الأربعاء، 4 نوفمبر، 2009

سوء اقتباس النقد النصى


سوء اقتباس النقد النصى
مايكل ج. كروجر
ترجمة: فادى اليكساندر


هذا التعليق على سوء إقتباس يسوع، يُعد واحد من أهم التعليقات على الإطلاق. كروجر يناقش مسائل جذرية جداً فى النقد النصى و كيفية تعامل ايرمان معها فى كتابه المذكور. و قد كان لهذا التعليق أهمية خاصة عندى، إذ أنه هو الذى فتح عينىّ على مشكلة ايرمان الحقيقية مع نص العهد الجديد، بعد دراسة لفكره إستمرت لسنوات! (أنظر هذا الموضوع). تمت ترجمة هذا التعليق بإذن من المؤلف و الناشر
[1].


سوء اقتباس النقد النصى
مايكل ج. كروجر
أستاذ العهد الجديد
عميد المعهد اللاهوتى الإصلاحى
شمال كارولينا، الولايات المتحدة


لقد كانت هناك مناقشات طويلة فى عالم النقد النصى حول الدرجة التى غيّر بها النساخ مقاطع العهد الجديد عن عمد ليكيفوها بشكل أقرب إلى معتقادتهم اللاهوتية. و حتى بعدما قال ويستكوت و هورت جملتهما المشهور بأنه:"لا يوجد أى علامات لتغيير مقصود للنص لأسباب عقائدية" (مقدمة للعهد الجديد اليونانى، ص 282)، فقد كان هناك مجموعة من العلماء أظهرت العكس. و فكرة التغييرات النسخية المدفوعة بأسباب لاهوتية تعود إلى كيرسوب ليك و ريندل هاريس، و حديثاً إلى ايلدون إيب و كتابه المعروف "العادات اللاهوتية فى المخطوطة كانتابريجنسيس فى أعمال الرسل. و بارت ايرمان قد إلتحق بهذه المجموعة فى كتابه الحديث "سوء اقتباس يسوع"، و يحتج بأن النساخ فى الكنيسة الأولى، لم يكونوا فقط نساخ غير مهتمين نقلوا النص بشكل ميكانيكى كما هو أمامهم، و لكن بشكل ما، أكملوا "كتابة" نص العهد الجديد بتغييره ليتوافق مع التحديات اللاهوتية و الإجتماعية فى يومهم. و بالتأكيد قد كتب ايرمان حول هذا الموضوع مرات عديدة من قبل - خاصةً فى كتابه التقنى الإفساد الأرثوذكسى للنص المقدس" - و قد أصبح هذا هو الشكل الرئيسى لعمله الأكاديمى. ايرمان ينعى حقيقة أن القراءات النصية دائماً يتم التغاضى عنها و التنزيل منها كمجرد قصاصات من بين أرضية واسعة و يحتج بأننا يجب أن ننظر إليهم كنافذة على تاريخ المسيحية القديمة و النضالات و التحديات التى واجهتها.

و على العكس من كتابات ايرمان السابقة، فإن "سوء اقتباس يسوع" قد كُتِب لمستمعين أكثر شعبية، و يبدأ الكتاب لا بعمل مسح للأعمال الأكاديمية حول الموضوع، و إنما بشكل ما من الإختبار الشخصى لإيرمان نفسه، يضم تحوله من إنجيلى أحمق فى معهد مودى و كلية ويتون، إلى عالم متنور فى معهد برينستون. فقد وصف كيف أن دراساته الأولى فى النقد النصى التى جعلته يعنى بالأخطاء النسخية، جعلته يغير نظرته للعصمة و التى من الممكن أن تسقط بهذا الشكل. فبعد الإقرار الأخير بأن الكتاب المقدس يحتوى على أخطاء، قال ايرمان أن "الحواجز قد زالت"، و بدأ فى تغيير نظرته للكتاب المقدس بشكل راديكالى، متوصلاً فى النهاية إلى أن الكتاب المقدس كان "كتاب بشرى من البداية للنهاية" (ص 11). إختبار ايرمان الشخصى فى المقدمة، رغم أنه مشوق، لكنه قاسى على القراء بإعتباره خرج من شخص له دور فى العلم الأكاديمى - ففى النهاية، أليس أمر غير شرعى على الإنجيليين أن يعتمدوا على خبراتهم الشخصية فى عملهم العلمى؟ و لكن بشكل ساخر، فبينما يبعد ايرمان نفسه عن ماضيه الإنجيلى، فإنه يدخل بالفعل فى نفس الطريقة لينقد الإنجيلية أمام القارىء، و يأمل أن يقنع القارىء "الحرفى" (ص 14) و "الأصولى" (ص 6) و "الذى يسير فى إتجاه واحد" (ص 13) بأنه يجب أن يعيد النظر فى رؤيته للنص المقدس و يتبنى نظرته هو. و إعتماد ايرمان على رحلته الشخصية يضع أجندته عبر الكتاب أمامنا، و هى: إستخدام النقد النصى كوسيلة لتحدى العقيدة الإنجيلية فى النص المقدس.

