الاثنين، 30 نوفمبر، 2009

محاضرة فى لاهوت المسيح


محاضرة عن لاهوت المسيح، تتضمن مقدمة عن كيفية دراسة لاهوت المسيح فى نصوص العهد الجديد، و شرح نص يو 8 : 58، بناءً على بحث سابق تم نشره على المدونة. يمكنك تحميل المحاضرة من هنا.

الأحد، 29 نوفمبر، 2009

ماذا عن الوحى اللفظى؟


تسعين بالمئة من علماء العهد الجديد يؤمنون أن الوحى لفظى؛ أى أنه مُوحى به لكل كلمة فيه. فى نفس الوقت، ليس إملائياً، لأن الكتبة إستخدموا أساليبهم، لكن الله فى النهاية يقول أن هذا هو بالضبط ما أراد أن يقوله للبشر. ليس معنى أن فادى اليكساندر لا يؤمن بوحى لفظى أن الوحى ليس لفظياً! و ليس معنى أن الوحى قد يكون لفظياً أن النقد النصى يمثل خطراً على نص الكتاب المقدس. حينما نقول أن الكتاب المقدس هو كتاب الوحى نقصد أن الكتاب المقدس هو كلمة الله التى أوحى بها لكاتب معين فى زمن معين لهدف معين. و حينما نقول أن الكتاب المقدس معصوم، نقصد أنه كتاب لا يوجد به أى خطأ. و بالتالى، الوحى اللفظى التام لا يتعرض لأى خطر بسبب النقد النصى، لأن النقد النصى لا يظهر وجود أى أخطاء فى الكتاب المقدس. الله لم يوحى لعشرات الآلاف من النساخ لكى ينسخوا النص بشكل صحيح، و لم يوحى لآلاف المترجمين لكى يترجموا النص بشكل دقيق. الله أوحى لكتبة الأسفار الأصليين لكى يسجلوا رسالته للإنسان لتبقى إلى الأبد، و قد حفظ الله كلمته للإنسان لكن ليس بنفس الشكل الى أوحاه به. ليس معنى أن الله لم يوحى لعشرات الآلاف من النساخ أنه لم يوحى لثمانية كُتّاب أصليين. فرضية ضرورة الوحى للنساخ هى مجرد تحدى لله فقط، و وضع معيار مُسبق لما يجب أن يفعله الله. ليس الإنسان هو الذى سيحدد لله ما الذى يجب أن يفعله. النقطة هى أننا لا يجب أن نضع معيار لما هو حقيقى و ما هو غير حقيقى، بل إنها ما هو حقيقى فعلاً! أى كتاب اليوم يمكن نشر ملايين النسخ منه دون أن يكون بهم خلاف فى حرف واحد عن طريق الطباعة، لكن هذا لا يعنى أنه كلمة الله! الربط بين ضرورة حفظ الله للنص حرفياً و بين وحى الله للنص حرفياً لا يوجد سبب له، لأننا لا نستطيع فحص عقلية الله لنعرف و نفهم ما الذى أراده الله أن يتم. على الإنسان أن يبحث عما هو حقيقى، ليس عما يريده هو أن يكون حقيقى! هناك مثال شخصى أحب أن أطرحه فى هذه الحالة دائماً: لا يوجد فرع فى النقد الكتابى للعهد الجديد و لم أدرسه، و خاصةً الفروع الأكثر تحدياً لسلطة العهد الجديد، و لم تؤثر دراستى على إيمانى بإعلان الله للإنسان فى يسوع المسيح، لكن فى نفس الوقت، انا لا أعرف شيئاً على الإطلاق فى أى فرع من فروع النقد الكتابى للعهد القديم، حتى النقد النصى. و مع ذلك، أؤمن أن العهد الجديد هو كلمة الله المعصومة عن أى خطأ كان رغم أننى لم أدرسه نقدياً أبداً. ليس ملايين المسيحيين على الأرض علماء! لأن الدليل بدون عمل الروح فى النفس لن يؤتى بثمراً، و سيحاول الآخر تفسيره بكل طريقة ممكنة، من نقطة لأخرى و من موضوع لآخر. هل يمكن أن يكون الوحى لفظياً؟ نعم، فأنا لم أكن هناك حتى أقدم إجابة قطعية! لكن هل لو أن الوحى لفظياً سيتأثر بالأخطاء الموجودة فى المخطوطات؟ إطلاقاً، لأن هذا الوحى موجود فى هذه المخطوطات، فكيف سيتأثر أو يضيع أو يتغير؟ أن يوحى الله بالنص لفظياً شىء، و أن يكون نص مخطوطات و ترجمات و إقتباسات الآباء للعهد الجديد متطابق هو شىء آخر. فما معنى التحريف بالضبط؟ لا أعرف. حقاً لا أعرف. ما معنى أن يقول أحدهم أن وحى الله تحرف؟ كيف سيتحرف؟ حتى لو كان الوحى لفظياً، كيف سيتحرف؟ المصدر "حرف" يعنى أنه أمال الشىء عن وجهه الأصلى. لكن هذا التعريف المجرد فى منتهى الخطورة، لأنه يعنى أن كل الكتب التى تمت كتبتها فى التاريخ قد تحرفت! و بالتالى هذا تعريف عاطل لا يُمكن تفعيله عملياً. فما هو معنى التحريف بالضبط؟ فشلت فى الوصول إلى تعريف يخدم إستخدام النقد النصى فى تدعيمه. و حتى الآن، و رغم أنه لى خمسة سنوات أقول أن هذا المصطلح لا معنى له، فلم يكلف أحداً نفسه متطوعاً ليكتب عن تعريف هذا المصطلح بشكل منهجى منظم! إلى أن خرج هذا المصطلح الجديد فى ثوب بدأ ينتشر بسرعة جداً، و محتواه أن التحريف هو عدم قدرة الناقد النصى على تحديد القراءة الأصلية. قالوا هذا و صمتوا! و لو أن فيهم من يعرف شيئاً عن الفلسفة، و الفلسفة هى أن تعرف كيف تفكر (!!) لعرف أنه لو تركه هكذا لأنفجر فى وجهه وابل من الإنتقادات الفلسفية، كفيلة بدفنه قبل أن يموت. لذا آثرت أن أرد على تفصيل منهجى، حينما يرى النور، لو أراد الله ذلك. لكن فى النهاية، يستطيع كل فرد أن يقول ما يريد و ما يحلو له. الكتابة ليست صعبة، و التأليف ليس مشكلة، لكن التحدى الحقيقى هو أن تبنى إستدلالاً منظماً مبنياً على قواعد علمية منطقية عقلية سليمة لا تقبل أى شك منطقى. فحتى و إن كان وحى الله للإنسان لفظياً، لا معنى إصطلاحى قابل للتطبيق على الكتاب المقدس يمكن تفعيله. و إن قرأ أحدهم ترجمة الملك جيمس أو قرأ أحدهم الترجمة العالمية الجديدة، هل سيجد إله مختلف و يسوع مختلف؟ لا ليس صحيحاً، سيجد يسوع واحد و إله واحد، سيجد تعليماً واحداً، و سيجد نصاً واحداً فى أكثر من 95 % من العهد الجديد. فى كل الأحوال، النص نفسه ليس غاية، بل وسيلة. نص العهد الجديد عنصر هام فى الحياة المسيحية، لأنه وسيلة تطبيقية ضمن آليات إستمرار الحياة الروحية، و ليس هدفاً فى حد ذاته، لأن النص لم يكن هو الذى عُلِق على الصليب! فأنا لا أؤمن أن الكتاب المقدس هو كلمة الله المعصومة لأن الكتاب المقدس لا يوجد به خطأ، بل لأننى أعرف الله كما أعرف كل شخص له وجود حى و حقيقى فى حياتى. و إن لم تفعل أنت كذلك، فلا نقد نصى ولا غيره سينفعك بشىء يوم أن تقف أمامه. لأن الله لن يسألك هل آمنت أن الكتاب المقدس معصوم أم لا، بل و لن يسألك حتى هل آمنت أن الكتاب المقدس هو كلمتى أم لا. الله سيسألك سؤال واحد فقط: هل تعرفنى؟

الخميس، 26 نوفمبر، 2009

الخد الأيمن


شرح صوتى لنص:"مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً" (مت 5 : 39)، يمكنك تحميله من هنا.

الثلاثاء، 24 نوفمبر، 2009

نظرة فى اللاهوت العلمى


إستلهمت عنوان هذه المقالة من أحد كتب إيتا لينمان، و هى تتناول أحد الأسئلة التى أسمعها كثيراً، و يرسلها لى أصحابها فى شكل نصائح – مشكورين عليها بالطبع – و هو سؤال غيور جداً لدرجة أنه لا يرى ما الذى يحمله فى ثانياه: ماذا لو ظهرت مخطوطة غداً من القرن الأول تحتوى على النص، و لنقل الفاصلة، الذى يقول العلماء أنه غير أصلى؟ هذا سؤال غيور جداً على كلمة الله، و لكن وسط غمرة هذه الغيرة يحمل السؤال فى داخله تشكيكات خطيرة فى نص الكتاب المقدس (رغم أننى واثق أن السؤال يُطرح بصيغة أمينة جداً تهدف للدفاع عن كلمة الله!). هذا السؤال يحمل من خلفه فكر لاهوتى ضخم جداً، و لكن هناك عدة مشكلات فى هذا السؤال بالتحديد و سأناقشها فى هذا الموضوع.

المشكلة الأولى و الرئيسية فى هذا السؤال و التى أعتبرها التشكيك الأكبر، هى أنه يحمل فى معناه أننا لا نعرف شكل النص فى القرن الأول و ربما تكون هناك فرصة لأصالة النص! من قال أننا نحتاج لمخطوطة من القرن الأول حتى نستطيع معرفة شكل النص فى القرن الأول؟ التقليد النصى تقليد متماسك منذ بداية النسخ عن الأصول. لذلك يعتقد غالبية علماء النقد النصى بما فيهم أكبرهم و أشهرهم أن القراءة الأصلية محفوظة فى التقليد النصى المتوفر. هذه الجملة تعنى أن النص الأصلى المكتوب فى القرن الأول موجود فى الشواهد المتوفرة (أى المخطوطات اليونانية، الترجمات، و الآباء). كل هذه الشواهد لا يوجد فيها شاهد يرجع للقرن الأول. فأقدم مخطوطة يونانية هى البردية 52 و ترجع لبداية القرن الثانى، و أقدم الترجمات هى الترجمة اللاتينية القديمة و ترجع لمنتصف القرن الثانى، و أقدم شاهد للآباء هو الآباء الرسوليين الذين يرجعون لبداية القرن الثانى. و بالتالى، نحن نستطيع معرفة شكل النص، ليس فى القرن الأول فقط، و إنما شكل النص الأصلى نفسه من خلال التقليد المتوفر.

المشكلة الثانية هى أن هذا السؤال يطعن طعن مباشر فى إستقرار الإنتقال النصى. بكلمات بسيطة، وجود مخطوطة من القرن الأول أو الثانى تحتوى على نص مختفى من التقليد النصى بشكل شبه كامل، يطعن فى مدى الإستقرار الذى إنتقل به نص العهد الجديد. بهذا الشكل يصبح لا يوجد شىء ثابت فى نص العهد الجديد، لأنه نص لم ينتقل بإستقرار. لكن هذا يسير عكس البرهان التاريخى و النصى المتوفر. الدليل يُشير بشكل مباشر إلى أن النص إنتقل بشكل مستقر عن طريق مقارنة نصوص أقدم الشواهد و أكثرها تأخراً. أحد الأصدقاء الذين أقدرهم جداً سألنى: و لماذا لا تعتبر اختيار قراءة "غضب" فى مر 1 : 41 طعن فى إستقرار الإنتقال النصى؟ بدون الدخول فى تفاصيل هذه القراءة التى ستكون محل دراسة أحد الأجزاء فى سلسلة "النقد النصى و التفسير"، فإن هذه القراءة ليست مختفية من التقليد النصى، فإن كانت غير منتشرة فى النصوص اليونانية، فهى تقليد غربى أصيل فى شواهد عديدة له، تمتاز أغلبها بالقِدم. الفكرة لا تكمن فى الأغلبية، بقدر ما تكمن فى إمكانية إعادة تكوين تاريخ الإنتقال النصى للقراءة. لو كانت الفكرة تكمن فى الإغلبية، فلا إعتراض على الفاصلة، فهى موجودة فى أكثر من ثمانية آلاف مخطوطة لاتينية، أى أكثر من عدد المخطوطات التى تحذفها. نصوص أخرى مماثلة نجد بها نفس المشكلة؛ عدم وجود تفسير عقلانى لنشأة القراءات المخالفة.

المشكلة الثالثة هى وضع النص الحالى كالنص المعيارى الذى تُقاس عليه القراءات. هذا خطأ لأن النص المعيارى هو نص المخطوطة الأصلية (أى الـ Autograph)، و ليس نص ترجمة ما. لا يصح أن يكون النص الحالى هو النص الذى يُفسر على أساسه تاريخ نص العهد الجديد، ولا أن يكون هو الأساس الذى يتم تفصيل الدعم عليه. دائماً أقول أن أى مناقشة ترتبط بالنقد النصى، يجب أن تنسى تماماً أن الكتاب المقدس بحوزتنا الآن، و أن تضع نص المخطوطة الأصلية (الذى هو غير متوفر الآن) نصب أعينها. سؤال يطرح نفسه: لماذا يجب على كل نص موجود فى الترجمة الحالية أن يكون نصاً أصلياً؟ لا يوجد سبب تاريخى أو نصى لذلك الإفتراض، إنما السبب لاهوتى بالإعتقاد أن الله يجب أن يحفظ نص الكتاب المقدس حرفياً عبر العصور، و لأن النص الموجود فى هذا العصر يحتوى على هذه النصوص محل الشك، فإنها أصلية مهما كان الدليل. لكن قناعتى أن هذا تعدى على البرهان و خروج عنه، و أعتقد أن الرؤية الأمينة يجب أن تسمح للدليل أن يقوم بتشكيلها، فما يشكله الدليل هو الحقيقى، و هذا أفضل من إتباع معتقدات قد تكون مجرد أمانى!

المشكلة الرابعة هى إهمال النقد النصى. تتمثل هذه المشكلة فى النظر إلى الدليل الذى يدعم القراءة الموجودة فى النص المُستخدم فقط دون النظر إلى الدليل بشكل متكامل. و لكى نعرف جيداً، فإن كل قراءة موجودة فى أى ترجمة لها ما يدعمها من التقليد النصى. مثلاً، كل نص موجود فى ترجمة فانديك له ما يشهد له سواء فى جزء أو كل قوائم الشواهد (مخطوطات – ترجمات – آباء). لكن ليس معنى أن نص ما موجود فى مخطوطة ما أنه نص أصلى! ليس معنى أن النص الفلانى موجود فى الشواهد كذا و كذا و كذا أنه نص أصلى، لأنه قد يوجد شواهد أخرى تقرأ النص بشكل مختلف! و بالتالى ينتج عن هذا الدفاع بهذا الشكل إلغاء كامل للنقد النصى كآلية و منهجية. لقد تعلمنا منذ البداية أن النقد النصى ينقسم إلى قسمين رئيسيين: المادة و المنهج. المادة هى الشواهد التى سيعمل الناقد من خلالها، و المنهج هو الوسيلة التى سيعمل بها الناقد فى المادة المتوفرة. هذا المنهج هو الذى يحدد القراءة الأصلية بين قراءات المخطوطات المتوفرة. فلنقل مثلاً أن هناك نص ما حوله مشكلات نصية، فيقول المدافع أن هناك المخطوطات كذا و كذا و كذا تحتوى على هذا النص. مشكلة هذه المعالجة أنها تتجاهل بقية الشواهد التى تقرأ النص بشكل مختلف. ببساطة، وجود النص فى التقليد النصى لا يثبت أنه النص الأصلى!

المشكلة الخامسة هى قيادة اللاهوت للتاريخ. النقد الكتابى بشكل عام هو تفعيل رؤية كونية لا تعتمد على أى ايمانيات. النقد الكتابى هو ما الذى نستطيع أن نعرفه عن هذا النص و كل ما له علاقة به عن طريق التاريخ فقط دون الإعتماد على أى إيمانيات. أحد الأمثلة الشهيرة جداً و يعرفها كل من درس النقد الكتابى بشىء من التعمق، هو الصراع القوى جداً حول علاقة المعجزة بالتاريخ. العلماء المحافظون لا يقولون أن المعجزة حدثت لأنهم يؤمنون أن الله موجود و يفعل المعجزة؛ إنما لأن الفحص التاريخى أثبت وجود المعجزة. نفس الأمر موجود فى كل فروع النقد الكتابى، و فى النقد النصى أيضاً. لا يجب أن تقود الرؤية اللاهوتية البحث التاريخى. الله وهبنا نعمة العقل، و هى وزنة أعطاها لكل إنسان و سيسأله عنها يوم أن يقف أمامه. الله لا يطلب من الإنسان أبداً أن يخالف عقله، بل إن الله يشجعنا على فم النبى:"هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ يَقُولُ الرَّبُّ" (أش 1 : 18). و الفعل "نتحاجج" أوردته الترجمات الإنجليزية إما reason أو argue، أى الإستخدام اللفظى ذاته لما يفعله العلماء اليوم. لذا يجب أن ننتبه دائماً إلى أن التاريخ هو الذى يقود اللاهوت فى مجال العلوم الكتابية، و ليس العكس. الدليل هو الذى يقود الإيمان، و ليس العكس.

أخطر المشكلات التى أراها فعلاً هى أننا نخالف العلم و هو معنا! العلم الكتابى لا يقف ضد الكتاب المقدس، و النقد النصى ليس علم مضاد للكتاب المقدس، و بالتالى لا داعى أبداً للهجوم عليه. فحينما يقول أحدهم مثلاً أن أحد قواعد البرهان الداخلى هى مجرد ظن و يتمنى لو أستطاع أن يقول أنها مجرد وهم، فهو بهذا لا يهاجم سوى النقد النصى، و ليس من يرد عليه! أنه يهاجم شىء لا يدرك قيمته ولا وزنه و لكن بالتأكيد عن غيرة للكتاب المقدس. لكن الغيرة بهذا الشكل تهاجم الكتاب و العلم الذى يعيد تكوين نص الكتاب الأصلى، ليس المتجرأ على الكتاب المقدس!

