الجمعة، 30 أكتوبر، 2009

بيان شيكاغو للعصمة الكتابية


بيان شيكاغو للعصمة الكتابية
ترجمة فادى اليكساندر


فى شهر أكتوبر من عام 1978، أى منذ أكثر من ثلاثين عاماً، تم تنظيم مؤتمر فى شيكاغو عن عصمة الكتاب المقدس، حضره مئات العلماء الإنجيليين من حول العالم. إستمر هذا المؤتمر لمدة ثلاثة أيام، و تم تحت رعاية المجلس العالمى للعصمة الكتابية. خرج عن هذا المؤتمر بيان يوضح عقيدة الإنجيليين فى عصمة الكتاب المقدس، و وقع عليه أكثر من ثلاثمائة عالم. يتكون البيان من أربعة أجزاء: مقدمة البيان، البيان القصير، بنود التأكيد و الرفض، و شرح البيان. ها هو البيان مُترجم للعربية لأول مرة، و إن كنا لسنا مضطرين لقبول كل ما فيه. تمت مراجعة البيان فى المراجع الرئيسية التى نشرته
[1]. و لأجل فِهم دقيق للبيان، سأوضح بعض المصطلحات الواردة فيه و كيف ترجمتها:

1- العصمة التعليمية: و هو المصطلح الذى رأيته مناسباً لترجمة اللفظ Infallibility، و يُقصد به أن الكتاب المقدس معصوم عن وجود أى خطأ تعليمى فيه.
2- العصمة الدنيوية: و هو المصطلح الذى رأيته مناسباً لترجمة لفظ Inerrancy، و يُقصد به أن الكتاب المقدس معصوم عن وجود أى خطأ يخص المعلومات التاريخية أو العلمية و ما إلى ذلك، أى ما يختص بالمعلومات الدنيوية.

و قد شرحت الفارق بينهما بالتفصيل فى دراسة سابقة
[2]. أتمنى أن نقرأ هذا البيان بعين فاحصة، و لسنا مُطالبين بالإعتقاد بكل ما فيه، و لكنه فى أغلبه نافع للمؤمنين.

مقدمة البيان

سلطة الكتاب المقدس هى موضوع رئيسى للكنيسة المسيحية فى هذا العصر و كل عصر. أولئك الذين يصرحون بالإيمان فى يسوع المسيح كرب و مخلص، مدعوون ليظهروا حقيقية تلمذتهم بطاعتهم لكلمة الله المكتوبة بتواضع و إيمان. التوهان عن الكتاب المقدس فى الإيمان أو السلوك هو عدم ولاء لسيدنا. إدراك الحقيقة الكاملة و صدق الكتاب المقدس هو أمر أساسى للتمسك الكامل و الإعتراف الملائم بسلطته.

البيان التالى يؤكد عصمة الكتاب المقدس هذه من جديد، واضعاً فِهمنا لها بوضوح، محذراً برفضها. نحن مقتنعين بأن رفضها هو وضع الشاهد ليسوع المسيح و شهادة الروح القدس على جانب، و هو رفض الخضوع لإدعاءات كلمة الله الخاصة التى تحدد الإيمان المسيحى الحقيقى. نحن نراها مهمتنا الآن أن نضع هذا التأكيد فى مواجهة السقطات حول حقيقة العصمة بين رفقائنا المسيحيين و سوء الفهم لهذه العقيدة فى العالم.

هذا البيان يتكون من ثلاثة أجزاء: البيان القصير، بنود التأكيد و الرفض، و الشرح المُلحق. تم تحضيره فى فترة إنعقاد مؤتمر لثلاثة أيام فى شيكاغو. أولئك الذين وقعوا على البيان القصير و البنود، يتمنون أن يؤكدوا قناعاتهم الخاصة لعصمة الكتاب المقدس، و ليشجعوا و يتحدوا مرة أخرى كل المسيحيين ليقدروا و يفهموا هذه العقيدة بنمو. نحن نعترف بمحدودية وثيقة تم تحضيرها بإختصار، مؤتمر مُكثف، ولا نهدف لهذا البيان أن يكون له أوزان قوانين الإيمان. غير أننا نتهلل بتعميق قناعاتنا الخاصة من خلال مناقشاتنا معاً، و نصلى أن البيان الذى وقعنا عليه يُستخدم لمجد إلهنا نحو إصلاح جديد للكنيسة فى إيمانها، حياتها، و إرساليتها.

