الأحد، 15 نوفمبر، 2009

النقد النصى و التفسير - الجزء الأول


النقد النصى و التفسير
الجزء الأول
(لو 2 : 22)
فادى اليكساندر


هناك عدد من المشكلات النصية يشغل بالى دائماً، لأن له أهمية خاصة مرتبطة بتفسير النص. و بنعمة الرب، ستتعامل هذه السلسلة مع أشهر النصوص التى يتأثر تفسيرها بالنقد النصى. و هذا النص محل النقاش إستدعى فى أحد المرات أن أبقى بداخل مكتبى ليومين كاملين، و مازال من ضمن النصوص التى أعود دائماً و أرجع لها. سيظل كذلك حتى بعدما كتبت هذه المقالة. يقول القديس لوقا البشير فى بشارته:"وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ" (لو 2 : 22). هذا النص بهذا الشكل يتكلم عن القديسة العذراء مريم، بعدما تطهرت بعد الولادة كما نصت شريعة العهد القديم (لا 12 : 8؛ لا 5 : 11)، ثم صعدت مع يوسف النجار و معهم الطفل يسوع إلى أورشاليم. لا يوجد مشكلة فى هذا النص بهذا الشكل، فهو يتكلم بشكل طبيعى عن رحلة جميلة لعائلة لطيفة لمدينة رائعة هى أورشاليم!

الجانب النصى

المشكلة، هى أن لوقا لم يكتب:"وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا"؛ بل كتب:"وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهُمَا". لاحظ الفارق فى الضمير المُستخدم، من المفرد المؤنث، إلى المثنى. لذلك فهذه المشكلة هى نموذج مثالى للتداخل بين النقد النصى و التفسير. من هما المقصودان بالضبط بالتطهير؟! لنبدأ أولاً بالجانب النصى، لنعرف لماذا قراءة المثنى هى الأفضل.

يوجد للنص عدة قراءات فى الشواهد المتوفرة، نلخصها فى البيانات التالية
[1]:

1- ضمير المُثنى "تطهيرهما": السينائية، السكندرية، الفاتيكانية، واشنطن، ثيتا، دلتا، العائلة الأولى، العائلة الثالثة عشر، و المخطوطات: K L X 053 28 33 565 700 892 1009 1010 1071 1079 1195 1216 1230 1241 1242 1253 1344 1365 1546 1646 2148 و المصحح الثالث فى المخطوطة 2174، بجانب غالبية المخطوطات اليونانية. و من الترجمات: السيريانية (البشيتا – الهيراقلية – الفلسطينية) و القبطية (الصعيدية – مخطوطات من البحيرية)، القوطية، الأرمينية، الإثيوبية، الجيورجية، و أحد مخطوطات اللاتينية القديمة. و من الآباء: اوريجانيوس، كيرلس الأورشاليمى، أغسطينوس، و كيرلس السكندرى.
2- ضمير المفرد المذكر "تطهيره": بيزا، و المخطوطة 2174. و من الترجمات: السيريانية السينائية، و مخطوطة من القبطية الصعيدية. ولا يوجد شواهد آبائية للنص، إنما شاهد ليتورجى من صلوات البصخة المقدسة.
3- ضمير المفرد المؤنث "تطهيرها": ورد فى مخطوطة يونانية واحدة و هى 76.
4- قراءة "التطهير" فى المصدر: ورد فى مخطوطة يونانية واحدة و هى 435، و فى الترجمة القبطية البحيرية، و عند القديس ايريناؤس و أمفيليشيوس.
5- قراءة "مريم" مع "التطهير" فى المصدر: ورد فى واحدة من مخطوطات الفلجاتا.

