثرها تأخراً. أحد الأصدقاء الذين أقدرهم جداً سألنى: و لماذا لا تعتبر اختيار قراءة "غضب" فى مر 1 : 41 طعن فى إستقرار الإنتقال النصى؟ بدون الدخول فى تفاصيل هذه القراءة التى ستكون محل دراسة أحد الأجزاء فى سلسلة "النقد النصى و التفسير"، فإن هذه القراءة ليست مختفية من التقليد النصى، فإن كانت غير منتشرة فى النصوص اليونانية، فهى تقليد غربى أصيل فى شواهد عديدة له، تمتاز أغلبها بالقِدم. الفكرة لا تكمن فى الأغلبية، بقدر ما تكمن فى إمكانية إعادة تكوين تاريخ الإنتقال النصى للقراءة. لو كانت الفكرة تكمن فى الإغلبية، فلا إعتراض على الفاصلة، فهى موجودة فى أكثر من ثمانية آلاف مخطوطة لاتينية، أى أكثر من عدد المخطوطات التى تحذفها. نصوص أخرى مماثلة نجد بها نفس المشكلة؛ عدم وجود تفسير عقلانى لنشأة القراءات المخالفة.

المشكلة الثالثة هى وضع النص الحالى كالنص المعيارى الذى تُقاس عليه القراءات. هذا خطأ لأن النص المعيارى هو نص المخطوطة الأصلية (أى الـ Autograph)، و ليس نص ترجمة ما. لا يصح أن يكون النص الحالى هو النص الذى يُفسر على أساسه تاريخ نص العهد الجديد، ولا أن يكون هو الأساس الذى يتم تفصيل الدعم عليه. دائماً أقول أن أى مناقشة ترتبط بالنقد النصى، يجب أن تنسى تماماً أن الكتاب المقدس بحوزتنا الآن، و أن تضع نص المخطوطة الأصلية (الذى هو غير متوفر الآن) نصب أعينها. سؤال يطرح نفسه: لماذا يجب على كل نص موجود فى الترجمة الحالية أن يكون نصاً أصلياً؟ لا يوجد سبب تاريخى أو نصى لذلك الإفتراض، إنما السبب لاهوتى بالإعتقاد أن الله يجب أن يحفظ نص الكتاب المقدس حرفياً عبر العصور، و لأن النص الموجود فى هذا العصر يحتوى على هذه النصوص محل الشك، فإنها أصلية مهما كان الدليل. لكن قناعتى أن هذا تعدى على البرهان و خروج عنه، و أعتقد أن الرؤية الأمينة يجب أن تسمح للدليل أن يقوم بتشكيلها، فما يشكله الدليل هو الحقيقى، و هذا أفضل من إتباع معتقدات قد تكون مجرد أمانى!

المشكلة الرابعة هى إهمال النقد النصى. تتمثل هذه المشكلة فى النظر إلى الدليل الذى يدعم القراءة الموجودة فى النص المُستخدم فقط دون النظر إلى الدليل بشكل متكامل. و لكى نعرف جيداً، فإن كل قراءة موجودة فى أى ترجمة لها ما يدعمها من التقليد النصى. مثلاً، كل نص موجود فى ترجمة فانديك له ما يشهد له سواء فى جزء أو كل قوائم الشواهد (مخطوطات – ترجمات – آباء). لكن ليس معنى أن نص ما موجود فى مخطوطة ما أنه نص أصلى! ليس معنى أن النص الفلانى موجود فى الشواهد كذا و كذا و كذا أنه نص أصلى، لأنه قد يوجد شواهد أخرى تقرأ النص بشكل مختلف! و بالتالى ينتج عن هذا الدفاع بهذا الشكل إلغاء كامل للنقد النصى كآلية و منهجية. لقد تعلمنا منذ البداية أن النقد النصى ينقسم إلى قسمين رئيسيين: المادة و المنهج. المادة هى الشواهد التى سيعمل الناقد من خلالها، و المنهج هو الوسيلة التى سيعمل بها الناقد فى المادة المتوفرة. هذا المنهج هو الذى يحدد القراءة الأصلية بين قراءات المخطوطات المتوفرة. فلنقل مثلاً أن هناك نص ما حوله مشكلات نصية، فيقول المدافع أن هناك المخطوطات كذا و كذا و كذا تحتوى على هذا النص. مشكلة هذه المعالجة أنها تتجاهل بقية الشواهد التى تقرأ النص بشكل مختلف. ببساطة، وجود النص فى التقليد النصى لا يثبت أنه النص الأصلى!

المشكلة الخامسة هى قيادة اللاهوت للتاريخ. النقد الكتابى بشكل عام هو تفعيل رؤية كونية لا تعتمد على أى ايمانيات. النقد الكتابى هو ما الذى نستطيع أن نعرفه عن هذا النص و كل ما له علاقة به عن طريق التاريخ فقط دون الإعتماد على أى إيمانيات. أحد الأمثلة الشهيرة جداً و يعرفها كل من درس النقد الكتابى بشىء من التعمق، هو الصراع القوى جداً حول علاقة المعجزة بالتاريخ. العلماء المحافظون لا يقولون أن المعجزة حدثت لأنهم يؤمنون أن الله موجود و يفعل المعجزة؛ إنما لأن الفحص التاريخى أثبت وجود المعجزة. نفس الأمر موجود فى كل فروع النقد الكتابى، و فى النقد النصى أيضاً. لا يجب أن تقود الرؤية اللاهوتية البحث التاريخى. الله وهبنا نعمة العقل، و هى وزنة أعطاها لكل إنسان و سيسأله عنها يوم أن يقف أمامه. الله لا يطلب من الإنسان أبداً أن يخالف عقله، بل إن الله يشجعنا على فم النبى:"هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ يَقُولُ الرَّبُّ" (أش 1 : 18). و الفعل "نتحاجج" أوردته الترجمات الإنجليزية إما reason أو argue، أى الإستخدام اللفظى ذاته لما يفعله العلماء اليوم. لذا يجب أن ننتبه دائماً إلى أن التاريخ هو الذى يقود اللاهوت فى مجال العلوم الكتابية، و ليس العكس. الدليل هو الذى يقود الإيمان، و ليس العكس.

أخطر المشكلات التى أراها فعلاً هى أننا نخالف العلم و هو معنا! العلم الكتابى لا يقف ضد الكتاب المقدس، و النقد النصى ليس علم مضاد للكتاب المقدس، و بالتالى لا داعى أبداً للهجوم عليه. فحينما يقول أحدهم مثلاً أن أحد قواعد البرهان الداخلى هى مجرد ظن و يتمنى لو أستطاع أن يقول أنها مجرد وهم، فهو بهذا لا يهاجم سوى النقد النصى، و ليس من يرد عليه! أنه يهاجم شىء لا يدرك قيمته ولا وزنه و لكن بالتأكيد عن غيرة للكتاب المقدس. لكن الغيرة بهذا الشكل تهاجم الكتاب و العلم الذى يعيد تكوين نص الكتاب الأصلى، ليس المتجرأ على الكتاب المقدس!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!