الاثنين، 16 نوفمبر، 2009

من هو يسوع؟


من هو يسوع؟
بروس م. ميتزجر
ترجمة: فادى اليكساندر


إنه السؤال الذى حيّر البشر على مر التاريخ: من هو يسوع؟ البعض يؤمن أنه مجرد معلم يهودى صالح، و البعض الآخر يعتقد أنه كان حكيم متأثر بالثقافة اليونانية، و آخرين ظنوه مجرد إنسان يحب الخير و يسعى للسلام، و قطاع آخر يعتقد أنه مجرد إنسان أرسله الله كنبى لبنى اسرائيل. إنما المسيحية هى النظام اللاهوتى الوحيد فى العالم الذى تأسس على يسوع المسيح نفسه، مؤمنين بأن يسوع هو ابن الله الوحيد الذى من نفس جنس الآب، أى من طبيعته. يسوع هو محور إهتمام العالم كله على مدار التاريخ، و لم يلقى شخصاً مثله كل هذا الحب و التقدير و البحث عن حقيقته. لذلك، فقد رأيت أن أقوم بترجمة مقالة فريدة من نوعها، و هى هذه المقالة للعالم بروس ميتزجر. فى هذه المقالة لا يتكلم ميتزجر عن السؤال الذى يأتى من وراء القرون منادياً: من يقول الناس أنى أنا؟ إنما ميتزجر يعالج موضوع أكثر خطورةً: من يقول يسوع أنه هو؟ فى هذه المقالة، يشرح ميتزجر بشكل مُنظم ما الذى علّم به يسوع عن نفسه. بروس ميتزجر كان واحد من أكبر علماء العهد الجديد فى القرن العشرين، و قد ترك لنا تراثاً علمياً ضخماً. أطمح بتقديم هذه المقالة، أن أساهم فى تقديم عمله لقراءة العربية. أرجو أن تقرأ هذه المقالة بفكر منفتح، فهى معالجة لاهوتية من الطراز الأكاديمى الأول فى تحليل أقوال يسوع فى الأناجيل الأربعة. تمت الترجمة عن مقدمة ميتزجر للعهد الجديد
[1]. و يمكنك أن تعرف عن بروس ميتزجر أكثر هنا.


من هو يسوع؟
بروس م. ميتزجر
أستاذ العهد الجديد السابق
معهد برينسيتون اللاهوتى


ما هى الدلالات التى نسبها يسوع إلى نفسه؟ هل إعتبر نفسه مجرد معلم، و الذى كان مثل معلمين يهود آخرين معاصرين له، يجب أن يعلم أتباعه أشياء تخص العقيدة و الأخلاق؟ أم هل فكر فى نفسه على أنه المسيا، المُختار من الله، الذى إتجهت له آمال شعب؟ كيف إستخدم لنفسه تعبيرات مثل "ابن الله"، "ابن الإنسان"، "المسيا"، و كيف أعطى تفسيراً مميزاً للشخصه و أعماله من خلال ما قاله و ما فعله؟

يجب إدراك أن هذا الموضوع، و هو ما الذى علّم به يسوع عن نفسه، يختلف عن بقية الموضوعات التى تم تناولها فى هذا الفصل. فعن تعليمه عن الله، ملكوت السماوات، أو البشر، تعامل مباشرةً مع الموضوع، و لكن فى تعليمه عن نفسه فسنجد أنه لم يعلّم بشىء مباشر عن نفسه نستطيع أن نسميه "كريستولوجى". فما يجب أن نبحث عنه هو الإفتراضات المُسبقة التى يضعها خلف تعليقاته عن شخصه و عمله. هذه الإفتراضات لم يُعلن عنها بصراحة، فحينما ننظر للأمر بعمق، سنجد أنه من الواضح أننا لا يجب أن نتوقع من يسوع أن يذهب لشخص ما مثلاً و يقول له:"أنظر إلىّ، أنا أريدك أن تعرف أننى ابن الله، المسيا"! فبحسب طبيعة حالته، فإن الطريقة الوحيدة التى يستطيع أن ينقل بها هذه الفكرة بشكل مقنع، هو أن يعطى تلاميذه بعض الإرشادات الغير مباشرة حول إرساليته و قدره، من خلال ما فعله و ما قاله أيضاً.