المشكلة الرئيسية فى تقرير الشواهد، هى الفلجاتا. و تكمن المشكلة فى الفلجاتا فى أن الكلمة eius قد تعنى الضمير المفرد المذكر أو الضمير المفرد المؤنث؛ فلا نعرف بالضبط أى قراءة هى التى قصدها المترجم: هل "تطهيره" أم "تطهيرها"؟ فى التعليق النصى للإصدار النقدى لنص جمعيات الكتاب المقدس المتحدة، لم يحدد العلماء أى قراءة منهما تتبعها الفلجاتا، بينما فى التعليق النصى للإصدار النقدى نيستل آلاند، لم تتم الإشارة إلى الفلجاتا نهائياً فى هذه المشكلة! و الأمر العجيب هو أن النص المُستلم لا يذكر قراءة المفرد المؤنث، بل المثنى، و هى نفس القراءة التى ذكرها ويستكوت و هورت و بقية الإصدارات النقدية! فمن أين أتت هذه القراءة، أقصد قراءة المفرد المؤنث؟ جاءت من الإصدار اليونانى الكومبليتنسى الذى صدر بعد إصدار ايرازموس مباشرةً. ثم أدخلها ثيؤودور بيزا فى عدة طبعات لإصداره اليونانى، و قد أخذها مترجمى النص الإنجليزى لترجمة الملك جيمس عن هذه الإصدارات، و عن هذه الترجمة الإنجليزية تمت ترجمة فانديك، فدخلت القراءة للترجمة العربية!

البرهان النصى محسوم لصالح قراءة الضمير فى المثنى "تطهيرهما"، فالتقليد النصى يدعمها بشكل ما شبه كامل. كذلك البرهان الداخلى فى صالحها، حيث أنها هى القراءة الأصعب. و يُلاحظ أن هذه القراءة هى الواردة فى نص الأغلبية، و نص الشكل البيزنطى أيضاً. إذن، فالأصالة محسومة جداً لصالح قراءة "تطهيرهما".

المشكلة الآن هى فى الشق التفسير: من هما المقصودان بالتطهير فى النص؟

الجانب التفسيرى

تنص شريعة العهد القديم على أن المرأة بعدما تلد بحاجة لفترة تطهير، فنقرأ:"اذَا حَبِلَتِ امْرَاةٌ وَوَلَدَتْ ذَكَرا تَكُونُ نَجِسَةً سَبْعَةَ ايَّامٍ. كَمَا فِي ايَّامِ طَمْثِ عِلَّتِهَا تَكُونُ نَجِسَةً" (لا 12 : 2). إذن، فالمرأة بحاجة إلى تطهير بعد الولادة؛ لذا فواحد من الإثنين المقصودين بالضمير المثنى فى "تطهيرهما" هو القديسة العذراء مريم. لكن، من هو الثانى؟ شريعة العهد القديم لا تقول أن الرجل يحتاج إلى تطهير فى هذه الحالة، ولا تقول أن الطفل بحاجة إلى تطهير فى هذه الحالة. و هنا يجب أن نلاحظ أن قراءة المفرد المذكر تشير إلى الطفل يسوع أو يوسف النجار. هناك مشكلتين نلاحظهما فى النص:

1- من هو الثانى المقصود بالتطهير: يوسف النجار أم الطفل يسوع؟
2- ما هو التطهير الذى قد يحتاجه يوسف النجار أو الطفل يسوع؟

المشكلة الأولى ليست بصعوبة الثانية، فمن خلال سياق النص نستطيع أن نفهم أن المقصود هو يوسف النجار. إذا قرأنا النص بأتنى، سنجد أنه يقول: بعدما تمت أيام تطهيرهما، صعدا به إلى الهيكل، فالضمير "صعدا" عائد على الفاعل فى العبارة الأولى. اللذين صعدا فى العبارة الثانية هما العذراء مريم و يوسف النجار، لأن النص يضع يسوع فى ضمير خاص "صعدا به". إذن، التطهير يعود على القديسة العذراء مريم و يوسف النجار
[2]. ستيين يعبر عن هذا الفِهم للنص بقوله:"أوضح معنى للضمير فى "تطهيرهما" يظهر على أنه الفاعل للفعل "صعدا"، أى هما"[3]، بما يعنى أن الفعل "صعدا" يعود على الفاعل و هو الضمير فى "تطهيرهما، و هذا ما رآه بلامر أنه:"قد أُثبِت بسياق النص"[4].

