الأحد، 25 أكتوبر، 2009

آفة التحيز


كلمنى أحد الأصدقاء بالأمس، و أخبرنى أنه قام بعمل تحليل لكتاباتى. فى الحقيقة كان شيئاً لذيذاً أن أرى محاولة لعمل "تحليل نفسى" لى عن طريق كتاباتى. قال صديقى هذا أننى أرتكن على العلماء و التاريخ، لأن عقيدتى لا دليل لها. أوضح بعد ذلك أنه يقصد أن وحى الكتاب المقدس لا يوجد دليل عليه، و لذلك أنا أرتكن إلى التاريخ. الغريب أنه ألح علىّ دراسة كتابه و عقيدته، لأننى سأكتشف حقهما. قلت ببساطة: لا يمكن، لأن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون وثيقة تاريخية. أعطيت مثالاً على ذلك: لو أن التاريخ يقول أن يسوع الناصرى صُلِب و مات على الصليب، و أنه دُفِن فى قبر معروف لليهود قبل تابعيه، و لو أنك يا صديقى تقول لى أغمض عينيك و آمن فقط بأنه لم يُصلب، فلماذا يجب أن أصدقك؟ رفض صديقى معاملة كل الكتب المقدسة على أنها مجرد وثائق تاريخية، و نرى أيهما يخبر الحق و أيهما يخبر الباطل. رفض ذلك لأنه لا يريد أن يطبق ذلك على كتابه، فى الوقت الذى يرتكن فيه على وحى كتابه.

المشكلة تكمن فى أن مسألة "الوحى" هذه مسألة غيبية. كل ما يتعلق بالإلهيات هو أمر غيبى، لا يمكن أن نحيط به إحاطة كاملة، و قبل كل ذلك هو مسألة إيمانية بحتة. معنى ذلك أنك لا تستطيع أن تقول لى: أنظر، هذا الكتاب هو وحى من الله و هذه هى الأدلة، التى تشتمل على كافة أنواع الإعجازات! هذا الإسلوب ليس صحيح، لأن فى الوقت الذى يعتقد فيه هو بأنه هناك أدلة إعجازية على صدق كتابه، يرد عليه أبناء ملته، بل و يؤلفون كتباً فى نقد ما يدعيه هو، بل و يعتبرونها "وهماً"! لكن ما هو قابل للفحص و الإستدلال، هو التاريخ فقط. هذا الكتاب يقول معلومة، و كتاب آخر يقول عكس هذه المعلومة. ما هو الحكم بينهما؟ التاريخ، و التاريخ فقط. و هذا يبين الإزدواجية فى معاملة النص الدينى، فهو يطالب بتفعيل كل نواحى النقد على كتابى، بينما يرفض تفعيل أى نوع من النقد على كتابه.

و هذه المشكلة لا تفق فقط على النقد التاريخى، بل كل أنواع النقد الكتابى. بل حينما قام بن خلف الله بوضع مؤلف موسوعى ضخم حول النقد القصصى لكتابه، راحوا يكيلون بمكيالين و رفضوا كل منهجياته و نتائجه. و حينما قام الشخص "القمنى" بتفعيل المنهج النقدى التاريخ، ليدرس عقيدة صديقى فى اطارها التاريخى و الموضوعى فى شبه الجزيرة، تم تكفيره و اعلان خروجه من الملة علناً.

كل هذا يتم فى الوقت الذى يسهر فيه صديقى حتى مطلع النهار يدرس فى النقد الكتابى للعهد الجديد، ليثبت أنه كتاب مزيف و مزور. فإذا كان المنهج التاريخى النقدى، و هو المسمى المعاصر للنقد الكتابى، هو منهج عادل و أمين و مدقق، فلما ترفض تطبيقه على كتابك يا صديقى؟ الأمانة العلمية تقتضى أن تجرد كل كتاب من كل قدسية، من كل هالة تضعها حوله، من كل وحى، من كل عصمة، من كل لاهوت، من كل ما له صلة بالإلهيات، فإذا صمد الكتاب كان يخبر حقاً، و إذا لم يثبت الكتاب أصبح يخبر باطلاً، مهما ادعيت من سند إلهى!