و رغم أن سوء اقتباس يسوع مُقسم إلى سبعة فصول مختلفة، فإن إحتجاج ايرمان الفعلى يظهر فى أفضل صورة فى ثلاثة أجزاء. سنناقش الآن هذه الثلاثة أجزاء معاً. أولاً، ايرمان يبدأ نقده للعهد الجديد بقوله أن النساخ فى المسيحية الأولى - و أول ثلاثة قرون بالتحديد - لم يكونوا فى مقوف يسمح لهم بإنتاج نسخ يُعتمد عليها، حيث أنهم لم يكونوا نساخ محترفين و إنما ببساطة مؤمنين متعلمين فقط (بل و حتى البعض منهم غير متعلم!) و الذى آرادوا أن يجربوا. و أكثر من ذلك، يقول ايرمان أن النشاط النسخى بشكل عام كان "بطىء و غير دقيق، حتى أن النسخ التى أُنتِجت ستنتهى بالتأكيد مختلفة بوضوح مع الأصول" (ص 46). و هناك إجابتين على هذا الموضوع: (1) إذا كان إنتقال المخطوطات بشكل عام هو كما يصفه ايرمان فى العالم القديم، فإننا نتعجب كيف أن التاريخ القديم بأكمله لا يوجد فيه خطر أو فقدان الثقة فيه. فى الحقيقة، إذا كان الإنتاج المخطوطى كان بهذا الشكل، فإننا لا نمتلك أى دليل لنقبل أى من الأحداث القديمة بأى شكل من الثقة - و هذا دون ذكر أى من الشهادات القديمة جداً التى يعتمد عليها ايرمان ليُشير إلى أن النشاط النسخى غير موثوق فيه (و هى الشهادات نفسها المحفوظة فى مخطوطات!). و بالتأكيد ايرمان لا يشكك فى أصالة هذه الشهادات، و لكن واضح أنه يريد أن يشكك فقط فى المخطوطات المسيحية. (2) فى سبيله للإحتجاج إنتخابياً ضد المخطوطات المسيحية، فإن ايرمان عليه أن يظهر أن النسخ المسيحى كان أسوء من الكل، و الذى حاول أن يثبته بقوله أن النساخ المسيحيين كانوا غير محترفين (و فى بعض الأوقات غير متعلمين حتى) و لهذا كان عرضةً للأخطاء. و فى هذه النقطة، يعتمد ايرمان بشدة على دراسة واحدة من تلاميذه فى الدكتوراه، و هى كيف هاينز إيتزين، و دراستها "حراس الحروف". غير أن هاينز إيتزين تم إنتقادها نظراً لأنها تضع فرق خاطىء بين عمليات النسخ الرسمية و النسخ غير المُحترف، و كأنه لا يوجد سوى هذين الخيارين فقط. فحتى لو لم يكن هناك حجرات النسخ الرسمية فى القرن الثانى (و نحن لسنا واثقين من ذلك)، فإن هناك عوامل جوهرية تبين بأنه كانت هناك عملية إنتقال للنص منظمة، مرتبة، و موثوق فيها عند المسيحيين الأوائل. مثلاً، أدرك العلماء لوقت طويل بأن الإستخدام الفعلى للشكل الكتابى Codex فى المسيحية الأولى بأكملها، بعكس إستخدام اللفائف، يظهر درجة حازمة من التكوين المُوحد فى النسخ. بالإضافة إلى ذلك، الخواص النسخية مثل إستخدام إختصارات الأسماء المقدسة، و الموجود تقريباً فى كل المخطوطات المسيحية القديمة، و حتى فى مخطوطات القرن الثانى، تظهر أن:"درجة من التنظيم، التخطيط الواعى، و وحدانية التطبيق كانت موجودة فى المجتمعات المسيحين و التى لا يوجد لدينا سبب للشك فيها، و التى تلقى ضوء جديد على التاريخ القديم للكنيسة" (ت. س. سكيت، الغنتاج