الثلاثاء، 10 نوفمبر، 2009

هل النقد التاريخى مضاد للكتاب؟


"الراسخون فى العلم"
(7)
هل النقد التاريخى مضاد للكتاب؟
توماس ر. شرينر


هذه هى المقالة السابعة من سلسلة "الراسخون فى العلم"، و التى يتحدث فيها العالم توماس شرينر، أستاذ تفسير العهد الجديد بالمعهد المعمدانى اللاهوتى الجنوبى، عن منافع و أضرار النقد التاريخى للكتاب المقدس. فكما أن النقد التاريخى أفادنا كثيراً فى تكوين حياة يسوع على أساس تاريخى بحت، فقد أضر كثيراً برفضه لمفهوم المعجزة. هذا هو ما يعالجه شرينر فى هذه المقالة، التى تُرجِمت عن مرجع هذه السلسلة، الكتاب المقدس الدفاعى، ص 1465 – 1466. و يلزم توضيح مصطلحين قبل البدأ فى دراسة المقالة: الأول "التفسير العقلانى للمعجزة" و هو محاولة وضع تفسير طبيعى للمعجزة، أى إيجاد تفسير لها لا يخرج عن حدود الطبيعة، و الثانى "الفلسفة الطبيعية" و هى الفلسفة التى تتمسك بالطبيعة فقط ولا تؤمن بوجود ما هو خارق للطبيعة.


هل النقد التاريخى مضاد للكتاب؟
توماس ر. شرينر
أستاذ تفسير العهد الجديد بالمعهد المعمدانى اللاهوتى الجنوبى


النقد التاريخى للكتاب المقدس بدأ على نحو هام فى القرن الثامن عشر، و إزدهر فى القرن التاسع عشر، و أصبح هو طريقة الإقتراب للكتاب المقدس الرئيسية فى القرن العشرين. و قد رفض المحافظين النقد التاريخى فى بعض الأوقات لأنه شكك فى دقة الكتاب المقدس. مثلاً، غالبية العلماء الذى خاضوا فى حياة يسوع فى القرن التاسع عشر، وضعوا تفسيرات عقلانية ترفض الإعجاز لمعجزات يسوع. أيضاً قام عالم العهد الجديد ف. س. باؤر بالإستدلال على أن لاهوت بطرس و لاهوت بولس متناقضين إذا قمنا بقراءة العهد الجديد تاريخياً. و علماء العهد القديم، مثل يوليوس فيلهاوزن، قالوا بأن التوراة، و التى هى أول خمسة كتب من الكتاب المقدس، لم يكتبها موسى فعلاً. و قد زعموا بأن الدراسة الأدبية و التاريخية تبين أن التوراة لها مصادر متعددة كُتِبت عبر مئات السنين، و أن النسخة النهائية قد وُضِعت بيد كاتب غير معلوم.

غير أنه من الهام إدراك أن ظهور النقد التاريخى قد أفاد الكنيسة. الإيمان المسيحى متجزر فى التاريخ. و قد أظهر الله نفسه على نحو بارز فى شخص يسوع المسيح. لقد عاش يسوع و خدم فى وقت و زمان معين، فى فلسطين فى العقد الثالث من القرن الأول. إذن فنحن كمسيحيين، نعتقد بأن إيماننا المسيحى متأصل فى التاريخ. و بولس أكد على أن المسيحيين كانوا سيكونوا أغبياء إذا أعتقدوا بالإيمان المسيحى بينما لم تحدث قيامة يسوع من الموت حقاً (1 كو 15 : 12 – 19). إذن، لا يوجد أى خوف من الدراسة التاريخية، بل نرحب بها، لأننا نعتقد أن البحث التاريخى سيدعم فهمنا لرسالة الكتب المقدسة.

إن فوائد الدراسة التاريخية متعددة، فقد أوضحت معنى بعض المصطلحات الغامضة. إكتشاف مخطوطات البحر الميت ألقى الضوء على البيئة التى خرج منها العهد الجديد. دراسة الشرق الأدنى القديم و العالم اليونانى – الرومانى، قد أوضحت المدى الذى تتشابه و تختلف فيه الكتب المقدسة عن وثائق أخرى خرجت من ثقافات محيطة. و قد أثبت النقد التاريخى أن بعض الآراء التقليدية التى أُعتنِقت سابقاً غير حقيقية. فقد أعتقد البعض فى أحد الأوقات أن العهد الجديد كُتِب أصلاً بلغة خاصة للروح القدس.، و لكن دراسة المصادر التى أتت من زمن العهد الجديد أثبتت أن العهد الجديد كُتِب باللغة اليونانية العامة لذلك الزمان. و قد كانت ترجمة الملك جيمس للكتاب المقدس الإنتاج الرائع للبحث العلمى فى زمانها، و لكننا اليوم لدينا مخطوطات أكثر بكثير لكلاً من العهد القديم و العهد الجديد، و لذلك فإن كتبنا المقدسة الإنجليزية أقرب للنص الأصلى اليوم بسبب الإكتشافات المخطوطية الحديثة و العمل الواعى لعلماء النقد النصى اليوم.