لا يستطيع أن يخطىء؟


"كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ" (1 يو 3 : 9).

كيف لا يفعل الخطية ولا يستطيع أن يُخطىء؟

الأب متى المسكين يشرح النص كالتالى:

"لا يستطيع أن يُخطىء καὶ οὐ δύναται ἁμαρτάνειν

هذا أخلاقياً بإعتبار أن الخطية مضادة و عدوة لله، و فاعلها الأصلى هو الشيطان، لذلك فالإستبعاد هنا هو بالنسبة لأى خطية أخلاقية أو أى ما يُدعى خطية تُعمل بالإرادة و المعرفة و الموافقة. فالمضادة مطلقة بين المولود من الله و الخطية. هنا ينبغى أن نقول: إن هناك فرقاً بين إنسان مسيحى مؤمن و إنسان مسيحى مؤمن مولود من الله، فليس كل إنسان مؤمن مولوداً من الله، بل يتحتم أن يكون الروح القدس قد حل فى قلبه و أن تكون كلمة الله الحية فعالة فى وعيه الروحى المفتوح، كالفرق بين إنسان آمن و لم يقبل الروح القدس بعد، مثل التلاميذ قبل حلول الروح القدس يوم الخمسين و بعده. حيث معمودية الروح القدس كانت هى المسئولة عن الولادة الجديدة للمؤمن:

"هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟» قَالُوا لَهُ: «وَلاَ سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ....فَلَمَّا سَمِعُوا اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ فَطَفِقُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ وَيَتَنَبَّأُونَ" (أع 19 : 2 – 6).

و لسنا نحن هنا بصدد نتيجة حلول الروح القدس من جهة المواهب و لكن من جهة الخليقة الجديدة المولودة من فوق من الماء و الروح، فهى المُهيَّئة و المُعدَّة لدخول الملكوت. فالميلاد الجديد من الروح يعنى تقبل طبيعة الله لقبول حياة الشركة مع الآب و الإبن التى يدعو إليها القديس يوحنا فى بدء رسالته الأولى بالنسبة لكل المؤمنين. و هو هنا فى هذه الآية يُعطى الشرط الوحيد للمسيحى المُعدّ للشركة مع الآب و الابن و هو أن يكون مولوداً من الله ولا يصنع خطية بل و لا يستطيع أن يصنع خطية، و ذلك بحصوله على الروح القدس المحسوب أنه الـ sperma الذى يُولد منه لله:

+ "فَقَالَ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللَّهِ»" (يو 3 : 3).
+ "أَجَابَ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللَّهِ" (يو 3 : 5).

لذلك كانت الكنيسة المرتشدة بالروح القدس تعد أولادها بعد الميلاد من الجسد ليقبلوا المعمودية من الماء و الروح لقبول الروح القدس، ليُولدوا جديداً من الله، ليكونوا مُعدّين و صالحين للتعاليم بأن يسلكوا فى الحياة الجديدة ولا يُخطئوا. و لكنها علمتهم حتى و لو أخطأوا بعد قبولهم الحياة الجديدة فبالإعتراف و التوبة و الإلتجاء إلى المسيح كشفيع تُغفر لهم خطاياهم. لأن العبرة هنا هى فى الحصول على الخليقة الجديدة المُعدَّة للملكوت، و لكن الخليقة العتيقة تظل معرَّضة للخطية طول الحياة الأرضية، و لكن هذا لا يمنع الإنسان الجديد أن يحصل على الحياة الأبدية لأنه حاصل على قوة القيامة فى المسيح يسوع. غير أن الميلاد من الله و الحصول على الإنسان الجديد يتحتم أن يكون له فاعلية و وجود من الآن ضد الخطية و ضد كل ما هو مخالف لمشيئة الله. و علامات فاعلية الإنسان الجديد واضحة: محبة الله من كل القلب و الفكر و القوة، و محبة الآخرين بالبذل و التضحية، و محبة الأعداء و المقاومين، و محبة الصلاة و السهر و العبادة بالروح، و محبة الإنجيل و الإنفتاح لكلمة الله، و حفظ الإنسان نفسه من كل ما يُغضب الله، و السلوك بالإتضاع و طاعة صوت الله فى الضمير".

الأب متى المسكين، الرسالة الأولى للقديس يوحنا الرسول: شرح و تفسير، ص 123 – 124.

الأحد، 22 نوفمبر، 2009

قصص من الأبوكريفا (1)


أنتهيت من قراءة أبوكريفا العهد الجديد منذ أسابيع، و أريد فى هذه السلسلة عرض بعض القصص اللطيفة الظريفة خفيفة الظل الواردة فى هذه الكتب. القصة الأولى فى إنجيل الطفولة العربى، المقدمة، حيث وردت المعلومة التالية:"سنجد التالى فى كتاب يوسف رئيس الكهنة الذى عاش فى زمن المسيح و الذى يسميه البعض قيافا. فقد قال هذا أن يسوع تكلم بالفعل حينما كان فى المهد و قال لمريم أمه: أنا يسوع، ابن الله، الكلمة، الذى ولدتيه كما أعلن لكى الملاك جبرائيل؛ و أبى قد أرسلنى لأجل خلاص العالم" (Philip Schaff, Ante-Nicene Fathers, Vol. 8, 2nd Printing, Hendrickson: USA 1995, P. 405). بمجرد أن قرأت هذه القصة تذكرت أننى قرأتها فى مكان ما. حاولت و حاولت كثيراً أن أتذكر أين قرأتها؟ لكن خانتنى ذاكرتى. لكن أنا متأكد من أننى قرأت فى مصدر ما عن يسوع أنه تكلم فى المهد، و لكن لست واثقاً هل قال أنه ابن الله الكلمة مخلص العالم أم قال شىء آخر؟ لا أعرف!

الأربعاء، 18 نوفمبر، 2009

أساقفة الفاصلة!


أحد الإقتباسات التى أرهقتنى لسنين فعلاً بدون مبالغة، هو إقتباس للفاصلة اليوحناوية عند ربعمائة أسقف من شمال أفريقيا يستشهدون بالفاصلة. هذا الإقتباس أرهقنى جداً لأنه منتشر جداً فى الدفاعيات الغربية على الشبكة، لكنى لم أعثر عليه فى أى مرجع للنقد النصى! يقول الإقتباس:"وهذا مثبت بواسطة القديس يوحنا الذى كتب: هناك ثلاثة يشهدون فى السماء؛ الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد". أخيراً وجدت مصدر الإقتباس و هو كتاب "تاريخ الإضطهادات فى أفريقيا" Historia Persecutionis Africanae Provinciae لمؤلفه فيكتور الفيتى Victor Vitensis، الفصل السابع، الفقرة رقم 46. هذا الكتاب هو كتاب لاتينى يرجع للقرن الخامس، يؤرخ الإضطهادات التى تعرض لها المسيحيين الأرثوذكسيين على يد الآريوسيين. مؤلف الكتاب، فيكتور الفيتى، كان أسقفاً فى تونس (حالياً)، و عاش فى القرن الخامس. و هذا الإقتباس قُدِم فى إعتراف الإيمان الذى قدمه الأساقفة المستقيمى العقيدة، فى المجمع الذى جمعهم مع الآريوسيين فى عام 484 فى مدينة قرطاج. نشر مينى هذا الكتاب فى مجموعته "الباترولوجيا اللاتينية"، كما صدرت له ترجمة إنجليزية فى التسعينات عن جامعة ليفر بول. و بالتالى، مصدر هذا الإقتباس هو: فيكتور الفيتى، تاريخ الإضطهادات 7 : 46. هذا الإقتباس يدعم بشكل قوى جداً رسوخ النص بقوة فى التقليد اللاتينى للعهد الجديد، مما يحمل فى ثانياه معانى كثيرة و يلقى الضوء أكثر على تاريخ إنتقال هذا النص. أخيراً، فقد وجدت مصدر الإقتباس فى الكتاب التالى:

Canon A. E. Brooke, A Critical and Exegetical Commentary on The Johannine Epistles, P. 160

الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2009

فريق الساجدين


كنت أشاهد المباراة الرائعة بين منتخبنا المصرى و منتخب الجزائر، التى تمت السبت الماضى فى أحد الكافيهات المطلة على البحر. فى لحظة معينة، كانت فى الدقائق الأولى، شعرت أننى أصبحت نفساً واحدة مع بقية أصدقائى الذين كانوا فى ذلك اليوم، و بالمصادفة العجيبة، مسلمين. و فى لحظة أخرى، كانت فى الدقائق الأخيرة، شعرت أننا لسنا مجرد أفراد بل منظومة كاملة واحدة تعزف سيمفونية رائعة؛ فلأول مرة أرى طريق الكورنيش قد أُغلِق نهائياً فى منطقة ستانلى. ما أزعجنى بحق هو سؤال متشدد يقول: هل تتمنى الفوز لفريق الساجدين؟ نعم أتمنى الفوز له دائماً، فهو فريق بلادنا التى نعيش فيها. كلنا مسيحيين و مسلمين مصريين، نحب هذا البلد، ولا يوجد ما يسعد الفرد المصرى سوى كرة القدم. لماذا نريد أيضاً أن نحرم أنفسنا البهجة و الفرحة فى لحظات تاريخية؟ لا يوجد ما يعيبهم فى كونهم مسلمين، فهم فى النهاية مصريين مثلنا، ولا يمثلون المسلمين ولا المسيحيين ولا يمثلون ديانات أصلاً، بل يمثلون بلدنا جميعاً. هذا البلد يضمنا معاً، و لا أرى فى من يتمنى الخسارة لمصر فقط لأن أعضاء الفريق مسلمين، سوى خائن لبلدنا، لا يعرف ولاء أو انتماء لها. لا معنى للربط بين الاحتقان الطائفى و فريق المنتخب. هذا الفريق يمثلنا جميعاً كمصريين، لا يمثل المسلمين فقط ولا يمثل المسيحيين فقط، بل كل مصرى. و من منا لم يرى أعلام البلد و قد إكتسحت البلاد من أولها لآخرها؟ و ماذا لو كانت المباراة بين مصر و السعودية؟ ألم يكن المسلمين المصريين أنفسهم هم أول من سيشجع الفريق المصرى؟ إنها لحظات ولاء لبلد، مهما كان ما يحدث به، و مهما كان ما به مما لا يعجبنا أو يرضينا؛ فهو فى النهاية بلدنا. و هل يستطيع الإبن أن يتنكر لأمه لأنها لا ترضيه؟ إنه الإبن العاصِ فقط! كثيراً ما ننسى أننا مصريين، و كثيراً ما يطغى العرق الدينى على العرق الوطنى. فلنترك الفكر الدينى جانباً، و لنستمتع معاً و نصلى معاً كلنا، مسيحيين و مسلمين، أن ينصر الله فريقنا غداً فى المباراة الفاصلة، حتى يمنح منتخبنا التوفيق و الفوز. كل فرد حر فى عقيدته و عبادته، فلا داعى أبداً لهذا التعصب الأعمى. من حقنا جميعاً أن نفتخر بفريق الساجدين، فهو فريق يسجد لله شكراً و إمتناناً! لنرفع جميعاً أيادينا نحو السماء، نطلب من الله أن يفرح قلوبنا، لأننا شعب لا يوجد ما يفرحه مثل كرة القدم. هذا هو واقعنا، و هؤلاء هم من سيمنحونا البهجة...فريق الساجدين! (أتمنى من كل القراء قراءة مقال جمال الشاعر و لميس الحديدى بالمصرى اليوم عدد اليوم!).

الاثنين، 16 نوفمبر، 2009

من هو يسوع؟


من هو يسوع؟
بروس م. ميتزجر
ترجمة: فادى اليكساندر


إنه السؤال الذى حيّر البشر على مر التاريخ: من هو يسوع؟ البعض يؤمن أنه مجرد معلم يهودى صالح، و البعض الآخر يعتقد أنه كان حكيم متأثر بالثقافة اليونانية، و آخرين ظنوه مجرد إنسان يحب الخير و يسعى للسلام، و قطاع آخر يعتقد أنه مجرد إنسان أرسله الله كنبى لبنى اسرائيل. إنما المسيحية هى النظام اللاهوتى الوحيد فى العالم الذى تأسس على يسوع المسيح نفسه، مؤمنين بأن يسوع هو ابن الله الوحيد الذى من نفس جنس الآب، أى من طبيعته. يسوع هو محور إهتمام العالم كله على مدار التاريخ، و لم يلقى شخصاً مثله كل هذا الحب و التقدير و البحث عن حقيقته. لذلك، فقد رأيت أن أقوم بترجمة مقالة فريدة من نوعها، و هى هذه المقالة للعالم بروس ميتزجر. فى هذه المقالة لا يتكلم ميتزجر عن السؤال الذى يأتى من وراء القرون منادياً: من يقول الناس أنى أنا؟ إنما ميتزجر يعالج موضوع أكثر خطورةً: من يقول يسوع أنه هو؟ فى هذه المقالة، يشرح ميتزجر بشكل مُنظم ما الذى علّم به يسوع عن نفسه. بروس ميتزجر كان واحد من أكبر علماء العهد الجديد فى القرن العشرين، و قد ترك لنا تراثاً علمياً ضخماً. أطمح بتقديم هذه المقالة، أن أساهم فى تقديم عمله لقراءة العربية. أرجو أن تقرأ هذه المقالة بفكر منفتح، فهى معالجة لاهوتية من الطراز الأكاديمى الأول فى تحليل أقوال يسوع فى الأناجيل الأربعة. تمت الترجمة عن مقدمة ميتزجر للعهد الجديد
[1]. و يمكنك أن تعرف عن بروس ميتزجر أكثر هنا.


من هو يسوع؟
بروس م. ميتزجر
أستاذ العهد الجديد السابق
معهد برينسيتون اللاهوتى


ما هى الدلالات التى نسبها يسوع إلى نفسه؟ هل إعتبر نفسه مجرد معلم، و الذى كان مثل معلمين يهود آخرين معاصرين له، يجب أن يعلم أتباعه أشياء تخص العقيدة و الأخلاق؟ أم هل فكر فى نفسه على أنه المسيا، المُختار من الله، الذى إتجهت له آمال شعب؟ كيف إستخدم لنفسه تعبيرات مثل "ابن الله"، "ابن الإنسان"، "المسيا"، و كيف أعطى تفسيراً مميزاً للشخصه و أعماله من خلال ما قاله و ما فعله؟

يجب إدراك أن هذا الموضوع، و هو ما الذى علّم به يسوع عن نفسه، يختلف عن بقية الموضوعات التى تم تناولها فى هذا الفصل. فعن تعليمه عن الله، ملكوت السماوات، أو البشر، تعامل مباشرةً مع الموضوع، و لكن فى تعليمه عن نفسه فسنجد أنه لم يعلّم بشىء مباشر عن نفسه نستطيع أن نسميه "كريستولوجى". فما يجب أن نبحث عنه هو الإفتراضات المُسبقة التى يضعها خلف تعليقاته عن شخصه و عمله. هذه الإفتراضات لم يُعلن عنها بصراحة، فحينما ننظر للأمر بعمق، سنجد أنه من الواضح أننا لا يجب أن نتوقع من يسوع أن يذهب لشخص ما مثلاً و يقول له:"أنظر إلىّ، أنا أريدك أن تعرف أننى ابن الله، المسيا"! فبحسب طبيعة حالته، فإن الطريقة الوحيدة التى يستطيع أن ينقل بها هذه الفكرة بشكل مقنع، هو أن يعطى تلاميذه بعض الإرشادات الغير مباشرة حول إرساليته و قدره، من خلال ما فعله و ما قاله أيضاً.

أولاً: المسيا

لقب "المسيا" هو كلمة عبرية تعنى "الممسوح" و التى أصبحت فى اليونانية "خريستوس" و فى الإنجليزية "كرايست" (المسيح فى العربية). و هذا اللقب كان يخص أى شخص تم مسحه بالزيت المقدس، مثل رئيس الكهنة (لا 4 : 3، 5، 16) أو الملك (2 صم 1 : 14، 16). و فى الفترة الاخيرة من زمن العهد القديم، أصبح اللقب "المسيا" يتطلب مرجعية خاصة ليشير إلى الملك النموذجى الممسوح من الله، أى المُفوض بروح الله، ليصل بشعبه لإرساء ملكوت الله فى البر (دا 9 : 26 – 27). و فى فترة ما بين العهد القديم و العهد الجديد، توسعت هذه الأفكار بشكل ملحوظ و أخذت قوالب مختلفة فى القطاعات اليهودية المختلفة.

و حينما نتجه إلى العهد الجديد نجد أن الكلمة اليونانية "خريستوس" تكررت 55 مرة فى الأناجيل الأربعة، و 474 مرة فى بقية العهد الجديد. الشىء الذى يجب أن نلاحظه فى ضوء أن هذه الكلمة كانت مُستخدمة بشكل واسع جداً فى الكنيسة الأولى للإشارة إلى يسوع، هو إستخدام يسوع المحدود للقب. فالكلمة لا تظهر إطلاقاً فى أقوال يسوع الى تنتمى إلى المصدر Q. و من بين سبع مرات ظهرت الكلمة فيهم فى انجيل مرقس، ثلاث مرات فقط جاءت على لسان يسوع (9 : 41؛ 12 : 35؛ 13 : 21)، و حتى فى هذه الثلاث مرات لا ينسب يسوع اللقب لنفسه بشكل مباشر. و فى اناجيل متى، لوقا، و يوحنا، نادراً ما نجد اللقب على لسان يسوع، و تقريباً لم ينسبه أبداً لنفسه (فقط فى مت 23 : 10؛ و مرتين بعد القيامة فى لو 24 : 26؛ و يو 17 : 3). نستنتج إذن من هذه البيانات أنه بينما كان أعضاء الكنيسة الأولى يتكلمون عن يسوع كثيراً بإعتباره المسيح، فالكلمة تظهر فى كل كتب العهد الجديد ماعدا رسالة يوحنا الثالثة، فإن يسوع كان معارضاً لإستخدام اللقب ليشير لنفسه.