أولاً: المسيا

لقب "المسيا" هو كلمة عبرية تعنى "الممسوح" و التى أصبحت فى اليونانية "خريستوس" و فى الإنجليزية "كرايست" (المسيح فى العربية). و هذا اللقب كان يخص أى شخص تم مسحه بالزيت المقدس، مثل رئيس الكهنة (لا 4 : 3، 5، 16) أو الملك (2 صم 1 : 14، 16). و فى الفترة الاخيرة من زمن العهد القديم، أصبح اللقب "المسيا" يتطلب مرجعية خاصة ليشير إلى الملك النموذجى الممسوح من الله، أى المُفوض بروح الله، ليصل بشعبه لإرساء ملكوت الله فى البر (دا 9 : 26 – 27). و فى فترة ما بين العهد القديم و العهد الجديد، توسعت هذه الأفكار بشكل ملحوظ و أخذت قوالب مختلفة فى القطاعات اليهودية المختلفة.

و حينما نتجه إلى العهد الجديد نجد أن الكلمة اليونانية "خريستوس" تكررت 55 مرة فى الأناجيل الأربعة، و 474 مرة فى بقية العهد الجديد. الشىء الذى يجب أن نلاحظه فى ضوء أن هذه الكلمة كانت مُستخدمة بشكل واسع جداً فى الكنيسة الأولى للإشارة إلى يسوع، هو إستخدام يسوع المحدود للقب. فالكلمة لا تظهر إطلاقاً فى أقوال يسوع الى تنتمى إلى المصدر Q. و من بين سبع مرات ظهرت الكلمة فيهم فى انجيل مرقس، ثلاث مرات فقط جاءت على لسان يسوع (9 : 41؛ 12 : 35؛ 13 : 21)، و حتى فى هذه الثلاث مرات لا ينسب يسوع اللقب لنفسه بشكل مباشر. و فى اناجيل متى، لوقا، و يوحنا، نادراً ما نجد اللقب على لسان يسوع، و تقريباً لم ينسبه أبداً لنفسه (فقط فى مت 23 : 10؛ و مرتين بعد القيامة فى لو 24 : 26؛ و يو 17 : 3). نستنتج إذن من هذه البيانات أنه بينما كان أعضاء الكنيسة الأولى يتكلمون عن يسوع كثيراً بإعتباره المسيح، فالكلمة تظهر فى كل كتب العهد الجديد ماعدا رسالة يوحنا الثالثة، فإن يسوع كان معارضاً لإستخدام اللقب ليشير لنفسه.

هذه المعارضة لا تعنى أن يسوع لم يعتقد بأنه هو المسيا، لأنه حينما كان يواجهه أحدهم سواء فى عبارة مباشرة أو سؤال حول مسيانيته، كان يعترف بانه هو المسيا. ففى قيصرية فيلبى، قبِل إعلان بطرس:"أنت هو المسيح" (مر 8 : 29؛ و قارن مت 16 : 16)، و فى وقت محاكمته رد على سؤال قيافا:"أنت هو المسيا ابن المبارك؟" (مر 14 : 61) بتأكيد واضح قائلاً:"أنا هو". و بالمثل فى انجيل يوحنا، أجاب يسوع المرأة السامرية حول عباراتها عن المسيا بقوله:"أنا هو الذى يتكلم إليكى" (يو 4 : 26).