لكن بينما أفاد النقد التاريخى الكنيسة، فقد وضع أيضاً بعض العوائق. ففى الحقيقة، الكثير من العلماء الذين يطبقون النقد التاريخى، قد تشربوا فلسفة التنوير التى إكتسحت اوروبا فى القرنين الثامن عشر و التاسع عشر. فكما شرحنا بالأعلى، لقد رفضوا معجزات يسوع و فسروها بشكل عقلانى. و لكن هؤلاء العلماء لم يرفضوا معجزات يسوع على أساس تاريخى، فقد قبلوا نقطة إنطلاق الفلسفة الطبيعية و التى افترضت أن المعجزات لا تحدث. رودولف بولتمان مثال رئيسى على هذه الرؤية. بولتمان قام بتعريف العمل التاريخى بطريقة إستبعدت قبول أى معجزات. و حينما نقرأ العهد الجديد، نجد أسباب تاريخية لها وزنها تدعم قيامة المسيح، لكن العديد من العلماء يرفضون حتى النظر للدليل، لأنهم مقتنعين من البداية أن القيامة من الموت لا يمكن أن تحدث. فالنزعة الأساسية، و هى الفلسفة الطبيعية، قد أعتُبِرت التاريخ الموضوعى حقاً.

النقد التاريخى طمح أن ينجح فيما سقطت فيه الأرثوذكسية. ففى القرنين السادس عشر و السابع عشر، تناظر المسيحيين الأرثوذكس حول تفسير الكتاب المقدس، مما أدى إلى إستحداث أنظمة لاهوتية متعددة، مثل: اللوثرية، الكالفينية، و الأرمينية. و قد آمن النُقاد التاريخيين أنهم كانوا أكثر موضوعية، و أنهم يستطيعون من خلال طريقة الإقتراب العلمية المحايدة أن يكتشفوا ما الذى علم به الكتاب المقدس فعلاً. و لكن مع ظهور ما بعد الحداثة، أصبحت هذه الرؤية مجرد حماقة فى نظر كل العلماء اليوم تقريباً. و تاريخ النقد التاريخى يكشف عن أنه لم ينجح فى الإتفاق على النتائج المؤكدة للبحث العلمى. ففى الحقيقة، هناك منظومة متكاملة حمقاء من الآراء و وجهات النظر موجودة فى النقد التاريخى اليوم، و الكثير منهم متناقض بالتبادل.

عمل ف. س. باؤر و يوليوس فيلهاوزن هدد إيمان المؤمنين الإنجيليين فى القرن التاسع عشر. و مع ذلك، فإن القليل جداً من العلماء اليوم يعتنق رؤية ف. س. باؤر، و هناك تشكيكات عديدة للفرضية الوثائقية التى وضعها فيلهاوزن. النتائج المؤكدة للبحث العلمى فى جيل معين، يتحداها الجيل التالى بقوة. و الإنجيليين يجب أن يكونوا منفتحين لتصحيح آرائهم. ربما نكون قد اسأنا قراءتنا لبعض الأجزاء من الكتاب المقدس بسبب تقليدنا. على الجانب الآخر، يجب أن نكون نقديين و أذكياء و أن نرفض إغراء الموضة الأخيرة فى البحث العلمى فقط لأنها هى المعاصرة.

رغم أن الإنجيليين قد قاموا بحل مشكلات وضعها النقاد التاريخيين، فإن المحافظين لم يقوموا بحل كلهم. لكن هذا لا يعنى أن الكتب المقدسة غير دقيقة فى بعض الحالات، إنما بإمكاننا حلها إذا كان لدينا معلومات أكثر كافية. و ما أقوله هنا ليس تضحية بفكر أى فرد، فالإجابات الشاملة غير موجودة فى كل فرع دراسى يتعلق بالتاريخ، لأن الدليل المتوفر متقصقص. نستطيع أن نكون شاكرين للنقد التاريخى لأنه ساعدنا على فِهم الكتاب المقدس بشكل أفضل. و لكننا يجب أن نحترس! فقد ينحرف النقد التاريخى إلى مزاعم غير مُبررة حول دقة الكتاب المقدس، و قد إقترب هذا النقد برؤية كونية مضادة للإعجاز.

لم يثبت النقد التاريخى أن الكتاب المقدس كتاب مزور، فالكتاب المقدس حينما يتم تفسيره بشكل صحيح، يصبح هو إختبار الزمان!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!