غير أن هذا لا يعنى أنه لا يوجد علماء رأوا أن المقصود هو الطفل يسوع. يبدأ هذا الطرح مع أوريجانيوس و قد أيده علماء لهم وزنهم المرموق، مثل فيتزمير و مارشال. و فى الوقت نفسه، ذهب آخرين إلى أن المقصود هو اليهود، أى بعدما تمت أيام التطهير التى يتطلبها اليهود، مثل الراباى السابق ثم المتنصر فيما بعد، ايدراشيم. على أن الرأى القائل بأن الأم و الطفل بحاجة إلى تطهير، يستند إلى أساس واحد و هو أن لوقا بحكم كونه غير فلسطينى، كان متأثراً بالثقافة الهيلينية التى أتى منها التى تنجس الأم و الطفل بعد الولادة. على أن هذا التفسير لا يستقيم لعدة أسباب:

1- لا يوجد أى دليل فى النص يُشير إلى ذلك، ولا يوجد أى معالم أو اشارات أو مميزات هيلينية تجعل من هذا التفسير يطفو على السطح.
2- فى السياق الكامل للنص، نجد أن لوقا يتتبع الأحداث من وجهة نظر يهودية بحتة، فكان حريصاً على الإشارة إلى إتمام العائلة لفرائض الناموس (قارن بين الأعداد 21، 24، 27، 39).
3- لا يوجد أى سبب لإفتراض التأثر الهيلينى فى موضع واحد فقط فى كتابى لوقا البشير، الانجيل و الأعمال. يبرز هذا أكثر إذا كان هناك تفسير أفضل للنص يوفر سهولة دون تعقيد مُبالغ فيه.
4- هذا التفسير يخالف سياق النص الذى يربط بين الفاعل، و هو الضمير المثنى، و الفعل فى العبارة التالية، و هو "صعدا" و الذى يفصل بين الصاعدين و الطفل يسوع.

أما غالبية العلماء الذين يعتقدون أن النص يُشيِر إلى الأم و الطفل، ينظران لمسألة التطهير بشكل مختلف، و هو ما سيجعلنا ندخل فى المشكلة الثانية فى النص و التى تشتمل أيضاً على ضرورة تفسير حاجة يوسف النجار إلى تطهير!

سنقسم حديثنا فى هذه النقطة إلى جانبين يدور حول: تفسير حاجة يوسف النجار للتطهير إذا كان المقصود هو يوسف، و تفسير حاجة الطفل يسوع للتطهير إذا كان هو المقصود. ما أرجحه أنا بالأكثر هو يوسف النجار، إستناداً على سياق النص. لكن على كل حال، سنتناول آراء العلماء الذين يرون فى النص دلالة على يسوع و ليس يوسف النجار.

يوسف النجار

يُقدِم لنا العالم داريل بوك فى تفسيره الضخم لانجيل لوقا عدة تفاسير ممكنة طرحها العلماء فى بحوثهم و دراساتهم فى انجيل لوقا
[5]:

التفسير الأول: قد يكون يوسف النجار قد ساعد فى عملية ولادة يسوع، و بالتالى قد يكون طاله دم القديسة العذراء مريم الذى يُعتبر نجس فى ذلك الوقت بحسب شريعة العهد القديم لمدة أربعين يوماً. و قد ورد فى نص المشنا أن من يشارك فى عملية الولادة و يطوله هذا الدم النجس يصبح "إمتداداً للنجاسة"
[6]. نخرج من هذا أن يوسف النجار أيضاً قد طالته النجاسة، مما يتطلب منه تطهيراً. و يجب أن ننتبه إلى أن شريعة العهد القديم لم تضع تطهيراً للرجل، لأنه لا يحمل نجاسة؛ إنما المرأة فقط لأنها تحمل الدم النجس. فإذا طال يوسف الدم النجس، فهو بالتأكيد بحاجة إلى تطهير.

