الاثنين، 9 نوفمبر، 2009

العصر الكاثوليكى الوسيط (2)


تكلمت فى مقال سابق عن أحوال الكنيسة الكاثوليكية فى العصور المتوسطة، و التى أدت فى واحدة من تدهوراتها إلى حرم قراءة و نشر الكتاب المقدس، و الذى يناقشه فيلم ثورة الكتاب المقدس. إن الفِهم الشامل و الكامل لتاريخ هذا العصر، هو التفسير الأمثل لقضية حرم نشر الكتاب المقدس و ترجمته. ينقل لنا لوريمر عن البابا إينوسينت الثالث قوله:"خالق الكون عمل النورين العظيمين فى جلد السماء، النور الأكبر (الشمس) لحكم النهار، و النور الأصغر (القمر) لحكم الليل. بنفس الطريقة عن جلد الكنيسة الجامعة، التى يُقال عنها السماء، عيّن الله مقامين عظيمين، الأعظم (الكنيسة) لمسئولية الحكم على الأرواح (هؤلاء كما لو كانوا النهار)، و الأقل (الدولة) لمسئولية الحكم على الأجساد (هؤلاء كما لو كانوا الليل). هذان المقامان هما السلطان البابوى و القوة الملكية. أكثر من ذلك، فإن القمر يستمد نوره من الشمس و هو فى الحقيقة أدنى من الشمس فى الحجم و النوع، و بنفس الطريقة تستمد القوة الملكية مقامها من السلطة البابوية" (جون لوريمر، تاريخ الكنيسة، الجزء الرابع، ص 29). هذا التصريح الذى يأتى بمثابة اعتراف، يحمل فى طياته فكر كبير و عام أكدت عليه سابقاً، و هو الإختلاط التام بين الدين و الدولة، للحد الذى يجعل من السلطة الدينية هى المتحكمة بالفعل. هذا لا يعنى سوى شىء واحد: السياسة أصبحت متدينة و الدين أصبح متسيّس! فالكنيسة كانت فى ذلك العصر فى موقف الحاكم المتسلط على أمور الحكم. و هذا يلقى الضوء أكثر على قضية تحريم نشر الكتاب المقدس، و علاقتها بتهديد سلطة الكنيسة، أو بالأحرى، سلطة الدولة. لا يمكننا أن نفصل فى هذا العصر بين الكنيسة و الدولة، ولا يمكننا أن نفصل بين سياسة كل منهما، ولا يمكننا أبداً أن نفصل بين تصرفات كل منهما. فنحن نعلم أن البابا كانت له السلطة الأعلى حتى من الملك نفسه. ينقل لنا لوريمر هذه الحادثة الغريبة:"حاول جون ملك انجلترا (1199 – 1216) أن يختار شخصية معينة رئيساً لأساقفة كنتربرى، لكن البابا كان لديه شخص آخر. إنه بقوة التهديدات البابوية مثل الحرم البابوى (أى حظر إقامة كل الخدمات الدينية فى المنطقة) و بمراسم الحرم البابوى، استطاع إينوسينت أن يفرض إرادته. و سار الملك جون ذليلاً فى شوارع كانتربرى حافى القدمين و ركع كى يتلقى الجلدات من الرهبان، و رضى أن يدفع ضريبة سنوية للفاتيكان مقدارها ألف مارك" (السابق). فى الحقيقة، لست أجد فى نفسى القدرة على تحديد الملك و المملوك بالضبط! فالمشكلة ليست مجرد مشكلة دينية، بل هى فى الحقيقة مشكلة سياسية بحتة، و كان لزاماً عليهم أن يحرموا نشر الكتاب المقدس، لئلا تتهدد مكانة الكنيسة المتسلطة على مقاييد الحكم و الدولة فى ذلك الزمان. هذه المكانة لم تكن عقيدية، ولا هى مجرد ممارسات روحية فقط، بل كانت أمور عميقة فى المسائل الدنيوية أيضاً. و يقول لوريمر فى ذلك:"التهمة الاكثر إنتشاراً كانت الإستغلال المالى. ضج الناس بالشكوى من أعلى حاكم إلى أدنى قروى بأن الكنيسة عاشت للمال. و من داخل الكنيسة، ضغط البابا على الأساقفة الذين عصروا الكهنة الذين هم بدورهم عصروا الشعب" (السابق، ص 37). هذه الإهتمامات الدنيوية كانت مركز الإهتمام، و مركز ولع الكنيسة فى ذلك الوقت، بواسطة الإكليروس كله من كبيره لصغيره. هذه السيطرة السياسية التى كانت تدر أموالاً ضخمة لم يكن من السهل التنازل عنها مقابل لاشىء. فنشر الكتاب المقدس سيتعارض سياسياً و جغرافياً مع الطموحات المالية التى أراد هؤلاء تحقيقها. لانه إذا أصبح الكتاب المقدس منشور للعامة، سيعرفون أن هذه السياسة المُتبعة و الممارسات الروحية التى تطبقها الكنيسة، لا أصل عقيدى لها، ولا أساس كتابى يدعمها. لهذا كانت أولى خطوات حركة الإصلاح، هى نشر