الأحد، 1 نوفمبر، 2009

تكذيب كذب يسوع


تكذيب كذب يسوع
فادى أليكساندر


مقدمة

حاشاه مخلصنا البار الكامل، الإله الحق بين آلهة الأمم الوثنية، من كل كذب و كل نقص و كل خطية. أنه إبن الله الوحيد، نبى الله الحامل إعلانه الأخير للبشرية، لم يُوجد فى فمه غش ولا مكر، كامل فى كل شىء، و مشابهاً لنا فى كل شىء ماعدا الخطية!

لقد تحدى يسوع العالم و التاريخ قائلاً:"مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟" (يو 8 : 46). لم يستطع أبناء يومه أن يجدوا حجة واحدة، فهل سيستطيع أبناء اليوم؟ سنفحص فى هذه الدراسة أحد النصوص الواردة فى إنجيل يوحنا، فبحسب ترجمة فانديك، يقول النص:"اِصْعَدُوا أَنْتُمْ إِلَى هَذَا الْعِيدِ. أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هَذَا الْعِيدِ لأَنَّ وَقْتِي لَمْ يُكْمَلْ بَعْدُ" (يو 7 : 8). تكمن فكرة الدراسة فى قوله "لست أصعد بعد"، و بالتحديد كلمة "بعد". بعض الشواهد القديمة للعهد الجديد تحذف كلمة "بعد"، فيصبح يسوع بحسب هذا النص يقول أنه لن يصعد إلى هذا العيد أبداً. و لكن فى العدد العاشر نقرأ:"وَلَمَّا كَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ صَعِدُوا حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضاً إِلَى الْعِيدِ لاَ ظَاهِراً بَلْ كَأَنَّهُ فِي الْخَفَاءِ". إذن، فيسوع بحسب بعض الشواهد القديمة قال أنه لن يذهب للعيد، و لكنه ذهب بعد ذلك، و بذلك يكون يسوع كاذب! هذه هى الشبهة محل النقاش الآن.

هدفى فى هذه المقالة هو بيان كيف أن حتى لو كانت قراءة الحذف هى الأصلية، رغم أننى لا أعتقد بذلك، فإن سياق النص و القرائن الدالة لا تُشِير إلى أن يسوع قد كذب حينما قاله أنه لا يصعد لهذا العيد.

الشق النصى

بدايةً، كل من يقول أن قراءة "لست أصعد بعد" ليس لها إحتمالية قوية جداً للأصالة، هو شخص لم يتقن النقد النصى للعهد الجديد، و يتكلم عنه بسطحية شديدة. شواهد قراءة الإثبات لكلمة "بعد" هى كالتالى: البردية 66، البردية 75، المخطوطة الفاتيكانية، المخطوطة بيزا (المصحح الأول)، مخطوطة واشنطن، المخطوطة دلتا، المخطوطة ثيتا، المخطوطة جاما، المخطوطة لامدا، العائلة الأولى، العائلة الثالثة عشر، و مخطوطات أخرى كثيرة مثل: E F G H L N T 028 030 031 033 034 044 045 047 070 0105 0141 0180 0211 0250 2 8 9 18 27 28 33 35 157 180 205 461 475 597 700 892 1006 1010 1073 1192 1194 1195 1210 1212 1216 1230 1243 1253 1292 1342 1344 1365 1424 1505 1514 1519 1646 2148، بالإضافة إلى غالبية المخطوطات. و من مخطوطات كتب القراءات الكنسية:L 425 L638 L640 L663 L704 L735 L770 L1073 L1075 L1076 L1091 L1100 L1552، و غالبيتهم أيضاً. و من الترجمات: القبطية الصعيدية، و مخطوطة من القبطية البحيرية (و هى المنقسمة بين قراءة الإثبات و قراءة الحذف)، السيريانية البشيتا، السيريانية الفلسطينية، السيريانية الهيراقلية، و مخطوطات من الفلجاتا، و مخطوطتين من اللاتينية القديمة. و من الآباء، يعرفها القديس باسيليوس الكبير، و واحد من الشعراء اليونانيين يُدعى نُونس
[1].