هذه المعارضة لا تعنى أن يسوع لم يعتقد بأنه هو المسيا، لأنه حينما كان يواجهه أحدهم سواء فى عبارة مباشرة أو سؤال حول مسيانيته، كان يعترف بانه هو المسيا. ففى قيصرية فيلبى، قبِل إعلان بطرس:"أنت هو المسيح" (مر 8 : 29؛ و قارن مت 16 : 16)، و فى وقت محاكمته رد على سؤال قيافا:"أنت هو المسيا ابن المبارك؟" (مر 14 : 61) بتأكيد واضح قائلاً:"أنا هو". و بالمثل فى انجيل يوحنا، أجاب يسوع المرأة السامرية حول عباراتها عن المسيا بقوله:"أنا هو الذى يتكلم إليكى" (يو 4 : 26).

إذن، فمعارضة يسوع لإستخدام لقب "المسيا" نبعت بلا شك من التوقعات السياسية و القومية التى إرتبطت باللقب فى عقول المعاصرين ليسوع. أكثر من مرة فى خلال خدمته، حذر الآخرين، سواء أولئك الذين شفاهم أو تلاميذه من أن يعلنوا للعامة أنه هو المسيا (مر 1 : 25؛ 5 : 43؛ 7 : 36؛ 8 : 30؛ 9 : 9). لقد كان إنكاره الثابت للنغمات السياسية للحكم و السلطة فى إنسجام تام مع خدمته بالكامل، حتى أنه فى يوم أحد الشعانين تقبل المواقف الحماسية من الذين هتفوا بأنه مخلص اسرائيل المُنتظر، فقد ركب لأورشاليم ليس فرساً مُعد للحرب، و إنما حمار صغير، جحش ابن أتان (مت 21 : 2 – 11). و لاحقاً أعترف لبيلاطس أنه ملك، و لكنه أعلن أن ملكه ليس من هذا العالم (يو 18 : 36 – 39).

ثانياً: ابن الإنسان

فضل يسوع لقب "ابن الإنسان" ليشير لنفسه بدلاً من لقب "المسيا". هذا التعبير يقع 81 مرة فى الأناجيل، و موجود فى التقاليد الخمسة عن يسوع كما تم تحديدها بالفحص العلمى، و سنضع هنا مثال على كل واحد منهم لأنه كافى: المصدر Q (مت 8 : 20؛ لو 9 : 58)، مرقس (2 : 10)، المادة الموجودة فى متى فقط (25 : 31)، المادة الموجودة فى لوقا فقط (17 : 22)، و التقليد اليوحناوى (5 : 27). و واحدة من أهم المعالم التى تميز كل الإستخدامات لهذا اللقب فى الأناجيل، هى أنها كلها ماعدا استثناء واحد فقط خرجت من شفتى يسوع نفسه، و لم يستخدم تلاميذه هذا اللقب أبداً، ولا أتباعه، ولا ملتمسى مساعدته، ولا حتى أعداؤه. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا اللقب لا يظهر فى بقية كتب العهد الجديد سوى أربعة مرات فقط (أع 7 : 56؛ عب 2 : 6؛ رؤ 1 : 13؛ 14 : 14). إذن فمن الواضح أن هذا التعبير يحمل شهادة خاصة عن إستخدام يسوع لهذا اللقب و تفضيله له، و قد أنتقل هذا التعبير بإخلاص بواسطة الإنجيليين و بقية كُتّاب العهد الجديد.

الإستخدام اليهودى السابق للقب "ابن الإنسان" يشير إلى أنه يحمل أكثر من معنى. ففى مرات يظهر على أنه يعنى مجرد الإنسان البشرى فقط. و فى سفر حزقيال حيث يقع لقب "ابن الإنسان" و الذى تُرجِم فى الترجمة المُنقحة القياسية الجديدة "بشراً" أكثر من تسعين مرة، كان يصف النبى على أنه مجرد خليقة إنسانية ضعيفة فى نظر الله القدير. أما الإستخدام الثالث للعبارة يقع فى دانيال 7 : 13 – 14 حيث يصف النبى الرؤية التى رآها قائلاً:"رأيت شبه كائن بشرى (حرفياً: شبه ابن إنسان) يأتى مع سحب السماء. و جاء إلى القديم (أى الله القدير) و أُحضِر قدامه. له أُعطِى سلطان و مجداً و مُلكاً حتى أن كل البشر، الأمم، و الألسنة، تتعبد له. سلطانه سلطان أبدى لا يزول أبداً، و ملكه لن يتدمر أبداً".

هذه العبارة هنا تُشِير إلى تشخيصات قديسى العلى (7 : 18، 27). ثم فى الأدب الرؤيوى اللاحق، مثل أخنوخ (أخنوخ، الفصول 34 – 61). و أسدارس (2 أسدارس، الفصل 13)، أصبح المصطلح "ابن الإنسان" يُشير إلى إنسان فائق، أى المُختار، و قد أُستُخدِم ليُشير إلى الحاكم المسيانى لملكوت الله.

أى معنى من هذه المعانى الثلاث لمصطلح "ابن الإنسان" فى العهد القديم أثر فى يسوع فى غالبية إستخداماته الخاصة لهذا التعبير؟ بفحص المقاطع الواردة فى الأناجيل حينما يظهر هذا المصطلح، يتبين لنا أن يسوع قد عرّف نفسه بابن الإنسان السماوى الذى ظهر فى رؤية دانيال، و لكنه فى نفس الوقت إستخدام اللقب بمعنى جديد و أغناه أكثر. فيما يلى أمثلة نموذجية لهذا التعبير من الأناجيل، تنقسم إلى ثلاث تصنيفات:

1- بعض الحالات تقع فى سياقات ترتبط بنشاط يسوع فى خدمته العامة. فحينما يشفى المشلول (مر 2 : 10) أو يبرر أعمال تلاميذه يوم السبت (مر 2 : 28) أو يرد على شخص تمنى أن يتبعه (مت 8 : 20 و ما يوازيه فى لو 9 : 58) أو يقارن بينه و بين يوحنا المعمدان (مت 11 : 19؛ لو 7 : 34 – 35)، فإنه يُشير لنفسه كابن الإنسان.
2- فى عدة مقاطع أخرى يُشير التعبير إلى مجىء ابن الإنسان الثانى فى المستقبل على سحب السماء (مت 24 : 27؛ مر 13 : 26 – 27؛ 14 : 62؛ لو 17 : 24 – 30). الفكرة الرئيسية فى هذا السمو الظاهر فى هذه المقاطع مُقتبس تقريباً من المقطع الوارد فى دانيال 7 : 13 – 14.
3- فى المجموعة الثالثة من الأقوال المرتبطة بابن الإنسان، نجد أن يسوع يعدل و يكبر معنى التعبير بحرية. فى هذه الأقوال يُشير يسوع إلى ضرورة إقترابه من الآلام، الموت، و القيامة (مت 20 : 18، 28؛ 26 : 45؛ مر 8 : 31؛ 10 : 33؛ 14 : 21، 41؛ لو 18 : 31؛ 19 : 10). بالإضافة إلى ذلك، فإنه يعرف نفسه بعبد الرب المتألم الذى وصفه أشعياء (أش 53 : 10 – 12)، و يعلن أن:"ابن الإنسان لم يأتى ليُخدَم بل ليخدِم، و ليعطى حياته فِديةً عن كثيرين" (مر 10 : 45).

الشىء الجديد، إذن، فى إستخدام يسوع لهذه الجملة، هو خلطه لأفكار التذلل و التألم و الموت مع أفكار السمو و الإرتفاع المستقبلى لابن الإنسان. فواضح أنه أراد أن يستخدم تعبير يكون معناه غامض و لذلك يستطيع تعريف نفسه بصورة أكثر دقة حتى يستطيع أن يعبر عن لغز شخصه و خدمته. فكما إستخدم يسوع هذا التعبير "ابن الإنسان"، فقد إستخدمه بشكل يحمل تناقض ظاهرى بشكل جوهرى. أنه يضع يسوع داخل إطار إنسانيته، و مع ذلك يجعله أسمى من كل البشر. أنه لقب يعلن مجده الغير أرضى و خزيه الأرضى. أنه لقب يشتمل على فكر الإنسان الذى أتى من السماء و الذى سيظهر فى نهاية العالم لكنه يجب أن يكون مخفياً فى البداية. بإختصار، تعريفه لنفسه بإنه ابن الإنسان يشتمل على زعمه بأنه سيأتى يوماً ما و سيتم الإعتراف به كالحاكم، المسيا، و المخلص.

ثالثاً: ابن الله

على العكس من لقب "ابن الإنسان" الذى أُستُخدِم من قِبل يسوع فقط فى الأناجيل، و على العكس من لقب "المسيا" (المسيح) الذى أستخدمه الآخرين، فإن لقب "ابن الله" أو "الابن" هو لقب إستخدمه الطرفين. و فى انجيل يوحنا، يستخدم البشير اللقب الأكثر تحليلاً كثيراً "ابن الله" (1 : 34، 49؛ 5 : 25؛ 9 : 35؛ 10 : 36؛ 11 : 4، 27؛ 19 : 7؛ 20 : 31) تماماً كما يستخدم اللقب فى شكله البسيط المُطلق "الابن" (3 : 17، 35 – 36؛ 5 : 19 – 23، 26؛ 6 : 40؛ 8 : 36؛ 14 : 13؛ 17 : 1)، و اللقب الخاص بيوحنا "الابن الوحيد" (3 : 16 – 17 و قارن مع 1 يو 4 : 9 – 10). فعبر انجيله بالكامل، كان إهتمام البشير الرابع هو إظهار أن ذاك الذى كان مع الله فى البدء، الذى كان بالفعل الله نفسه، أصبح الآن متجسداً فى جسد بشرى (يو 1 : 1، 4). و بتعريفه لابن الله كملك اسرائيل (1 : 49)، يكرر المؤلف معلناً أن يسوع إدعى علاقة فريدة لا مثيل لها مع الله. أكثر من مرة حاول اليهود قتل يسوع لأنه قام بتجديف:"لأنه لم يقم فقط بكسر السبت، بل دعا الله أنه أبيه، مساوياً نفسه بالله هكذا" (يو 5 : 18؛ و قارن 10 : 30 – 33). و عن طريق سلسلة من التصريحات التى لا نجد مثيل لها، مثل "أنا هو خبز الحياة" (يو 6 : 35)، "انا هو نور العالم" (8 : 12)، و "أنا هو القيامة و الحياة" (11 : 25)، نرى يسوع يستخدم الصياغة الثيؤفانية الخاصة بأوصاف يهوه السامية جداً فى العهد القديم (أنظر خر 3 : 14). فليس من المفاجىء إذن أن ينتهى هذا الإنجيل ببيان أن يسوع القائم من الموت لم يقبل فقط كلمات التوقير من الرسول توما:"ربى و إلهى!" و لكنه يبارك كل من يعترف مثله (يو 20 : 28 – 29).

و رغم أن لغة الأناجيل الإزائية حول يسوع كابن الله تختلف عن تلك الموجودة فى الانجيل الرابع، فإن الإنطباع الذى يتركونه لدى القارىء هو نفس إنطباع الانجيل الرابع: يسوع يدعى و يقبل الكرامة الخاصة بالإلوهية فقط. فبالإضافة إلى إثنتى عشر نصاً أو أكثر مقطعاً إزائياً ينسب الآخرين لقب "ابن الله" له مع قبوله الواضح لهم (مثل مت 16 : 16؛ مر 3 : 11؛ 5 : 7؛ 14 : 61؛ لو 8 : 28)، فإن كلاً من المصدر Q و انجيل مرقس يمثلان يسوع متكلماً عن نفسه بإعتباره "الابن" أو داعياً الله أبيه بطريقة جديدة و فريدة. فبكلا الطريقتين، بشكل مباشر كما فى إعترافه امام قيافا (مر 14 : 62)، و بشكل غير مباشر كما فى مثل الأجراء الأشرار (مر 12 : 1 – 9)، يدعى يسوع ليس أنه فقط ابن الله، بل ابن الله المحبوب الذى سيأتى على سحب السماء. و فى واحد من أهم المقاطع الكريستولوجية الموجودة فى العهد الجديد بالكامل، و المحفوظ فى المصدر Q (مت 11 : 27؛ لو 10 : 22) يتكلم يسوع عن بنوته لله التى لا يشاركه فيها أحد:"كل الأشياء أعطاها لى الآب، ولا أحد يعرف الإبن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الإبن و لمن أراد الإبن يكشف له". هنا، فى أقدم طبقة من الأناجيل الإزائية و بلغة كل حرف فيها يشتمل على نفس السمو المُستخدم فى الانجيل الرابع، يسوع يدعى أنه ليس فقط الوحيد الذى يتمتع بعلاقة خاصة بالله، و لكن أنه أيضاً الوحيد الذى من خلاله يستطيع الآخرين أن يتمتعوا بعلاقة مشابهة.

بالإضافة إلى مثل هذه الإدعاءات المباشرة ليسوع فى أنه ابن الله الفريد من نوعه، فإن الاناجيل تحتوى على شهادات أخرى غير مباشرة تُشِير إلى نفس الإتجاه. لأكثر من مرة يدعى يسوع يقول يسوع ما معناه أنه فى شخصه و عمله، فإن شىء ما جديد و مفرح و رائع قد حدث للعالم. فحينما تم توبيخه لأن تلاميذه لم يهتموا بالصيامات اليهودية التقليدية، رد قائلاً أنه طالما موجود معهم، فإن الصيام غير مناسب كما لو كانوا صائمين فى فرح (مت 9 : 14 – 15؛ مر 2 : 18 – 19؛ لو 5 : 33 – 35). و فى موقف آخر حينما أشار إلى الملك سليمان و شهرته بالحكمة، أعلن يسوع أنه فى شخصه و فى ملكوته:"شىء ما أعظم من سليمان موجود هنا!" (مت 12 : 42: لو 11 : 31).

ثم يأخذ يسوع الحق لنفسه بأنه لديه سلطة غفران الخطايا، و هو الإمتياز الذى أدركه اعداؤه بشكل صحيح خاص بالله فقط (مر 2 : 5 – 7؛ 25 : 31 – 46). و يدعى بصراحة أن كل البشر سيقفون أمامه يوماً ما ليدينهم، ليس فقط عن أعمالهم، بل أيضاً على نياتهم، التى يعرفها الله فقط (مت 7 : 22 – 23؛ 25 : 31 – 46). بل و يضع طلبات بأن الأفراد يجب أن يسلموا أنفسهم بالتمام له، كمن يعرف نفسه بأن قضيته هى قضية الله. مثلاً يقول:"كل من يعترف بى قبل الآخرين، سوف أعترف أنا أيضاً به أمام أبى فى السماوات" (مت 10 : 32)، و قوله:"و كل من يحب أباً أو أماً أكثر من لا يستحقنى، و كل من لا يحمل الصليب و يتبعنى لا يستحقنى" (مت 10 : 37، و قارن لو 14 : 26 – 27). فى هذه المقاطع و فى أقوال أخرى مشابهة، فإن قيمة حياة الرد بأكملها و قدره يتعلق بعلاقة هذا الشخص بيسوع.

أقوال "أنا" التى قد تُعتبر من الخصائص الفريدة للاهوت اليوحناوى، موجودة أيضاً فى التسجيلات الإزائية. عظة يسوع على الجبل تمثله كمن يضع قراراته على قِدم المساواة مع القرارات التى ينسبها العهد القديم لله نفسه ("قد سمعتم أنه قد قِيل...و لكن أنا أقول لكم" مت 5 : 21 – 22، 27 – 28، 31 – 32، 38 – 39، 43 – 44). إنه نفس الضمير "أنا" الذى له السيادة الذى يعنى وعى يسوع بنفسه، و يظهر فى أماكن كثيرة؛ مثل:"أنا سوف أعطيكم راحة" (مت 11 : 28)، "أنا أتيت لأدعو لا أبراراً بل خطاة" (مر 2 : 17) و "أنا أتيت لأضع ناراً فى الأرض" (لو 12 : 49). هذه التصريحات المدهشة لها روعة نحن غالباً لا نستطيع تقديرها حق قدرها بسبب ألفتنا لها التى جعلت إدراكنا الحِسى غبى.

حتى إستخدام يسوع المميز لكلمة "آمين" التى تُترجم عادةً إلى "الحق الحق" تتضمن حقيقة مُطلقة و سلطة لرسالته لا يوجد لها مثيل فى أى مكان آخر. الأدب اليهودى بأكمله لا يوجد فيه أى مثال لأى كاتب أو معلم رابينى يبدأ ملاحظاته بالتعبير:"الحق أقول لكم...". لكن هذه الصياغة التقديسية تظهر ثلاثين مرة فى انجيل متى، ثلاثة عشر مرة فى انجيل مرقس، ست مرات فى انجيل لوقا، و خمسة و عشرين مرة فى انجيل يوحنا (الذى عادةً يكرر الكلمة "الحق، الحق..."). الأقوال التى تتقدمها الصيغة التقديسية هذه محتواها متنوع، و لكن غالبيتهم عن شخص يسوع، إما كالمسيا أو كمن يطلب الإيمان بمسيانيته بعكس المظاهر الخارجية و الآراء الخاطئة حول شخصه. و الفكرة من وراء كلمة "آمين" قبل هذه الأقوال هى إظهار أن حقيقة الأقوال مُطلقة لأن يسوع نفسه بتقديسه لها يعترف بهم كأقواله هو الخاصة، و بهذا يقتنون شرعيتهم. و التضمين الكامل فى طريقة يسوع المميزة هذه فى الخطاب هى تأكيد يسوع على سلطته الفريدة، مقدماً نفسه على أنه الذى يتكلم باسم الله و بإقرار الله نفسه. فلا يندهش القارىء إذن حينما يعرف أنه فى نهاية عظة يسوع على الجبل:"صُعِقت الجموع من تعليمه، فقد علّم كمن يمتلك سلطة، و ليس مثل كتبتهم" (مت 7 : 28 – 29).