المسيحى القديم للكتاب، فى تاريخ الكتاب المقدس، تحرير ج. هـ. لامب، ص 73). و هناك كتب حديثة، مثل كتاب ديفيد تروبيش "الإصدار الأول للعهد الجديد"، قد أكملت مناقشة هذه الخواص و الدرجة الملحوظة فى التماثل فى النشاط النسخى المسيحى القديم. وبلا سبب، فإن برهان نصى كهذا قد تم تجاهله من قِبل ايرمان بمنتهى البساطة، و التقليل من شأنه من قِبل عاينز ايتزين، بغرض تضخيم الإدعاء بأن النشاط النسخى المسيحى كان غير موثوق به.

إحتجاج ايرمان العام الثانى، و المنتشر عبر عدد من الفصول، هو أن المخطوطات نفسها مليئة جداً بالأخطاء النسخية و عدم التماسك، حتى أنه لا يمكن الثقة فيهم. و يشعر القارىء بمدى الإثارة التى يضعها ايرمان فى وضعه أعداد ضخمة من القراءات النصية، و يبدو أن ايرمان يتوقع من القراء أن يُصدموا بهذه العبارات "يقول البعض أنه هناك 200 ألف قراءة معروفة و البعض يقول 300 ألف و البعض يقول 400 ألف و أكثر" (ص 89). بل إنه يعتمد حتى على إصدار جون ميل للعهد الجديد اليونانى فى عام 1707، و بشكل خاص على تعليقه النصى، حيث قام ميل بتحديد ثلاثين ألف إختلاف نصى فى المخطوطات التى يمتلكها. و يكمل ايرمان ليؤكد "مشكلة" القراءات النصية بوضعه تاريخ مُختصر للنقد النصى فى الفصل الرابع، مشدداً على كيف أن العلماء تصارعوا عبر السنين ليكتشفوا طريقة لإعادة تكوين النص الأصلى للعهد الجديد. و مرة أخرى، فهناك عدة تعليقات هنا. (1) يستخدم ايرمان الأرقام هنا بشكل مضلل، لأنه فى ولا مرة يوضح للقارىء بأن الغالبية، الغالبية العظمى من هذه الإختلافات النصية هى إختلافات نموذجية، إختلافات نسخية لا تؤثر فى سلامة النص على الأقل (مثل الخطأ فى التهجئة، ترتيب الكلمات، حذف كلمات...إلخ). و فى الحقيقة، فور أن يكتشف أى شخص أن هذه التغييرات هى جزء طبيعى جداً فى إنتقال أى وثيقة تاريخية، فلا يعود لهم أى صلة بمناقشة مصداقية العهد الجديد، و إلا فإن التاريخ القديم بأكمله سيقع فى دائرة الشك. هذه القراءات يجب أن نتوقع وجودها فى أى وثائق تاريخية، و ليس وضعها بهذا الإفتراء. لكن هذا هو بالضبط ما يرفض ايرمان أن يعلنه للقارىء. (2) و أيضاً إستخدام ايرمان لوابل الأرقام لا يضع فى الحسبان الرقم الكبير للمخطوطات التى نمتلكها. فلو أننا نمتلك فقط خمسة مخطوطات للعهد الجديد، فسيكون لدينا عدد قليل جداً من القراءات. لكننا نمتلك أكثر من خمسة آلاف مخطوطة يونانية فقط (دون ذكر الترجمات المختلفة)، و ذلك أكثر من مخطوطات أى وثيقة من العالم القديم.