هذا يعنى أن البرهان الخارجى ساحق لدرجة قوية لصالح قراءة الإثبات، فالمنهجين (الأغلبية – الأقدمية) يقفان لصالح القراءة الإثبات و ليس العكس. و بالتالى من يقول أن هذه القراءة لا تحمل إتجاه قوى نحو الأصالة لم يدرك بعد كيفية تقييم المشكلات النصية، و يحتاج إلى تدريب أكبر فى النقد النصى
[2].

نأتى الآن لننظر فى البرهان الداخلى، الذى يقف مع قراءة الحذف. القاعدة المُطبقة هنا و تقوى أصالة قراءة الحذف هى قاعدة "القراءة الأصعب هى القراءة المُفضلة". لو نظرنا للنصوص، فمن السهل تخيل أن الناسخ وقع فى نفس الخطأ، فتخيل أن يسوع بذلك يكذب، فقام بإضافة كلمة "بعد"، و لكن من الصعب تخيل أن الناسخ يحذف كلمة "بعد" لأنه لا يوجد سبب لذلك. و بالتالى، فالقراءة الأصعب هى قراءة الحذف
[3]. بناء على ذلك، إعتمدت لجنة الإصدارين النقديين قراءة الحذف[4].

أنا مقتنع بأصالة قراءة الإثبات، لأنها أقوى فى برهانها الخارجى و الذى أعطيه الكلمة الأخيرة فى غالبية الحالات، خاصةً إذا كان هناك تفسير آخر ممكن للبرهان الداخلى. و هذا الرأى يؤيده العديد من العلماء، مثل فيليب كومفورت الذى يسمى صعوبة قراءة الحذف بأنها:"حقيقية سطحياً فقط"
[5]. الغريب أن دونالد كارسون قال نفس هذا التعبير بالحرف أيضاً، فقال أن:"الصعوبة سطحية"[6]. و هذا ما سنعرف أسبابه فى هذه المقالة، حيث أننا سنفترض أصالة قراءة الحذف، لنرى هل فعلاً يسوع يكذب بذلك أم لا. إذا تبين لنا أن يسوع لم يكذب بالدليل و القرينة من سياق النص، فتصبح صعوبة قراءة الحذف سطحية بالفعل كما أقر هؤلاء العلماء.

الشق التفسيرى

سنقرأ النص فى سياقه و سنحذف كلمة "بعد"، لنفهم النص بشكل صحيح مستقيم. يقول النص:

"كَانَ يَسُوعُ يَتَرَدَّدُ بَعْدَ هَذَا فِي الْجَلِيلِ لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ. وَكَانَ عِيدُ الْيَهُودِ عِيدُ الْمَظَالِّ قَرِيباً فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ: «انْتَقِلْ مِنْ هُنَا وَاذْهَبْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ لِكَيْ يَرَى تلاَمِيذُكَ أَيْضاً أَعْمَالَكَ الَّتِي تَعْمَلُ لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ شَيْئاً فِي الْخَفَاءِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ علاَنِيَةً. إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ هَذِهِ الأَشْيَاءَ فَأَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ». لأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضاً لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «إِنَّ وَقْتِي لَمْ يَحْضُرْ بَعْدُ وَأَمَّا وَقْتُكُمْ فَفِي كُلِّ حِينٍ حَاضِرٌ. لاَ يَقْدِرُ الْعَالَمُ أَنْ يُبْغِضَكُمْ وَلَكِنَّهُ يُبْغِضُنِي أَنَا لأَنِّي أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَعْمَالَهُ شِرِّيرَةٌ. اِصْعَدُوا أَنْتُمْ إِلَى هَذَا الْعِيدِ. أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هَذَا الْعِيدِ لأَنَّ وَقْتِي لَمْ يُكْمَلْ بَعْدُ». قَالَ لَهُمْ هَذَا وَمَكَثَ فِي الْجَلِيلِ. وَلَمَّا كَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ صَعِدُوا حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضاً إِلَى الْعِيدِ لاَ ظَاهِراً بَلْ كَأَنَّهُ فِي الْخَفَاءِ" (يو 7 : 1 – 10).

