الجمعة، 23 أكتوبر، 2009

ذاكرة يسوع


الحديث عن يسوع ليس مثل الحديث عن أى إنسان آخر، فيسوع يتمتع بوجود قوى و حيوى و مباشر فى الذاكرة البشرية. و لكن ما أريد الحديث عنه هنا هو وجود يسوع فى ذاكرة المسيحيين الأوائل. يقسم علماء العهد الجديد نظرة المسيحيين ليسوع إلى مرحلتين هامتين: مرحلة ما قبل القيامة، و مرحلة ما بعد القيامة. هذا التقسيم يعتمد بشكل رئيسى على عامل هام جداً، و هو أن الأناجيل تسجل لنا تاريخاً دقيقاً ليسوع. و لعمق هذه الدقة، أستطاع العلماء التفريق بين النظرة المسيانية ليسوع قبل القيامة، و النظرة المسيانية ليسوع بعدها. ففى البداية لم يكن أتباع يسوع مهتمين برؤيته لاهوتياً، إذ أنهم حتى فى فترة ما بين الصليب و القيامة، نجدهم مترددين فى مدى صدق ما وعد به يسوع. أنكره بطرس قبل الصليب، لم يعرفه تلميذى عمواس بعد القيامة، و وصل الأمر بتوما للتشكيك الواضح فى اعلان البقية أن يسوع قد قام فى فترة ظهورات ما بعد القيامة!

لكن فترة ما بعد القيامة تصور تغيراً جزرياً فى طريقة تعامل اتباع يسوع معه لاهوتياً. فذاك الذى أنكره وقف أمام حشود غزيرة، واضعاً رؤية مختلفة عن يسوع فى ذاكرته التى انتعشت و تيقنت برؤيته للقائم من بين الأموات. نستطيع تخيل قوة ايمان بطرس فى ذلك اليوم، و هو اليوم الخمسين لصعود الرب، عن طريق عدد النفوس التى آمنت برسالة يسوع بعد عظته. و توما الذى شك أن يسوع حى بعد موته، تحمل مسئولية شاقة فى الكرازة؛ و هى تبشير مملكة الهند وحده فى ذلك الزمان، كما يذكر المؤرخين.

هذا التحول هو بداية مرحلة كبيرة فى رؤية التلاميذ و الرسل ليسوع فى ذاكرتهم بعد أحداث القيامة و الظهورات التى أعقبتها، لدرجة أن توم رايت يقول و يكرر كثيراً صراحةً أن هذا التحول الجزرى هو الشرارة التى أطلقت الكرازة المسيحية فى القرن الأول، و أنه بدون هذا التحول، من الصعب أن نضع تفسيراً عقلانياً لتحمل هؤلاء الرجال هذه المسئوليات و المشقات الضخمة. فالنقطة الأولى حول يسوع كما هو عند التلاميذ، هى القيامة.

أما المرحلة الثانية فهى مرحلة الكرازة نفسها. لا نعرف إذا كان هذا قد تم بترتيب أم لا، و لكن واضح أمامنا أنه كان هناك من هو مسئولاً عن تبشير اليهودية و الجليل، و من هو مسئولاً عن تبشير بقية الشعوب التى يسميها الكتاب "الأمم". هذا التقسيم ينم عن دراية كاملة بالأوضاع التى ستقابل الكرازة فى الداخل و الخارج، مما يعكس قناعة بالغة بمحتوى يسوع الذى تتم الكرازة بإسمه. هذا يعنى أن التحول لم يكن فقط مفاجئاً، و لكنه يعنى أنه كان مُدركاً تماماً حتى أصغر التفاصيل. و فى هذه المرحلة، تبدأ أحد الظواهر المسيحية الرئيسية فى الظهور، و هى صياغة يسوع. و المقصود بهذا المصطلح هو صياغة العقيدة فى يسوع، أى صياغة ما يعتقده التلاميذ و الرسل حول يسوع. فى هذا الوقت بدأ التلاميذ و الرسل فى وضع كل شىء يخص يسوع فى مكانه، و تنظيم الكرازة بحسب هذه الصياغة النظامية ليسوع. فلا نعود نرى شكاً، و لكن نرى تصريحات واضحة عن بنوة يسوع لله، عن إلوهيته، عن رسالته، عن أعماله، عن فداؤه، و عن مجيئه الثانى ليدين الخليقة.