إذن، فمعارضة يسوع لإستخدام لقب "المسيا" نبعت بلا شك من التوقعات السياسية و القومية التى إرتبطت باللقب فى عقول المعاصرين ليسوع. أكثر من مرة فى خلال خدمته، حذر الآخرين، سواء أولئك الذين شفاهم أو تلاميذه من أن يعلنوا للعامة أنه هو المسيا (مر 1 : 25؛ 5 : 43؛ 7 : 36؛ 8 : 30؛ 9 : 9). لقد كان إنكاره الثابت للنغمات السياسية للحكم و السلطة فى إنسجام تام مع خدمته بالكامل، حتى أنه فى يوم أحد الشعانين تقبل المواقف الحماسية من الذين هتفوا بأنه مخلص اسرائيل المُنتظر، فقد ركب لأورشاليم ليس فرساً مُعد للحرب، و إنما حمار صغير، جحش ابن أتان (مت 21 : 2 – 11). و لاحقاً أعترف لبيلاطس أنه ملك، و لكنه أعلن أن ملكه ليس من هذا العالم (يو 18 : 36 – 39).

ثانياً: ابن الإنسان

فضل يسوع لقب "ابن الإنسان" ليشير لنفسه بدلاً من لقب "المسيا". هذا التعبير يقع 81 مرة فى الأناجيل، و موجود فى التقاليد الخمسة عن يسوع كما تم تحديدها بالفحص العلمى، و سنضع هنا مثال على كل واحد منهم لأنه كافى: المصدر Q (مت 8 : 20؛ لو 9 : 58)، مرقس (2 : 10)، المادة الموجودة فى متى فقط (25 : 31)، المادة الموجودة فى لوقا فقط (17 : 22)، و التقليد اليوحناوى (5 : 27). و واحدة من أهم المعالم التى تميز كل الإستخدامات لهذا اللقب فى الأناجيل، هى أنها كلها ماعدا استثناء واحد فقط خرجت من شفتى يسوع نفسه، و لم يستخدم تلاميذه هذا اللقب أبداً، ولا أتباعه، ولا ملتمسى مساعدته، ولا حتى أعداؤه. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا اللقب لا يظهر فى بقية كتب العهد الجديد سوى أربعة مرات فقط (أع 7 : 56؛ عب 2 : 6؛ رؤ 1 : 13؛ 14 : 14). إذن فمن الواضح أن هذا التعبير يحمل شهادة خاصة عن إستخدام يسوع لهذا اللقب و تفضيله له، و قد أنتقل هذا التعبير بإخلاص بواسطة الإنجيليين و بقية كُتّاب العهد الجديد.

الإستخدام اليهودى السابق للقب "ابن الإنسان" يشير إلى أنه يحمل أكثر من معنى. ففى مرات يظهر على أنه يعنى مجرد الإنسان البشرى فقط. و فى سفر حزقيال حيث يقع لقب "ابن الإنسان" و الذى تُرجِم فى الترجمة المُنقحة القياسية الجديدة "بشراً" أكثر من تسعين مرة، كان يصف النبى على أنه مجرد خليقة إنسانية ضعيفة فى نظر الله القدير. أما الإستخدام الثالث للعبارة يقع فى دانيال 7 : 13 – 14 حيث يصف النبى الرؤية التى رآها قائلاً:"رأيت شبه كائن بشرى (حرفياً: شبه ابن إنسان) يأتى مع سحب السماء. و جاء إلى القديم (أى الله القدير) و أُحضِر قدامه. له أُعطِى سلطان و مجداً و مُلكاً حتى أن كل البشر، الأمم، و الألسنة، تتعبد له. سلطانه سلطان أبدى لا يزول أبداً، و ملكه لن يتدمر أبداً".

هذه العبارة هنا تُشِير إلى تشخيصات قديسى العلى (7 : 18، 27). ثم فى الأدب الرؤيوى اللاحق، مثل أخنوخ (أخنوخ، الفصول 34 – 61). و أسدارس (2 أسدارس، الفصل 13)، أصبح المصطلح "ابن الإنسان" يُشير إلى إنسان فائق، أى المُختار، و قد أُستُخدِم ليُشير إلى الحاكم المسيانى لملكوت الله.