بالتأكيد هناك أدلة موجودة حول الوحى، و لكنها لا تكفى لضمانه. مثلاً، كتابى يحوى نبوات لا حصر لها فى العهد القديم، تحققت فى العهد الجديد. هذا يُشير إلى أنه من الله بالطبع، و لكن فلسفياً كل هذا قد يكون مجرد صدفة. و نفس الأمر ينطبق على كتابك أيضاً، مهما كان يحوى من إعجازاً، لو صح أصلاً، فقد يكون مجرد صدفة. مهما كانت احتمالية الصدفة ضئيلة، فلا يوجد نظرياً دليل على أن هذه النبوات و الإعجازات تشير إلى وجود عامل إلهى. بالإضافة إلى موضوعين أقر كانط، و هو نصير المؤمنين فى الوسط الفلسفى، أنهما لا يخضعان لأسس الإستدلال العقلى، موضوع ثالث هو الحديث عن الله و كل ما يتصل به.

فإذا كان الكتاب مجرد من كل علامات الحقائق التاريخية، فكيف تطلب منى يا صديقى أن اؤمن به، و أترك الكتاب الذى يشهد له كل ركن فى التاريخ؟ سامحنى يا صديقى، فأنت لا تخدع إلا نفسك. لا يستقيم منهجك الإستدلالى، لأنه يقف ضد التيار. و سواء شئت أو أبيت، فالآخر سيبدأ فى تطبيق نفس المنهج على كتابك. سأكون أنا الفائز، لأننى كنت صريحاً و أميناً مع نفسى، لكنك فضلت أن تستتر وراء غلاف وهمى. أنت تؤمن فى معلومات مضادة للتاريخ لأنك تؤمن أنه وحى معصوم. لكن أنا اؤمن بمعلومات دقيقة تاريخياً، لأن التاريخ إذا عارض الوحى لا يعود الوحى وحياً.

أو لست أنت الذى تقول ليل و نهار أن الكتاب متناقض و يخالف التاريخ و تجعلنى أمل من شبهاتك التى تخص تاريخ الكتاب المقدس؟ و مع ذلك، فى كل مرة تقول أنه هناك تناقض، يكون هناك تفسير آخر موازى للنص لا يفيد التناقض. لكنك تقول ذلك فى الوقت الذى ترفض أن يكون كتابك محل الإختبار تاريخياً.

إن لم يكن هذا هو التعصب، و التحيز، و النزعة إلى الإيمان الأعمى، فما هو بالضبط التحيز يا صديقى؟ عليك و علينا جميعاً أن نكون منفتحى العقل، يكون الضمير هو الرقيب علينا، نكون أمناء للدليل، أينما يأخذنا نسير خلفه. و هذا هو منهجى الشخصى، حيثما يقود الدليل أسير. علينا أن نترك الدليل يشكل عقائدنا، مهما كانت التغيرات، و مهما كانت قيمتها. أفضل لنا أن نخسر موقف نحبه لكنه زائف و نعرف الموقف الحقيقى حتى لو كنا نبغضه، من أن نعيش حياتنا فى مجرد وهم لا معنى له ولا قيمة له.

أما حول كتابى، فقد ازداد إيمانى به بسبب المنهج التاريخى النقدى. هذا المنهج يقول لى أننى أعرف الصورة الحقيقية ليسوع الناصرى، و أعرف الإطار التاريخى الذى عاش فيه يسوع الناصرى. هذا المنهج النقدى أثبت لى صحة إدعاءات يسوع عن لاهوته، من خلال النقد النصى، و أثبت لى صحة أحداث حياة يسوع تاريخياً، عن طريق النقد التاريخى، و أثبت لى أن الكتب الموضوعة فى العهد الجديد هى أفضل الكتب التى تقدم حياة يسوع تاريخياً بشكل صحيح، عن طريق نقد القانون. و هذا المنهج هو الذى أثبت لى صحة المعجزات التى قام بها يسوع، و صحة القصص التاريخية التى أثبتها العهد الجديد عنه، عن طريق النقد القصصى. لقد انتصر التاريخ على مدرسة نقد الشكل، فذهبت مع الريح و أصبحت تراثاً فقط لا وجود حقيقى لها.

لماذا ترفض كل هذه الأدلة و البراهين، التى أنت نفسك لا تنكرها، ولا تجرؤ أن تنكرها؟ لماذا تبيع يسوع؟ هل الثمن يستحق؟ هل لديك دليل يستند عليه كتابك أعظم من هذا؟ لا، لا يوجد مثل كتابى فى التاريخ البشرى بأكمله.

عليك أن تسأل نفسك يا صديقى: ماذا لو لم يكن كتابك وحياً؟ ماذا لو كان كتابى وحياً؟ فكر قبل أن تخسر حياتك الأبدية..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!