التفسير الثانى: بما أن يسوع قد تم نذره لله، فلابد أن القديسة العذراء مريم و يوسف النجار قد شاركا معاً فى تقدمته للرب. و هذا يتضح أكثر حينما ننظر فى خلفية العهد القديم الواردة حول نذر ألقانا و حنة لإبنهما صموئيل النبى، حيث قد قدم ألقانا النذر عن زوجته، رغم أن الزوجة هى التى كانت لابد أن تقدم النذر (1 صم 1 و خاصةً ع 21).

التفسير الثالث: و يتعلق بكيفية فِهم الضمير، و الذى يمكن أن يُفهم على أنه مُضاف للفاعل، فيكون معنى النص "مشاركتهما" فى التطهير. بهذا يصبح معنى الكلمة هو مجرد مشاركة من يوسف النجار، و ليس تعرضه لعملية تطهير فعلى. و لكن السؤال الذى يطرح نفسه: كيف شارك يوسف النجار فى عملية التطهير؟ قد يكون دمج هذا التفسير مع الأول يوضح الصورة أكثر.

التفسير الرابع: أن لوقا قد قصّد عدة أدوار، قام بهم يوسف النجار و القديسة العذراء مريم، و أراد أن يختصر هذه الأدوار معاً ليدخل فى فكرته الرئيسية من النص و هى تقديم يسوع كنذير للرب. هذا الإختصار لم يسمح للوقا بوضع تفاصيل دور كل منهما فى هذه العملية، حيث أن الحديث عن التطهير مجرد مقدمة ليدخل فى تقديم النذر؛ و ذلك يتضح أكثر حينما نرى أن تركيز النص كان على تقديم يسوع كنذر للرب.

إذا نظرنا فى هذه التفسيرات، سنجد أن بها بعض المفارقات، و التى أشار لها والاس فى مقالته. فإذا كان يوسف قد شارك فى عملية الولادة و بالتالى إحتاج لتطهير، فما هو وضع النساء المساعدات فى عملية الولادة؟ هل إحتاجوا ايضاً إلى تطهير؟ و أيضاً إذا كان لمس الدم يتطلب تطهيراً، فلماذا لم يكن الطفل المولود بحاجة إلى تطهير؟ فى الحقيقة، هذه الأسئلة تذهب بنا إلى عمق أوسع فى الموضوع، فلماذا قالت شريعة العهد القديم أن المرأة التى تلد تحتاج إلى تطهير؟ لا يقدم العهد القديم إجابة على هذا السؤال، و لكنه لا يقول بأن المُساعِدات فى الولادة لا يحتجن إلى تطهير، رغم أنه أيضاً لم يوصى بحاجتهم لتطهير! فالمشكلة الحقيقية تكمن فى حصر التطهير فى الأم دون الطفل. غير أن العلماء اليهود يخبروننا بأن المشكلة هى فى الدم السائل نفسه! و هذا فعلاً ما يقوله النص بوضوح:"فَتَطْهَرُ مِنْ يَنْبُوعِ دَمِهَا" (لا 12 : 7). المشكلة ليست فى أن الدم نفسه يحمل نجاسة، أو خطية، أو شىء ما معنوى كهذا، إنما المشكلة فى الدم السائل نفسه الذى يستمر بشكل متدفق لأيام ثم لأسابيع بشكل أقل
[7]. لذلك لا يمكن ليوسف النجار أن يحتاج لأيام تطهير، لأنه إذا لمسه الدم سيتخلص منه بسهولة! و بالتالى، فالتفسير الأول لا يستقيم، حتى لو كانت المشنا تُشِير له، لأننا لا نعرف بالضبط هل إلتزم يوسف و العذرء بنص العهد القديم الذى يعطى يسراً، أم بالمشناه التى عسرت الأمور أكثر.