من كل ما قِيل سيتضح أن هناك رؤية سامية لشخص يسوع تتخلخل فى كل الأربعة أناجيل. فكلماته و أفعاله المُوثّقة فى أقدم الوثائق الأدبية للأناجيل الإزائية ليست مختلفة فى نوعيتها (رغم إختلافها فى اللغة) عن الشهادة المُسجلة فى الإنجيل الرابع. فبعد عمل أقسى فحص دقيق للمصادر، يجب على الفرد أن يستنتج بأن يسوع الناصرى بشهادته و بكلماته، إدعى أنه هو ابن الله الوحيد
[2].

لقد كان بسبب هذا الإدعاء السامى أن يسوع قد سُلِم للموت بواسطة أولئك الذين رأوه قد إرتكب التجديف (مر 14 : 61 – 64). و لذلك فمن كل تعاليم يسوع، لا يوجد تعليم نستطيع أن نكون واثقين من قوة تاريخيته مثل هذا التعليم، لأنه بدون هذا العنصر لا يوجد شىء فى حياته يمكن أن يبرر بشكل معقول الحِدة و العداوة الذين أدوا به إلى موت. إن تقوى اليهود المستقيمين تلخصت فى سخريتهم اللاذعة التى إتجهت نحوه و هو على الصليب:"إن كنت ابن الله، فإنزل من على الصليب" (مت 27 : 40؛ و قارن الأعداد 41 – 44).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] Bruce M. Metzger, The New Testament: Its Background, Growth & Content, 3rd Revised & Enlarged Edition, Abingdon Press: USA 2003, P. 175 – 182.
[2] لقد تمت الإشارة كثيراً إلى أن إدعاء يسوع بكون ابن الله الوحيد هو إما حقيقى أو زائف. فلو أنه حقيقى، فإنه: (1) قد تمت عبادته على أنه الله بشكل صحيح فعلاً. لو أنه زائف، فإما أنه يعرف أنه الزعم زائف، أو أنه لم يعرف أن الزعم زائف. فى الحالة الأولى فإنه: (2) كاذب، و فى الحالة الثانية فإنه: (3) مجنون. لا يوجد أى إستنتاج رابع يمكن وضعه بجانب هؤلاء الثلاثة.


الأحد، 15 نوفمبر، 2009

النقد النصى و التفسير - الجزء الأول


النقد النصى و التفسير
الجزء الأول
(لو 2 : 22)
فادى اليكساندر


هناك عدد من المشكلات النصية يشغل بالى دائماً، لأن له أهمية خاصة مرتبطة بتفسير النص. و بنعمة الرب، ستتعامل هذه السلسلة مع أشهر النصوص التى يتأثر تفسيرها بالنقد النصى. و هذا النص محل النقاش إستدعى فى أحد المرات أن أبقى بداخل مكتبى ليومين كاملين، و مازال من ضمن النصوص التى أعود دائماً و أرجع لها. سيظل كذلك حتى بعدما كتبت هذه المقالة. يقول القديس لوقا البشير فى بشارته:"وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ" (لو 2 : 22). هذا النص بهذا الشكل يتكلم عن القديسة العذراء مريم، بعدما تطهرت بعد الولادة كما نصت شريعة العهد القديم (لا 12 : 8؛ لا 5 : 11)، ثم صعدت مع يوسف النجار و معهم الطفل يسوع إلى أورشاليم. لا يوجد مشكلة فى هذا النص بهذا الشكل، فهو يتكلم بشكل طبيعى عن رحلة جميلة لعائلة لطيفة لمدينة رائعة هى أورشاليم!

الجانب النصى

المشكلة، هى أن لوقا لم يكتب:"وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا"؛ بل كتب:"وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهُمَا". لاحظ الفارق فى الضمير المُستخدم، من المفرد المؤنث، إلى المثنى. لذلك فهذه المشكلة هى نموذج مثالى للتداخل بين النقد النصى و التفسير. من هما المقصودان بالضبط بالتطهير؟! لنبدأ أولاً بالجانب النصى، لنعرف لماذا قراءة المثنى هى الأفضل.

يوجد للنص عدة قراءات فى الشواهد المتوفرة، نلخصها فى البيانات التالية
[1]:

1- ضمير المُثنى "تطهيرهما": السينائية، السكندرية، الفاتيكانية، واشنطن، ثيتا، دلتا، العائلة الأولى، العائلة الثالثة عشر، و المخطوطات: K L X 053 28 33 565 700 892 1009 1010 1071 1079 1195 1216 1230 1241 1242 1253 1344 1365 1546 1646 2148 و المصحح الثالث فى المخطوطة 2174، بجانب غالبية المخطوطات اليونانية. و من الترجمات: السيريانية (البشيتا – الهيراقلية – الفلسطينية) و القبطية (الصعيدية – مخطوطات من البحيرية)، القوطية، الأرمينية، الإثيوبية، الجيورجية، و أحد مخطوطات اللاتينية القديمة. و من الآباء: اوريجانيوس، كيرلس الأورشاليمى، أغسطينوس، و كيرلس السكندرى.
2- ضمير المفرد المذكر "تطهيره": بيزا، و المخطوطة 2174. و من الترجمات: السيريانية السينائية، و مخطوطة من القبطية الصعيدية. ولا يوجد شواهد آبائية للنص، إنما شاهد ليتورجى من صلوات البصخة المقدسة.
3- ضمير المفرد المؤنث "تطهيرها": ورد فى مخطوطة يونانية واحدة و هى 76.
4- قراءة "التطهير" فى المصدر: ورد فى مخطوطة يونانية واحدة و هى 435، و فى الترجمة القبطية البحيرية، و عند القديس ايريناؤس و أمفيليشيوس.
5- قراءة "مريم" مع "التطهير" فى المصدر: ورد فى واحدة من مخطوطات الفلجاتا.

المشكلة الرئيسية فى تقرير الشواهد، هى الفلجاتا. و تكمن المشكلة فى الفلجاتا فى أن الكلمة eius قد تعنى الضمير المفرد المذكر أو الضمير المفرد المؤنث؛ فلا نعرف بالضبط أى قراءة هى التى قصدها المترجم: هل "تطهيره" أم "تطهيرها"؟ فى التعليق النصى للإصدار النقدى لنص جمعيات الكتاب المقدس المتحدة، لم يحدد العلماء أى قراءة منهما تتبعها الفلجاتا، بينما فى التعليق النصى للإصدار النقدى نيستل آلاند، لم تتم الإشارة إلى الفلجاتا نهائياً فى هذه المشكلة! و الأمر العجيب هو أن النص المُستلم لا يذكر قراءة المفرد المؤنث، بل المثنى، و هى نفس القراءة التى ذكرها ويستكوت و هورت و بقية الإصدارات النقدية! فمن أين أتت هذه القراءة، أقصد قراءة المفرد المؤنث؟ جاءت من الإصدار اليونانى الكومبليتنسى الذى صدر بعد إصدار ايرازموس مباشرةً. ثم أدخلها ثيؤودور بيزا فى عدة طبعات لإصداره اليونانى، و قد أخذها مترجمى النص الإنجليزى لترجمة الملك جيمس عن هذه الإصدارات، و عن هذه الترجمة الإنجليزية تمت ترجمة فانديك، فدخلت القراءة للترجمة العربية!

البرهان النصى محسوم لصالح قراءة الضمير فى المثنى "تطهيرهما"، فالتقليد النصى يدعمها بشكل ما شبه كامل. كذلك البرهان الداخلى فى صالحها، حيث أنها هى القراءة الأصعب. و يُلاحظ أن هذه القراءة هى الواردة فى نص الأغلبية، و نص الشكل البيزنطى أيضاً. إذن، فالأصالة محسومة جداً لصالح قراءة "تطهيرهما".

المشكلة الآن هى فى الشق التفسير: من هما المقصودان بالتطهير فى النص؟

الجانب التفسيرى

تنص شريعة العهد القديم على أن المرأة بعدما تلد بحاجة لفترة تطهير، فنقرأ:"اذَا حَبِلَتِ امْرَاةٌ وَوَلَدَتْ ذَكَرا تَكُونُ نَجِسَةً سَبْعَةَ ايَّامٍ. كَمَا فِي ايَّامِ طَمْثِ عِلَّتِهَا تَكُونُ نَجِسَةً" (لا 12 : 2). إذن، فالمرأة بحاجة إلى تطهير بعد الولادة؛ لذا فواحد من الإثنين المقصودين بالضمير المثنى فى "تطهيرهما" هو القديسة العذراء مريم. لكن، من هو الثانى؟ شريعة العهد القديم لا تقول أن الرجل يحتاج إلى تطهير فى هذه الحالة، ولا تقول أن الطفل بحاجة إلى تطهير فى هذه الحالة. و هنا يجب أن نلاحظ أن قراءة المفرد المذكر تشير إلى الطفل يسوع أو يوسف النجار. هناك مشكلتين نلاحظهما فى النص:

1- من هو الثانى المقصود بالتطهير: يوسف النجار أم الطفل يسوع؟
2- ما هو التطهير الذى قد يحتاجه يوسف النجار أو الطفل يسوع؟

المشكلة الأولى ليست بصعوبة الثانية، فمن خلال سياق النص نستطيع أن نفهم أن المقصود هو يوسف النجار. إذا قرأنا النص بأتنى، سنجد أنه يقول: بعدما تمت أيام تطهيرهما، صعدا به إلى الهيكل، فالضمير "صعدا" عائد على الفاعل فى العبارة الأولى. اللذين صعدا فى العبارة الثانية هما العذراء مريم و يوسف النجار، لأن النص يضع يسوع فى ضمير خاص "صعدا به". إذن، التطهير يعود على القديسة العذراء مريم و يوسف النجار
[2]. ستيين يعبر عن هذا الفِهم للنص بقوله:"أوضح معنى للضمير فى "تطهيرهما" يظهر على أنه الفاعل للفعل "صعدا"، أى هما"[3]، بما يعنى أن الفعل "صعدا" يعود على الفاعل و هو الضمير فى "تطهيرهما، و هذا ما رآه بلامر أنه:"قد أُثبِت بسياق النص"[4].

غير أن هذا لا يعنى أنه لا يوجد علماء رأوا أن المقصود هو الطفل يسوع. يبدأ هذا الطرح مع أوريجانيوس و قد أيده علماء لهم وزنهم المرموق، مثل فيتزمير و مارشال. و فى الوقت نفسه، ذهب آخرين إلى أن المقصود هو اليهود، أى بعدما تمت أيام التطهير التى يتطلبها اليهود، مثل الراباى السابق ثم المتنصر فيما بعد، ايدراشيم. على أن الرأى القائل بأن الأم و الطفل بحاجة إلى تطهير، يستند إلى أساس واحد و هو أن لوقا بحكم كونه غير فلسطينى، كان متأثراً بالثقافة الهيلينية التى أتى منها التى تنجس الأم و الطفل بعد الولادة. على أن هذا التفسير لا يستقيم لعدة أسباب:

1- لا يوجد أى دليل فى النص يُشير إلى ذلك، ولا يوجد أى معالم أو اشارات أو مميزات هيلينية تجعل من هذا التفسير يطفو على السطح.
2- فى السياق الكامل للنص، نجد أن لوقا يتتبع الأحداث من وجهة نظر يهودية بحتة، فكان حريصاً على الإشارة إلى إتمام العائلة لفرائض الناموس (قارن بين الأعداد 21، 24، 27، 39).
3- لا يوجد أى سبب لإفتراض التأثر الهيلينى فى موضع واحد فقط فى كتابى لوقا البشير، الانجيل و الأعمال. يبرز هذا أكثر إذا كان هناك تفسير أفضل للنص يوفر سهولة دون تعقيد مُبالغ فيه.
4- هذا التفسير يخالف سياق النص الذى يربط بين الفاعل، و هو الضمير المثنى، و الفعل فى العبارة التالية، و هو "صعدا" و الذى يفصل بين الصاعدين و الطفل يسوع.

أما غالبية العلماء الذين يعتقدون أن النص يُشيِر إلى الأم و الطفل، ينظران لمسألة التطهير بشكل مختلف، و هو ما سيجعلنا ندخل فى المشكلة الثانية فى النص و التى تشتمل أيضاً على ضرورة تفسير حاجة يوسف النجار إلى تطهير!

سنقسم حديثنا فى هذه النقطة إلى جانبين يدور حول: تفسير حاجة يوسف النجار للتطهير إذا كان المقصود هو يوسف، و تفسير حاجة الطفل يسوع للتطهير إذا كان هو المقصود. ما أرجحه أنا بالأكثر هو يوسف النجار، إستناداً على سياق النص. لكن على كل حال، سنتناول آراء العلماء الذين يرون فى النص دلالة على يسوع و ليس يوسف النجار.

يوسف النجار

يُقدِم لنا العالم داريل بوك فى تفسيره الضخم لانجيل لوقا عدة تفاسير ممكنة طرحها العلماء فى بحوثهم و دراساتهم فى انجيل لوقا
[5]:

التفسير الأول: قد يكون يوسف النجار قد ساعد فى عملية ولادة يسوع، و بالتالى قد يكون طاله دم القديسة العذراء مريم الذى يُعتبر نجس فى ذلك الوقت بحسب شريعة العهد القديم لمدة أربعين يوماً. و قد ورد فى نص المشنا أن من يشارك فى عملية الولادة و يطوله هذا الدم النجس يصبح "إمتداداً للنجاسة"
[6]. نخرج من هذا أن يوسف النجار أيضاً قد طالته النجاسة، مما يتطلب منه تطهيراً. و يجب أن ننتبه إلى أن شريعة العهد القديم لم تضع تطهيراً للرجل، لأنه لا يحمل نجاسة؛ إنما المرأة فقط لأنها تحمل الدم النجس. فإذا طال يوسف الدم النجس، فهو بالتأكيد بحاجة إلى تطهير.

التفسير الثانى: بما أن يسوع قد تم نذره لله، فلابد أن القديسة العذراء مريم و يوسف النجار قد شاركا معاً فى تقدمته للرب. و هذا يتضح أكثر حينما ننظر فى خلفية العهد القديم الواردة حول نذر ألقانا و حنة لإبنهما صموئيل النبى، حيث قد قدم ألقانا النذر عن زوجته، رغم أن الزوجة هى التى كانت لابد أن تقدم النذر (1 صم 1 و خاصةً ع 21).

التفسير الثالث: و يتعلق بكيفية فِهم الضمير، و الذى يمكن أن يُفهم على أنه مُضاف للفاعل، فيكون معنى النص "مشاركتهما" فى التطهير. بهذا يصبح معنى الكلمة هو مجرد مشاركة من يوسف النجار، و ليس تعرضه لعملية تطهير فعلى. و لكن السؤال الذى يطرح نفسه: كيف شارك يوسف النجار فى عملية التطهير؟ قد يكون دمج هذا التفسير مع الأول يوضح الصورة أكثر.

التفسير الرابع: أن لوقا قد قصّد عدة أدوار، قام بهم يوسف النجار و القديسة العذراء مريم، و أراد أن يختصر هذه الأدوار معاً ليدخل فى فكرته الرئيسية من النص و هى تقديم يسوع كنذير للرب. هذا الإختصار لم يسمح للوقا بوضع تفاصيل دور كل منهما فى هذه العملية، حيث أن الحديث عن التطهير مجرد مقدمة ليدخل فى تقديم النذر؛ و ذلك يتضح أكثر حينما نرى أن تركيز النص كان على تقديم يسوع كنذر للرب.

إذا نظرنا فى هذه التفسيرات، سنجد أن بها بعض المفارقات، و التى أشار لها والاس فى مقالته. فإذا كان يوسف قد شارك فى عملية الولادة و بالتالى إحتاج لتطهير، فما هو وضع النساء المساعدات فى عملية الولادة؟ هل إحتاجوا ايضاً إلى تطهير؟ و أيضاً إذا كان لمس الدم يتطلب تطهيراً، فلماذا لم يكن الطفل المولود بحاجة إلى تطهير؟ فى الحقيقة، هذه الأسئلة تذهب بنا إلى عمق أوسع فى الموضوع، فلماذا قالت شريعة العهد القديم أن المرأة التى تلد تحتاج إلى تطهير؟ لا يقدم العهد القديم إجابة على هذا السؤال، و لكنه لا يقول بأن المُساعِدات فى الولادة لا يحتجن إلى تطهير، رغم أنه أيضاً لم يوصى بحاجتهم لتطهير! فالمشكلة الحقيقية تكمن فى حصر التطهير فى الأم دون الطفل. غير أن العلماء اليهود يخبروننا بأن المشكلة هى فى الدم السائل نفسه! و هذا فعلاً ما يقوله النص بوضوح:"فَتَطْهَرُ مِنْ يَنْبُوعِ دَمِهَا" (لا 12 : 7). المشكلة ليست فى أن الدم نفسه يحمل نجاسة، أو خطية، أو شىء ما معنوى كهذا، إنما المشكلة فى الدم السائل نفسه الذى يستمر بشكل متدفق لأيام ثم لأسابيع بشكل أقل
[7]. لذلك لا يمكن ليوسف النجار أن يحتاج لأيام تطهير، لأنه إذا لمسه الدم سيتخلص منه بسهولة! و بالتالى، فالتفسير الأول لا يستقيم، حتى لو كانت المشنا تُشِير له، لأننا لا نعرف بالضبط هل إلتزم يوسف و العذرء بنص العهد القديم الذى يعطى يسراً، أم بالمشناه التى عسرت الأمور أكثر.