أى معنى من هذه المعانى الثلاث لمصطلح "ابن الإنسان" فى العهد القديم أثر فى يسوع فى غالبية إستخداماته الخاصة لهذا التعبير؟ بفحص المقاطع الواردة فى الأناجيل حينما يظهر هذا المصطلح، يتبين لنا أن يسوع قد عرّف نفسه بابن الإنسان السماوى الذى ظهر فى رؤية دانيال، و لكنه فى نفس الوقت إستخدام اللقب بمعنى جديد و أغناه أكثر. فيما يلى أمثلة نموذجية لهذا التعبير من الأناجيل، تنقسم إلى ثلاث تصنيفات:

1- بعض الحالات تقع فى سياقات ترتبط بنشاط يسوع فى خدمته العامة. فحينما يشفى المشلول (مر 2 : 10) أو يبرر أعمال تلاميذه يوم السبت (مر 2 : 28) أو يرد على شخص تمنى أن يتبعه (مت 8 : 20 و ما يوازيه فى لو 9 : 58) أو يقارن بينه و بين يوحنا المعمدان (مت 11 : 19؛ لو 7 : 34 – 35)، فإنه يُشير لنفسه كابن الإنسان.
2- فى عدة مقاطع أخرى يُشير التعبير إلى مجىء ابن الإنسان الثانى فى المستقبل على سحب السماء (مت 24 : 27؛ مر 13 : 26 – 27؛ 14 : 62؛ لو 17 : 24 – 30). الفكرة الرئيسية فى هذا السمو الظاهر فى هذه المقاطع مُقتبس تقريباً من المقطع الوارد فى دانيال 7 : 13 – 14.
3- فى المجموعة الثالثة من الأقوال المرتبطة بابن الإنسان، نجد أن يسوع يعدل و يكبر معنى التعبير بحرية. فى هذه الأقوال يُشير يسوع إلى ضرورة إقترابه من الآلام، الموت، و القيامة (مت 20 : 18، 28؛ 26 : 45؛ مر 8 : 31؛ 10 : 33؛ 14 : 21، 41؛ لو 18 : 31؛ 19 : 10). بالإضافة إلى ذلك، فإنه يعرف نفسه بعبد الرب المتألم الذى وصفه أشعياء (أش 53 : 10 – 12)، و يعلن أن:"ابن الإنسان لم يأتى ليُخدَم بل ليخدِم، و ليعطى حياته فِديةً عن كثيرين" (مر 10 : 45).

الشىء الجديد، إذن، فى إستخدام يسوع لهذه الجملة، هو خلطه لأفكار التذلل و التألم و الموت مع أفكار السمو و الإرتفاع المستقبلى لابن الإنسان. فواضح أنه أراد أن يستخدم تعبير يكون معناه غامض و لذلك يستطيع تعريف نفسه بصورة أكثر دقة حتى يستطيع أن يعبر عن لغز شخصه و خدمته. فكما إستخدم يسوع هذا التعبير "ابن الإنسان"، فقد إستخدمه بشكل يحمل تناقض ظاهرى بشكل جوهرى. أنه يضع يسوع داخل إطار إنسانيته، و مع ذلك يجعله أسمى من كل البشر. أنه لقب يعلن مجده الغير أرضى و خزيه الأرضى. أنه لقب يشتمل على فكر الإنسان الذى أتى من السماء و الذى سيظهر فى نهاية العالم لكنه يجب أن يكون مخفياً فى البداية. بإختصار، تعريفه لنفسه بإنه ابن الإنسان يشتمل على زعمه بأنه سيأتى يوماً ما و سيتم الإعتراف به كالحاكم، المسيا، و المخلص.