يفتتح يوحنا النص بقوله أن يسوع كان فى ذلك الوقت فى الجليل، و ليس اليهودية. خدمة يسوع فى هذا الوقت تمركزت فى الجليل لأنه لو صعد لليهودية سيقتله اليهود، و ذلك واضح من قول يوحنا:"لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ". فى ذلك الوقت كان عيد المظال، ثالث أهم الأعياد اليهودية على الإطلاق على الأبواب و الذى يصفه يوسيفوس بقوله:"أُعتبِر مقدس و مهم بشكل خاص عند العبرانيين"
[7]. طلب إخوة يسوع منه أن يغادر الجليل و يرتحل إلى اليهودية لكى يرى الناس أعماله، لكى يعرف تلاميذه الذين آمنوا به أعماله التى يقوم. كان مبررهم لذلك هو أنه لا يوجد سبب لكى يفعل يسوع أعماله الإعجازية فى الخفاء. إذا كان يجب عليه أن يفعل معجزات، فيجب أن تكون علانيةً حتى يراها العالم كله. يوضح لنا يوحنا السبب الذى من أجله طلب إخوته هذا الأمر، و هو أنهم لم يكونوا مؤمنين به، أى غير مقتنعين أنه بالفعل المسيا الذى ينتظره اليهود.

رد يسوع على هذا الطلب غريب، و لا أعتقد أنهم فهموه. قال يسوع أن وقته لم يأتى بعد، أى أن وقت موته لم يحن بعد، بينما هم وقتهم قد يحين فى أى وقت، أى أن وقت موتهم قد يأتى فى أى وقت. يجب أن نربط رد يسوع هذا بإفتتاحية يوحنا للإصحاح بأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه. كان يعلم يسوع أنه إذا وقع فى أيدى اليهود فسينالون منه فى وقت غير مُحدد فى تدبير الله الأزلى. لن يحتاج اليهود أن يقتلوا إخوته، لأنهم ليسوا أكثر من مجرد يهود مثلهم، أما هو فيريدون قتله لأنه يكشف شرهم. لم يكن يسوع يريد أن ينالوا منه قبل الموعد، و هو الموعد الذى لم يأتى وقته بعد. يقول العالم كوستينبرجر حول طلب إخوة يسوع:"إن نصيحة إخوة يسوع صحيحة، و لكنها تعكس جهلهم بمؤامرة قادة اليهود ضد يسوع"
[8]. و لهذا أخبرنا يوحنا أن يسوع قد إحتفل بعيد الفصح فى الجليل أيضاً و ليس فى اليهودية (يو 6 : 1 – 4). و يتضح لنا مما ينقله المؤرخ يوسيفوس، أن العائلات، بل و مدن كاملة، كانت تصعد لتحتفل بهذا العيد معاً، كما ينقل العالم كينر[9]، مما يجعل طلب إخوة يسوع يبدو منسجماً مع العادة بشكل كبير، طمعاً فى مجد دنيوى و كرامةً. القديس كيرلس الكبير يقول فى شرحه لهذا النص:"حينما أُجريت معجزات كثيرة سرًا بواسطة المسيح في الجليل، حثوه أن يطلب المجد الباطل، ونصحوه أن يتقبل إعجاب النظّارة، وكأن هذا الأمر شئ عظيم للغاية، وكأنه لأجل ذلك وحده، كان يريد أن يصنع معجزات عديدة، فقط لكي يبدو محل إعجاب الناظرين، فينافس الآخرين في مديح الناس له، بحسب عادة بعض الذين يطلبون المجد"[10].

أحد الأمور التى كان يكرهها يسوع هو أن يتلقى أمراً يخص الإرسالية الإلهية من بشر. مثال على ذلك هو ما قاله لأمه القديسة العذراء مريم حينما طلبت منه أن يجرى المعجزة، مما يعنى إعلانه عن نفسه، فقال لها:"مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ! لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ" (يو 2 : 4)، و هناك عدة أمثلة أخرى فى الأناجيل. و هذا الأمر كان يغضب يسوع جداً، إذ أنه لا يتلقى ما يخص الإرسالية الإلهية إلا من الآب فقط و ليس من إنسان.