التفسير الذى أراه أكثر ملائمة، هو خلط بين التفاسير الثلاثة الأخرى، و هو أن لوقا قد قصد بكلمة "تطهيرهما" تطهر القديسة العذراء مريم من دم الولادة، و تكريس و نذر يسوع بواسطتهما. فلوقا قد إختصر أدوار القديسة العذراء مريم و يوسف النجار معاً، حتى يدخل سريعاً فى صلب الموضوع، و هو ما كانا يقومان به: نذر يسوع للرب. صحيح أن لوقا إستخدم لفظ "التطهير" فقط دون الإشارة إلى تقديم النذر، و لكن يقدم لنا والاس عدة أمثلة من العهد القديم، تمت ترجمة الفعل العبرى للنذر فى الترجمة السبعينية إلى الفعل اليونانى للتطهير (قارن بين النص اليونانى و العبرى للنصوص: خر 29 : 37؛ 30 : 10؛ لا 8 : 15؛ 16 : 20؛ عد 12 : 15؛ 30 : 6)
[8]. هذا الدليل يُشِير إلى أن المصطلح كان عريض و واسع و يحتمل عدة تفرعات فى المعنى تليه. و يخبرنا والاس:"من المُرجح جداً أن لفظ "التطهير" بمعناه الأشمل كان معروفاً للوقا". دعونا ننظر فى عينة من هذه النصوص:

النص الأول (خر 29 : 37):"سَبْعَةَ ايَّامٍ تُكَفِّرُ عَلَى الْمَذْبَحِ وَتُقَدِّسُهُ. فَيَكُونُ الْمَذْبَحُ قُدْسَ اقْدَاسٍ. كُلُّ مَا مَسَّ الْمَذْبَحَ يَكُونُ مُقَدَّسا". حيث جاء النص اليونانى فى السبعينية: ἑπτὰ ἡμέρας καθαριεῖς τὸ θυσιαστήριον καὶ ἁγιάσεις αὐτό, καὶ ἔσται τὸ θυσιαστήριον ἅγιον τοῦ ἁγίου· πᾶς ὁ ἁπτόμενος τοῦ θυσιαστηρίου ἁγιασθήσεται. و قد إستخدم النص اليونانى هنا الفعل καθαριεῖς "تطهر" ليترجم الفعل العبرى וקדשׁת الذى يعنى "ينذر" أو "يقدس".

النص الثانى (لا 8 : 15):"فَذَبَحَهُ وَاخَذَ مُوسَى الدَّمَ وَجَعَلَهُ عَلَى قُرُونِ الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرا بِاصْبِعِهِ وَطَهَّرَ الْمَذْبَحَ ثُمَّ صَبَّ الدَّمَ الَى اسْفَلِ الْمَذْبَحِ وَقَدَّسَهُ تَكْفِيرا عَنْهُ". حيث جاء النص اليونانى فى السبعينية:καὶ ἔσφαξεν αὐτὸν καὶ ἔλαβεν Μωυσῆς ἀπὸ τοῦ αἵματος καὶ ἐπέθηκεν ἐπὶ τὰ κέρατα τοῦ θυσιαστηρίου κύκλῳ τῷ δακτύλῳ καὶ ἐκαθάρισεν τὸ θυσιαστήριον· καὶ τὸ αἷμα ἐξέχεεν ἐπὶ τὴν βάσιν τοῦ θυσιαστηρίου καὶ ἡγίασεν αὐτὸ τοῦ ἐξιλάσασθαι ἐπ᾿ αὐτοῦ. و قد إستخدم النص اليونانى هنا الفعل ἐκαθάρισεν "طهره" ليترجم نفس العبرى المذكور فى النص السابق.

النص الثالث (لا 30 : 5):"وَإِنْ نَهَاهَا أَبُوهَا يَوْمَ سَمْعِهِ فَكُلُّ نُذُورِهَا وَلوَازِمِهَا التِي أَلزَمَتْ نَفْسَهَا بِهَا لا تَثْبُتُ وَالرَّبُّ يَصْفَحُ عَنْهَا لأَنَّ أَبَاهَا قَدْ نَهَاهَا". حيث جاء النص اليونانى فى السبعينية: ἐὰν δὲ ἀνανεύων ἀνανεύσῃ ὁ πατὴρ αὐτῆς, ᾗ ἂν ἡμέρᾳ ἀκούσῃ πάσας τὰς εὐχὰς αὐτῆς καὶ τοὺς ὁρισμούς, οὓς ὡρίσατο κατὰ τῆς ψυχῆς αὐτῆς, οὐ στήσονται· καὶ κύριος καθαριεῖ αὐτήν, ὅτι ἀνένευσεν ὁ πατὴρ αὐτῆς. و قد أستخدم النص اليونانى هنا الفعل καθαριεῖ ليترجم الفعل العبرى אסרה الذى يعنى "ألزم".

بناء على ذلك، فإن لوقا بهذا الفعل قد قصد فى هذا الفعل تطهير الأم و نذر الابن، مما يشير إلى فِهم واضح و مقبول بل و مناسب جداً للنص. و أشدد على أن هذا التفسير يبدو ملائماً جداً فى ضوء التوكيد الواضح فى النص على تنفيذ الناموس بنذر البكر. هوارد مارشال، واحد من أكبر علماء العهد الجديد فى القرن العشرين، يقول:"من المُرجح جداً أن لوقا دمج تطهير الأم و تقديم الطفل فى حدث واحد معاً"
[9].

الطفل يسوع

غالبية التفاسير التى تنظر للنص على أنه يتكلم عن القديسة العذراء مريم و الطفل يسوع، ترى أن النص يحمل معنى روحى ناحية يسوع بكونه مخلص العالم. لا أريد التطرق كثيراً إلى هذا التفسير لأنه لا يحمل أى دلالة فى النص ولا يوجد ما يستند عليه فى النص، ولا هو تفسير إستنتاجى حتى، بل تأملى بحت. لكن شكل آخر للتفسير الخاص بالطفل يسوع يعتمد بشكل خاص على التفسير الأول ضمن التفاسير المعروضة بالأعلى حول يوسف النجار، و هو أن من يلمس الدم يحتاج إلى تطهير. لكن كما رأينا، لم يفرض العهد الجديد أى تطهير على الطفل، و بكل تأكيد لا يوجد طفل يُولد لن يطوله الدم، فلو كان كذلك لكان العهد القديم فرض ضرورة تطهير الطفل أيضاً، و هو ما لم يحدث.

التفسير الآبائى

يُقدِم لنا القديس كيرلس الكبير تفسيراً ضمنياً للنص بنفس هذا الشكل، فيقول:"وبعد ختانه تنتظر العذراء إلى وقت تطهيرها، وحينما تكتمل الأيام وتصل إلى ملء الأربعين يومًا، فإن الله الكلمة الجالس على عرش الآب، يُحمَل إلى أورشليم ويأتون به إلى حضرة الآب بطبيعة بشرية مثلنا وبواسطة ظل الناموس يُحسب في عداد الأبكار. لأنه منذ قبل التجسد كان الأبكار مقدَّسين، ومكرَّسين لله، ويقدَّمون لله بحسب الناموس. آه! كم هو عظيم وعجيب تدبير الخلاص! " يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه"(رو33:11). فإن ذلك الذي هو في حضن الآب، الابن المشارِك له في عرشه والمساوي له في الأزلية، الذي به خُلقت كل الأشياء في الوجود نراه رغم ذلك يخضع لمقياس الطبيعة البشرية، بل ويُقدَّم كتقدمة لأبيه رغم أنَّه يُكرَّم ويُمجَّد معه من الجميع. وماذا قدَّم هو؟ إنه كبكر وذَكَر قدَّم زوج يمام أو فرخي حمام حسب أمر الناموس. ولكن إلى ماذا يشير اليمام؟ وأيضًا إلى ماذا يشير الحمام؟ تعالوا إذن ودعونا نبحث هذا الأمر، فالواحد منهم هو أكثر طيور الحقل في إصدارها للأصوات، أما الآخر فهو مخلوق هادئ ووديع. هكذا صار مخلِّص الكل بالنسبة لنا مُظهرًا أكمل وداعة ولطف من نحونا. وأيضًا مثل اليمام، فإنه يهدئ العالم، ويملأ حقله الخاص الذي هو نحن المؤمنين به بنغم صوته الحلو. لأنه مكتوب في نشيد الأنشاد " صوت اليمامة سُمِع في أرضنا" (نش12:2)، لأن المسيح قد كلَّمنا برسالة الإنجيل الإلهية التي هي لخلاص العالم كله. إذن فقد قدَّم اليمام أو الحمام حينما قُدِّم للرب. وفي هذا يمكن أن نرى التقاء الحقيقة والرمز معًا في نفس الوقت. والمسيح قدَّم نفسه رائحة طيِّبة لله، لكي يُقدِّمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يلاشي العداوة الناشئة عن عصيان آدم، ويبطل الخطية التى استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: " التفت إليَّ وارحمني" (مز16:25)"
[10].

الإستنتاج

كما رأينا، فإن النقد النصى له علاقة لا تنفصل بتفسير النص. لكى نفهم النص، علينا أن نعرفه أولاً! لكى نفهم ما الذى يعنيه لوقا، علينا أن نقرأ ما الذى كتبه لوقا فعلاً. لا معنى لتنحية الدليل جانباً فقط حتى لا ندخل أنفسنا فى صعوبات. نحن بذلك لا نخدع سوى أنفسنا! و مع ذلك، فهناك أكثر من طريقة لفِهم النص دون الدخول فى مشكلات لا نستطيع حلها. و حتى لو كانت هناك مشكلات لا نستطيع حلها، و هو ما هو واقع بالفعل فى أماكن أخرى، يجب أن ننتهز هذه الفرصة لنقول لله: نحن نؤمن بك، نثق فى أنك صاحب هذا الكتاب، نحن نثق أننا لا نعلم كل شىء، و لكن سيأتى وقت ستمنحنا المعرفة الكاملة حينما تأخذنا عندك فى ملكوت السماوات إلى الأبد!

مُلخص ما توصلنا له هو:

1- قبل أن نفهم النص، يجب أن نقرأ النص! لهذا فعلم النقد النصى له صلة وثيقة لا يمكن أن تنقطع بعلم التفسير.
2- النص يتكلم عن يوسف النجار و القديسة العذراء مريم بحسب سياق النص، و له عدة تفسيرات و احتمالات ممكنة.
3- مصطلح "التطهير" كان يُشير إلى مفهوم عام و أشمل من مجرد فعل التطهير فى حد ذاته، و من المُرجح جداً أن لوقا كان يعرف المفهوم الأعم للمصطلح.
4- لوقا كان يتكلم، بشكل مُختصر و سريع، عن دور القديسة العذراء مريم فى التطهير من دم الولادة، و عن دور يوسف النجار فى تقديم النذر عن الطفل يسوع.
5- لا علاقة للطفل يسوع بعمل التطهير، لأنه لم يكن هناك ما يحتاج الطفل يسوع لتطهير منه. و التفسير الإستنتاجى للنص يصل بنا إلى أن المقصود هو يوسف.

أخيراً، لماذا نحن كمسيحيين لا نختار احتمال أن لوقا يكون قد اخطأ؟ لأننا نؤمن أن الله هو الذى أوحى بهذا الكتاب. هل هناك احتمال نظرى أن يكون لوقا قد اخطأ؟ نعم. هل هناك احتمال نظرى أن لوقا لا يكون قد اخطأ؟ نعم. فلماذا نختار الاحتمال الثانى؟ لأننا نؤمن و نثق أن هذا الكتاب هو كلمة الله الذى لا يوجد فيه خطأ. إن الإعتقاد فى وحى الكتاب المقدس ككلمة الله و فى عصمته عن كل خطأ هو ايمان، و ليس استدلال!

فادى اليكساندر
14 - 11 - 2009


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] يختفى التعليق النصى على هذه المشكلة من الإصدار الرابع للنص اليونانى لجمعيات الكتاب المقدس المتحدة، و من تعليق بروس ميتزجر الإصدار الثانى، و من إصداريى نص الأغلبية، و من تعليق روجر اومانسون، و لا يذكر تعليق نيستل آلاند الإصدار السابع و العشرين إلا قراءة ضمير المفرد المذكر فقط، و لم يعلق عليه دان والاس فى الترجمة الإنجليزية الحديثة (رغم أنه كتب مقالة عن الموضوع). غير ذلك، فقد وردت المشكلة فى التعليقات النصية الآتية و التى أخذت عنها البرهان المعروض، و هى:
The Greek New Testament, UBS 3rd Edition, P. 208-209; Novum Testamentum Graece, Nestle-Aland 27th Edition, P. 157; Bruce M. Metzger, Textual Commentary on The Greek New Testament, 1st Edition, P. 134; Philip W. Comfort, New Testament Text & Translation Commentary, P. 169 – 170; Daniel B. Wallace, Luke 2:22 "Their Purification" Or "Her Purification"? A Test-Case for Faith Vs. Reason, online: bible.org.
[2] J. Reiling & J. L. Swellengrebel, A Translator's Handbook on The Gospel of Luke, P. 125
[3] Robert H. Stein, The New American Commentary, Vol. 24 (Luke), P. 113
[4] Alfred Plummer, A Critical & Exegetical Commentary on The Gospels According To St. Luke, 5th Edition, P. 63
[5] Darrell L. Bock, Baker Exegetical Commentary on The New Testament: Luke, Vol. 1, P. 236
[6] Mishnah Nidda 5:1; 2:5; 1:3-5, Cited in Bock, P. 236
[7] The Jewish Study Bible, P. 233
[8] http://bible.org/article/luke-222-their-purification-or-her-purification-test-case-faith-vs-reason
[9] I. Howard Marshall, The Gospel of Luke: A Commentary on The Greek Text, P. 116
[10] القديس كيرلس السكندرى، تفسير انجيل لوقا، ص 45 – 46. نفس هذا التفسير موجود فى بقية تفاسير العلماء المُترجمة للعربية. أنظر مثلاً: ليون موريس، التفسير الحديث للكتاب المقدس: انجيل لوقا، ص 84؛ وليم باركلى، تفسير العهد الجديد: انجيل لوقا، ص 38 – 39؛ وليم ماكدونالد، تفسير العهد الجديد للمؤمن، الجزء الأول، ص 255 – 256؛ متى هنرى، التفسير الكامل الكامل للكتاب المقدس: العهد الجديد، الجزء الأول، ص 389.

السبت، 14 نوفمبر، 2009

بروس ميتزجر


علماء العهد الجديد
(3)
بروس م. ميتزجر


بروس م. ميتزجر Bruce M. Metzger

هو بروس مانينج ميتزجر، وُلِد فى عام 1914 فى ولاية بينسلفانيا، و توفى فى عام 2007 بولاية نيوجيرسى، بالولايات المتحدة، و قد كان أستاذ العهد الجديد السابق بمعهد برينسيتون اللاهوتى. و قد كان بروس ميتزجر واحد من أكبر علماء العهد الجديد على الإطلاق فى القرن العشرين، و أكبر ناقد نصى فى القرن العشرين و تاريخ هذا العلم، و أكبر مترجم للعهد الجديد، و أكبر سلطة فى اللغة اليونانية للعهد الجديد فى القرن العشرين تماماً.

حاز ميتزجر على درجة البكاليريوس من كلية وادى لبنان فى عام 1935، ثم إنضم لمعهد برينسيتون اللاهوتى فى عام 1938 و ذلك ليبدأ فى دراسة درجة البكاليريوس فى اللاهوت. و فى السنة التالية تمت رسامته راعياً فى الكنيسة الإنجيلية المشيخية. ثم فى عام 1940 حصل على درجة الماجستير من جامعة برينسيتون، حيث أصبح أستاذاً للعهد الجديد. و فى عام 1942، حصل على درجة الدكتوراه من جامعة برينسيتون فى الكلاسيكيات اليونانية و اللاتينية (و قد حاز ميتزجر فيما بعد على درجات الدكتوراه الفخرية من خمسة جامعات، هى: كلية وادى لبنان، كلية فيندلاى، جامعة القديس أندراوس، جامعة مونستر، و جامعة بوتشيف). و فى عام 1944، تم تعيينه أستاذاً مساعداً فى معهد برينسيتون اللاهوتى، و فى عام 1948 ترقى إلى درجة أستاذ مشارك، ثم إلى درجة أستاذ فى عام 1954. و فى عام 1964 تم منح ميتزجر كرسى جورج ل. كولورد فى تدريس لغة و أدب العهد الجديد. بالإضافة إلى ذلك، كان ميتزجر أستاذاً زائراً فى جامعتى اكسفورد و كامبريدج فى بريطانيا. ثم اعتزل ميتزجر التدريس حينما بلغ عامه السبعين، و قد كان ذلك فى الثمانينات، حيث كان آخر تلاميذه هما مايكل هولمز و يليه بارت ايرمان حيث أعتزل قبل أن ينتهى ايرمان من رسالة الدكتوراه الخاصة به.

بدون جدال، كان ميتزجر هو أكبر ناقد نصى فى القرن العشرين، و فى نظرى هو أكبر ناقد نصى عرفه تاريخ هذا العلم. فعلى مدى أكثر من نصف قرن، كان ميتزجر هو العالم الأول المسئول عن إصدار نص العهد الجديد اليونانى، و إصدار كبرى الترجمات الإنجليزية له. كان ميتزجر رئيساً لجمعية الكتاب المقدس الأمريكية لفترة طويلة من الزمن (لمن لا يعرف، فهذه الجمعية هى أكبر جمعية للكتاب المقدس فى العالم، و هى توازى دار الكتاب المقدس فى مصر). فقد كان ميتزجر واحد من محررى نص العهد الجديد اليونانى لجمعيات الكتاب المقدس المتحدة، و النص الموازى له نيستل آلاند لما يزيد عن نصف قرن من الزمان. كما كان ميتزجر رئيس لجنة العهد الجديد فى الترجمة المنقحة القياسية الجديدة، و قد شارك قبلها فى إصدار الترجمة المنقحة القياسية. و قد قام بترجمة الأسفار المحذوفة من العهد القديم (التى يسميها الأرثوذكس و الكاثوليك الأسفار القانونية الثانية، و التى يسميها البروتستانت الأسفار الأبوكريفية). و قد قدّم نسخة من الترجمة محتوية على هذه الأسفار إلى البابا يوحنا بولس الثانى بابا الفاتيكان السابق، و البطريرك ديمتريوس الأول، البطريرك المسكونى (أى بطريرك القسطنطينية) السابق.

