السبت، 7 نوفمبر، 2009

كيف مات يهوذا؟


كيف مات يهوذا؟ تقول الشبهة أن نص العهد الجديد يعرض طريقتين لموت يهوذا، واحدة عند متى، و الأخرى عند لوقا فى كتابه أعمال الرسل. يقول متى عن يهوذا:"فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ" (مت 27 : 5). بذلك يكون متى قد أخبر أن موت يهوذا تم عن طريق خنقه لنفسه. و لكن يقول لوقا فى أعمال الرسل نقلاً عن عظة بطرس:"فَإِنَّ هَذَا اقْتَنَى حَقْلاً مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسَطِ فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا" (أع 1 : 18)[1]. فالشبهة المطروحة إذن، أن العهد الجديد يعرض طريقتين لموت يهوذا، واحدة بالخنق و الأخرى بالسقوط على الوجه.

الأب متى المسكين يرى أن سبب هذا التناقض هو:"أن ق. لوقا يكتب بعد هذه الحادثة بما يقرب من ثلاثين سنة مع أن هذا التسجيل موضعه يوم الأربعين أي بعد الحادثة بستة أسابيع فقط. وهو يضعها هنا من عنده ليوضح لثاوفيلس أحداث ثلاثين سنة مضت. لذلك يلزم فهم المفارقة في ذلك بين ما تم بالفعل في وقته، حيث يزيد ق. لوقا - أن هذا صار معلوماً عند سكان أُورشليم - آنئذ! وليس بعد ثلاثين سنة. علماً بأن ما جاء على لسان بطرس الرسول هنا مخاطباً سامعيه كان يوم الأربعين، أي كان سامعوه يعرفون أيضاً هذه الحقيقة، لأنه لم يكن قد فات عليها أكثر من ستة أسابيع"
[2].

أنا لست مقتنعاً بهذا الكلام نهائياً، لأننى لا أرى وجود تناقض حقيقى و جوهرى بين الروايتين. فمازال تفسير أغسطينوس لهذه المشكلة هو التفسير الأمثل لحل هذا التناقض الظاهرى. ففى الحقيقة، لم يخبر لوقا أن موت يهوذا حدث بأنه سقط على وجهه، و إنما كل ما يقوله هو أن يهوذا حينما سقط على وجهه، إنشق جسده و خرجت أحشاؤه خارجاً. ولا بطرس ولا لوقا قالا بأن موت يهوذا حدث بهذه الطريقة، و لم يناقضا متى، لأن متى وضع سبب الموت أنه "الخنق". و لكن بطرس فى عظته و لوقا فى نقله، لم يتكلما عن سبب موت يهوذا إطلاقاً. و بالتالى لا يوجد سبب يجعلنا نفترض وجود التناقض بين الروايتين، فالأولى تتكلم عن سبب الموت، و الثانية تتكلم عما حدث بعد الموت: يهوذا شنق نفسه، ثم إنقطع الحبل، أو قطعه أحدهم، فسقط يهوذا على الأرض و إنشق جسده
[3].

ما الدليل على هذا الكلام؟ يقول الشق الأول من النص "فَإِنَّ هَذَا اقْتَنَى حَقْلاً مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ"، و فى الحقيقة فإن رؤساء الكهنة هم من إشتروا الحقل بالمبلغ الذى رده يهوذا إليهم، فإستنكروا أن يُوضع فى مال الهيكل، و لذلك أشتروا هذا الحقل بإسمه. الآن لو رجعنا إلى النص فى إنجيل متى، سنجد أن شراء هذا الحقل قد تم بعدما خنق يهوذا نفسه. و بالتالى يتضح أمامنا أن لوقا يتكلم عما بعد مرحلة خنق نفسه؛ و هى شراء الحقل و وصف ماذا حدث لجسد يهوذا بعد ذلك.

لا يوجد أى دليل فى النص على أن لوقا يُخبر بأن موت يهوذا كان بسبب سقوطه على الأرض؛ و هذا يذكرنا بأن نصوص العهد الجديد قد تكون متكاملة و ليس بالضرورة متناقضة. فيجب علينا أولاً أن نتحرى النصوص و القرائن المتوفرة بدقة، قبل أن نحكم على النص!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] يرى بعض المفسرين أن هذا النص ليس من متن عظة بطرس، و إنما لوقا أضافه لتوضيح الصورة.
[2] الأب متى المسكين، شرح سفر أعمال الرسل، ص 145. و أنظر تفسير العالم كيستماكر الذى يفند هذا العرض و بقية إستدلالات هذه الرؤية :
Simon J. Kistemaker, Baker New Testament Commentary: Exposition of The Acts of The Apostles, Baker: USA 1990, P. 62
[3] الغريب أن ايرمان ذكر هذا التفسير، لكنه لم يعلق عليه، و أصر على أنهما طريقتين مختلفتين للموت بلا أى دليل! أنظر:
Bart D. Ehrman, Jesus, Interrupted, P. 47

هناك 3 تعليقات:

  1. تحليل اكثر من رائع يا فادي

    هذا التحليل يكشف لنا صورة من صور الافخاخ التي تنصب لنا دائمل و نحن نقع فيها بكل سهولة.
    يأتي شخص مهاجم بشبهة معينة فيصدقها الشخض المسيحي و يحاول ايجاد تفسير او تبرير لها ، بينما التصرف السلبم هو التوقف و دراسة الموضوع دراسة دقيقة و عدم بناء اي موضوع علي معطيات غير مؤكدة بالدراسة.

    ردحذف
  2. ليس تحليلى أنا، بل هو تحليل أغسطينوس الذى يرد على شبهات اليوم!

    ردحذف
  3. هذا الشرح يكون مقبول اكثر لو اوردت ايضا الدليل على هذا الكلام : ( ثم إنقطع الحبل، أو قطعه أحدهم، فسقط يهوذا على الأرض و إنشق جسده )

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!