لهذا فقد أجابهم المسيح أنه لن يصعد للعيد، أى لن يذهب لليهودية حيث يريد اليهود أن يقتلوه. لم يأتى موعد يسوع بعد، و لم يتلقى الإعلان الإلهى من الآب بحلول الوقت المناسب. لقد كان إخوته مُصرين أن يذهب معهم يسوع للعيد و يعمل أعماله جهاراً نهاراً أمام العالم. لكن يسوع لم يكن يريد ذلك، فليس هذا هو المطلوب. إخوته كانوا غير مؤمنين به، و لم يصدقوه، و كانوا يريدون أن يروا مواجهة بينه و بين اليهود. شىء ما يشبه مناظرة بينه و بينهم. يسوع لم يكن يريد ذلك، لأن وقت موته لم يكن قد حان. و هذا كان يقينه، أنه إذا صعد سيُقتل فى وقت غير وقته. و قد كان يسوع واثقاً من رد فعل اليهود، لأنهم لن يحتملوا ما سيعلنه و ما سيعمله. فهذا الإسلوب المبهر لم يكن مُحتملاً من اليهود، و لا كانت عقولهم ستستطيع إستيعابه بسلام دون عنف. و يشرح القديس كيرلس الكبير هذا الأمر بكلمات جميلة واصفاً موقف المسيح:"إن الوقت لم يحن "بعد" لدعاية بلا قيود، و لا الوقت جاء "بعد" بالإعلان المكشوف للجميع، إذ لا يزال عقل اليهود غير ناضح بعد للفهم، ليقدروا على قبول كلماتي دون ثورة أو غضب. ولا الفرصة سانحة بعد لدعوتي الآن أن أكون معروفًا للعالم، فاليهود لم يسقطوا بالتمام بعد عن النعمة، ولا هم قد صاروا ضدي بعد، حتى احتاج في النهاية إلى الرحيل للآخرين"
[11]. و لهذا قال لهم إصعدوا أنتم بالطريقة التى تريدونها، اما هو فليس هذا هو ما يريده. و قد حدث بالفعل ما نظره المسيح بعينه النبوية، ففى أول حوار له مع اليهود، إنتهى بمحاولتهم رجمه بسبب ضيق الأفق و محدودية فكرهم الأرضى الذى لم يحتمل إعلانه اللاهوتى السامى (يو 8).

يُعبر كومفورت عن قول يسوع بصياغته التالية:"أنا لست أصعد للعيد بالطريقة التى تريدوننى أن أصعد بها"
[12]. هذا المعنى واضح من قرينة النص، حيث يقول الشق الثانى منه:"لأَنَّ وَقْتِي لَمْ يُكْمَلْ بَعْدُ". هذه العبارة هى السبب فى عدم صعود يسوع للعيد بحسب النص، و أنا أقول أنه لا يوجد معنى واحد لهذا النص إلا بفِهم الشق الأول على أن يسوع يقول فيه أنه لن يصعد للعيد بهذه الطريقة الإعلانية التى يريدها إخوته. مرة أخرى، لا يوجد أى معنى لهذه العبارة إلا بفِهم الشق الأول من النص بهذا الشكل. و هكذا قد أجمع العلماء المتخصصين فى تفسير إنجيل يوحنا على فِهم النص بهذا الشكل، فيقول نيومان و نيدا، كمثال:"إن ثقل كلمات يسوع هنا يقع على أنه يعمل فقط على أساس إرادة الله، و ليس على أساس طلبات أو أوامر أى بشر"[13]. بعد ذلك يخبرنا يوحنا أن إخوته قد صعدوا للعيد بالفعل، و أما هو فمكث فى الجليل. بعد ذلك تأتى القرينة الثانية التى تؤكد لنا فِهم الشق الأول من النص بهذا الشكل، و هى كيفية صعود يسوع للهيكل. يخبرنا يوحنا:"صَعِدَ هُوَ أَيْضاً إِلَى الْعِيدِ لاَ ظَاهِراً بَلْ كَأَنَّهُ فِي الْخَفَاءِ". هذا النص يُخبرنا أن يسوع لم يصعد للعيد بطريقة إعلانية، بل بطريقة خفية، فتسلل للعيد بحيث لا يكون ظاهراً لليهود، و إنما متخفياً. هذه الطريقة التى صعد بها يسوع للهيكل هى النقيض التام لرغبة إخوته. كانوا يريدون من يسوع أن يخرج للعالم و يعلن لهم أعماله، أما هو فصعد للعيد متسللاً، متخفياً، غير معلناً أى شىء عن نفسه!