و يأتى فى مقدمة أهم ما كتبه ميتزجر، الكتب: نص العهد الجديد، الترجمات القديمة للعهد الجديد، و قانون العهد الجديد. فالكتاب الأول هو الكتاب المدرسى الأول حول النقد النصى للعهد الجديد (مع كتاب آلاند)، و الثانى لا يوجد مثيل له و هو المرجع الوحيد الشامل عن الترجمات القديمة للعهد الجديد، و الثالث هو الكتاب المدرسى الأول حول قانون أسفار العهد الجديد. كما قد كتب ميتزجر الكثير من الكتب الأخرى، منها كتابه الشهير: تعليق نصى على العهد الجديد اليونانى، و مقدمته القياسية للعهد الجديد: العهد الجديد: خلفياته، نموه، و محتوياته. بالإضافة إلى ذلك، فقد كان ميتزجر هو المحرر العام لقاموس الكتاب المقدس الصادر عن جامعة اكسفورد (بالإشتراك مع كوجان) المُسمى: دليل اكسفورد للكتاب المقدس، بجانب عدة قواميس أخرى لها علاقة بالكتاب المقدس صدرت عن جامعة اكسفورد أيضاً. كذلك قام بكتابة كُتِيب صغير الحجم حول الأسفار المحذوفة بعنوان: مقدمة للأبوكريفا. و فى اللغة اليونانية، كتب الكتاب الجميل جداً الذى يساعد الطلاب على حِفظ مفردات يونانية العهد الجديد: مساعدات معجمية لطلاب يونانى العهد الجديد. هذا بجانب كتيبه الصغير الذى صدر مع بداية الألفية الجديدة و الذى يبحث بإختصار فى تاريخ ترجمة الكتاب المقدس: الكتاب المقدس فى عملية الترجمة.

دور ميتزجر فى تطوير منهج النقد النصى ليس بالقليل، فهو مع آخرين، له الدور الأكبر فى تطوير المنهجية النقدية السائدة فى الوسط العلمى الآن: الإنتقائية المعقولة. كما كان لميتزجر الدور الريادى فى إدخال بعض القواعد التى تساعدنا بقوة على تفسير نشأة بعض القراءات الواردة فى تاريخ الانتقال النصى. فإستحق بجدارة أن يكون هو أكبر ناقد نصى فى القرن العشرين.

ولا ننسى حوار ميتزجر الهام مع الصحفى لى ستروبل، و الذى يُعتبر المقال الوحيد الذى كتبه ميتزجر بشكل دفاعى، و فيه عرض آراؤه و إيمانه فى وحى الكتاب المقدس، و كيف أنه يؤمن ايمان راسخ بأنه قد وضع ثقته فى يسوع فى مكان صحيح، صحيح جداً!

مُجمل القول، لقد قدم ميتزجر العديد من الخدمات للمسيحية فى القرن العشرين. عاش ميتزجر ثلاثة و تسعين عاماً، قدم فيها للكتاب المقدس ما لم يقدمه له غيره أبداً. إستحق هذا الرجل عن جدارة أن يصبح الأب الروحى لعلم النقد النصى فى القرن العشرين. لذا فإننا نشكر الرب الذى وضع هذه المهمة فى يدى عالم أمين مؤمن حقيقى، و راعى عظيم لشعبه فى الكنيسة فى الولايات المتحدة.

الأربعاء، 11 نوفمبر، 2009

بلومبيرج مع الايمان العلمى


القراء الأعزاء، مرة أخرى نلتقى مع واحد من أكبر علماء العهد الجديد فى خدمة الإيمان العلمى. كريج ل. بلومبيرج، هو أستاذ العهد الجديد المميز فى معهد دينفر اللاهوتى بالولايات المتحدة. بلومبيرج هو واحد من أكبر خبراء العهد الجديد حول العالم، و أحد أنشط العلماء فى "يسوع التاريخى". كل ما يكتبه بلومبيرج من كتب، يصبح فوراً كتب مدرسية تُدرس فى كليات و معاهد اللاهوت المُعتبرة حول العالم. هو مؤلف الكتاب المدرسى الذى له عشرين عاماً الآن فى كبرى الجامعات "الموثوقية التاريخية للأناجيل"، و هو مؤلف الكتاب المدرسى الذى لم يجد له منافس فى يسوع التاريخى "يسوع و الأناجيل"، الذى صدر الإصدار الثانى منه هذا العام! بلومبيرج هو عالم قضى ثلاثين عاماً فى الدراسة و التعليم فى مجال يسوع التاريخى، محققاً إنجازات رهيبة، أدت به إلى مواجهة عنيفة مع سيمينار يسوع فور نشر دراساتهم فى بداية التسعينات. بلومبيرج هو واحد من الخبراء الذين يستضيفهم لى ستروبل فى كتاباته، و يُستضاف كثيراً فى وسائل الإعلام المسيحى فى الغرب. معنا اليوم بلومبيرج فى حوار شيق حول يسوع التاريخى، و لكن قبل أن تقرأ الحوار، تحتاج أن تعرف و تفهم بعض المصطلحات:

أولاً: و كما سيشرح بلومبيرج، يسوع التاريخى هو الفرع المعرفى الذى يبحث فيما نستطيع أن نعرفه عن يسوع بشكل معقول من الثقة، بناء على أسس و قواعد تاريخية بحتة، لا علاقة لها بالإيمان المسيحى ولا علاقة لها بأى عقيدة أخرى تشتمل على يسوع. بمعنى، أن العلماء العاملين فى هذا المجال لا يفترضون أن العهد الجديد هو كلمة الله، أو أن أى كتاب آخر هو كلمة الله، و بالتالى كل ما به صحيح بالضرورة. بل إنهم يفعلون المنهجيات التاريخية على العهد الجديد، بإعتباره مجموعة من الوثائق التاريخية التى تكتب عن يسوع، و تحاول أن تصل لحقيقة ما عمله و قاله يسوع أثناء حياته على الأرض، خاصةً الأناجيل الأربعة التى تمثل حياة يسوع. و هذا ليس نفياً لوحى العهد الجديد، إنما عدم تفعيل له لنصل ما الذى نستطيع أن نصل له على أسس تاريخية بحتة. عليك أن تعرف أن الغالبية العظمى من علماء العهد الجديد، متخصصين فى هذا المجال، و ذلك لأن هذا المجال مستعر و المناظرات فيه لا تتوقف و الأصوات العالية فيه تشمل كل إتجاه فكرى من كل صوب و لون.

ثانياً: ينقسم تاريخ البحث فى يسوع التاريخى إلى أربعة مراحل بحسب تقسيم جارى هابيرماس: التمهيد – البحث الأول – البحث الثانى – البحث الثالث (العلماء لا يعتبرون التمهيد مرحلة نظراً لعدم جديتها). فترة التمهيد: هى فترة القرن السابع عشر و الثامن عشر، و التى كان تتسم بوصف يسوع بالأساطير و الخرافات. فترة البحث الأول: هى الجزء الأخير من القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين، و تتميز بالفصل بين يسوع التاريخ و مسيح الإيمان. فترة البحث الثانى: و هى الفترة التى تلت الحرب العالمية الثانية، و تتميز بوضع يسوع فى إطار هيلينى. فترة البحث الثالث، و هى التى سيأتى على ذكرها بلومبيرج فى هذا الحوار، هى التى تبدأ بنهاية السبعينات و سارية حتى الآن، و التى تتميز بوضع يسوع فى سياقه اليهودى التاريخى.

ثالثاً: العلم يعنى المعرفة، و ينقسم إلى إثنين: "علم تجريبى" و "علم نظرى"، فالأول هو ما يختص بدراسة المادة، و الثانى يختص بدراسة الفكر. العلم التجريبى ببساطة هو العلوم الطبيعية مثل الفيزياء و الأحياء و ما إلى ذلك. العلم النظرى ببساطة هو العلوم الأدبية مثل دراسة التاريخ و الأدب. كلمة "العلم الطبيعى" فى هذا الحوار، هى الترجمة التى رأيتها مناسبة للعلم التجريبى، و هى ببساطة Science فى الإنجليزية!

فى هذا الحوار، وضعت الملحد أمامى، لأننا نحتاج للتركيز فى هذا المجال. و الآن إلى الحوار:

فادى: د. بلومبيرج، ما معنى مصطلح "يسوع التاريخى"؟

بلومبيرج: هذا المصطلح يعنى عدة أشياء مختلفة بحسب عدة سياقات مختلفة. و لكن المعنى العام المشترك هو ما نستطيع أن نصل له بشكل معقول ليكون حقيقة يسوع الناصرى، يهودى عاش فى القرن الأول، بناء على خلفيات تاريخية فقط دون إفتراض أى قواعد إيمانية مسيحية، أو أى معتقدات لأى دين آخر حول الموضوع.

فادى: من خلال عملك الضخم فى هذا الفرع المعرفى، ما الذى نحن واثقين فيه حول حياة و تعليم يسوع؟

بلومبيرج: اليقين لا يظهر فى دراسة التاريخ القديم بنفس الطريقة التى يظهر بها للعالم فى الطبيعيات، أى شىء ما غير مشكوك به بنسبة 100 %. و لكن هناك أشياء تبقى بعيدة عن أى شك معقول، رغم أن هذا لا يعنى أن هناك أشخاص يشككون فيهم! فبعيداً عن كل شك معقول، نعرف أن يسوع عاش فى الثلث الأول من القرن الأول فى اسرائيل، و كان هناك مواقف غير عادية أحاطت بميلاده و التى جعلت كلاً من أتباعه و معارضيه يضعوا تفسيرات غير عادية لميلاده، و أن خدمته فى البداية إرتبطت بشخص ما يُدعى يوحنا دعى اليهود للمعمودية كعلامة توبتهم لله و قد أُعدِم بيد هيرودس أنتيباس. و قد جمع يسوع حوله بعض التلاميذ، و لكنه جذب إليه جموع ضخمة، و قد صنع أعمال بطولية مدهشة حتى أن معارضيه نسبوها للشيطان، و لكن أتباعه نسبوها لروح الله. و بينما أنه لم يكسر ناموس موسى المكتوب، فقد كانت له وقفات خاصة متماسكة غير تقليدية فى تفسير الناموس، خاصةً بالنسبة إلى النقاء الشعائرى الذى هاجم بسببه قادة يهود معينين. و قد أشار لنفسه على أنه مصدر آخر للطهارة، و فهمه قادة الهيكل بشكل خاطىء، و قد دخل معهم فى تصريحات و أعمال مثيرة و قد فهمها البعض على الأقل كأنها تتضمن إدعاءات مسيانية. و قد قُبِض عليه أخيراً فى وقت عيد الفصح، و تنقل بين السلطات اليهودية و بيلاطس بونتيوس، حاكم اليهودية، و التى ظهرت على الساحة بشكل خاص بين الأعوام 26 - 36 ميلادياً. و بعد ذلك أُعدِم بالصلب لأنه أدعى أنه ملك يهودى على نحو ما، مما يعنى أنه هدد الإمبراطور طيباريوس فى روما. ة مع ذلك، قد إدعى أتباعه أنهم رأوه فى عدة مرات مختلفة قد قام من الموت بجسده من القبر. و بينما لم يقم أتباعه بالإنتحار كما فعل أتباع كل مسيا غير حقيقى، و بينما لم ينقلوا سلطته المسيانية إلى شخص آخر فى عائلته، فقد بدأوا سريعاً جداً فى عبادته و نسبوا إليه كل الإكرام و الألقاب التى ينسبها اليهود الموحدين لله فقط. و بمرور السنين، نما عدد هؤلاء الأتباع ليشمل اليهود و غير اليهود لاحقاً. و يجب أن تعرف أن كل المعلومات التى ذكرتها فى إجابتى هنا موجودة أيضاً فى مصادر أخرى غير مسيحية ترجع للقرون الأولى.

فادى: إذن، فهل نحن متأكدين أن يسوع إدعى أنه الله فعلاً بناء على أساس تاريخى فقط؟

بلومبيرج: مرة أخرى، اليقين لا يكون كامل مع مؤرخ العصور القديمة. و لكن لا يهم أبداً أى مصدر قديم نستطيع الرجوع إليه لنرى حياة يسوع، سواء قانونى أو أبوكريفى، سواء مع أو ضد، فأى فرد يستطيع أن يجد إدعاءات ليسوع يعرف فيها نفسه و يقوم بأعمال ذات أهمية خاصة فى سياقها التاريخى الأصلى، تكسر الحدود التى وضعها اليهود لأى إنسان دون أن يُتهم بالتجديف. و فى الحقيقة إذا نظرنا اليوم، فإن التحدى الأكبر فى الدوائر العلمية للأناجيل القانونية، هو المصادر الغنوسية، و التى لا تشكك أبداً فى أن يسوع إلهياً؛ فما شككوا فيه هو إنسانيته الحقيقية. و مما يدعو للسخرية، هو أن العلماء الذين يشككون فى إلوهيته، ينتخبون فقط ما يريدون من النصوص الغنوسية حتى يصلوا إلى الإستنتاجات التى يريدونها!

فادى: فهل آمن إذا أتباعه أنه هو الله نفسه؟

بلومبيرج: لا يوجد أى شك معقول فعلاً فى أنهم آمنوا أنه الله. كل كتاب من العهد الجديد، و قد كُتِبوا كلهم فى القرن الأول و أكبر المتطرفين يقولون فى بداية القرن الثانى، تعكس هذا الإيمان الراسخ فيهم. و بعد ذلك، فإن الوثائق المسيحية التى ترجع للقرن الثانى و الثالث، يكثر بها أكثر البيانات التى تصرح بأن يسوع هو الله بمرات عديدة.

فادى: الكثير من الشرقيين يزعمون أن الأناجيل الأربعة هى بيانات محرفة لحياة يسوع. هل تعتقد أن يسوع الموجود فى الأربعة أناجيل هو يسوع التاريخ الحقيقى؟ إن كان نعم، فلماذا؟

بلومبيرج: يجب أن نكون حريصين فى إستخدام المصطلحات و التعريفات. ما الذى يعنيه التحريف و التشويه؟ كل مؤرخ يختار ما يريد أن يكتبه، و إلا فلن يتوقف عن الكتابة أبداً. كل من يكتب سيرة شخص ما يفهم بعض الأحداث على أنهم أهم من أحداث أخرى فى حياة الناس الذى يكتب عنهم. و فى عالم الشرق الأوسط القديم، لم يكن هناك لغات تحتوى على علامات التنصيص، و لم يشعروا إطلاقاً أنهم يحتاجون إستخدام الإقتباسات الحرفية فى تلخيص تصريحات أى شخص، طالما أن الفرد قدم آرائهم بامانة فى كلماته هو. و سيرة الحياة المُرتبة تاريخياً لم تكن تُرى على أنها تحمل نفس القيمة التى أصبحت موجودة فى عصور و ثقافات أخرى. ما كان مهماً حقاً هو أن يتم وضع إختيارات من الأحداث و التعاليم من حياة الفرد التى أُعتبِرت هامة جداً، و تستطيع أن تعكس أهميتها بأمانة و تساعد الآخرين ليتعلموا بعض الدروس التى أعتقد المؤرخين أو كاتبى سيرة الحياة أنها يجب أن تصل للقارىء و يتعلم منها من حياة هذا الشخص. و طالما أننا ندرك هذه المعالم الخاصة بكتابة التاريخ القديم و سير الحياة، فنعم، الأناجيل القانونية تفتح لنا نافذة كبيرة على يسوع التاريخ. و إذا تم رفض هذه الأناجيل على أنها لا تقدم لنا يسوع التاريخ، فإن كل القواعد التى طُبِقت عليهم و أدت إلى رفضهم، حينما تُطبق على أى مصادر قديمة متعلقة بيسوع، سوف تؤدى بنا إلى رفض هذه المصادر أكثر و أكثر. لتفاصيل أكثر، راجع كتابى: الموثوقية التاريخية للأناجيل.

فادى: و لكن هناك العديد من العلماء الذين يشككون فى شهادة إنجيل يوحنا، قائلين أننا لا نعرف من هو كاتبه، و أنه قد كُتِب مؤخراً ليدخل عقيدة لاهوت المسيح. كيف تجيبهم؟

بلومبيرج: آه، لقد كتبت كتاب ضخم لكى أجيب على هذا السؤال بالتفصيل، مقطعاً مقطعاً، إسمه الموثوقية التاريخية لإنجيل يوحنا، فسيكون من الصعب علىّ تلخيص هذا العمل فى إجابة مُختصرة. و لكن، شهادة الكُتاب المسيحيين بالإجماع فى أقدم قرون التاريخ المسيحى، هى أن مؤلف الإنجيل هو يوحنا الرسل، واحد من أقرب تابعى يسوع و تلاميذه، و الذى كان أكثر المُحببين ليسوع على نحو ما. هناك شهادة واحدة فقط فيها لبس، و إذا كانت لا تتحدث عن يوحنا الرسول، فإنها تتحدث عن واحد من أتباع المسيحى من الجيل التالى ليوحنا الرسول، و هو إسمه يوحنا أيضاً، واحد من شيوخ كنيسة أفسس. و هناك إمكانية واضحة لأن يكون يوحنا هو آخر ما كُتِب من الأناجيل الأربعة القانونية، و كُتِب تقريباً فى تسعينات القرن الأول. و لكن إلوهية المسيح علمت بها الأناجيل الأخرى رغم أنها قد تكون غير صريحة، و قد علمت بها مقاطع كثيرة فى كتابات بولس بصراحة و التى ترجع بدون أى شك معقول إلى خمسينات القرن الأول. مع الوضع فى الإعتبار أن صلب يسوع لم يكن قبل عام 30 ميلادياً بأى حال، فإن هذه العشرين سنة الفاصلة ليست أبداً فترة زمنية طويلة، خاصةً حينما يظهر ذلك فى ضوء معايير العالم القديم. و التعليم الوارد فى 1 كو 15 : 1 يبين أن شاول الطرسوسى إلتقى بالمسيح القائم أولاً فى الطريق إلى دمشق، أى ليس أكثر من سنتين أو ثلاثة من موت يسوع على الصليب، كان يتم التعليم بأن يسوع قد قام من الموت بجسده فى أماكن كثيرة حول الإمبراطورية، مع قائمة بالشهود الذين رأوه. كتاب لارى هرتادو "الرب يسوع المسيح"، يضع الدليل بتفاصيله الضخمة، كما فعل ريتشارد بوخام عديداً فى كتاباته بشكل مُختصر.