تنظيم صياغة يسوع لم يتم فى يوم و ليلة، إذ أن الرسل اكتسبوه بالخبرة فى عملية الكرازة ذاتها. و لعل القارىء يكون قد وقع على مصطلح "تطور العقيدة" أو "التطور اللاهوتى" و ما إلى ذلك. فهذه المصطلحات لا يُقصد بها أبداً أن العقيدة تبدلت و تغيرت، و إنما يقصد التطور التاريخى الذى حدث فى شرح التلاميذ و الرسل لذاكرتهم عن يسوع. و قد تم هذا التطور بخبرة التلاميذ فى أثناء تبشير البشر.

هذا التنظيم فى صياغة يسوع بحسب ذاكرة التلاميذ و الرسل، أدى فى المرحلة الأولى لوضع قوالب الكرازة، و هى عملية تحديد بدائى جداً عن النظرة الكريستولوجية للمسيا الذى توقعه اليهود. لم يكن فى ذاكرة اليهود مسيا يمكن أن يموت، و هذا لم يتوقعوه أبداً. أيضاً أحد ثوابت الفكر اليهودى حول المسيا فى ذلك العصر، هى الحراك السياسى. يسوع لم يكن مستجيباً للتوقعات اليهودية، بل جاء مخالفاً تماماً، حتى أنه قد يبدو فى الأناجيل فى صورة معادية لليهود جداً! كانت المهمة الأولى هى تصحيح هذا الفكر المسيانى، عبر شرح يسوع كمسيح الله بأبعاد مختلفة عن معايير اليهود. و كانت هذه المهمة شاقة جداً على بطرس.

على الجانب الآخر، كان بولس يحتاج إلى عامل رئيسى لم يرى بطرس حاجة له، و هو عامل التوحيد الإلوهى. لقد كان بطرس يواجه شعباً مؤمناً و لو نظرياً بتوحيد الإلوهية؛ أى وحدانية الله فقط. لكن بولس لم يكن كذلك، فقد كان يواجه شعوباً وثنية تقدس الفكر و العقل، و وضعت محاولات فكرية بدائية جداً لتحديد قوات الإله، فى صورة تعددية له، مما أدى إلى تشتيت رهيب فى الفكر اليونانى الذى كان نصيب بولس. لذا يظهر بولس فى العهد الجديد كمدافع لاهوتى بالدرجة الأولى. ففى الوقت الذى كان عليه أن يشرح لليونانيين و الرومان وحدانية الله، كان عليه أيضاً أن يبشر بيسوع المسيح كإبن الله الوحيد. لذا يتكرر كثيراً فى كريستولوجية بولس الربط بين الآب و يسوع و الروح معاً فى نصوص واحدة تهدف أصلاً لبيان وحدانية الله. و على العكس من بطرس، لم يكن بولس فى حاجة إلى التطرق لمفهوم المسيا، إذ أنه يخاطب شعوب لم تسمع بهذه الكلمة قبلاً.

كان خطى الكرازة يسيران فى وفاق، قد يتعكر بعض الأوقات بسبب سوء الفهم كما حدث فى مجمع أورشاليم، و هذا الوفاق أنتج توازياً يقرر كافة المسائل اللاهوتية فى الفكر المسيحى فى القرن الأول.

المرحلة الثالثة فى صياغة ذاكرة يسوع، تأتى فى مرحلة الإنفتاح العالمى أمام المسيحية. هذه المرحلة هى الأخيرة فى صياغة الذاكرة عن يسوع، إذ أنها تنال معرفة الإيمان المسيحى بشكل عالمى فى القرن الأول. هذه المعرفة العالمية لم تكن كرازة الرسل كافية لها، بل كان لابد من وضع ضوابط و أسس حتى يُكتب لها البقاء. فصحيح أن كرازة الرسل هى الأساس، و لكن كان لابد من وجود عدة عوامل من شأنها الحفاظ على هذه الكرازة حية و مشتعلة فى هذا الإنفتاح العالمى. لم يكن هناك مفر من وضع "الوثيقة". فرغم أن بطرس أنشأ كنائس، و بولس أنشأ كنائس، غير أن كلاً من الرسولين، و كلاً من مجموعتى الكنائس، كان بحاجة إلى وسيلة أضمن لنشر الرسالة فى هذه المجتمعات المتنامية يوماً بعد يوم. لهذا ظهرت الوثيقة.