ثم إننا إذا أكملنا النص (الأعداد 10 – 14)، سنلاحظ هياج اليهود عليه، فيصور لنا يوحنا العيد و كأن أمر يسوع هو موضوع حديثهم الدائم. كانوا يسألون كثيراً عنه، بل و دخلوا فى مناقشات كثيرة و أخذ و جذب حول طبيعة هذا الرجل. منهم من قال أنه صالح، و منهم من قال أنه شخص مضلل. فى النهاية، كان يسوع هو محل إهتمام اليهود فى ذلك الوقت. بل أكثر من ذلك، أن اليهود كانوا يبحثون عنه فى العيد فعلاً. بحث اليهود عن يسوع يستلزم منا تفسير أمرين:

1- لماذا كان اليهود يبحثون عن يسوع من سياق النص؟
2- لماذا كان اليهود يبحثون عن يسوع فى هذا العيد بالتحديد من سياق النص؟

من سياق النص، و كما أخبرنا يوحنا فى إفتتاحيته، يتبين لنا أنهم كانوا يبحثون عن يسوع ليقتلوه. و بالتالى يتأكد لنا أن يسوع كان مُحِقاً بالفعل فى رفضه طلب إخوته أن يصعد للعيد بالطريقة التى طلبوها منه. كان يعرف أنه سيُقتل، و قد إتضح هذا بالفعل من بحث اليهود عنه. النقطة الثانية و هى بحث اليهود عن يسوع فى هذا العيد بالتحديد، تؤكد لنا توقعهم الشديد بوجود يسوع فى هذا العيد الهام جداً، فهو ثالث أكبر الأعياد عند اليهود. و بالتالى تنسجم كافة القرائن معاً فى إيضاح مخطط اليهود للإيقاع بيسوع، مما يجعلنا نفهم تصرف يسوع بشكل أوضح. كان يعلم بكل تأكيد بما سيحدث، و لم تكن أتت ساعته بعد ليدخل اليهودية. و قد صدق يسوع فيما أخبره لإخوته، فقد كانت هذه هى المرة الأخيرة التى يرى فيها الجليل، حيث ذهب لليهودية للمرة الأخيرة...و لم يخرج منها حتى قيامته من الموت صاعداً للسماء!

القرينة الأخيرة، هى توقيت ظهور يسوع لليهود. يقول يوحنا:"وَلَمَّا كَانَ الْعِيدُ قَدِ انْتَصَفَ صَعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْهَيْكَلِ وَكَانَ يُعَلِّمُ" (ع 14). بهذا نفهم أن يسوع لم يخرج للعلن حتى منتصف العيد، ليذهب مباشرةً للهيكل و يعلمهم. و هذه القرينة يوضحها العلماء نيومان و نيدا قائلين:" هذا العدد يبين أن يسوع لم يذهب للعيد فى بدايته، حينما بيّن له أخوته أنه يجب أن يفعل، بل إنه أنتظر حتى عندما إنتهى نصف العيد"
[14]. هذه القرينة تشتمل على نقطتين: توقيت صعود يسوع للهيكل، و تدرج صعود يسوع للهيكل. فيسوع بدأ يعلن عن نفسه فى منتصف العيد فقط، و فى نفس الوقت بدأ يعلن عن نفسه بشكل تدريجى.