التفسير الذى أراه أكثر ملائمة، هو خلط بين التفاسير الثلاثة الأخرى، و هو أن لوقا قد قصد بكلمة "تطهيرهما" تطهر القديسة العذراء مريم من دم الولادة، و تكريس و نذر يسوع بواسطتهما. فلوقا قد إختصر أدوار القديسة العذراء مريم و يوسف النجار معاً، حتى يدخل سريعاً فى صلب الموضوع، و هو ما كانا يقومان به: نذر يسوع للرب. صحيح أن لوقا إستخدم لفظ "التطهير" فقط دون الإشارة إلى تقديم النذر، و لكن يقدم لنا والاس عدة أمثلة من العهد القديم، تمت ترجمة الفعل العبرى للنذر فى الترجمة السبعينية إلى الفعل اليونانى للتطهير (قارن بين النص اليونانى و العبرى للنصوص: خر 29 : 37؛ 30 : 10؛ لا 8 : 15؛ 16 : 20؛ عد 12 : 15؛ 30 : 6)
[8]. هذا الدليل يُشِير إلى أن المصطلح كان عريض و واسع و يحتمل عدة تفرعات فى المعنى تليه. و يخبرنا والاس:"من المُرجح جداً أن لفظ "التطهير" بمعناه الأشمل كان معروفاً للوقا". دعونا ننظر فى عينة من هذه النصوص:

النص الأول (خر 29 : 37):"سَبْعَةَ ايَّامٍ تُكَفِّرُ عَلَى الْمَذْبَحِ وَتُقَدِّسُهُ. فَيَكُونُ الْمَذْبَحُ قُدْسَ اقْدَاسٍ. كُلُّ مَا مَسَّ الْمَذْبَحَ يَكُونُ مُقَدَّسا". حيث جاء النص اليونانى فى السبعينية: ἑπτὰ ἡμέρας καθαριεῖς τὸ θυσιαστήριον καὶ ἁγιάσεις αὐτό, καὶ ἔσται τὸ θυσιαστήριον ἅγιον τοῦ ἁγίου· πᾶς ὁ ἁπτόμενος τοῦ θυσιαστηρίου ἁγιασθήσεται. و قد إستخدم النص اليونانى هنا الفعل καθαριεῖς "تطهر" ليترجم الفعل العبرى וקדשׁת الذى يعنى "ينذر" أو "يقدس".

النص الثانى (لا 8 : 15):"فَذَبَحَهُ وَاخَذَ مُوسَى الدَّمَ وَجَعَلَهُ عَلَى قُرُونِ الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرا بِاصْبِعِهِ وَطَهَّرَ الْمَذْبَحَ ثُمَّ صَبَّ الدَّمَ الَى اسْفَلِ الْمَذْبَحِ وَقَدَّسَهُ تَكْفِيرا عَنْهُ". حيث جاء النص اليونانى فى السبعينية:καὶ ἔσφαξεν αὐτὸν καὶ ἔλαβεν Μωυσῆς ἀπὸ τοῦ αἵματος καὶ ἐπέθηκεν ἐπὶ τὰ κέρατα τοῦ θυσιαστηρίου κύκλῳ τῷ δακτύλῳ καὶ ἐκαθάρισεν τὸ θυσιαστήριον· καὶ τὸ αἷμα ἐξέχεεν ἐπὶ τὴν βάσιν τοῦ θυσιαστηρίου καὶ ἡγίασεν αὐτὸ τοῦ ἐξιλάσασθαι ἐπ᾿ αὐτοῦ. و قد إستخدم النص اليونانى هنا الفعل ἐκαθάρισεν "طهره" ليترجم نفس العبرى المذكور فى النص السابق.

النص الثالث (لا 30 : 5):"وَإِنْ نَهَاهَا أَبُوهَا يَوْمَ سَمْعِهِ فَكُلُّ نُذُورِهَا وَلوَازِمِهَا التِي أَلزَمَتْ نَفْسَهَا بِهَا لا تَثْبُتُ وَالرَّبُّ يَصْفَحُ عَنْهَا لأَنَّ أَبَاهَا قَدْ نَهَاهَا". حيث جاء النص اليونانى فى السبعينية: ἐὰν δὲ ἀνανεύων ἀνανεύσῃ ὁ πατὴρ αὐτῆς, ᾗ ἂν ἡμέρᾳ ἀκούσῃ πάσας τὰς εὐχὰς αὐτῆς καὶ τοὺς ὁρισμούς, οὓς ὡρίσατο κατὰ τῆς ψυχῆς αὐτῆς, οὐ στήσονται· καὶ κύριος καθαριεῖ αὐτήν, ὅτι ἀνένευσεν ὁ πατὴρ αὐτῆς. و قد أستخدم النص اليونانى هنا الفعل καθαριεῖ ليترجم الفعل العبرى אסרה الذى يعنى "ألزم".