و لهذا فإن أى إحصاء مجرد للقراءات سيكون مضللاً؛ فبالتأكيد سيزداد العدد كلما سيزداد عدد المخطوطات. و لهذا فإن المسيحية ضحية نجاحها! فبدلاً من أن يكون العدد الضخم للمخطوطات دليل تاريخى إيجابى لأصالة العهد الجديد، يقلب ايرمان الدليل ليجعله دليل متحيز. و للأسف، فإن الذى تُرِك فى الظلام هو القارىء العادى. فى صفحة 87 يعترف ايرمان حتى بهذه النقطة، و التى وضعها بينتلى اصلاً من سنين مضت، و لكنه لا يقدم إجابة لها أبداً. (3) بالإضافة إلى كل هذه الإعتبارات، لا يذكر ايرمان أبداً أن الغالبية العظمى من هذه القراءات النصية من السهل تحديدها و تصحيحها جداً. بل إن علم النقد النصى بكامله، و الذى يشترك فيه ايرمان، مشغول بهذه المهمة. لكن الإنطباع الذى يعطيه ايرمان أن هناك 400 ألف قراءة موجودة، و نحن لا نعرف ماذا كان النص الأصلى و ماذا لم يكن، ملقياً العهد الجديد بكامله فى غموض تام. و هذا ببساطة تضليل. ايرمان يريد أن يضع موضوع كامل عن النقد النصى، ثم يرجع ليناقض نفسه أيضاً. فعلى الجانب الأول، ايرمان يريد أن يقول أن منهجيات النقد النصى موثوق بها و يمكن أن تعرفنا ما هو النص الأصلى و ما هو ليس النص الأصلى، و إلا فإنه لن يكون قادراً على تحديد التغييرات التى تمت لأسباب لاهوتية كما يقول فى الفصل السادس. و لكن على الجانب الآخر، يريد أن يبقى النص الأصلى للعهد الجديد فى غموض و شك ولا يمكننا الوصول له، مما يجعل يقول أن منهجيات النقد النصى لا يمكن لها أن تتوصل إلى نتائج حقيقية فعلاً. أى خيار هو الحقيقى؟ هذه الطريقة بأكملها فى المناقشة ليست منظمة لكى تضع وضوحاً حول الموضوع، و إنما لكى تعكره، بحيث أن القارىء المرتبك يقع فى شكوك حول العهد الجديد بأنه لا يمكن الثقة فيه. (4) إعتماد ايرمان على دراسة ميل يثبت أنه مضلل أيضاً. فالثلاثين ألف قراءة الذين إكتشفهم ميل ليسوا فى المخطوطات اليونانية فقط، و إنما من ترجمات أخرى و إقتباسات من آباء الكنيسة أيضاً. رغم ذلك، فإنه من المعروف أن مقارنة المخطوطات اليونانية مع مخطوطات بلغات أخرى و إقتباسات آباء الكنيسة، ليس هو نفس الشىء بمقارنة المخطوطات اليونانية مع بعضها البعض. الترجمة من لغة إلى أخرى تعنى إستحداث كل أنواع القراءات، و أنظر فقط إلى الإختلافات بين ترجماتنا الإنجليزية للعهد الجديد، و آباء الكنيسة معروفين بإقتباساتهم الفضفاضة للعهد الجديد، لأنهم كانوا يقتبسون من الذاكرة، و إعادة صياغة الإقتباسات. إذن فمرة أخرى، الأرقام التى يستخدمها ايرمان ليست صحيحة. و فى النهاية، إذا وضع الفرد فى الحسبان كل هذه الإعتبارات التى أشرت لها هنا - و هى طبيعة هذه القراءات، العدد الضخم لمخطوطات العهد الجديد، القدرة على تحديد القراءة الأصلية - إذن فإن المشكلة المشئومة الخاصة بالقراءات النصية التى وضعها ايرمان، سوف تنكمش إلى حجمها الطبيعى. و بعد ذلك فإن موضوعات النقد النصى يُمكن النظر لها بعدل، بعيداً عن الأساليب البلاغية التة يستخدمها ايرمان. و حينما نقوم بذلك، سيتضح لنا أن القراءات النصية، رغم أننا يجب أن ننظر فيها، فإنها لا يمكن أبداً أن تهدد السلامة العامة لنص العهد الجديد.