ثالثاً: ابن الله

على العكس من لقب "ابن الإنسان" الذى أُستُخدِم من قِبل يسوع فقط فى الأناجيل، و على العكس من لقب "المسيا" (المسيح) الذى أستخدمه الآخرين، فإن لقب "ابن الله" أو "الابن" هو لقب إستخدمه الطرفين. و فى انجيل يوحنا، يستخدم البشير اللقب الأكثر تحليلاً كثيراً "ابن الله" (1 : 34، 49؛ 5 : 25؛ 9 : 35؛ 10 : 36؛ 11 : 4، 27؛ 19 : 7؛ 20 : 31) تماماً كما يستخدم اللقب فى شكله البسيط المُطلق "الابن" (3 : 17، 35 – 36؛ 5 : 19 – 23، 26؛ 6 : 40؛ 8 : 36؛ 14 : 13؛ 17 : 1)، و اللقب الخاص بيوحنا "الابن الوحيد" (3 : 16 – 17 و قارن مع 1 يو 4 : 9 – 10). فعبر انجيله بالكامل، كان إهتمام البشير الرابع هو إظهار أن ذاك الذى كان مع الله فى البدء، الذى كان بالفعل الله نفسه، أصبح الآن متجسداً فى جسد بشرى (يو 1 : 1، 4). و بتعريفه لابن الله كملك اسرائيل (1 : 49)، يكرر المؤلف معلناً أن يسوع إدعى علاقة فريدة لا مثيل لها مع الله. أكثر من مرة حاول اليهود قتل يسوع لأنه قام بتجديف:"لأنه لم يقم فقط بكسر السبت، بل دعا الله أنه أبيه، مساوياً نفسه بالله هكذا" (يو 5 : 18؛ و قارن 10 : 30 – 33). و عن طريق سلسلة من التصريحات التى لا نجد مثيل لها، مثل "أنا هو خبز الحياة" (يو 6 : 35)، "انا هو نور العالم" (8 : 12)، و "أنا هو القيامة و الحياة" (11 : 25)، نرى يسوع يستخدم الصياغة الثيؤفانية الخاصة بأوصاف يهوه السامية جداً فى العهد القديم (أنظر خر 3 : 14). فليس من المفاجىء إذن أن ينتهى هذا الإنجيل ببيان أن يسوع القائم من الموت لم يقبل فقط كلمات التوقير من الرسول توما:"ربى و إلهى!" و لكنه يبارك كل من يعترف مثله (يو 20 : 28 – 29).

و رغم أن لغة الأناجيل الإزائية حول يسوع كابن الله تختلف عن تلك الموجودة فى الانجيل الرابع، فإن الإنطباع الذى يتركونه لدى القارىء هو نفس إنطباع الانجيل الرابع: يسوع يدعى و يقبل الكرامة الخاصة بالإلوهية فقط. فبالإضافة إلى إثنتى عشر نصاً أو أكثر مقطعاً إزائياً ينسب الآخرين لقب "ابن الله" له مع قبوله الواضح لهم (مثل مت 16 : 16؛ مر 3 : 11؛ 5 : 7؛ 14 : 61؛ لو 8 : 28)، فإن كلاً من المصدر Q و انجيل مرقس يمثلان يسوع متكلماً عن نفسه بإعتباره "الابن" أو داعياً الله أبيه بطريقة جديدة و فريدة. فبكلا الطريقتين، بشكل مباشر كما فى إعترافه امام قيافا (مر 14 : 62)، و بشكل غير مباشر كما فى مثل الأجراء الأشرار (مر 12 : 1 – 9)، يدعى يسوع ليس أنه فقط ابن الله، بل ابن الله المحبوب الذى سيأتى على سحب السماء. و فى واحد من أهم المقاطع الكريستولوجية الموجودة فى العهد الجديد بالكامل، و المحفوظ فى المصدر Q (مت 11 : 27؛ لو 10 : 22) يتكلم يسوع عن بنوته لله التى لا يشاركه فيها أحد:"كل الأشياء أعطاها لى الآب، ولا أحد يعرف الإبن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الإبن و لمن أراد الإبن يكشف له". هنا، فى أقدم طبقة من الأناجيل الإزائية و بلغة كل حرف فيها يشتمل على نفس السمو المُستخدم فى الانجيل الرابع، يسوع يدعى أنه ليس فقط الوحيد الذى يتمتع بعلاقة خاصة بالله، و لكن أنه أيضاً الوحيد الذى من خلاله يستطيع الآخرين أن يتمتعوا بعلاقة مشابهة.