نحن نقدم هذا البيان ليس فى روح جدلية و إنما فى روح التواضع و المحبة، و التى نبتغيها بنعمة الله لتّكر فى أى مناقشات مستقبلية تنبع مما قلناه. نحن نعترف بإبتهاج بأن الكثيرين ممن يرفضون عصمة الكتاب المقدس لا يظهرون تبعيات هذا الرفض فى بقية عقائدهم و سلوكياتهم، و نحن على وعى بأننا نحن الذين نعترف بهذه العقيدة، غالباً ما ننكرها فى الحياة بعدم قدرتنا على إحضار أفكارنا و أفعالنا، تقاليدنا و عاداتنا، إلى الخضوع الحقيقى للكلمة الإلهية.

نحن نرحب بالرد على هذا البيان من أى شخص يرى سبباً لتنقيح تأكيداته حول الكتاب المقدس عن طريق الكتاب المقدس نفسه، حيث نتكلم نحن تحت سلطته المعصومة. نحن لا ندعى أى عصمة شخصية للشهادة التى نحملها، و سوف نكون شاكرين لأى مساعدة تمكننا من تقوية هذه الشهادة لكلمة الله.

البيان القصير

· أولاً: الله الذى هو نفسه الحق و يتكلم بالحق فقط، أوحى بالكتاب المقدس بهدف أن يعلن عن نفسه للبشرية الضائعة من خلال يسوع المسيح كرب و خالق، فادى و ديان. الكتاب المقدس هو شهادة الله لنفسه.
· ثانياً: الكتاب المقدس بكونه كلمة الله الخاصة، كُتِب بواسطة رجال تم إعدادهم و أُشِرف عليهم من الروح القدس، له سلطة إلهية معصومة فى كل الأمور التى يلمسها، فيجب الإيمان به كتعليم الله فى كل ما يؤكده، و أن يُطاع كوصية الله فى كل ما يطلبه، و أن يُقبل كعربون الله فى كل ما يعد به.
· ثالثاً: الروح القدس، مؤلف الكتاب المقدس الإلهى، يثبت أصالته لنا بشهادته الداخلية و يفتح عقولنا لنفهم معناه.
· رابعاً: الكتاب المقدس بكونه كله و لفظه عطية الله، لا يحتوى على أى خطأ أو نقص فى كل تعليمه، و بالمثل ما يقوله عن عمل الله فى الخليقة، عن الأحداث فى تاريخ العالم، و عن أصوله الأدبية الخاصة تحت نظر الله، مثل شهادته تماماً لنعمة الله الخلاصية فى حياوات الأفراد.
· خامساً: سلطة الكتاب المقدس ستفسد لا مفر إذا كانت هذه العصمة الدنيوية بكاملها قد تم تحجيمها أو إهمالها، أو بجعلها نسبية إلى نظرة للحقيقة مخالفة لحقيقة الكتاب المقدس، و هذه السقطات تؤدى إلى ضياع تام لكل من الفرد و الكنيسة.