فادى: و ماذا عن معجزات يسوع الخارقة للطبيعة؟ أليس من الصحيح أنه لا يوجد أى أدلة تدعم تاريخيتهم؟

بلومبيرج: يوسيفوس، المؤرخ اليهودى الذى عاش فى أواخر القرون الأول تكلم عن "أعمال مدهشة" قام بها يسوع رغم أن يوسيفوس لم يصبح مسيحيا أبداً! و التقاليد اليهودية اللاحقة التى تم تجميعها فى التلمود، تشير إلى معجزات يسوع أيضاً و لكن تنسبها إلى قوة الشيطان، و تدعوه المشعوذ الذى أضل اسرائيل. لم يحاولوا أن ينفوا قدرته على عمل المعجزات، و ذلك لأنه كان واضحاً أن معجزات يسوع كانت ثابتة جداً. حتى القرآن، مستعيراً من إنجيل توما الطفولى الأبوكريفى، يسرد واحدة من معجزات الطفل يسوع. و سواء قد حدثت هذه المعجزة أم لا فعلاً، فإنها تبين كيف أن التقليد الذى يقول أنه كان صانعاً للمعجزة متأصل بعمق فى العالم القديم. و بالنسبة للأناجيل القانونية، فإن المعجزات موجودة فى كل انجيل، بل و موجودة فى مصادر الأناجيل المفترضة نفسها، و موجودة فى أعمال الرسل و فى الرسائل، و تظهر هذه المعجزات فى شكل قصص ممتدة بالكامل لا تقف عند حد المعجزة فقط، و مرات أخرى تظهر مختصرة، بل و تظهر فى النصوص التعليمية أيضاً، و بهذا تتعدى القاعدة التاريخية "التوثيق المتعدد" بأشكال كثيرة. و المعجزات تظهر بشكل مناسب جميل فى ظل السياق العام ليهودية القرن الأول فى اسرائيل، و لكن مثلما فعل فى تعاليمه، فعل أيضاً كذلك فى المعجزات بتحديه للتفسيرات التقليدية لليهود و طبيعة المسيا، رغم أنه هو من تمم النبوة حول حلول العصر المسيانى من الكتب العبرية. جون ميير، صاحب الدراسة المكونة من أربعة مجلدات عن يسوع التاريخى و التى تُعتبر أكبر دراسة تمت من قِبل أى عالم معاصر و لم تنتهى بعد، يقول فى الجزء الثانى لكتابه "يهودى هامشى"؛ أن الدليل قوى جداً لأعمال يسوع الإعجازية فى خدمته، حتى أننا لو رفضناهم، يجب أن نعترف أننا لا نعرف أى شىء تماماً عن حياته!

فادى: بحسب معرفتنا من الأناجيل، فقد مات يسوع على الصليب. هل هذه الحقيقة موثوق بها بناء على سند تاريخى فقط؟ بكلمات أخرى، هل هناك أى مؤرخ يقول أن يسوع لم يُصلب و لم يموت على الصليب؟

بلومبيرج: هذه الحقيقة موثوق بها و مفروغ من أمرها. لا يوجد أى مؤرخ يعارضها؛ بل هنا مصادر غير مسيحية من القرون الأولى تتفق معها، و قد كان هذا حدث حقير، فهو عقاب كان يخص العبيد و المجرمين فقط فى الإمبراطورية الرومانية، أو من رأوا فيهم أنهم يريدون أن يُزلوا بهذا الشكل، لدرجة يصعب معها تخيل أن المسيحيين إخترعوا موت يسوع بهذا الشكل. فى الحقيقة، فبما أن كل أتباع يسوع الأوائل كانوا يهود، فلابد أنهم مر عليهم وصمة العار الموجودة فى تث 21 : 23 حول الموت بالصلب، و قد أتت تفاسير الرابيين اليهود تقول أن كل شخص أُعدِم بالصلب هو ملعون من الله. و إذا لم يكن يسوع قد صُلِب حقاً، فلا أحد كان سيتمنى أن يكون هذا مصير يسوع، ولا حتى بشكل خيالى.

فادى: تقول الأناجيل أن يسوع فى اليوم الثالث قام من الموت! هل هناك أى دليل تاريخى يشير إلى هذا الزعم؟

بلومبيرج: كما ذكرت سابقاً، هذا الإعقتاد موجود بشكل مذهل منذ القديم. لقد كان أستاذ التاريخ الملحد فى جامعة بون، جيرد ليوديمان، هو الذى كتب مشدداً على أن هذا الإعتقاد لا يمكن أن يكون شىء ما متأخر بكل بساطة، ليس تطوراً مثيولوجياً (خرافياً)، أن شاول الطرسوسى علِم بأن القيامة هى حجر الزاوية الإعترافى بالإيمان المسيحى خلال سنتين أو ثلاثة سنوات من موت يسوع، و هو الأمر الذى يعنى أن الرسل فى أورشاليم كانوا متفقين عليه فى زمن أقدم من هذا حتى حتى يصبح هذا الإعتقاد واحد من أساسيات الإيمان التى يجب تعليمها لأى مؤمن جديد. و ليوديمان صريح جداً لأنه يقول أنه لا يؤمن بالقيامة لأنه لا يؤمن بما هو خارق للطبيعة، فهو يدعى أنه يعرف بأن الناس الذين يموتون لا يرجعون للحياة مرة أخرى بناء على العلم الطبيعى الحديث. و لكنه يؤكد بشكل صحيح على أن التلاميذ آمنوا بأن يسوع قد قام من الموت جسدياً فى خلال سنة أو سنتين بعد موته، معتقداً بأن ما رأوه هو رؤى وهمية. و لكننا نستطيع أن نضيف على إحتجاج ليوديمان بأنه لابد أن يكون قد حدث شىء ما مُدرك بالحواس فى يوم الأحد، كان أكثر من مجرد رؤى وهمية و التى تعود للذهن مرات كثيرة. اليهود الأوائل الذين تبعوا يسوع فى خلال عشرين سنة بأقصى حد، نجدهم يعبدون يسوع كالرب القائم من الموت يوم الأحد، ليس السبت، و هو السبت اليهودى، رغم أنهم كيهود قد تعلموا بأن السبت هو اليوم الوحيد المقدس للراحة و العبادة طول الزمان. ماذا غير القيامة الحقيقية ليسوع كان سيدفعهم ليرفضوا واحدة من أهم عشر وصايا فى ناموسهم بهذا الشكل؟

فادى: و لكن العلم يقول أنه لا يوجد ميت يرجع للحياة مرة أخرى. لماذا يجب علينا أن نخالف العلم الطبيعى؟

بلومبيرج: مرة أخرى، فادى، يجب أن نكون دقيقين فى تعريفاتنا. العلم الطبيعى، بطبيعته، هو دراسة المتكرر. بشكل أكثر تحديداً، هو دراسة ما يمكن إعادة خلقه مرة أخرى فى مواقف مُتحكم بها بهدف إختبارها. لكن المعجزة، بالمعنى المُجرد لمصطلحها، ليست متكررة. فلاسفة العلم الطبيعى اليوم معتدلين أكثر فى إدعاءاتهم حول ما يستطيع العلم إثباته و ما لا يستطيع إثباته، و فى جامعات كثيرة حول العالم هناك نسبة كبيرة من المسيحيين المؤمنين فى أقسام العلوم أكثر من أقسام الإنسانيات! العلم لا يوجد لديه تفسير لمعجزات الشفاء التى حدثت فى القرنين العشرين و الواحد و العشرين. أنا نفسى شاهدت عدد قليل منهم، ناس لديهم أمراض لا شفاء لها، تم تشخيص أمراضهم بدقة من أساتذة متخصصين فى الطب أكثر من مرة لمدة من الزمن، ثم إختفى المرض مرة واحدة و لم يعد لسنوات طويلة حتى مات هؤلاء الناس لأسباب لا علاقة لها بمرضهم. العلم الطبيعى لا يملك تفسيراً لهذا. إذن فنحن لسنا بحاجة لمخالفة العلم حتى نؤمن بالقيامة، فالعلم لا يتجرأ على الحكم على شىء ما خارج نطاق سلطته!

فادى: و ماذا عن إدعاءات سيمينار يسوع حول تاريخية الأناجيل؟

بلومبيرج: سيمينار يسوع يمثل مجموعة قليلة جداً من خبراء يسوع التاريخى عالمياً حول العالم، و ليس كلهم متخصصين فى هذا المجال أصلاً. لقد لفتوا إنتباه الإعلام بطريقة يعتبرها أغلب العلماء غير مناسبة، رغم ذلك قبلوا بها. و لكنهم لا يمثلون ما يعتقده غالبية علماء يسوع التاريخى اليوم. هناك كتاب أفضل بكثير و هو تجميع لأبحاث لعلماء، و هو الكتاب الجديد الذى حرره جيمس تشارليزورث بعنوان "بحث يسوع"، و هو المجلد الأول من لقاء مستمر عقده العلماء فى برينسيتون، الولايات المتحدة، باراجواى، و جمهورية التشيك. ما يُسمى بـ "البحث الثالث" عن يسوع التاريخى، لديه قدر من اليقين أكثر حول ما يمكن أن نعرفه أكثر من يسوع سيمينار يسوع، و هو يضع يسوع فى سياقه الجوهرى فى العباءة اليهودية. يسوع سيمينار يسوع غير جدير بتصديقه لأنه غير مُدركاً كشخص يهودى من القرن الأول، هذا إذا لم يكن هناك أسباب أخرى.

فادى: أنت و بقية علماء يسوع التاريخى، لا تجدون القراءات النصية الموجودة فى مخطوطات العهد الجديد عائق أمامكم فى عملية تكوينكم ليسوع التاريخى؟

بلومبيرج: على الإطلاق. بالإضافة إلى ذلك، الغالبية العظمى من هذه القراءات عبارة عن أخطاء فى تهجئة الكلمات، تركيب الجملة، أو الصياغة، و هى الأخطاء التى لا تغير أى شىء مما إدعاه مؤلفى كتب العهد الجديد حول ما قاله يسوع، ما كانه يسوع، و ما فعله يسوع، أو أى شىء آخر له أهمية لاهوتية. هناك عدد خمسة عشر تغيير فى العهد الجديد بالكامل، الذى يؤثر على أكثر من عدد واحد فقط، و إثنين فقط يؤثران فى عددين أو ثلاثة، و لكن لا يوجد عقيدة فى الإيمان المسيحى تعتمد فقط على أى نص مشكوك به نصياً فى العهد الجديد أبداً.

فادى: و لكن ايرمان يقول أن الكتاب المقدس ليس كلمة الله لأن الله لم يحفظه بالحرف فى المخطوطات. كيف يمكننا أن ننظر للكتاب المقدس ككلمة الله فى ضوء هذه القراءات؟

بلومبيرج: يجب على الفرد أن يميز بين وحى أى وثيقة، و بين حفظ الوثيقة بشكل مُطلق. فالأول هو أن الله قاد مؤلف أصلى أو عدد من المؤلفين لأسفار الكتاب المقدس. و لكن الثانى هو ببساطة عبارة عن طلب معجزة هائلة الحجم، بأن يوحى الله لعشرات الآلاف من النساخ الذين نسخوا جزء أو كل العهد الجديد لأكثر من ألف عام و نصف قبل إختراع الطباعة بشكل خارق للطبيعة. بالتأكيد كان الله يستطيع أن يختار فعل ذلك، أى أن يوحى للنساخ، و لكن هذا إذا كان أختار أن يفعل ذلك فعلاً، لكن لم يختر ذلك. إذا كان لدينا سبب يجعلنا، بخلاف ما يقرب من ستة آلاف مخطوطة يونانية قديمة و أكثر من عشرين ألف مخطوطة قديمة فى كل اللغات القديمة معاً، بأننا لا نستطيع أن نعيد تكوين ما قاله نص العهد الجديد الأصلى بنسبة تفوق على 99 %، فربما يكون لدينا مشكلة. لكن لا يوجد عندنا هذه المشكلة. بل و حتى النسبة التى تقل عن 1 % التى يوجد حول بعض الشك، فلدينا أسباب جيدة لنعتقد أن القراءة الأصلية موجودة فى القراءات التى حُفِظت للنص فى عدد وفير من المخطوطات، و يتضمن عدد وفير يرجع لما بين القرن الثانى و الخامس.

فادى: ما الذى تقوله لأى متشكك حول حياة و تعليم يسوع؟

بلومبيرج: هناك عدة أسباب مختلفة للتشكك مما يجعلنا لابد أن نتعامل مع كل فرد على حِدة. بعض الأشخاص لا يستطيعون فِهم الدليل التاريخى بذكاء. و لكن هناك آخرين من لديهم مشكلات لها أبعاد مختلفة كليةً مع الإيمان المسيحى، أو مفهوم الدين بشكل عام. البعض مشكلته أنه يتعبد لله عن طريق دين آخر. البعض قد تعلم أشياء مضللة أو غير حقيقية عن المسيحية. و للأسف، فإن البعض قد أختبر معاملة سيئة من المسيحيية ليس لها أى عذر، فقد تقديم الأسف و الخزى من جانبنا. البعض الآخر مر بأنواع مختلفة من التجارب الشخصية التى تجعل من الصعب إيمانه بأى نوعية من الإله. إذن، مرة أخرى، لا يوجد أجابة تناسب كل الأوضاع. يجب على الفرد أن يرى لماذا يعتقد المتشكك فى الآراء التى يعتقد بها ثم يبدأ بها.

فادى: أقصد المتشكك حول حياة يسوع بناء على خلفيات تاريخية.

بلومبيرج: أقول له هناك دليل ليسوع الناصرى أفضل من أى شخص آخر من هذا العصر أو أى عصور سابقة عليه، حتى أننا لو رفضناه كله و أردنا الثبات على مبدأنا، فسوف نصبح لا نعرف أى شىء عن العالم منذ ألفى عام! أنصحه بأن يراجع كتابى "الموثوقية التاريخية للأناجيل" لأنه من الصعب تلخيصه فى كلمات.

فادى: أخيراً، كيف أثر البحث العلمى فى إيمانك الشخصى بيسوع المسيح كإبن الله؛ الله نفسه، و الإيمان المسيحى بكامله؟

بلومبيرج: لقد نشأت فى الجناح الليبرالى للإيمان المسيحى. ثم و بسبب بحثى العلمى، إتجهت إلى شكل أكثر محافظةً أو إنجيليةً من الإيمان. فى كل مرة واجهت تحدى تشكيكى للمسيحية الإنجيلية، لم أهرب منه، إنما ذهبت لأبحث عما إذا كان يوجد إجابات مناسبة حقاً. و حتى الآن، فقد وجدت إجابات مناسبة لهم كلهم. فإيمان فى يسوع كإبن الله الإلوهى، ليس بطريقة بيولوجية بالطبع، و فى الإيمان المسيحى التاريخى، قد تقوى بشكل أعظم عن طريق دراستى.

فادى: شكراً لك بروفيسور بلومبيرج لهذا الحوار الجميل، فقد سعدت بهذه الإجابات الرائعة حقاً، و نحن نقدر وقتك الثمين الذى قضيته معنا!

بلومبيرج: شكراً لك فادى على أسئلتك الرائعة و المدهشة، و لدعوتى لأشارك فى هذا الحوار!

أسئلة القراء فى التعليقات

هذه الأسئلة وضعها القراء فى التعليقات، و قد أجاب عليها بلومبيرج:

1- هل يمكن أن تعطينا لمحة سريعة عن المصادر الغير كتابية التى تكلمت عن يسوع؟

الكاتب اليهودى يوسيفوس بجانب التقاليد المُدونة فى التلمود، و المؤلفين اليونانيين لوسيان، مارا بن سيرابيون، و المؤلفين الرومانيين تاسيتوس، سيوتونيوس و بلينى، كلهم تكلموا عن يسوع. من خلال كل كتاباتهم، نستطيع أن نعلم أن يسوع كان يهودياً عاش فى اسرائيل فى زمن بيلاطس البنطى، و صُلِب تحت حكمه بعدما عارضته السلطات اليهودية نظراً لمواقفه المضادة للناموس. و قد قام بأعمال مدهشة؛ فتسمى بالمشعوذ الذى أضل اسرائيل، و لكن معجزاته لم تُرفض، إنما فقط تم إعادة تفسيرها. و قد وُلِد من زوجين و جذب حوله تلاميذاً و قد وضعت هذه المصادر أسماء خمسة من هؤلاء التلاميذ، و كان مشهوراً لدى العامة جداً، و تزامنت خدمته مع خدمة يوحنا المعمدان، و كان له أخ يُدعى يعقوب، و قد أعتقد أتباعه أنهم رأوه قد قام من الموت. و فى خلال فترة قصيرة جداً من موته، بدأ تابعيه يرنموا له و يعبدوه كإله. و قد إستمرت حركة أتباعه فى النمو عقداً بعد عقد دون أن يستطيع أحد حجبها. لتفاصيل كاملة، انظر: روبيرت فان فورست، يسوع خارج العهد الجديد.

2- هل التأريخات الواردة فى العهد الجديد، مثل زمن ولادة يسوع و بداية خدمته، هى تأريخات دقيقة؟

المعلومات الموجودة فى الأناجيل لا تستخدم "ق. م" أو "م." (إختصارات "قبل الميلاد" و "ميلادياً") فى التواريخ، فطريقة الإحصاء هذه قد أُخترِعت بعد قرون لاحقة. و لكن لوقا 1 : 3 يتكلم عن خمسة عشر عاماً لحكم طيباريوس. مشكلة إستخدام هذا النوع من التأريخ فى العالم القديم مزدوجة. هل يتكلم الكاتب بشكل حصرى أم منفتح؟ بكلمات أخرى، هل مجرد كسر من السنة يُحسب كسنة كاملة أم لا؟ كذلك فإن الكثير من الملوك و الحُكام و الأباطرة فى العالم القديم قد إشتركوا مع آبائهم فى الحكم لعدد من السنوات قبل أن يموت آبائهم. هل هذه السنوات محسوبة فى هذه الإشارات مثل التى فى لوقا أم لا؟ و مع ذلك، فنعم هناك طرق كثيرة مناسبة جداً لنضع تأريخات الأحداث الكتابية، خاصةً فى العهد الجديد، بالنظر فى المعلومات الواردة فى الكتاب المقدس و خارجه. كتاب جاك فينجان "تأريخ العهد الجديد" هو أفضل مصدر تفصيلى فى هذا الموضوع.