بناء على ذلك، فإن لوقا بهذا الفعل قد قصد فى هذا الفعل تطهير الأم و نذر الابن، مما يشير إلى فِهم واضح و مقبول بل و مناسب جداً للنص. و أشدد على أن هذا التفسير يبدو ملائماً جداً فى ضوء التوكيد الواضح فى النص على تنفيذ الناموس بنذر البكر. هوارد مارشال، واحد من أكبر علماء العهد الجديد فى القرن العشرين، يقول:"من المُرجح جداً أن لوقا دمج تطهير الأم و تقديم الطفل فى حدث واحد معاً"
[9].

الطفل يسوع

غالبية التفاسير التى تنظر للنص على أنه يتكلم عن القديسة العذراء مريم و الطفل يسوع، ترى أن النص يحمل معنى روحى ناحية يسوع بكونه مخلص العالم. لا أريد التطرق كثيراً إلى هذا التفسير لأنه لا يحمل أى دلالة فى النص ولا يوجد ما يستند عليه فى النص، ولا هو تفسير إستنتاجى حتى، بل تأملى بحت. لكن شكل آخر للتفسير الخاص بالطفل يسوع يعتمد بشكل خاص على التفسير الأول ضمن التفاسير المعروضة بالأعلى حول يوسف النجار، و هو أن من يلمس الدم يحتاج إلى تطهير. لكن كما رأينا، لم يفرض العهد الجديد أى تطهير على الطفل، و بكل تأكيد لا يوجد طفل يُولد لن يطوله الدم، فلو كان كذلك لكان العهد القديم فرض ضرورة تطهير الطفل أيضاً، و هو ما لم يحدث.

التفسير الآبائى

يُقدِم لنا القديس كيرلس الكبير تفسيراً ضمنياً للنص بنفس هذا الشكل، فيقول:"وبعد ختانه تنتظر العذراء إلى وقت تطهيرها، وحينما تكتمل الأيام وتصل إلى ملء الأربعين يومًا، فإن الله الكلمة الجالس على عرش الآب، يُحمَل إلى أورشليم ويأتون به إلى حضرة الآب بطبيعة بشرية مثلنا وبواسطة ظل الناموس يُحسب في عداد الأبكار. لأنه منذ قبل التجسد كان الأبكار مقدَّسين، ومكرَّسين لله، ويقدَّمون لله بحسب الناموس. آه! كم هو عظيم وعجيب تدبير الخلاص! " يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه"(رو33:11). فإن ذلك الذي هو في حضن الآب، الابن المشارِك له في عرشه والمساوي له في الأزلية، الذي به خُلقت كل الأشياء في الوجود نراه رغم ذلك يخضع لمقياس الطبيعة البشرية، بل ويُقدَّم كتقدمة لأبيه رغم أنَّه يُكرَّم ويُمجَّد معه من الجميع. وماذا قدَّم هو؟ إنه كبكر وذَكَر قدَّم زوج يمام أو فرخي حمام حسب أمر الناموس. ولكن إلى ماذا يشير اليمام؟ وأيضًا إلى ماذا يشير الحمام؟ تعالوا إذن ودعونا نبحث هذا الأمر، فالواحد منهم هو أكثر طيور الحقل في إصدارها للأصوات، أما الآخر فهو مخلوق هادئ ووديع. هكذا صار مخلِّص الكل بالنسبة لنا مُظهرًا أكمل وداعة ولطف من نحونا. وأيضًا مثل اليمام، فإنه يهدئ العالم، ويملأ حقله الخاص الذي هو نحن المؤمنين به بنغم صوته الحلو. لأنه مكتوب في نشيد الأنشاد " صوت اليمامة سُمِع في أرضنا" (نش12:2)، لأن المسيح قد كلَّمنا برسالة الإنجيل الإلهية التي هي لخلاص العالم كله. إذن فقد قدَّم اليمام أو الحمام حينما قُدِّم للرب. وفي هذا يمكن أن نرى التقاء الحقيقة والرمز معًا في نفس الوقت. والمسيح قدَّم نفسه رائحة طيِّبة لله، لكي يُقدِّمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يلاشي العداوة الناشئة عن عصيان آدم، ويبطل الخطية التى استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: " التفت إليَّ وارحمني" (مز16:25)"
[10].