بالإضافة إلى مثل هذه الإدعاءات المباشرة ليسوع فى أنه ابن الله الفريد من نوعه، فإن الاناجيل تحتوى على شهادات أخرى غير مباشرة تُشِير إلى نفس الإتجاه. لأكثر من مرة يدعى يسوع يقول يسوع ما معناه أنه فى شخصه و عمله، فإن شىء ما جديد و مفرح و رائع قد حدث للعالم. فحينما تم توبيخه لأن تلاميذه لم يهتموا بالصيامات اليهودية التقليدية، رد قائلاً أنه طالما موجود معهم، فإن الصيام غير مناسب كما لو كانوا صائمين فى فرح (مت 9 : 14 – 15؛ مر 2 : 18 – 19؛ لو 5 : 33 – 35). و فى موقف آخر حينما أشار إلى الملك سليمان و شهرته بالحكمة، أعلن يسوع أنه فى شخصه و فى ملكوته:"شىء ما أعظم من سليمان موجود هنا!" (مت 12 : 42: لو 11 : 31).

ثم يأخذ يسوع الحق لنفسه بأنه لديه سلطة غفران الخطايا، و هو الإمتياز الذى أدركه اعداؤه بشكل صحيح خاص بالله فقط (مر 2 : 5 – 7؛ 25 : 31 – 46). و يدعى بصراحة أن كل البشر سيقفون أمامه يوماً ما ليدينهم، ليس فقط عن أعمالهم، بل أيضاً على نياتهم، التى يعرفها الله فقط (مت 7 : 22 – 23؛ 25 : 31 – 46). بل و يضع طلبات بأن الأفراد يجب أن يسلموا أنفسهم بالتمام له، كمن يعرف نفسه بأن قضيته هى قضية الله. مثلاً يقول:"كل من يعترف بى قبل الآخرين، سوف أعترف أنا أيضاً به أمام أبى فى السماوات" (مت 10 : 32)، و قوله:"و كل من يحب أباً أو أماً أكثر من لا يستحقنى، و كل من لا يحمل الصليب و يتبعنى لا يستحقنى" (مت 10 : 37، و قارن لو 14 : 26 – 27). فى هذه المقاطع و فى أقوال أخرى مشابهة، فإن قيمة حياة الرد بأكملها و قدره يتعلق بعلاقة هذا الشخص بيسوع.

أقوال "أنا" التى قد تُعتبر من الخصائص الفريدة للاهوت اليوحناوى، موجودة أيضاً فى التسجيلات الإزائية. عظة يسوع على الجبل تمثله كمن يضع قراراته على قِدم المساواة مع القرارات التى ينسبها العهد القديم لله نفسه ("قد سمعتم أنه قد قِيل...و لكن أنا أقول لكم" مت 5 : 21 – 22، 27 – 28، 31 – 32، 38 – 39، 43 – 44). إنه نفس الضمير "أنا" الذى له السيادة الذى يعنى وعى يسوع بنفسه، و يظهر فى أماكن كثيرة؛ مثل:"أنا سوف أعطيكم راحة" (مت 11 : 28)، "أنا أتيت لأدعو لا أبراراً بل خطاة" (مر 2 : 17) و "أنا أتيت لأضع ناراً فى الأرض" (لو 12 : 49). هذه التصريحات المدهشة لها روعة نحن غالباً لا نستطيع تقديرها حق قدرها بسبب ألفتنا لها التى جعلت إدراكنا الحِسى غبى.