كان للوثيقة دور هام فى الحفاظ على ذكرى يسوع، يمكن تلخيصها فى النقاط التالية:

1- استمرار الفائدة الرسولية لأجيال متعاقبة بنفس الصورة الأولية لها.
2- الحفاظ على تفاصيل الذاكرة و الإيمان من التميع عبر الأزمنة.
3- اتاحة الفرصة لكل فرد فى المجتمع لكى يطلع على محتويات الكرازة الرسولية تفصيلاً.
4- خلق مساحة من الدراسة الروحية أولاً، ثم الدراسة الفكرية لأساسيات الكرازة عن يسوع.
5- استمرار الكرازة بنفس النمط الرسولى، لتكون متاحة ليس فقط للتسلسل الرسولى للأسقف، و إنما لكنيسة واحدة حية تشهد بذاكرتها عن يسوع.

فى هذا الإطار تنطلق رسائل بولس، كأول استخدام للوثيقة. لم يكن الهدف من كتابة الوثيقة فى نظر بولس هو وضع نص مقدس، بقدر وضع و تسجيل الشهادة التى سبق و كرز بها عن خبرته مع يسوع فى الطريق إلى دمشق. من بين عدة أسباب تجعلنا نصل للنقاط الموضحة أعلاه من خلال الإستخدام الأولى للوثيقة، هو تأكيد بولس المستمر على عدم إضافته جديداً بما يكتبه. لم يكتب بولس رسالة لكنيسة لم يسبق أن بشر فيها، بل كانت كافة رسائله هى إعادة تسجيل لمحتوى الكرازة التى بشر بها فى الكنائس. لهذا فالجديد كان فى الكرازة الشفهية، و أتت الوثيقة لتثبت المؤمنين فى نفس التعليم. و قد حرص بولس فى تأكيد مستمر أن ينوه المؤمنين بأنه لم يخترع شيئاً، و إنما ما سلمه لهم فى الكرازة، كان هو نفس ما تسلمه. و نفس ما سلمه لهم فى الكرازة، هو نفس ما يسلمه لهم الآن فى الوثيقة. و لعل النقطة المثيرة فى العلاقة بين الكرازة و الوثيقة عند بولس هى إقتباسه المتكرر لمجموعة من قوانين الإيمان الأولية جداً جداً فى الكنيسة المسيحية. هذه النقطة تشير إلى وحدانية تامة بين ما قِيل شفاهةً و ما قِيل كتابةً، إذ أنها تمزج الإثنين معاً.

المرحلة الثانية فى استخدام الوثيقة، هى مرحلة تدوين الأناجيل. تُعتبر الأناجيل الأربعة مزيجاً بين التاريخ و اللاهوت، لأن البشيرين قصدوا كتابة سيرة تاريخية لحياة يسوع، فى الوقت الذى أرادوا فيه استخدام مواد هذه السيرة لتشكيل عقيدة الكنيسة و بنيانها و نموها. فى هذه المرحلة بالذات، تنشط الذاكرة المسيحية عن يسوع. و قد اقتنع العلماء منذ زمن طويل أن هذه السير خرجت فى إطار يهودى أوسع فى حفظ الذاكرة، و هو الثقافة الشفهية. و يُقصد بهذا المصطلح الوسط اليهودى الذى أنتج هذه السير، فهذا الوسط اليهودى كان يعالج الموضوعات الدينية بالحفظ الشفهى. و هذه القناعة العلمية أدت إلى اختلاف فى تفسير دور البشيرين فى كتابة الأناجيل الأربعة. لكن الثابت الذى لا خلاف فيه، هو قناعة البشيرين التامة بصحة و حقيقة التقاليد المسجلة فى وثائقهم. هذه القناعة فى حد ذاتها، دليل صريح على عدم ضياع معالم يسوع الحقيقية فى ذاكرة أتباعه. و هنا يظهر واحد من ثوابت الذاكرة الحية فى الأناجيل، و هو شهادة العيان. لا يمثل هذا الدليل مجرد تقرير من شاهد عيان، إذ أن هذه الشهادة لا تقف عند هذا الحد، بل أنها تنقل لنا قناعته الشخصية كعقلية عاينت الدليل نفسه. و شهادة العيان هى تقرير وصفى لحدث ما ممن شاهد الحدث بنفسه. مع الوضع فى الإعتبار أن كلاً من متى و لوقا إعتمدا انجيل مرقس كواحد من مصادرهما، تبدأ بعض الشكوك فى الظهور حول مدى قيمة شهادة متى كشاهد عيان حول ذاكرته الخاصة بيسوع. تكمن المشكلة حول هذه الشكوك فى رفض الدليل التاريخى المُحكم فى أن انجيل مرقس فى حقيقته انجيل بطرس نفسه، إذ أن انجيل مرقس فى حقيقته تدويناً لذاكرة بطرس عن يسوع. دور آخر لشهادة العيان هو شهادة المعاصرين لأزمنة كتابة و انتشار الوثائق الإنجيلية عن يسوع. يُقصد بهذا الدور هو عدم إستطاعة البشيرين تقديم تاريخ مزور، سواء عمداً أو جهلاً، لأن الجموع التى شهدت تفاصيل و أحداث خدمة و حياة يسوع كانت مازالت على قيد الحياة. بهذه الوسيلة المحكمة، يؤكد العلماء أننا لا نستطيع التشكيك فى صدق و نزاهة البشيرين، لأن أناس تابعوا الحركة الدينية الجديدة من بدايتها على يد الشاب يسوع، كانوا مازالوا على قيد الحياة وقت تدوين و انتشار الأناجيل.