الإستنتاج

كما رأينا، فإن النقد النصى له علاقة لا تنفصل بتفسير النص. لكى نفهم النص، علينا أن نعرفه أولاً! لكى نفهم ما الذى يعنيه لوقا، علينا أن نقرأ ما الذى كتبه لوقا فعلاً. لا معنى لتنحية الدليل جانباً فقط حتى لا ندخل أنفسنا فى صعوبات. نحن بذلك لا نخدع سوى أنفسنا! و مع ذلك، فهناك أكثر من طريقة لفِهم النص دون الدخول فى مشكلات لا نستطيع حلها. و حتى لو كانت هناك مشكلات لا نستطيع حلها، و هو ما هو واقع بالفعل فى أماكن أخرى، يجب أن ننتهز هذه الفرصة لنقول لله: نحن نؤمن بك، نثق فى أنك صاحب هذا الكتاب، نحن نثق أننا لا نعلم كل شىء، و لكن سيأتى وقت ستمنحنا المعرفة الكاملة حينما تأخذنا عندك فى ملكوت السماوات إلى الأبد!

مُلخص ما توصلنا له هو:

1- قبل أن نفهم النص، يجب أن نقرأ النص! لهذا فعلم النقد النصى له صلة وثيقة لا يمكن أن تنقطع بعلم التفسير.
2- النص يتكلم عن يوسف النجار و القديسة العذراء مريم بحسب سياق النص، و له عدة تفسيرات و احتمالات ممكنة.
3- مصطلح "التطهير" كان يُشير إلى مفهوم عام و أشمل من مجرد فعل التطهير فى حد ذاته، و من المُرجح جداً أن لوقا كان يعرف المفهوم الأعم للمصطلح.
4- لوقا كان يتكلم، بشكل مُختصر و سريع، عن دور القديسة العذراء مريم فى التطهير من دم الولادة، و عن دور يوسف النجار فى تقديم النذر عن الطفل يسوع.
5- لا علاقة للطفل يسوع بعمل التطهير، لأنه لم يكن هناك ما يحتاج الطفل يسوع لتطهير منه. و التفسير الإستنتاجى للنص يصل بنا إلى أن المقصود هو يوسف.

أخيراً، لماذا نحن كمسيحيين لا نختار احتمال أن لوقا يكون قد اخطأ؟ لأننا نؤمن أن الله هو الذى أوحى بهذا الكتاب. هل هناك احتمال نظرى أن يكون لوقا قد اخطأ؟ نعم. هل هناك احتمال نظرى أن لوقا لا يكون قد اخطأ؟ نعم. فلماذا نختار الاحتمال الثانى؟ لأننا نؤمن و نثق أن هذا الكتاب هو كلمة الله الذى لا يوجد فيه خطأ. إن الإعتقاد فى وحى الكتاب المقدس ككلمة الله و فى عصمته عن كل خطأ هو ايمان، و ليس استدلال!

