الجمعة، 6 نوفمبر، 2009

العصر الكاثوليكى الوسيط (1)


لا ينكر أحد مساوىء ما وصلت إليه الأحوال الكاثوليكية فى العصور الوسطى. حتى الكاثوليك أنفسهم لا ينكرون ذلك. هذه الفترة تتسم بسطوع السلطة على السطح، و هذا ما أدى إليه إختلاط الدين بالدولة. و فى هذا العصر أُستخدِمت الكنيسة كآداة للسيطرة على الشعوب، و لأجل إبراز السلطة بشكل متفوق. بدأ هذا العصر بالحروب الصليبية، التى أرادت تحقيق مطامع سياسية و اقتصادية متخفية وراء ستار الدين. ثم فى شهر نوفمبر من عام 1229م، ظهرت للوجود محاكم التفتيش، و التى يصفها فيليب شاف:"محاكم التفتيش كانت عبارة عن مؤسسة بابوية تماماً، تم تشكيلها بكل تفاصيلها على أيدى بابوات القرن الثالث عشر، بدايةً من إينوسينت الثالث، و لكنها لا تنتهى فقط بعصر بونيفاس الثامن" (فيليب شاف، تاريخ الكنيسة المسيحية، المجلد الخامس، إصدار ايردمانز 1957، ص 517). و كون محاكم التفتيش وليدة العباءة البابوية فى الكنيسة الكاثوليكية، و لذلك دُعِيت بـ "المكتب المقدس"، كفيل بأن يجعل كل فرد يدرك ما الذى سيترتب على نشاطها. و قد كان أهم ما قرره مجمع تولوروس، الذى وضع فكرة إيجاد المحاكم التفتيشية، هو قانونه الرابع عشر، و هو القرار التالى:"إننا نقرر منع كتب العهد القديم و الجديد عن العلمانيين، إلا من كان منهم يريد إقتناء كتاب المزامير أو الأجبية أو ساعات العذراء الطوباوية، و لكننا نحرم تحريماً باتاً ترجمة أى جزء من أجزاء الكتاب الأخرى إلى اللغات الدارجة" (أندرو ميلر، مختصر تاريخ الكنيسة، ص 345). فلم يكن غريباً علىّ أبداً و أنا أشاهد فيلم "ثورة الكتاب المقدس"، و الذى للصدفة الغريبة قد عرضه المسيحيين أولاً قبل الآخرين (فى قناة سات 7)، أن أرى كل ما حدث للعناصر الأولية جداً فى قيام حركة الإصلاح. لكن ما يجب أن نفهمه جيداً، هو أنهم لم يفعلوا ذلك لأن الكتاب المقدس به شىء عقيدى يخافون منه. ليس مثلاً أن الكتاب المقدس يعلم بإنسانية المسيح فقط، فخافوا من إطلاع العامة عليه فيكتشفون الحقيقة. هذا غير حقيقى، و إستخدام هذا الفيلم لترك هذا الإنطباع، هو تزوير فى الحقائق التاريخية. إنما كان الهدف الحقيقى من وراء ذلك، هو ما يمكن تلخيصه فى كلمات ميلر:"كان أهم أغراض محكمة التفتيش إبعاد الناس إبعاداً تاماً عن النور الإلهى، و جعلهم فى ظلام دامس فيما يختص بمشيئة الله فى الأمور الروحية، حتى بذلك تستمر سلطة الإكليروس" (المرجع السابق). ليس لسبب عقيدى، و إنما الممارسات الروحية نفسها، و كيفية إبتزاز الشعب من خلال السلطات الغير كتابية التى منحها الإكليروس لنفسه. أشهر مثال على ذلك هو "صكوك الغفران". و فى إيجاز شديد، يمكن سرد قصة صكوك الغفران و بدايتها بأنها:"إكتشاف معين ولا ينضب، أو كنز لا يفرغ فى الكنيسة يمكن بواسطته غفران الخطايا دون حاجة إلى التوبة وما يلازمها من أعمال قاسية و مذلة، و بدون الإلتجاء إلى ممارسة الأسرار المقدسة، فلقد إدعى مخترع هذه البدعة الكبيرة أنه يوجد كنز من الفضائل فى المسيح و فى العذراء مريم و القديسين الآخرين، أكثر مما هو لازم لهم. و مع أنه قِيل إن المخلص نفسه هو مصدر جميع هذه الفضائل، إلا أنهما أشادوا كثيراً بفضائل القديسين، مما أدى أخيراً إلى الفكرة الجديدة الخاصة بالأعمال التطوعية أو الأعمال الزائدة عن المطلوب. فقِيل أن القديسين بأعمال تنسكهم و تقشفهم و بآلامهم التى لم يكونوا يستحقونها فى هذا العالم، قد عملوا أكثر مما كان لازماً لخلاص أنفسهم" (المرجع السابق، ص 301 – 302). هذا الرصيد الضخم من أعمال القديسين الصالحة، يمكن أن يستفيد به بقية المسيحيين، و لكن من خلال البابا فقط. هكذا، نشأت قصة صكوك الغفران التى تُقدم مقابل المال! و سواء نظرنا فى مسألة تحريم نشر الكتاب المقدس، أو مسألة صكوك الغفران، أو أى من الأمور الأخرى البعيدة كل البعد عن روح الإيمان و فكر المسيح، فإن هذا لم يكن لسبب عقيدى أبداً؛ و إنما الأسباب كلها كانت أسباب تتعلق بالممارسات الروحية و السرائرية التى يجب أن يسير عليها الشعب دائماً. و الهدف من إستغلال هذه الممارسات، هو فرض السلطة و ما يأتى من خلفها من منافع دنيوية تعود على قادة الإكليروس نفسهم. و مع ذلك، فالكاثوليك لم يقوموا بتحريف الكتاب المقدس، و لم يغيروا شىء فيه. إن كل ما فعلوه، و كل ما يسجله التاريخ عليهم، و كل ما يقول به فيلم ثورة الكتاب المقدس، هو أنهم حرموا تداوله فقط! فما هى نقطة الإحتجاج بالضبط من تحريم الكاثوليك لتداول الكتاب المقدس؟ هل هو إتهام للكاثوليك أم للكتاب المقدس؟ لم يخبرنا أحدهم من هو المُدان بالضبط فى هذه القضية! و يُعاب فى السرد العربى للقضية أنه أبرز قضية تحريم نشر الكتاب المقدس منفردة مُقتطعة من سياقها التاريخى، و هو السياق الذى يجعل الفرد يفهم أن هذا التصرف لم يكن هدفه الكتاب المقدس بحد ذاته كمصدر عقيدى، و إنما هو سلوك عام و منهج كامل فى الحياة الكاثوليكية فى العصر الوسيط. هذا السلوك العام هو مخالفة ما يقرره الإكليروس، و الذى دافع عنه حتى توما الإكوينى قائلاً أن الهراطقة لا يستحقون فقط الإنقطاع عن العضوية الكنسية، و إنما حتى الإنقطاع عن الوجود الأرضى بالموت العادل (الخلاصة اللاهوتية 2 : 2 : 11). فنعم، تعرض كبار رجال حركة الإصلاح لأهوال عظيمة. و نعم، كان للوثر كل الحق فى القيام بالإنقلاب على الكنيسة الكاثوليكية. و لكن كل هذا لا يعنى أن الكتاب المقدس كان به شىء عقيدى يُخشى إنكشافه و ظهوره للعامة. محاكم التفتيش لم تكن مختصة فقط بمعاقبة كل من ينشر الكتاب المقدس، فهذه كانت مجرد واحدة من ضمن العديد مما إعتبرته الكنيسة الكاثوليكية فى ذلك الوقت "هرطقات". و فى الحقيقة لم يكن خطر نشر الكتاب المقدس بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية هو شىء ما يختص بالكتاب المقدس فى حد ذاته، بقدر ما أنه هو رفض نواة الإصلاح لسلطة الكنيسة، و مناداتهم بأن السلطة الأولى و الاخيرة فى المسيحية للكتاب المقدس فقط. هذا هو ما نادى به ويكليف نفسه، و هو نفس السبب الذى دفعه إلى ترجمة الكتاب المقدس. و هذا الإنكار كان يمثل الخطر الرئيسى الذى شعر به الإكليروس الكاثوليكى فى ذلك الوقت. و مع الوقت، و بظهور لوثر، يتفجر هذا الإنكار كالشهادة الرئيسية لحركة الإصلاح، متمثلة فى شعارهم "الكتاب المقدس فقط". هذا الإنكار الذى يتحدى سلطة الكنيسة، أدى فيما بعد إلى إنعقاد مجمع ترينت، و الذى شرح فيه المجمع سبب تحريم نشر الكتاب المقدس من خوف الكنيسة من إستخدام الهراطقة للنصوص حسبما يريدون. لقد خرج الكتاب المقدس الآن فوق دائرة الإتهام، و أمسى الأصدقاء يحاكمون البشر، متناسين أنه لا يوجد إنسان كامل. و رغم كل ذلك، فقد شهد عصرنا الحديث علامة فارقة فى تاريخ الكنيسة الكاثوليكية. فعلى مدى ثلاث سنوات، قامت لجنة من الكنيسة الكاثوليكية بصياغة إعتذار عما إرتكبته الكنيسة الكاثوليكية فى العصور الوسطى من مآسى متعددة. إختار البابا يوحنا بولس الثانى الكاردينال جوزيف راتزنجر ليترأس "اللجنة اللاهوتية الدولية"، و بعد ثلاث سنوات صدرت وثيقة الإعتذار فى تسعين صفحة فى الأول من مارس لعام 2000 م، تحت عنوان "الذاكرة و الصلح: الكنيسة و أخطاء الماضى". و قد كتب قداسة البابا يوحنا بولس الثانى عبارته الشهيرة:"نلتمس العذر لما سببناه من إنقسامات بين المسيحيين، لإستخدام العنف الذى اقترفه البعض كأنه خدمة للحق". و الآن، فقد أصبح راتزنجر رئيس الكنيسة الكاثوليكية، البابا بنديكتوس السادس عشر. أخيراً، فإن الكاثوليك لم يحرفوا الكتاب المقدس، و لم يغيروه و لم يبدلوه، بل كل ما قاموا به هو مجرد عمل سياسى بحت. و اليوم، فأكبر علماء النقد الكتابى هم من الكاثوليك. و أفضل ترجمة تخص طائفة معينة هى ترجمة أورشاليم التى أتمها العلماء الكاثوليك أنفسهم. فلماذا يدين الإنسان أخيه؟ و هل يعتقد أنه أفضل حالاً؟ و هل يتخيل أن تاريخه مشرق لا يوجد فيه ظلام؟ إطلاقاً، لأنه ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحد. فلينظر كل شخص نفسه أولاً، و ليدين نفسه أولاً، و يحاسب تاريخه أولاً، قبل أن يدين الإنسان المثيل له. و إن كان يظن أن حاله أفضل حالاً، فهو مازال يحتاج أن يعرف من الذى أحرق كتابه المقدس بلغته الأصلية؟ أخيراً، لقراءة أخرى فى تاريخ محاكم التفتيش، يُراجع ما كتبه ابن العرب بعنوان "محاكم التحقيق" فى نادى الفكر العربى، هنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!