حتى إستخدام يسوع المميز لكلمة "آمين" التى تُترجم عادةً إلى "الحق الحق" تتضمن حقيقة مُطلقة و سلطة لرسالته لا يوجد لها مثيل فى أى مكان آخر. الأدب اليهودى بأكمله لا يوجد فيه أى مثال لأى كاتب أو معلم رابينى يبدأ ملاحظاته بالتعبير:"الحق أقول لكم...". لكن هذه الصياغة التقديسية تظهر ثلاثين مرة فى انجيل متى، ثلاثة عشر مرة فى انجيل مرقس، ست مرات فى انجيل لوقا، و خمسة و عشرين مرة فى انجيل يوحنا (الذى عادةً يكرر الكلمة "الحق، الحق..."). الأقوال التى تتقدمها الصيغة التقديسية هذه محتواها متنوع، و لكن غالبيتهم عن شخص يسوع، إما كالمسيا أو كمن يطلب الإيمان بمسيانيته بعكس المظاهر الخارجية و الآراء الخاطئة حول شخصه. و الفكرة من وراء كلمة "آمين" قبل هذه الأقوال هى إظهار أن حقيقة الأقوال مُطلقة لأن يسوع نفسه بتقديسه لها يعترف بهم كأقواله هو الخاصة، و بهذا يقتنون شرعيتهم. و التضمين الكامل فى طريقة يسوع المميزة هذه فى الخطاب هى تأكيد يسوع على سلطته الفريدة، مقدماً نفسه على أنه الذى يتكلم باسم الله و بإقرار الله نفسه. فلا يندهش القارىء إذن حينما يعرف أنه فى نهاية عظة يسوع على الجبل:"صُعِقت الجموع من تعليمه، فقد علّم كمن يمتلك سلطة، و ليس مثل كتبتهم" (مت 7 : 28 – 29).

من كل ما قِيل سيتضح أن هناك رؤية سامية لشخص يسوع تتخلخل فى كل الأربعة أناجيل. فكلماته و أفعاله المُوثّقة فى أقدم الوثائق الأدبية للأناجيل الإزائية ليست مختلفة فى نوعيتها (رغم إختلافها فى اللغة) عن الشهادة المُسجلة فى الإنجيل الرابع. فبعد عمل أقسى فحص دقيق للمصادر، يجب على الفرد أن يستنتج بأن يسوع الناصرى بشهادته و بكلماته، إدعى أنه هو ابن الله الوحيد
[2].

لقد كان بسبب هذا الإدعاء السامى أن يسوع قد سُلِم للموت بواسطة أولئك الذين رأوه قد إرتكب التجديف (مر 14 : 61 – 64). و لذلك فمن كل تعاليم يسوع، لا يوجد تعليم نستطيع أن نكون واثقين من قوة تاريخيته مثل هذا التعليم، لأنه بدون هذا العنصر لا يوجد شىء فى حياته يمكن أن يبرر بشكل معقول الحِدة و العداوة الذين أدوا به إلى موت. إن تقوى اليهود المستقيمين تلخصت فى سخريتهم اللاذعة التى إتجهت نحوه و هو على الصليب:"إن كنت ابن الله، فإنزل من على الصليب" (مت 27 : 40؛ و قارن الأعداد 41 – 44).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] Bruce M. Metzger, The New Testament: Its Background, Growth & Content, 3rd Revised & Enlarged Edition, Abingdon Press: USA 2003, P. 175 – 182.
[2] لقد تمت الإشارة كثيراً إلى أن إدعاء يسوع بكون ابن الله الوحيد هو إما حقيقى أو زائف. فلو أنه حقيقى، فإنه: (1) قد تمت عبادته على أنه الله بشكل صحيح فعلاً. لو أنه زائف، فإما أنه يعرف أنه الزعم زائف، أو أنه لم يعرف أن الزعم زائف. فى الحالة الأولى فإنه: (2) كاذب، و فى الحالة الثانية فإنه: (3) مجنون. لا يوجد أى إستنتاج رابع يمكن وضعه بجانب هؤلاء الثلاثة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!