الأحد، 29 نوفمبر، 2009

ماذا عن الوحى اللفظى؟


تسعين بالمئة من علماء العهد الجديد يؤمنون أن الوحى لفظى؛ أى أنه مُوحى به لكل كلمة فيه. فى نفس الوقت، ليس إملائياً، لأن الكتبة إستخدموا أساليبهم، لكن الله فى النهاية يقول أن هذا هو بالضبط ما أراد أن يقوله للبشر. ليس معنى أن فادى اليكساندر لا يؤمن بوحى لفظى أن الوحى ليس لفظياً! و ليس معنى أن الوحى قد يكون لفظياً أن النقد النصى يمثل خطراً على نص الكتاب المقدس. حينما نقول أن الكتاب المقدس هو كتاب الوحى نقصد أن الكتاب المقدس هو كلمة الله التى أوحى بها لكاتب معين فى زمن معين لهدف معين. و حينما نقول أن الكتاب المقدس معصوم، نقصد أنه كتاب لا يوجد به أى خطأ. و بالتالى، الوحى اللفظى التام لا يتعرض لأى خطر بسبب النقد النصى، لأن النقد النصى لا يظهر وجود أى أخطاء فى الكتاب المقدس. الله لم يوحى لعشرات الآلاف من النساخ لكى ينسخوا النص بشكل صحيح، و لم يوحى لآلاف المترجمين لكى يترجموا النص بشكل دقيق. الله أوحى لكتبة الأسفار الأصليين لكى يسجلوا رسالته للإنسان لتبقى إلى الأبد، و قد حفظ الله كلمته للإنسان لكن ليس بنفس الشكل الى أوحاه به. ليس معنى أن الله لم يوحى لعشرات الآلاف من النساخ أنه لم يوحى لثمانية كُتّاب أصليين. فرضية ضرورة الوحى للنساخ هى مجرد تحدى لله فقط، و وضع معيار مُسبق لما يجب أن يفعله الله. ليس الإنسان هو الذى سيحدد لله ما الذى يجب أن يفعله. النقطة هى أننا لا يجب أن نضع معيار لما هو حقيقى و ما هو غير حقيقى، بل إنها ما هو حقيقى فعلاً! أى كتاب اليوم يمكن نشر ملايين النسخ منه دون أن يكون بهم خلاف فى حرف واحد عن طريق الطباعة، لكن هذا لا يعنى أنه كلمة الله! الربط بين ضرورة حفظ الله للنص حرفياً و بين وحى الله للنص حرفياً لا يوجد سبب له، لأننا لا نستطيع فحص عقلية الله لنعرف و نفهم ما الذى أراده الله أن يتم. على الإنسان أن يبحث عما هو حقيقى، ليس عما يريده هو أن يكون حقيقى! هناك مثال شخصى أحب أن أطرحه فى هذه الحالة دائماً: لا يوجد فرع فى النقد الكتابى للعهد الجديد و لم أدرسه، و خاصةً الفروع الأكثر تحدياً لسلطة العهد الجديد، و لم تؤثر دراستى على إيمانى بإعلان الله للإنسان فى يسوع المسيح، لكن فى نفس الوقت، انا لا أعرف شيئاً على الإطلاق فى أى فرع من فروع النقد الكتابى للعهد القديم، حتى النقد النصى. و مع ذلك، أؤمن أن العهد الجديد هو كلمة الله المعصومة عن أى خطأ كان رغم أننى لم أدرسه نقدياً أبداً. ليس ملايين المسيحيين على الأرض علماء! لأن الدليل بدون عمل الروح فى النفس لن يؤتى بثمراً، و سيحاول الآخر تفسيره بكل طريقة ممكنة، من نقطة لأخرى و من موضوع لآخر. هل يمكن أن يكون الوحى لفظياً؟ نعم، فأنا لم أكن هناك حتى أقدم إجابة قطعية! لكن هل لو أن الوحى لفظياً سيتأثر بالأخطاء الموجودة فى المخطوطات؟ إطلاقاً، لأن هذا الوحى موجود فى هذه المخطوطات، فكيف سيتأثر أو يضيع أو يتغير؟ أن يوحى الله بالنص لفظياً شىء، و أن يكون نص مخطوطات و ترجمات و إقتباسات الآباء للعهد الجديد متطابق هو شىء آخر. فما معنى التحريف بالضبط؟ لا أعرف. حقاً لا أعرف. ما معنى أن يقول أحدهم أن وحى الله تحرف؟ كيف سيتحرف؟ حتى لو كان الوحى لفظياً، كيف سيتحرف؟ المصدر "حرف" يعنى أنه أمال الشىء عن وجهه الأصلى. لكن هذا التعريف المجرد فى منتهى الخطورة، لأنه يعنى أن كل الكتب التى تمت كتبتها فى التاريخ قد تحرفت! و بالتالى هذا تعريف عاطل لا يُمكن تفعيله عملياً. فما هو معنى التحريف بالضبط؟ فشلت فى الوصول إلى تعريف يخدم إستخدام النقد النصى فى تدعيمه. و حتى الآن، و رغم أنه لى خمسة سنوات أقول أن هذا المصطلح لا معنى له، فلم يكلف أحداً نفسه متطوعاً ليكتب عن تعريف هذا المصطلح بشكل منهجى منظم! إلى أن خرج هذا المصطلح الجديد فى ثوب بدأ ينتشر بسرعة جداً، و محتواه أن التحريف هو عدم قدرة الناقد النصى على تحديد القراءة الأصلية. قالوا هذا و صمتوا! و لو أن فيهم من يعرف شيئاً عن الفلسفة، و الفلسفة هى أن تعرف كيف تفكر (!!) لعرف أنه لو تركه هكذا لأنفجر فى وجهه وابل من الإنتقادات الفلسفية، كفيلة بدفنه قبل أن يموت. لذا آثرت أن أرد على تفصيل منهجى، حينما يرى النور، لو أراد الله ذلك. لكن فى النهاية، يستطيع كل فرد أن يقول ما يريد و ما يحلو له. الكتابة ليست صعبة، و التأليف ليس مشكلة، لكن التحدى الحقيقى هو أن تبنى إستدلالاً منظماً مبنياً على قواعد علمية منطقية عقلية سليمة لا تقبل أى شك منطقى. فحتى و إن كان وحى الله للإنسان لفظياً، لا معنى إصطلاحى قابل للتطبيق على الكتاب المقدس يمكن تفعيله. و إن قرأ أحدهم ترجمة الملك جيمس أو قرأ أحدهم الترجمة العالمية الجديدة، هل سيجد إله مختلف و يسوع مختلف؟ لا ليس صحيحاً، سيجد يسوع واحد و إله واحد، سيجد تعليماً واحداً، و سيجد نصاً واحداً فى أكثر من 95 % من العهد الجديد. فى كل الأحوال، النص نفسه ليس غاية، بل وسيلة. نص العهد الجديد عنصر هام فى الحياة المسيحية، لأنه وسيلة تطبيقية ضمن آليات إستمرار الحياة الروحية، و ليس هدفاً فى حد ذاته، لأن النص لم يكن هو الذى عُلِق على الصليب! فأنا لا أؤمن أن الكتاب المقدس هو كلمة الله المعصومة لأن الكتاب المقدس لا يوجد به خطأ، بل لأننى أعرف الله كما أعرف كل شخص له وجود حى و حقيقى فى حياتى. و إن لم تفعل أنت كذلك، فلا نقد نصى ولا غيره سينفعك بشىء يوم أن تقف أمامه. لأن الله لن يسألك هل آمنت أن الكتاب المقدس معصوم أم لا، بل و لن يسألك حتى هل آمنت أن الكتاب المقدس هو كلمتى أم لا. الله سيسألك سؤال واحد فقط: هل تعرفنى؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!