فادى اليكساندر
14 - 11 - 2009


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] يختفى التعليق النصى على هذه المشكلة من الإصدار الرابع للنص اليونانى لجمعيات الكتاب المقدس المتحدة، و من تعليق بروس ميتزجر الإصدار الثانى، و من إصداريى نص الأغلبية، و من تعليق روجر اومانسون، و لا يذكر تعليق نيستل آلاند الإصدار السابع و العشرين إلا قراءة ضمير المفرد المذكر فقط، و لم يعلق عليه دان والاس فى الترجمة الإنجليزية الحديثة (رغم أنه كتب مقالة عن الموضوع). غير ذلك، فقد وردت المشكلة فى التعليقات النصية الآتية و التى أخذت عنها البرهان المعروض، و هى:
The Greek New Testament, UBS 3rd Edition, P. 208-209; Novum Testamentum Graece, Nestle-Aland 27th Edition, P. 157; Bruce M. Metzger, Textual Commentary on The Greek New Testament, 1st Edition, P. 134; Philip W. Comfort, New Testament Text & Translation Commentary, P. 169 – 170; Daniel B. Wallace, Luke 2:22 "Their Purification" Or "Her Purification"? A Test-Case for Faith Vs. Reason, online: bible.org.
[2] J. Reiling & J. L. Swellengrebel, A Translator's Handbook on The Gospel of Luke, P. 125
[3] Robert H. Stein, The New American Commentary, Vol. 24 (Luke), P. 113
[4] Alfred Plummer, A Critical & Exegetical Commentary on The Gospels According To St. Luke, 5th Edition, P. 63
[5] Darrell L. Bock, Baker Exegetical Commentary on The New Testament: Luke, Vol. 1, P. 236
[6] Mishnah Nidda 5:1; 2:5; 1:3-5, Cited in Bock, P. 236
[7] The Jewish Study Bible, P. 233
[8] http://bible.org/article/luke-222-their-purification-or-her-purification-test-case-faith-vs-reason
[9] I. Howard Marshall, The Gospel of Luke: A Commentary on The Greek Text, P. 116
[10] القديس كيرلس السكندرى، تفسير انجيل لوقا، ص 45 – 46. نفس هذا التفسير موجود فى بقية تفاسير العلماء المُترجمة للعربية. أنظر مثلاً: ليون موريس، التفسير الحديث للكتاب المقدس: انجيل لوقا، ص 84؛ وليم باركلى، تفسير العهد الجديد: انجيل لوقا، ص 38 – 39؛ وليم ماكدونالد، تفسير العهد الجديد للمؤمن، الجزء الأول، ص 255 – 256؛ متى هنرى، التفسير الكامل الكامل للكتاب المقدس: العهد الجديد، الجزء الأول، ص 389.

هناك 5 تعليقات:

  1. البحث أعجبنى جداً، و قد وصلت فكرتك فى أهمية النقد النصى بشدة، شكرا ربنا يعوض تعبك و يقويك، و أرجو أن ترفع" و كان الكلمة الله؟" صيغة  pdf

    ردحذف
  2. شكراً لمرورك على الموضوع. لو سمح وقتى بذلك سأفعل لأننى مضغوط بشدة هذه الفترة.

    ردحذف
  3. حقيقه استاذ فادى الف شكر على هذا البحث لكن وجه الاستغراب كمية النصوص المختلفه بين ترجمة الفانديك المعتمد عليها لدى الكنيسه المصريه واقدم المخطوطات للكتاب المقدس تفسيرك لهذا الامر ايه هل هناك تعمد فى هذا ام لا ؟

    ردحذف
  4. هل ذلك يعتبر تحريف ؟؟؟

    ردحذف
  5. السلام عليكم اخي فادي اريد ان اوجه لك سؤالا شغلني لاشهر
    هو كالتالي
    عندما تريد اثبات ان الاية التي وردت في مرفس 9ز44 او متى 28ز19 تلجا الى المخطوطات المقدسة لكي تبين ان الاية راسخة وتحتل موضعا في المخطوطة وتعترف بانها لم ترد في اقدم المخطوطات طالسينائية ادن ادا الاية لم ترد في احد المحطزطات للعتيقة جدا واثبت البحث العلمي الدقيق ورودها في بعض البرديات والمخطوطات التي تم اكتشافها حديثا اي بمعنى انها ليست اقدم من السينائية هل هده الاية تعتبر قانونية ام مجردة من القدسية

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!