بنود التأكيد و الرفض

· البند الأول: نحن نؤكد أن الكتب المقدسة يجب أن تقبل ككلمة الله السلطوية. نحن نرفض أن الكتب المقدسة تستلم سلطتها من الكنيسة، التقليد، أو أى مصدر بشرى آخر
· البند الثانى: نحن نؤكد أن الكتب المقدسة هى المعيار المكتوب الأسمى و التى عن طريقها يقيد الله الضمير، و أن سلطة الكنيسة أقل من سلطة الكتاب المقدس. نحن نرفض أن يكون لقوانين الكنيسة، مجامعها، إعلاناتها، أى سلطة أعظم أو مساوية لسلطة الكتاب المقدس.
· البند الثالث: نحن نؤكد على أن الكلمة المكتوبة بكاملها هى الإعلان الذى أعطاه الله. نحن نرفض أن يكون الكتاب المقدس مجرد شاهد للإعلان، أو أن يصبح إعلاناً بالمقابلة، أو أنه يعتمد على رد فعل الإنسان ليستمد شرعيته.
· البند الرابع: نحن نؤكد أن الله الذى خلق البشرية على صورته إستخدم لغة لتكون وسيلة الإعلان. نحن نرفض أن تكون اللغة البشرية محدود جداً فى نظرنا كمخلوقين لدرجة أن تُعتبر غير مناسبة لتكون أداة نقل الإعلان الإلهى. كما أننا نرفض أيضاً أن يكون فساد الثقافة و اللغة البشرية بسبب الخطية قد أعاق عمل الله فى الوحى.
· البند الخامس: نحن نؤكد أن إعلان الله فى الكتب المقدسة كان متدرج. نحن نرفض أن الإعلان اللاحق الذى يتمم الإعلان الأول قد يصححه أو يتناقض معه. نحن نرفض أيضاً أن يكون هناك أى إعلان معيارى قد أُعطى بعد إكتمال كتابات العهد الجديد.
· البند السادس: نحن نؤكد على أن كل الكتاب المقدس و كل أجزاؤه، حتى إلى الكلمات فى الأصول، قد أُعطى بالوحى الإلهى. نحن نرفض أن يكون الوحى خاص بالكل دون الجزء، أو للجزء دون الكل.
· البند السابع: نحن نؤكد أن الوحى هو العمل الذى به الله بالروح القدس عن طريق الكتبة البشريين قد أعطانا كلمته. أصل الكتاب المقدس إلهى، لكن وسيلة الوحى الإلهى تبقى بشكل ضخم سراً غامضاً بالنسبة لنا. نحن نرفض أن الوحى يمكن أن يتم تقليصه للنظرة البشرية، أو لإبراز حالات الضمير بأى شكل.
· البند الثامن: نحن نؤكد أن الله فى عمله بالوحى قد إستخدم شخصيات مختلفة و أساليب الكتبة الأدبية الذين إختارهم و أعدهم. نحن نرفض أن يكون الله بتسبيبه لهؤلاء الكتبة أن يستخدموا نفس الكلمات التى إختارها، قد لغى شخصياتهم.
· البند التاسع: نحن نؤكد أن الوحى، رغم أنه لا يمنح المعرفة بكل شىء، ضُمِن على أنه حقيقى و كلام جدير بالثقة فى كل الشئون التى حُمِل المؤلفين الكتابيين للكلام و الكتابة عنها. نحن نرفض أن محدودية أو نقص هؤلاء الكتبة قد أدخل بالضرورة أو بأى شكل آخر التحريف و التزوير فى كلمة الله.
· البند العاشر: نحن نؤكد أن الوحى، باللغة الصارمة، ينطبق فقط على نص المخطوطات الأصلية للكتاب المقدس، و الذى بعناية الله الإلهية يمكن تحديده من المخطوطات المتوفرة بدقة كبيرة. نحن نؤكد أيضاً أن النُسخ و الترجمات للكتاب المقدس، هى كلمة الله للحد الذين يمثلون به الأصل بأمانة. نحن نرفض أن أى عنصر أساسى للإيمان المسيحى يتأثر بغياب الأصول. نحن نرفض أيضاً أن هذا الغياب يجعل العصمة الكتابية غير شرعية أو غير مناسبة.