3- هناك علماء يشككون فى إقتباس يوسيفوس الذى تكلم فيه عن يسوع (آثار اليهود 18 : 3 : 3) ويعتبرونه إدخال مسيحى على نص يوسيفوس الأصلى. ماذا تعتقد حول هذا الموضوع؟

هناك ثلاث مواقف رئيسية حول شهادة يوسيفوس. أقل هذه المواقف قبولاً لدى العلماء هى أن كل ما هو موجود كتبه يوسيفوس فعلاً. و المشكلة مع هذه الرؤية هى أن هناك ثلاث عبارات لا يمكن أن تخرج إلا من مسيحيين، و بحسب معرفتنا، فيوسيفوس لم يصبح مسيحياً أبداً. هذه العبارات الثلاث هى:"هذا إن كان يستطيع أى فرد أن يسميه إنسان فقط"، "كان هو المسيا"، و "و فى اليوم الثالث ظهر لهم عائداً للحياة". نتيجة لهذا، فإن بعض العلماء الليبراليين جداً يعتقدون أن هذا المقطع بأكمله الذى يتكلم عن يسوع هو مقطع مُزور، و لكن هذا الموقف لا يفسر كلام يوسيفوس فى موضع آخر قائلاً:"يعقوب أخ يسوع الذى كان يُدعى المسيح". هنا لا يصف يوسيفوس يسوع بالمسيح بصفته مؤمن به، بل بمصطلح إستخدمه الآخرين عن يسوع. لذلك فإن غالبية العلماء المتخصصين فى البحث العلمى فى يوسيفوس يعتقدون فى أصالة المقطع بكامله ماعدا الثلاث عبارات المذكورة بالأعلى. و مما يؤكد هذا الموقف، هو أن هناك ترجمات عربية و سلافية متأخرة ليوسيفوس تفتقد هذه الثلاث عبارات أيضاً، مما قد يعنى أنهم تُرجِموا مباشرةً من نص يونانى أصلى ليوسيفوس لم تتعرض له الدوائر المسيحية. الفصل الذى تحدث فيه جون ميير حول هذا الموضوع فى الجزء الأول من كتابه "يهودى ثانوى" هو مصدر رئيسى حول هذا الموضوع.

4- لماذا ترفض التفسيرات الطبيعية لقيامة يسوع؟

لأنهم يتطلبون ايمان أكثر من التفسيرات الكتابيةز هل سرق التلاميذ الجسد؟ سيكونوا إذن فكيف قد ضحوا بحياتهم و عاشوا بشخصيات أخلاقية مثالية بدلاً من أن يكونوا واثقين أنها مجرد كذبة! هل ذهبن النسوة إلى قبر خاطىء؟ إذن فكان كل ما ستحتاج له السلطات اليهودية لتخرس أتباع يسوع هو إظهار الجسد و ليس الكذبة التى أرادوا نشرها. هل وُضِع جسد يسوع فى قبر و أكلته الكلاب؟ لا، اليهود كانوا مدققين جداً فى مسألة تدنيس الأرض بل و قد إهتموا حتى بدفن المجرمين الذين تم إعدامهم بطريقة مناسبة. هل كانت كل هذه الظهورات مجرد هلوسة؟ لا، الهلوسات التى بمثل هذا الحجم تحتاج إلى شىء أساسى واقعى و حقيقى ثم يتم تحريفه ثم يتم تداوله فى نفس المكان الذى حدث فيه الشىء الحقيقى. بالإضافة إلى ذلك، ما الذى يجعل أتباع يسوع اليهود الخاضعين للناموس يرفضوا يوم العبادة المفروض عليهم، و هو يوم السبت، لصالح يوم الأحد، إلا لو كان هناك شىء ما حقيقى واقعى و مؤثر بعمق قد حدث و يمكن إرجاعه إلى صباح يوم أحد؟ ما الذى سيجعلهم يرفضون تفسير الكتب المقدس بأن الشخص المصلوب ملعون من الله ولا يمكن أن يكون هو المسيا الإلهى؟ و لو نظرنا لحالتهم النفسية، سنجدهم كانوا خائفين مختبئين خلف أبواب مغلقة بعد موت يسوع خائفين على حياتهم، لا يتوقعون أبداً ان يرجع يسوع مرة أخرى. كتب جارى هابيرماس و توم رايت العديدة حول القيامة هى أفضل كتب فى هذا الموضوع.

5- هل نستطيع أن نستخدم أى نصوص دينية أخرى كبيانات موثوق بها عن حياته فى عملية تكوين يسوع التاريخى؟

سأفترض أن السؤال حول النصوص الدينية ليس عن نوعية النصوص التى تكلمت عنها فى السؤال الأول، رغم أن النصوص اليهودية المذكورة هى نصوص دينية أيضاً، و لكن إنها النصوص التى تُدعى مسيحية، المُسماة الأناجيل الغنوسية أو الأبوكريفا. العلماء متفقين تماماً على أن انجيل توما فقط الغنوسى هو الذى "قد" يحتوى على معلومات إضافية دقيقة، و لكن هذه الوثيقة ليست سرد لقصة حياة يسوع و إنما تجميع لـ 114 قول منسوب ليسوع. ثلث هذه الأقوال يوجد له ما يوازيه فى الأناجيل القانونية. و نحو نصف الأقوال واضح جداً انه غنوسى بحت لا يدخل فى عباءة الفكر المسيحى. أما الأقوال المتبقية فهى مكتوبة بطريقة لغزية و قابلة لأن تكون تفسيرات غنوسية أو مستقيمة. و رغم أن هناك قلة من هذه الأقوال قد تكون أصلية، فإنهم لا يغيرون فِهمنا ليسوع التاريخى بأى شكل هام. كتاب داريل بوك "الأناجيل المفقودة" مهم جداً فى هذا الموضوع.

6- هل صورة يسوع الموجودة فى الأناجيل القانونية مأخوذة من الثقافات الوثنية؟

لا! الأمور التى لها ما يوازيها فى فترة ما قبل المسيحية كلها غامضة جداً، و كل الأمور التى لها ما يوازيها و قريبة جداً تأتى من القرن الثانى و ما يليه. فلو أن هناك أحداً إقتبس من الآخر، فإن الوثنية المتأخرة أعادت تشكيل تقاليدها لتجعل آلهتها قريبة أكثر من يسوع! و لكن أكثر الإجابات أهميةً هى أن يسوع كان يهودياً! كل الخلفيات الهامة لكى نفهمه موجودة فى العهد القديم و فى أدب و أحداث و عادات يهودية الهيكل الثانى. كتاب رونالد ناش "الانجيل و اليونانيين" نافع فى هذا المجال.

7- كيف تجيب إدعاءات سيمينار يسوع فى إستخدامهم للألوان لتعليم مدى صحة و دقة النصوص و التى بها إعتبروا الكثير من الأعداد فى الأناجيل الأربعة مجرد عبارات مزورة، و هو ما يعتقده الشرقيين يؤثر على وحى الكتاب المقدس؟

يجب على كل فرد أن يقرأ مقدمتهم الطويلة فى الكتابين الرئيسيين اللذين نشروهما، و ينظر كل الفرضيات المُسبقة الغير معقولة التى ينطلقون منها و التى لا يستخدمها أى مؤرخ أبداً، مثل أن يسوع لم يتحدث عن نفسه أبداً، لم يتكلم أبداً عن المستقبل، و لم يُعلّم أبداً حول الدينونة الأخيرة و هو الموضوع الهام الذى لا تجد له الإنسانية المعاصرة أى إعتبار، و قواعد أخرى كثيرة. تخيل لو أننا طبقنا هذه المعايير على شخص آخر مشهور عندكم فى الشرق و كتابه، ماذا ستكون النتائج؟ و هذا يكفى لكل مبتدىء.

فادى: شكراً لك د. بلومبيرج لسعة صدرك معنا!

بلومبيرج: عفواً عزيزى!

إلى هنا إنتهى لقاءنا مع العالم الكبير كريج ل. بلومبيرج، و قد أهدانا هذا الخادم الأمين دراسة من ثلاثين صفحة من إعداده حول يسوع التاريخى، و منحنا تصريح خاص بنشرها و ترجمتها للعربية، و ساقوم بترجمتها و نشرها على الإيمان العلمى قريباً!


الثلاثاء، 10 نوفمبر، 2009

هل النقد التاريخى مضاد للكتاب؟


"الراسخون فى العلم"
(7)
هل النقد التاريخى مضاد للكتاب؟
توماس ر. شرينر


هذه هى المقالة السابعة من سلسلة "الراسخون فى العلم"، و التى يتحدث فيها العالم توماس شرينر، أستاذ تفسير العهد الجديد بالمعهد المعمدانى اللاهوتى الجنوبى، عن منافع و أضرار النقد التاريخى للكتاب المقدس. فكما أن النقد التاريخى أفادنا كثيراً فى تكوين حياة يسوع على أساس تاريخى بحت، فقد أضر كثيراً برفضه لمفهوم المعجزة. هذا هو ما يعالجه شرينر فى هذه المقالة، التى تُرجِمت عن مرجع هذه السلسلة، الكتاب المقدس الدفاعى، ص 1465 – 1466. و يلزم توضيح مصطلحين قبل البدأ فى دراسة المقالة: الأول "التفسير العقلانى للمعجزة" و هو محاولة وضع تفسير طبيعى للمعجزة، أى إيجاد تفسير لها لا يخرج عن حدود الطبيعة، و الثانى "الفلسفة الطبيعية" و هى الفلسفة التى تتمسك بالطبيعة فقط ولا تؤمن بوجود ما هو خارق للطبيعة.


هل النقد التاريخى مضاد للكتاب؟
توماس ر. شرينر
أستاذ تفسير العهد الجديد بالمعهد المعمدانى اللاهوتى الجنوبى


النقد التاريخى للكتاب المقدس بدأ على نحو هام فى القرن الثامن عشر، و إزدهر فى القرن التاسع عشر، و أصبح هو طريقة الإقتراب للكتاب المقدس الرئيسية فى القرن العشرين. و قد رفض المحافظين النقد التاريخى فى بعض الأوقات لأنه شكك فى دقة الكتاب المقدس. مثلاً، غالبية العلماء الذى خاضوا فى حياة يسوع فى القرن التاسع عشر، وضعوا تفسيرات عقلانية ترفض الإعجاز لمعجزات يسوع. أيضاً قام عالم العهد الجديد ف. س. باؤر بالإستدلال على أن لاهوت بطرس و لاهوت بولس متناقضين إذا قمنا بقراءة العهد الجديد تاريخياً. و علماء العهد القديم، مثل يوليوس فيلهاوزن، قالوا بأن التوراة، و التى هى أول خمسة كتب من الكتاب المقدس، لم يكتبها موسى فعلاً. و قد زعموا بأن الدراسة الأدبية و التاريخية تبين أن التوراة لها مصادر متعددة كُتِبت عبر مئات السنين، و أن النسخة النهائية قد وُضِعت بيد كاتب غير معلوم.

غير أنه من الهام إدراك أن ظهور النقد التاريخى قد أفاد الكنيسة. الإيمان المسيحى متجزر فى التاريخ. و قد أظهر الله نفسه على نحو بارز فى شخص يسوع المسيح. لقد عاش يسوع و خدم فى وقت و زمان معين، فى فلسطين فى العقد الثالث من القرن الأول. إذن فنحن كمسيحيين، نعتقد بأن إيماننا المسيحى متأصل فى التاريخ. و بولس أكد على أن المسيحيين كانوا سيكونوا أغبياء إذا أعتقدوا بالإيمان المسيحى بينما لم تحدث قيامة يسوع من الموت حقاً (1 كو 15 : 12 – 19). إذن، لا يوجد أى خوف من الدراسة التاريخية، بل نرحب بها، لأننا نعتقد أن البحث التاريخى سيدعم فهمنا لرسالة الكتب المقدسة.

إن فوائد الدراسة التاريخية متعددة، فقد أوضحت معنى بعض المصطلحات الغامضة. إكتشاف مخطوطات البحر الميت ألقى الضوء على البيئة التى خرج منها العهد الجديد. دراسة الشرق الأدنى القديم و العالم اليونانى – الرومانى، قد أوضحت المدى الذى تتشابه و تختلف فيه الكتب المقدسة عن وثائق أخرى خرجت من ثقافات محيطة. و قد أثبت النقد التاريخى أن بعض الآراء التقليدية التى أُعتنِقت سابقاً غير حقيقية. فقد أعتقد البعض فى أحد الأوقات أن العهد الجديد كُتِب أصلاً بلغة خاصة للروح القدس.، و لكن دراسة المصادر التى أتت من زمن العهد الجديد أثبتت أن العهد الجديد كُتِب باللغة اليونانية العامة لذلك الزمان. و قد كانت ترجمة الملك جيمس للكتاب المقدس الإنتاج الرائع للبحث العلمى فى زمانها، و لكننا اليوم لدينا مخطوطات أكثر بكثير لكلاً من العهد القديم و العهد الجديد، و لذلك فإن كتبنا المقدسة الإنجليزية أقرب للنص الأصلى اليوم بسبب الإكتشافات المخطوطية الحديثة و العمل الواعى لعلماء النقد النصى اليوم.

لكن بينما أفاد النقد التاريخى الكنيسة، فقد وضع أيضاً بعض العوائق. ففى الحقيقة، الكثير من العلماء الذين يطبقون النقد التاريخى، قد تشربوا فلسفة التنوير التى إكتسحت اوروبا فى القرنين الثامن عشر و التاسع عشر. فكما شرحنا بالأعلى، لقد رفضوا معجزات يسوع و فسروها بشكل عقلانى. و لكن هؤلاء العلماء لم يرفضوا معجزات يسوع على أساس تاريخى، فقد قبلوا نقطة إنطلاق الفلسفة الطبيعية و التى افترضت أن المعجزات لا تحدث. رودولف بولتمان مثال رئيسى على هذه الرؤية. بولتمان قام بتعريف العمل التاريخى بطريقة إستبعدت قبول أى معجزات. و حينما نقرأ العهد الجديد، نجد أسباب تاريخية لها وزنها تدعم قيامة المسيح، لكن العديد من العلماء يرفضون حتى النظر للدليل، لأنهم مقتنعين من البداية أن القيامة من الموت لا يمكن أن تحدث. فالنزعة الأساسية، و هى الفلسفة الطبيعية، قد أعتُبِرت التاريخ الموضوعى حقاً.

النقد التاريخى طمح أن ينجح فيما سقطت فيه الأرثوذكسية. ففى القرنين السادس عشر و السابع عشر، تناظر المسيحيين الأرثوذكس حول تفسير الكتاب المقدس، مما أدى إلى إستحداث أنظمة لاهوتية متعددة، مثل: اللوثرية، الكالفينية، و الأرمينية. و قد آمن النُقاد التاريخيين أنهم كانوا أكثر موضوعية، و أنهم يستطيعون من خلال طريقة الإقتراب العلمية المحايدة أن يكتشفوا ما الذى علم به الكتاب المقدس فعلاً. و لكن مع ظهور ما بعد الحداثة، أصبحت هذه الرؤية مجرد حماقة فى نظر كل العلماء اليوم تقريباً. و تاريخ النقد التاريخى يكشف عن أنه لم ينجح فى الإتفاق على النتائج المؤكدة للبحث العلمى. ففى الحقيقة، هناك منظومة متكاملة حمقاء من الآراء و وجهات النظر موجودة فى النقد التاريخى اليوم، و الكثير منهم متناقض بالتبادل.

عمل ف. س. باؤر و يوليوس فيلهاوزن هدد إيمان المؤمنين الإنجيليين فى القرن التاسع عشر. و مع ذلك، فإن القليل جداً من العلماء اليوم يعتنق رؤية ف. س. باؤر، و هناك تشكيكات عديدة للفرضية الوثائقية التى وضعها فيلهاوزن. النتائج المؤكدة للبحث العلمى فى جيل معين، يتحداها الجيل التالى بقوة. و الإنجيليين يجب أن يكونوا منفتحين لتصحيح آرائهم. ربما نكون قد اسأنا قراءتنا لبعض الأجزاء من الكتاب المقدس بسبب تقليدنا. على الجانب الآخر، يجب أن نكون نقديين و أذكياء و أن نرفض إغراء الموضة الأخيرة فى البحث العلمى فقط لأنها هى المعاصرة.

رغم أن الإنجيليين قد قاموا بحل مشكلات وضعها النقاد التاريخيين، فإن المحافظين لم يقوموا بحل كلهم. لكن هذا لا يعنى أن الكتب المقدسة غير دقيقة فى بعض الحالات، إنما بإمكاننا حلها إذا كان لدينا معلومات أكثر كافية. و ما أقوله هنا ليس تضحية بفكر أى فرد، فالإجابات الشاملة غير موجودة فى كل فرع دراسى يتعلق بالتاريخ، لأن الدليل المتوفر متقصقص. نستطيع أن نكون شاكرين للنقد التاريخى لأنه ساعدنا على فِهم الكتاب المقدس بشكل أفضل. و لكننا يجب أن نحترس! فقد ينحرف النقد التاريخى إلى مزاعم غير مُبررة حول دقة الكتاب المقدس، و قد إقترب هذا النقد برؤية كونية مضادة للإعجاز.

لم يثبت النقد التاريخى أن الكتاب المقدس كتاب مزور، فالكتاب المقدس حينما يتم تفسيره بشكل صحيح، يصبح هو إختبار الزمان!