بذلك يمكننا تخليص تفسير النص بحسب السياق و القرائن فى النقاط المتتابعة التالية:

1- كان اليهود يريدون قتل يسوع بأى شكل، فى الوقت الذى كان فيه يسوع فى الجليل و ليس فى اليهودية.
2- إخوة يسوع طلبوا منه أن يصعد للعيد معهم معلناً نفسه و أعماله أمام اليهود و كل العالم و ليس إستمراره فى إخفاء نفسه و أعماله.
3- يسوع رفض أن يصعد للعيد بهذا الشكل، لأن اليهود لن يحتملوه، و طاعةً للإعلان الإلهى الذى للآب، و لأنه لا يقوم بعمل إستعراض للحصول على مجد و كرامة زائفين.
4- يسوع صعد للعيد بطريقة غير التى أرادها إخوته، فصعد بشكل متخفى غير مُعلن.
5- يسوع لم يكذب، حاشاه من كل نقص، لأنه لم يصعد للعيد معهم بالطريقة التى آرادوها هم، و فى الوقت الذى آرادوه هم.

يلخص القديس كيرلس التفسير الآبائى للنص، قائلاً:"إذ كان قد قال إنه "لن يصعد إلى العيد" وإذ كان قد يسمح لاخوته أن يصعدوا هكذا إن هم أرادوا، فإنه بمفرده لأنه أكد أن وقته لم يحن بعد يصعد بعدهم، لا كأنه يقول شيئًا ثم يفعل عكسه لأن في ذلك كذبًا، بل وفيه خداع، وهو الذي قيل عنه لم يُضبط في فمه غش بل هو أمر لا يتعارض مع ما وعَدَ به. لأنه فعلاً لم يصعد معهم إلى العيد، بل بالحرى لكي لا يلومهم، ولما كان قد جاء ليخلص فإنه يقول ويعلم بالأمور التي تقود إلى حياة أبدية. لأن ذلك كان قصده، أي عدم رغبته في الصعود معهم إلى العيد، والذهاب بالكاد خفيةً، وليس علانية ويفرح أولئك الذين يذهبون إلى عيد من الأعياد، وهذا ما سيتضح بجلاء"
[15].

و يلخص العالم فيليب كومفورت التفسير العلمى للنص، قائلاً:"يجب الإنتباه إلى أن قراءة نيستل آلاند و جمعيات الكتاب المقدس المتحدة (و هى قراءة الحذف) لا تحمل تناقض بالضرورة، لأن الصياغة "انا لا أصعد إلى العيد" قد تعنى "أنا لا أصعد إلى العيد بالطريقة التى تريدونها يا إخوتى أن أصعد بها" أو "أنا لا أصعد إلى العيد حتى يخبرنى الآب أننى يجب أن أفعل"، و هو المعنى الموجود فى العبارة التالية "لأنه بالنسبة لى لم يأتى بعد الوقت الصحيح". و فى الحقيقة، لم يجد أحد يسوع خلال الأيام الأولى من العيد (أنظر 7 : 11 و 14). فى 7 : 6 يقول يسوع "وقتى لم يأتى بعد"، و هذا يبين أن يسوع يعرف أنه ليس هذا وقته ليذهب لأورشاليم و يموت. لقد إنتظر لوصية الآب حول متى يجب أن يذهب لأورشاليم و حول متى ستكون زيارته الأخيرة التى ستنتهى بالصليب"
[16].

فهذا هو إجماع الآباء قديماً، و إجماع العلماء حديثاً، من خلال القرائن و سياق النص على كيفية فِهم رد يسوع و تصرفه هذا. حاشاه مخلصنا من كل كذب و تزوير، فهو الكامل الوحيد الذى لا عيب فيه. هو الذى تحدى اليهود قديماً و هو الذى مازال يتحدى العالم بأكمله اليوم: من منكم يبكتنى على خطية؟!