· البند الحادى عشر: نحن نؤكد أن الكتاب المقدس بكونه أُعطى بالوحى الإلهى، هو معصوم تعليمياً، بحيث أنه بكونه بعيداً عن إضلالنا، فإنه حقيقى و جدير بالثقة فى كل الشئون التى يخاطبها. نحن نرفض أن يكون هناك إمكانية للكتاب المقدس أن يكون معصوماً تعليمياً و خاطىء فى تأكيداته فى نفس الوقت. العصمة التعليمية و العصمة الدنيوية يمكن تمييزهما، و لكن لا يمكن فصلهما عن بعض.
· البند الثانى عشر: نحن نؤكد أن الكتاب المقدس بكامله معصوم دنيوياً، لا يوجد به أى تزوير، أى خداع، أو أى غش. نحن نرفض أن تكون العصمة التعليمية أو العصمة الدنيوية مرتبطين فقط بالموضوعات الروحية، الدينية، أو الخلاصية، و إستثناء التأكيدات فى مجالات التاريخ و العلم منهما. نحن نرفض أيضاً أن الإفتراضات العلمية المتعلقة بتاريخ الأرض قد تُستخدم بشكل مناسب لإسقاط تعليم الكتاب المقدس بالخلق و الطوفان.
· البند الثالث عشر: نحن نؤكد على ملائمة إستخدام العصمة الدنيوية كمصطلح لاهوتى بالنسبة للصدق الكامل للكتاب المقدس. نحن نرفض أن يكون من المناسب تقييم الكتاب المقدس وفقاً لمعايير الحقيقة و الخطأ المغايرة لإستخدامهم و هدفهم. نحن أيضاً نرفض نفى العصمة الدنيوية عن طريق الظواهر الكتابية مثل فقدان الدقة التحليلية المعاصرة، عدم الإنتظام النحوى أو الإستهجائى، الأوصاف المتعلقة بالمشاهدة للطبيعة، التقرير عما هو خاطىء، إستخدام الأرقام المغالى فيها و الدائرية، ترتيب المواد موضوعياً، الإختيارات المتنوعة للمادة فى البيانات المتوازية، أو الإستخدام الحر فى الإقتباسات.
· البند الرابع عشر: نحن نؤكد على إنسجام الكتاب المقدس و تماسكه الداخلى. نحن نرفض أن الأخطاء المزعومة و التناقضات التى لم يتم حلها بعد تبطل حقيقة إدعاءات الكتاب المقدس.
· البند الخامس عشر: نحن نؤكد أن عقيدة العصمة الدنيوية تأسست على تعليم الكتاب المقدس بالوحى. نحن نرفض أن تعليم يسوع عن الكتاب المقدس يمكن الإنصراف عنه بالإستناد إلى التوفيق أو أى تحديد طبيعى لإنسانيته.
· البند السادس عشر: نحن نؤكد أن عقيدة العصمة الدنيوية كانت دائماً موجودة فى إيمان الكنيسة عبر تاريخها. نحن نرفض أن تكون العصمة الدنيوية قد أُخترِعت بواسطة البروتستانتية المدرسية، أو أنها موقف تفاعلى تم وضعه كرد على النقد الأعلى السلبى.
· البند السابع عشر: نحن نؤكد أن الروح القدس يشهد للكتاب المقدس، و يثبت المؤمنين بصدق كلمة الله المكتوبة. نحن نرفض أن شهادة الروح القدس تعمل بشكل منعزل عن الكتاب المقدس أو ضده.
· البند الثامن عشر: نحن نؤكد أن نص الكتاب المقدس يجب تفسيره بالتفسير النحوى التاريخى، آخذين فى الحسبان أشكاله و آلياته الأدبية، و أن الكتاب المقدس يفسر الكتاب المقدس. نحن نرفض شرعية أى معالجة للنص أو بحث عن مصادر تقع خلفه و تؤدى إلى جعل تعليمه نسبياً، غير تاريخياً، أو إهماله، أو رفض إدعاءاته حول مؤلفينه.
· البند التاسع عشر: نحن نؤكد أن الإعتراف بالسلطة الكاملة للكتاب المقدس و عصمته التعليمية و عصمته الدنيوية هو أمر حيوى لفِهم سليم للإيمان المسيحى بكامله. نحن نؤكد أيضاً أن هذا الإعتراف يجب أن يؤدى إلى زيادة الإمتثال لصورة المسيح. نحن نرفض أن هذا الإعتراف لازم للخلاص. غير أننا نرفض أيضاً أن العصمة الدنيوية يمكن رفضها دون وجود تبعيات مهلكة لكل من الفرد و الكنيسة.