إن ذاكرة يسوع فى الخطين الرئيسيين، الخط الإنجيلى و الخط البولسى، بُنِيت على أسس محكمة لا تقبل جدال حول نزاهتها. و قد فحص العلماء مرحلة الإنتقال من الشفاهة للوثيقة بعناية، فخرجت لدينا النظرية الحديثة جداً "نظرية الذاكرة الإجتماعية". هذه النظرية تقول بأن الغرض لم يكن فقط الحفاظ على الذاكرة، و إنما إحياء الذاكرة. فى الحقيقة، حينما نقرأ النص، فإننا نحى الذاكرة ذاتها مرة أخرى، لتتجدد و تسترجع ذات الظروف الأولية التى أنتجتها. عملية الإنتقال من الشفاهة للوثيقة لا تقف فقط عند حدود الحفظ، و إنما تولد تجديداً إجتماعياً فى الكنيسة، ليتصل الماضى بالحاضر فى شخص يسوع و على أساس ذاكرته.

هذه النظرية يمثلها يوحنا البشير، الذى يصل الأزلى بالزمنى، و يدعو إلى إشتراك حى فيما قد رآه، و سمعه، و هو ما يخبر به من جهة كلمة الحياة. فالوثيقة لا تقف عند حدودها فقط، و إنما هى دعوة للإشتراك فى ذاكرة يسوع. فى انجيل يوحنا، يظهر الإتحاد التام بين التاريخ و اللاهوت بهدف تقديم نموذج تاريخى لكيفية حياة العقيدة الكرازية. لكن يظهر الأساس للاهوت يوحنا هو ذكراه عن يسوع. فالمدخل عند يوحنا لكل فِهم عقيدى صحيح، هو استيعاب اختراق الله للتاريخ، الزمان و المكان.

أخيراً، فإن المرحلة النهائية لتجدد ذاكرة يسوع، هى شهادة الكنيسة المشتعلة بالروح. إعلان الكنيسة عن نفسها كجسد المسيح، هو إعتراف بوجود حقيقى للذكرى القديمة عن يسوع، متجددة كل يوم فى الإفخارستيا. هذا السر العظيم، أى كان شكله، سواء عند أغناطيوس الأنطاكى كترياق عدم الموت، أو عند المصلحين بكافة إختلاف أفكارهم (لوثر "الإستحالة الجوهرية" – كالفن "الإستحالة الروحية" – زوينجلى "الذكرى المجردة")، يشتركون جميعاً فى تجدد ذاكرة يسوع فى الكنيسة المسيحية بإعلانها شهادتها الحية المستمرة عبر الزمان. فالعامل المشترك بين التيارات الأربعة، هو ذكرى يسوع (مبدأ زوينجلى). هذه الشهادة هى إحياء للتقليد الرسولى المنحدر من أعمدة الكنيسة فى القرن الأول، المتثبت بدوره على ذكرى يسوع العاملة فى التاريخ.

كافة هذه المراحل تصل بنا إلى الدرجة العليا فى السلم نحو السماء: اللقاء الروحى. هذه الدرجة ليس لها شرعية عقلية أو إستدلالية، و لكنها قامة روحية تنطلق بالإنسان لمواجهة حية مع الدليل نفسه. اللقاء الروحى هو مشاهدة الذاكرة حية أمام الإنسان، فى اتصال دائم و مستمر مع يسوع نفسه. لا يكفى لنا فقط أن نتتبع خط سير الذاكرة فكرياً، و إنما ينبغى وجود تحول جزرى يتطلع إلى لقاء المسيح القائم. حينها فقط، يستطيع الفرد أن يدرك القوة المزلزلة التى هزت كيان التلاميذ فى مرحلة ما بعد القيامة، أى العودة للمرحلة الأولى مرة أخرى!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!