الإحتجاج الثالث الذى وضعه ايرمان - و هو العمود الفقرى لطرحه - هو أن النُساخ لم يغيروا فقط النص بشكل عفوى و إنما غيروا النص عن عمد لأسباب لاهوتية. و بإختصار، هذا الجزء الموجود بشكل رئيسى فى الفصل السادس، هو ببساطة تلخيص مُختصر لكتابه الإفساد الأرثوذكسى للنص المقدس، حيث تعامل مع التغييرات اللاهوتية بمختلف أنواعها: ضد التبنويين، ضد الدوسيتيين، و ضد الإنفصاليين التى دخلت على النص. و رغم أننى لست مقتنعاً بالأساس المنطقى لوسيلة ايرمان النقد نصية، فإنه يوجد عدة أسباب جيدة للتفكير فى وجود تغييرات نصية فى التقليد النصى تعكس إهتمامات لاهوتية - وهى النقطة التى لاحظها العلماء لأجيال عديدة. غير أن المشكلة ليست فى مدى كون ايرمان محقاً فى تحليله حول هذه النقطة، بل مدى كونه محقاً فى الإستنتاجات التى يستقيها من تحليله. و الفرد يشك فى أن هدف ايرمان من مناقشة هذه الحقيقة هو أن يكمل إلقاء الشكوك للقارىء حول هل يمكن لعملية إنتقال العهد الجديد يمكن الثقة فيها. و هذا واضح من أن ايرمان لو أستطاع أن يثبت أن النساخ لم يكونوا محايدين دائماً، و غير متحيزين، ولا تحركهم عواطفهم، و نقلوا النص بشكل آلى من صفحة لأخرى (رغم أننى لا أعلم من لديه هذا المفهوم عن النُساخ أصلاً)، إذن فإننا سنكون محقين فى رفض أى إدعاء بأن نص العهد الجديد قد نُقِل سليماً. غير أنه يوجد عدة إعتبارات يجب النظر فيها. (1) مرة أخرى الأهمية التى تكمن فى عدد هذه الخلافات لم يتم توضيحها. التغييرات العمدية اللاهوتية هى عدد قليل جداً جداً من القراءات النصية للعهد الجديد، و لهذا فوزنها الطبيعى هو أن لها أهمية قليلة جداً لتحديد حالة إستقرار النص بشكل عام. فى الحقيقة، الغالبية العظمى من النساخ لم يغيروا النص عن عمد حينما شعروا أنهم يريدون ذلك. و هنا تأتى إدعاءات ايرمان حول الأرقام فى الفصول السابقة كعامل ضده. إذا كان رقم القراءات حقاً عالى جداً كما يدعى، 400 ألف قراءة، إذن فالتغييرات التى تمت بأسباب لاهوتية تمثل رقم ضئيل جداً من هذه الكمية، مما يجعل الفرد يتعجب: لماذا قد تمت مناقشتهم بالأساس؟ فلا يجب أن نستغرب إذن بأن مناقشات الأرقام تختفى تماماً من هذا الفصل، لأنهم بالتأكيد يقفون ضد نقطة ايرمان و ليس معها. (2) بالإضافة إلى ذلك، فإن الأهمية اللاهوتية لهذه التغييرات، قد غالى فيها ايرمان بشدة. مثلاً، هل نحن نعتقد أن سلامة العهد الجديد تعتمد على نص لو 2 : 33 هل يقرأ "أبوه و أمه" أم "يوسف و أمه"؟ أو ليس يوسف هو الأب القانونى ليسوع؟ ألم يتم توثيق الميلاد العذراوى حتى فى نفس الإنجيل (لو 1 : 35)؟ بل أنه ليس أمراً أكيداً أن هذا التغيير قد تم بدافع لاهوتى، أو ليس من الممكن أن يكون الناسخ قد إستخدم مصطلحين مترادفين فقط؟ كيف لإيرمان أن يعرف دوافع الناسخ بأى شكل يقينى؟ قراءات كهذه مثل لو 2 : 33 قد تكون مشوقة فى ذاتها، و لكنها بالتأكيد ليس لديها الكثير لتشكك فى هل رسالة العهد الجديد قد تسلمت لنا بدقة. (3) حتى لو أن الفرد قد سلم بكل إحتجاجات ايرمان الفردية حول هذه القراءات النصية المتنوعة، فإننا نتعجب ما الذى ستحققه هذه الدراسة. بكل تأكيد إنها لن تغير النص اليونانى النقدى الذى نستخدمه فى البحث العلمى المعاصر أو الكنائس بأى شكل جوهرى، لأن ايرمان يحتج بأن كل قراءة من هذه القراءات ليست أصلية. و لهذا فحتى لو أن نثساخ معينين غيروا النص بدافع كهذا فى عقلهم، فأننا لدينا مخطوطات كافية لموقفنا، حتى أننا نستطيع تحديد هذه التغييرات حينما يحدثون و نعينهم كإضافات. و لكن ربما يقول ايرمان أن تحديد هذه القراءات سيساعدنا على فهم طبيعة المناظرات اللاهوتية بين المسيحيين فى المسيحية الأولى. و لكن هل هذه القراءات تقدم لنا أى معلومة جديدة حول هذه المناظرات نحن لا نعرفها بالفعل من المصادر الآبائية التفصيلية؟ و إذا كان هدف هذه الدراسة هو فقط بيان أن النُساخ قد غيروا النص لأسباب لاهوتية، أليس هذا قد تم بالفعل فى أعمال ليك، هاريس و إيب سابقاً؟ لهذا فإن الفرد يتعجب ما هو غرض ايرمان حقاً من مناقشة هذا الموضوع ثانيةً و ثانيةً. ربما لديها القليل لتقوله حول سلامة العهد الجديد، و لكن لديها الكثير بإعتمادها على مشاعر القارىء. و فى النهاية، يمكننا أن نرى كيف أن القارىء العادى الذى لا يوجد لديه كل الحقائق سوف ينزعج بأن النُساخ قد غيروا النص عمدياً لأسباب عقائدية. و على السطح، فإن هذا الإحتجاج مؤثر جداً فى إثارة الشكوك فقط. و لكن مدى كونه مؤثراً فعلاً فى تحدى الموثوقية الفعلية للعهد الجديد، فهذا موضوع آخر!

فى ختام سوء اقتباس يسوع، يضع ايرمان ملاحظة أخيرة تستحق النظر إليها هنا. يقول ايرمان أننا لا يجب ان نكون قاسيين فى الحكم على النساخ الذين غيروا العهد الجديد، لأن أى شخص يقرأ العهد الجديد سوف يغيره بتفسيره بطريقة تفكيره. و لهذا فلا يوجد شىء اسمه تفسير "صحيح" للنص، لا يوجد تفسير معيارى، فالمعنى يكون عند القارىء، لأن "قراءة النص تعنى بالضرورة تغيير النص" (ص 217). و أنا أعتقد أننا هنا نصل إلى قلب سوء اقتباس يسوع. العهد الجديد بحسب ايرمان يفتقد السلطة بسبب كل النساخ الذين غيروه، و لكن هذا لا مشكلة فيه لأن هذا ببساطة يذكرنا أننا لا يجب أن نبحث عن أى سلطة فى النص. السلطة و التفسير هما شىء خاص بالقارىء، و ليس النص. القراء يمكنهم أن يلحقوا معناهم الخاص بحسب العالم الذين يعيشون فيه. و لكن إذا كان هذا حقيقى، فنحن بالتأكيد نتعجب لماذا كتب ايرمان هذا الكتاب أصلاً. إذا كان المعنى يقبع حقيقةً فى عقل القارىء، فلماذا ينزعج بالتواصل عبر كلماته المكتوبة فى كتابه؟ أنا اتخيل ايرمان لن يكون راضياً إذا كان القراء فهموا أى شىء آخر يريدونه من كلماته. لا، كتاب ايرمان يبين لنا أنه يزعم وجود واقع مُتفق عليه مع القارىء حيث أن الكلمات تعنى أشياء، و النصوص يُمكن أن تُفهم بما فيها كتابه. فلكى يحتج ايرمان أن النصوص لا معنى داخلى لها، بينما يكتب هو نفسه كتاب، فإن هذا يعنى شىء واحد فقط: النص الوحيد الذى يريده ايرمان يبقى لا معنى له هو العهد الجديد فقط.