شرح البيان

إن فهمنا لعقيدة العصمة يجب أن يُوضع فى سياق التعليم الأوسع للكتاب المقدس عن نفسه. هذا الشرح يعطى بياناً بالخط العام للعقيدة و الذى منه أُستُقِى البيان المُختصر و البنود.

الخليقة، الإعلان، و الوحى

الله الثالوثى الذى كون كل الأشياء بكلماته الخلاقة و يتحكم فى كل الأشياء بكلمة قضاؤه، خلق الإنسان على صورته الخاصة لحياة الشركة معه، على هيئة الرفقة الأبدية لشركة المحبة مع الإلوهية. و كحامل لصورة الله، كان على الإنسان أن يستمع لكلمة الله المُوجهة له، و أن يجيبها فى فرح عبودية الطاعة. و فوق كل إعلانات الله عن ذاته فى الخليقة و تتابع الأحداث بداخلها، فإن الكائن البشرى بدايةً من آدم و من أتى بعده إستلموا رسائل لفظية منه، سواء مباشرةً كما هو ثابت فى الكتاب المقدس، أو بشكل غير مباشر فى شكل جزء من الكتاب المقدس أو كامله.

و حينما سقط آدم، لم يطرد الله الإنسان للعقاب الأبدى، و لكنه وعد بالخلاص، و بدأ يعلن عن نفسه كفادى فى تتابع للأحداث التاريخية متمركزة فى نسل إبراهيم و تأجج فى الحياة، الموت، و القيامة، قائماً فى الخدمة السمائية، و وعد بعودة يسوع المسيح. و فى هذا النطاق، فإن الله قد تكلم من وقت لآخر بكلمات عدل و رحمة، وعد و وصية، لبنى الإنسان الخطاة ليأخذهم فى علاقة عهد لها تعهدات متعددة بينه و بينهم، بحيث يباركهم بعطايا نعمته و هم يباركونه بعبادتهم المستجيبة له. و موسى، الذى إستخدمه الله كوسيط ليحمل كلماته لشعبه فى وقت الخروج، يقف على قمة خط طويل من الأنبياء الذين وضع الله فى أفواههم و كتاباتهم كلماته التى يسلموها لشعب اسرائيل. هدف الله من هذه الرسائل المتعاقبة هو أن يذكر عهده بجعل شعبه يعرف إسمه – أى طبيعته – و إرادته من الوصية و الغاية فى الحاضر و المستقبل. و هذا الخط من الرجال المتكلمين بالنبوة يكتمل فى يسوع المسيح، كلمة الله المتجسد، و الذى كان هو نفسه نبياً – و أكثر من نبى، لكن ليس أقل – و فى رسل و أنبياء الجيل المسيحى الأول. و حينما تكلم هؤلاء الذين فى الدائرة الرسولية برسالة الله الأخيرة و الذروية، بكلمته للعالم عن يسوع المسيح، و شُرِحت، توقف تتابع الرسائل الإعلانية. و منذ ذلك الوقت فصاعداً، على الكنيسة أن تحيا و تعرف الله بما قد قاله، و ما قد قاله لكل الزمان.

و فى سيناء، كتب الله بنود عهده على ألواح من الحجارة، كشهادته الثابتة و سهولة المنال الباقية، و فى خلال فترة الإعلان النبوى و الرسولى، حرك رجالاً ليكتبوا الرسائل المُعطاة لهم و من خلالهم، بجانب تسجيلات إحتفالية لتعاملاته مع شعبه، بالإضافة إلى إنعكاسات أخلاقية على حياة العهد و أشكال من التمجيد و الصلاة لرحمة العهد. و الواقع اللاهوتى للوحى فى إنتاج الوثائق الكتابية يتوازى مع ذلك الذى للنبوات المنطوق بها: فرغم أن شخصيات الكُتاب البشريين قد عُبِر عنها فيما كتبوه، فالكلمات قد عُيِنت إلهياً. و هكذا، فما يقوله الكتاب المقدس، يقوله الله؛ فسلطة الكتاب المقدس هى سلطته، لأنه هو مؤلفه الأساسى قد أعطاه عن طريق عقول و كلمات رجال أُختيِروا و أُعِدوا، بحرية و إيمان:"تكلموا من الله كما حملهم الروح القدس" (1 بط 1 : 21). الكتاب المقدس يجب الإعتراف به ككلمة الله بفضل أصله الإلهى.

السلطة: المسيح و الكتاب المقدس

يسوع المسيح، إبن الله الذى هو الكلمة الظاهر فى الجسد، نبينا، كاهننا، و ملكنا، هو الوسيط الأساسى فى شركة الله بالإنسان، فهو الذى يمتلك كل مواهب نعمة الله. الإعلان الذى أعطاه كان أكثر من لفظى؛ لقد أعلن الآب بحضوره و أفعاله أيضاً. و كلماته كانت مهمة بشكل حاسم، لأنه كان الله، تكلم من الآب، و كلمته ستدين كل الناس فى اليوم الأخير.

كالمسيا المتنبىء، يسوع المسيح هو الموضوع المركزى فى الكتاب المقدس. العهد القديم نظر إليه، و العهد الجديد ينظر إليه بالخلف لمجيئه الأول، و للأمام لمجيئه الثانى. الكتاب المقدس القانونى هو الوحى الإلهى و لهذا فهو الشاهد المعيارى للمسيح. و لذلك لا يوجد تفسير ليس مركزه المسيح التاريخى و مقبول. الكتاب المقدس يجب معالجته بحسب طبيعته بشكل جوهرى؛ شهادة الآب للإبن المتجسد.

من الواضح أن قانون العهد القديم قد تثبت بعصر يسوع. قانون العهد الجديد مثله قد أُغلِق الآن للمدى الذى لا توجد فيه شهادة رسولية جديدة للمسيح التاريخى يُمكن أن تُولد. لا إعلان جديد يختلف عن عطية الروح بفِهم الإعلان الموجود سوف يُعطى حتى يأتى المسيح ثانيةً. لقد خُلِق القانون بالأساس عن طريق الوحى الإلهى. و مهمة الكنيسة كانت أن تكتشف القانون الذى خلقه الله، لا أن تخترع واحد من عندياتها.