نص الكتاب المقدس باللغة التى يفهمها كل شعب من شعوب اوروبا. و لذلك كان الإهتمام الأول لبذور حركة الإصلاح، هو السعى لإيصال نسخ الكتاب المقدس المطبوعة باللغات الاوروبية ليد أفراد الشعوب، حتى يتمكنوا من دراسة الكتاب المقدس ليميز الصالح من الطالح فى سياسات الكنيسة و ما تمارسه من سلطات بغير وجه حق على الشعوب. و قد تكلمت سابقاً فى لمحة سريعة عن صكوك الغفران، و هى التى يقول عنها لوريمر:"هذه العملية هى التى أدت بطريق مباشر إلى الإصلاح البروتستانتى" (ص 38). و قد كان لصكوك الغفران دور آخر كبير فى تحريم نشر الكتاب المقدس، رغم ظهورها متأخراً عن القرار، و لكنها ساعدت على إستمراره. فكيف للفرد أن يقبل بالدفع، إذا علم أنه لا يحتاج لأن يدفع شىء؟! بالإضافة إلى ذلك، وُلِدت السيمونية من جديد فى هذا العصر الوسيط. و السيمونية هى شراء الرتبة الكهنوتية، مقابل المال، و تُنسب إلى سيمون الساحر الذى كان يبيع مواهب الروح القدس مقابل المال. و حتى قرب نهايات ذلك العصر، ظلت هذه الممارسة مستمرة حتى فى مجمع لاتيران الخامس فى بداية القرن السادس عشر (السابق، ص 39). و لهذا، فقد نهض المصلحين محاولين توعية الأفراد فى كافة شعوب اوروبا، بأن هذه السلطات ليست شرعية، وهذه التطبيقات الروحية غير مستقيمة و غير كتابية. فكانت المحاولة الأولى، هى نشر الثقافة الكتابية للعامة، و ذلك بواسطة المقتدرين على قراءة العبرية، اليونانية، و اللاتينية. هذه الثقافة الكتابية، تعتمد كلياً على قدرة هؤلاء المصلحين الأوائل على دراسة النص فى لغته المُستخدمة فى الكنائس، و التى لم يكن يفهمها أى فرد من العامة. و خلاف أشخاص كالذين يظهرون فى الفيلم، مثل جون ويكليف، مع الكنيسة الكاثوليكية، ينبع بكامله من ممارسات هذه الكنيسة. يخبرنا لوريمر عن جون ويكليف مثلاً:"جلب على نفسه نظرة عدائية من الكنيسة، لما بدأ يحقق فى حياة الترف التى يحياها الإكليروس و تورطهم فى الشئون السياسية" (السابق، ص 51). و فيليب شاف ينقل لنا كلمات ويكليف فى مواجهته مع البابا، حيث قال:"إن الكنيسة ليست متمركزة فى البابا و الكرادلة، لكن فى شركة المختارين يكون المسيح بالتأكيد رأسها الوحيد، ليس للبابا قوة فى الربط و الحل أكثر من أى كاهن. إنها عندى مسألة إيمان بأنه لا يجب على أى إنسان أن يتبع البابا أو حتى أحد القديسين فى السماء، إلا عندما يقتدون بالمسيح" (فيليب شاف، تاريخ الكنيسة المسيحية، الجزء السادس، ص 333). و يخبرنا لوريمر أكثر من ذلك، بأن ويكليف دعا البابا "عدو المسيح" فى كتاباته المستمرة (لوريمر، ص 52). هذا الموقف العدائى كان الشرارة التى أطلقت حركة الإصلاح فى تحرك فعلى نحو إنفصال الراهب الألمانى مارتن لوثر عن الكاثوليكية. بناء على هذا، قرر ويكليف ترجمة الكتاب المقدس من اللاتينية إلى الإنجليزية، و لم تكن الطباعة قد أُخترِعت بعد! كان هدفه من ذلك كما ينقل عنه شاف:"لا شىء يجب الإيمان به ما لم يكن مُؤسساً على هذا الكتاب، ولا يجب إضافة شىء إلى تعليمه... هذا الكتاب هو الحق الكامل الذى يجب أن يدرسه كل مسيحى. هو مقياس و نموذج لكل المنطق" (تاريخ الكنيسة المسيحية، المجلد السادس، ص 339، لوريمر، تاريخ الكنيسة، الجزء الرابع، ص 45). و قد كان محقاً فى موقفه من السلطات التى منحها الإكليروس لنفسه دون حق، و لذلك أراد أن يعرض نص الكتاب المقدس لكل أفراد شعبه. ليس لأن هناك شىء عقيدى أخفاه عنهم الإكليروس، فنفس اللاهوت الأساسى الذى آمن به الكاثوليك، هو نفسه اللاهوت الأساسى الذى آمن به ويكليف و بقية المصلحين. آمن الإكليروس فى ذلك الوقت و كل وقت بأن المسيح هو الله المتجسد، و هو نفس ما آمن به ويكليف. آمن الإكليروس بطبيعة الله الثالوثية، و آمن ويكليف بطبيعة الله الثالوثية!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!