تلخيصاً لما قلناه، سوء اقتباس يسوع عبارة عن نظرة ممتعة لعلم النقد النصى بعين إنجيلى سابق إقتنع أنك لا تستطيع أن يكون لديك قراءات نصية و فى نفس الوقت كتاب مقدس سلطوى. و هذا يبدو صلب الموضوع بالنسبة لايرمان. أعتقد أنه ليس كمية القراءات هى المشكلة (رغم أنها جزء منها بالفعل)، بل وجود أى قراءة تماماً. يوضح ايرمان فى الخاتمة:"إذا كان (الله) يريد الناس حقاً أن يمتلكوا كلمته، فكان عليه بالتأكيد أن يحفظ هذه الكلمات بشكل إعجازى، تماماً كما أوحى بهم إعجازياً أولاً" (ص 211). بكلمات أخرى، إذا كان الله قد أوحى بالعهد الجديد حقاً، فلا يجب أن يكون هناك أى قراءات نصية على الإطلاق. هذا هو الإقرار الصادم من ايرمان الذى يكشف المشكلة الجوهرية فى سوء اقتباس يسوع. ايرمان يبنى على تعريف الوحى الذى حدده بنفسه و هو الأمر الذى يعنى أنه معيار إستبدادى و غير منطقى، لا يمكن الإلتقاء معه فى أى نقطة. هل يتطلب الوحى حقاً أنه بمجرد ان تمت كتابة كتب الكتاب المقدس، أن الله عليه أن يضمن بشكل إعجازى أنه لا أحد إطلاقاً سيكتبه بشكل خاطىء؟ هل يجب علينا أن نؤمن بأن الوحى يتطلب أنه لا يوجد أى رجل ناضج، ولا طفل، ولا ناسخ، ولا عالم، ولا أى شخص، يمكن أن يكتب أى نص من الكتاب المقدس و يسقط كلمة منه بطول التاريخ البشرى بأكمله؟ أم أن ايرمان قد حرًّم على الله أن يعطى وحياً للبشر حتى يخترع جوتنبرج الطباعة؟ مع ذلك، فحتى هذه بها أخطاء ايضاً. هل كان ايرمان سيكون راضياً إذا كان العهد الجديد قد نزل من السماء على ألواح ذهبية و ليس عن طريق مراحل تاريخية عادية؟ أعتقد انه كان سيبدى إعتراضه قائلاً أن العهد الجديد لا يحمل علامات المصداقية التاريخية. يبدو واضحاً أن ايرمان بحث وثائق العهد الجديد و هو لديه قناعة مسبقة أن الوحى يعنى إنعدام وجود القراءات النسخية، و هو المعيار الذى يستحيل أن نجده فى العالم التاريخى الواقعى فى القرن الأول. مما يدعو للسخرية، أنه رغم أن ايرمان يدعى حرصه على التاريخ الواقعى، فإن نظرته الخاصة للوحى، بحسب تعريفه، يمنع العهد الجديد من أن يكون من الله و فى نفس الوقت ذو صلة بالتاريخ الحقيقى. لهذا لا نستعجب من خاتمة كتاب ايرمان، أن العهد الجديد لا يمكن أن يكون مُوحى به. بل علينا أن نستعجب إذا كان هناك أى خاتمة أخرى ممكنة بهذا الشكل للوحى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Michael J. Krujer, Review of "Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed The Bible & Why, By Bart D. Ehrman", Journal of The Evangelical Theological Society, Vol. 49, No. 2 (June 2006), P. 387-391

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!