كلمة "قانون"، التى تعنى القاعدة أو القياس، هى إشارة إلى للسلطة، و التى تعنى الحق فى الحكم و التحكم. السلطة فى المسيحية تعود إلى الله فى إعلانه، و الذى يعنى على الجانب الأول، يسوع المسيح الكلمة الحى، و على الجانب الآخر، الكتاب المقدس الكلمة المكتوبة. و لكن سلطة المسيح و سلطة الكتاب المقدس واحدة. فالمسيح كنبينا يشهد أن الكتاب المقدس لا يمكن أن يسقط. و ككاهننا و ملكنا، فقد كرس حياته على الأرض ليتمم الناموس و الأنبياء، حتى الموت فى طاعة لكلمات النبوة المسيانية. هكذا، كما رأى الكتاب المقدس يشهد له و لسلطته، كذلك بطاعته للكتاب المقدس يشهد لسلطته. كما إنحنى لتعليم أبيه المُعطى فى الكتاب المقدس، عهدنا القديم، كذلك طلب من تلاميذه أن يفعلوا، و لكن ليس فى معزل عن الشهادة الرسولية لنفسه التى حملها ليوحى بمواهبه التى للروح القدس، بل فى تواصل بها. كذلك المسيحيين يبرزون أنفسهم كخدام أمناء لربهم بالإنحناء لتعليمه الإلهى المُعطى فى الكتابات النبوية و الرسولية و التى تكون معاً كتابنا المقدس.

و بتوثيق كل منهما لسلطة الآخر، فإن المسيح و الكتاب المقدس يلتثمان معاً فى ينبوع واحد للسلطة. المسيح المُفسر كتابياً، و الكتاب المقدس المتمركز حول المسيح و الكارز بالمسيح هما من وجهة النظر هذه واحد. و كما أننا إنطلاقاً من حقيقة الوحى نستدل على أن ما يقوله الكتاب المقدس، يقوله الله، كذلك إنطلاقاً من العلاقة المُعلنة بين يسوع المسيح و الكتاب المقدس نستطيع أن نعلن أن ما يقوله الكتاب المقدس، يقوله المسيح.

العصمة التعليمية، العصمة الدنيوية، و التفسير

الكتاب المقدس ككلمة الله المُوحى به الشاهد سلطوياً ليسوع المسيح، يُمكن أن يُدعى بشكل مناسب: معصوم تعليمياً و معصوم دنيوياً. هذه المصطلحات السلبية لها قيمة خاصة، لأنهما يحميان بوضوح حقائق إيجابية حاسمة.

العصمة التعليمية تركز على خاصية إنعدام التضليل و إنعدام التضلل، و بذلك تحمى بشكل تصنيفى حقيقة أن الكتاب المقدس هو قاعدة و مرشد أكيد، آمن، و موثوق به فى كل الأمور.

و بالمثل، العصمة الدنيوية تركز على خاصية إنعدام أى تزوير أو خطأ و بذلك تحمى حقيقة أن الكتاب المقدس بالكامل حقيقى، و صادق فى كل ما تأكيداته.

نحن نؤكد على أن الكتاب المقدس القانونى يجب أن يُفسر دائماً على أساس أنه معصوم تعليمياً و معصوم دنيوياً. غير أن فى عملية تحديد ما الذى يؤكده الكاتب الذى تعلم من الله فى كل مقطع، يجب أن نعطى أقصى حرص فى إنتباهنا لإدعاءاته و شخصيته كإنتاج بشرى. ففى عملية الوحى، إستخدم الله الثقافة و الأعراف لبيئة كاتبه، و هى البيئة التى يتحكم الله بها بعنايته الإلهية السائدة؛ و هو تفسير خاطىء أن نتخيل العكس.

فالتاريخ إذن يجب أن يُعالج كتاريخ، و الشعر كشعر، و الغلو و المجاز كالغلو و المجاز، و التعميم و التقريب يُعاملان بحسبهما و هكذا. الإختلافات بين الأعراف الأدبية فى أزمنة الكتاب المقدس و فى زماننا يجب أيضاً أن تُلاحظ: فمثلاً، بما أن السرد الغير مُرتب حدثياً و الإقتباس الغير دقيق كانت أمور مقبولة و عرفية و لم تكن أمور شاذة فى هذه الأيام، لا يجب علينا أن نعتبر هذه الأشياء أخطاء حينما نجدهم عند كُتّاب الكتاب المقدس. حينما يكون التدقيق الكامل شىء غير مُتوقع ولا كان هو الهدف، فإنه ليس خطأ عدم تحقيقه. الكتاب المقدس معصوم دنيوياً، ليس بمعنى أنه دقيق بدقة مُطلقة بحسب المعايير المعاصرة، إنما بمعنى تقديم الحسن فى إدعاءاته و تحقيق هذا المعيار للحقيقة المُركز عليها التى يهدف لها المؤلفين.