فادى أليكساندر
1 – 11 – 2009


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] UBS3, P. 350; UBS4, P. 342; NA27, P. 269; IGNTP1, P.215; IGNTP2, P. 317; MT1&2, P. 315
[2] هناك عدة أدلة خارجية تُشير إلى أصالة قراءة الإثبات بخلاف ثقل البرهان الخارجى، مثل عادات النُساخ فى البرديات القديمة نحو الحذف و الإضافة، و لكن نترك تقديم هذا الأدلة للوقت المناسب، إذ أن هدف هذه الدراسة هو وضع إستدلال قوى لعدم كذب يسوع حتى لو كانت قراءة الحذف هى الأصلية.
[3] Metzger, Textual Commentary, P. 185; Omanson, Textual Guide, P. 179
[4] و هذا لا يعنى أن كل الإصدارات النقدية التاريخية قد أثبتت قراءة الحذف، إذ أن العلماء قد إختلفوا فى تحديد القراءة الأصلية، و لكن هناك إصدارات نقدية أثبتت قراءة الإثبات، مثل نص ويستكوت و هورت. أنظر:
B. F. Westcott & F. J. A. Hort, The Greek New Testament With Dictionary, Reprinting, Hendrickson Publishers: USA 2007, P. 282.
[5] Comfort, Text & Translation Commentary, P. 281.
[6] Carson, The Gospel of John, P. 309.
[7] آثار اليهود 8 : 100
[8] Kostenbeger, Baker Exegetical Commentary on The NT: John, P. 229
[9] كينر، الخلفية الحضارية، الجزء الأول، ص 248.
[10] القديس كيرلس السكندرى، شرح انجيل يوحنا، الجزء الثالث، ترجمة مركز الآباء، ص 203 – 204.
[11] السابق، ص 205.
[12] Comfort, P. 281
[13] Newman & Nida, Handbook on The Gospel of John. P. 224
[14] Newman & Nida, Handbook, P. 228
[15] تفسير يوحنا، الجزء الثالث، ص 212. و نلاحظ أن كافة التفاسير الأرثوذكسية تلتزم نفس الخط فى الشرح و الإستدلال. فنقرأ فى تفسير رهبنة دير مارجرجس بالحرف ما يلى:" إننا نلاحظ التعمق المستمر في كلام يسوع وكأنه يقول: أنا لا أتحرّك وإياكم في زمن واحد، فعلاقتكم بالزمن علاقة عادية أفقية، أما أنا فأحيا في زمن آخر، إن لي علاقة أخرى، أنا في الأبدية... وأنا الآن في الزمن لكي أبلغ إلى وقت تلتقي فيه الأبدية مع الزمن. إنهما الآن منفصلان بسبب الخطيئة، فالإنسان منذ خطيئة آدم لم يعد يلاقي الله، وحياة الإنسان قبل يسوع، ومنذ خروج آدم من الفردوس، لم تكن تلتقي مع الحياة بل مع الموت، بل هي تلتقي الآن مع الموت أكثر من لقاء آدم مع الموت إذ يريدون قتل يسوع. "إن وقت لم يحضر بعد"، فأنا أحيا في الزمن العادي الأفقي لكني أحيا أيضاً في زمن عمودي هو وحدتي مع الآب الأزلي. وعندما يلتقي الزمانان يتألف الصليب (+)، تحلّ "الساعة"، ويحضر وقتي. العالم يبغضني أنا لأني أشهد عليه أن أعماله شريرة. في كلام يسوع تلميح إلى خروجه وعودته إلى الآب: "اصعدوا أنتم إلى هذا العيد، أنا لست أصعد بعد إلى هذا العيد"... أي أن لي صعوداً آخر، عيداً آخر، هو عملي الأخير، حين تحين ساعة الآب..."قال لهم هذا ومكث في الجليل. ولما كان اخوته قد صعدوا حيئذٍ صعد هو أيضاً إلى العيد، لا ظاهراً بل كأنه في الخفاء" (يو 7: 9-10): في الخفاء خوفاً من اليهود لئلا يمسكوه قبل أن تحين الساعة: "فكان اليهود يطلبونه في العيد ويقولون أين ذاك. وكان في الجموع مناجاة كثيرة من نحوه. بعضهم يقولون أنه صالح وآخرون يقولون لا بل يضل الشعب" (يو 7: 11-12)". أنظر: انجيل يوحنا قراءة و تعليق، ص 123 – 124.
[16] Comfort, New Testament Text, P. 281
و قد قمت بسؤال بارت ايرمان حول ما إذا كان يرى النص يحمل تكذيباً ليسوع، فأجاب بالنفى!



هناك تعليقان (2):

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!