إن صدق الكتاب المقدس لا يمكن نفيه بوجود عدم إنتظام للنحو و الإستهجاء، الأوصاف الظاهرية للطبيعة، توثيق بيانات كاذبة مثل كذب الشيطان، أو أنه يبدو يحتوى على تناقضات بين مقطع و آخر. ليس صحيحاً أن نضع ما يُسمى بـ "ظاهرة" الكتاب المقدس ضد تعليم الكتاب المقدس عن نفسه. عدم الإنسجام الظاهر لا يجب تجاهله. حينما نصل إلى حلهم بإقتناع، سوف يشجع ذلك إيماننا، و إذا كان لا يوجد فى الوقت الحاضر حل مقنع فى يدينا، فيجب أن نكرم الله بالثقة فى تأكيده على أن كلمته حقيقية، بخلاف كل هذه الظاهريات، و بذكر ثقتا فى أننا يوماً ما سيظهرون كأوهام.

بقدر ما أن الكتاب المقدس هو إنتاج عقلى إلهى واحد، فإن التفسير يجب أن يبقى بين دفتى المتشابهات الكتابية و يتجنب الإفتراضات التى ستصحح نص كتابى بآخر، سواء كان ذلك يتم تحت مُسمى الإعلان المتدرج أو التنوير الغير كامل لعقل الكاتب المُوحى له.

رغم أن الروح القدس لا يمكن أن يكون مُقيد بالثقافة بمعنى أن تعليمه يفتقد للشرعية العالمية، فإنه فى بعض الأحيان مُكيّف ثقافياً بالعادات و الآراء العرفية لوقت معين، بحيث أن تطبيق أساسياته اليوم يدعو إلى نوع مختلف من التصرف.

التشكك و النقد

منذ عصر النهضة، و بالتحديد منذ عصر التنوير، فإن الرؤى العالمية قد تطورت و تضمنت التشكك حول أساسيات العقائد المسيحية. مثل اللاأدرية التى ترفض أن الله قابل للمعرفة، العقلانية التى ترفض أنه مبهم، المثالية التى ترفض أنه فائق، و الوجودية التى ترفض العقلانية فى علاقاته بنا. حينما تتسلل هذه المبادىء الغير كتابية و المضادة للكتاب للاهوتيات الأفراد فى مستوى الفرضيات المُسبقة، كما يحدث اليوم بشكل متكرر، فإن التفسير الأمين للكتاب المقدس يصبح مستحيلاً.

الإنتقال و الترجمة

بما أن الله لم يعد بإنتقال معصوم للكتاب المقدس، فإنه من الضرورى التأكيد على أن نص المخطوطات الأصلية فقط للوثائق الأصلية هو المُوحى به و لابد من ذكر الحاجة للنقد النصى كوسيلة لتحديد أى زلات قد تكون طرأت على النص فى فترة إنتقاله. غير أن الحكم فى هذا العلم هو أن النص العبرى و اليونانى يظهر على أنه محفوظ جيداً بشكل يدعو للتعجب، حتى أننا مُبررين بقوة فى التأكيد مع اعتراف ويستمينستر بوجود عناية إلهية فريدة لله فى هذا الشأن، و فى إعلان أن سلطة الكتاب المقدس ليست بأى شكل فى خطر بحقيقة أن النُسخ التى نمتلكها ليس بكاملها خالية من الخطأ.

و بنفس الشكل، لا يوجد ترجمة ولا يمكن أن يوجد ترجمة كاملة، و كل الترجمات هى خطوة إضافية بعيداً عن النص الأصلى. غير أن حكم العلم اللغوى هو أن المسيحيين المتحدثين بالإنجليزية على الأقل قد خُدِموا جداً فى هذه الأيام بكمية من الترمات، ولا يوجد لديهم سبب فى الإستنتاج بأن كلمة الله الحقيقية فى منالهم. و فعلياً، فى ضوء التكرار المألوف فى الكتاب المقدس للموضوعات الرئيسية التى يتعامل معها، و أيضاً فى ضوء شهادة الروح القدس الثابتة للكلمة و من خلالها، فلا ترجمة جادة للكتاب المقدس ستدمر معناه فلا تكون قادرة جعل قارءها:"حكيم للخلاص فى الإيمان بيسوع المسيح" (2 تى 3 : 15).

العصمة و السلطة

فى تأكيدنا على سلطة الكتاب المقدس بما يتضمن حقيقته الكاملة، فأننا بذلك نقف واعين مع المسيح و رسله، و بالفعل نقف مع الكتاب المقدس بكامله و مع التيار العام لتاريخ الكنيسة من الأيام الأولى حتى العصر الحديث. نحن مهتمين بالطريقة العارضة، المهملة، و الطائشة، التى تم التعامل بها مع إعتقاد بهذه الأهمية الشاملة بواسطة الكثيرين فى يومنا هذا.

نحن نعى أيضاً أن إرتباك كبير و مميت سينتج عن التوقف عن ذكر الحقيقة الكاملة للكتاب المقدس الذى يجب أن يصرح الفرد بالإعتراف بها. نتيجة أخذ هذه الخطوة هو أن الكتاب المقدس الذى أعطاه الكتاب المقدس، سيفقد سلطته، و الذى سيمتلك السلطة بعد ذلك هو كتاب مقدس تم التقليل من محتوياته تبعاً لمتطلبات أسباب الفرد النقدية، و بشكل أساسى سيبقى التقليل مستمر بمجرد ما يبدأ الفرد فى ذلك. هذا يعنى الآن أن العقل المستقل أصبح له السلطة، بشكل مضاد مع تعليم الكتاب المقدس. إذا لم يُلاحظ ذلك، و إذا كانت العقائد الإنجيلية مازالت موجودة عند الفرد، فإن الأشخاص الذين يرفضون الحقيقة الكاملة للكتاب المقدس يمكن أن يدعوا هوية إنجيلية بينما منهجياً هم إبتعدوا عن القاعدة الإنجيلية فى المعرفة إلى الذاتية الغير ثابتة، و سيجدونه أمراً صعباً ألا يتحركوا لأبعد من ذلك.

نحن نؤكد أن ما يقوله الكتاب المقدس، يقوله الله. فليتمجد إسمه، آمين، آمين.

فادى اليكساندر
30 – 10 – 2009

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] The Chicago Statement on Biblical Inerrancy, Journal of The Evangelical Theological Society, Vol. 21, No. 4, 1978, P. 289-296; Norman L. Geisler, Inerrancy, Zondervan: USA 1980, P. 493-502; G. K. Beale, The Erosion of Inerrancy in Evangelicalism, CrossWay Books: USA 2008, P. 268-279; Carl F. H. Henry, God, Revelation And Authority, Vol. 4, Word Books: USA 1979, P. 211-219; Norman L. Geisler & William E. Nix, A General Introduction to The Bible, Revised Edition, Moody Press: USA 1986, P. 181-185.
[2] لاهوت الكتاب المقدس.

هناك 4 تعليقات:

  1. اخ فادى سلام الرب يكون معاك:
    فى هذا البحث إستوقفنى "البند الثالث عشر " لم افهمة هل من الممكن توضيحه لى.
    و أيضاً صفحة 10 من "بقدر ما أن الكتاب المقدس هو إنتاج عقلى...... إلى "المُحى له" لا افهمها أيضاً هل من الممكن التوضيح

    ردحذف
  2. البند يتكلم عن كيفية تحديد "الخطأ". لا يجب علينا أن نحاكم الكتاب المقدس بظروف عصرنا، بل بظروف عصره. مثلاً، فى العصور القديمة لم يكن من الضرورى ترتيب الأحداث بنفس التسلسل، و إنما كان من الممكن التغيير فى الترتيب بحسب الموضوعات. إذا حدث هذا فالكتاب المقدس ليس خطأ، لأن هذا من معايير عصره.

    النقطة الثانية تتكلم عن عدم إفتراض نص خاطىء فى الكتاب المقدس و وجود مثيل له فى مكان آخر فى الكتاب المقدس صحيح و يصحح النص الخاطىء. و يدعو لذلك عن طريق تفسير الكتاب المقدس بالكتاب المقدس.

    ردحذف
  3. السلام عليكم انا عندي سوأل واحد بس لو كان الكتاب المقدس فيه أخطاء ومش معصوم عن ألأخطاء إيش يضمنلك أن في أخطاء تمس عقيدتك إيش ضمنك أن مسألة صلب اليسوع مثلا مش نسج خيال

    ردحذف
  4. غير معرّف، أنت تتكلم فى موضوع يقول أن الكتاب المقدس لا يوجد به أخطاء، و فى مدونة يؤمن صاحبها أن الكتاب المقدس لا يوجد به أخطاء، ثن تأتى لتفترض وجود الخطأ؟

    صلب المسيح حقيقة تاريخية، ليس فقط حتى لو لم يكن الكتاب المقدس معصوم، بل حتى لو لم يكن وحياً من الأساس! اقرأ عن النقد التاريخى و ستفهم.

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!