الخميس، 22 أكتوبر، 2009

أوريجانوس حول العصمة


أوريجانوس ليس من آباء الكنيسة، و ليس بقديس، بل هو محروم من الكنيسة لعدة سقطات وقع فيها. لذلك تعطيه الكنيسة لقب "علامة"، لأنه قدم الكثير لخدمة الكنيسة و الإيمان، رغم ما سقط فيه من أخطاء عقيدية مثل اعتقاده بخلاص الشيطان! و بينما كنت اقرأ فى كتابه "فى المبادىء"، و حينما قاربت على الإنتهاء منه، وجدت بعض الفصول تستحق القراءة أكثر من مرة، و تحتاج لتأمل واسع فيها. كلمات نحتاج أن نفهمها اليوم أكثر من أى يوم مضى. صحيح أنه كتبها يرد بها على يهود يومه، و لكن هذه الكلمات مازالت تحمل شىء ما لنا. كلمات تخص الكتاب المقدس، و كيفية فهمه. أوريجانوس خصص الكتاب الرابع من عمله "فى المبادىء" لكيفية قراءة الكتاب المقدس، و كيفية فهمه. و رأيت أن أنقل الجزء التالى من هذا الكتاب، لأنه يحمل رسالة خاصة لنا فى الألفية الثالثة! لن أعلق على كلامه، و لنترك أنفسنا نتأمله فى هدوء، فربما يفيد.

يقول أوريجانوس فى كتابه "فى المبادىء"، الكتاب الرابع، الفصول 1 – 5 (و فى موسوعة آباء ما قبل نيقية هو الفصل الأول، الأجزاء 16 - 20) التالى:

"لنجولن فى الكتب، عبر مقاطع متنوعة، لعلنا نحمل على فهم ما تقوله من خلال النصوص عينها. أى إنسان عاقل يمكنه أن يفكر منطقياً، يزعم بأنه كان يوماً أول ثم يوم ثانٍ ثم ثالث، و بأن المساء و الصباح تمايزا فى تلك الأيام، من دون شمس فيها ولا قمر ولا نجوم، بل من دون سماء فى ذلك اليوم الأول؟ أنجدن أمراً غبياً يتوهم أن الله غرس كرجل مزارع أشجاراً فى بستان، فى عدن، إلى جهة الشرق، و أنه غرس ثمة شجرة حياة لها خشب يُرى و يُلمس، بحيث إن من يأكل من ثمر هذه الشجرة بأسنان جسدية يحيا ثانيةً، و أن من يأكل كذلك من شجرة أخرى ينال معرفة الخير و الشر؟ و عندما يُصور الله متجولاً فى البستان، بعد الظهيرة، و آدم مختبئاً تحت الشجرة، لن يرتاب أحد فى ظنى من أن هذا كله قد رواه الكاتب بصورة مجازية، لكى يدل بهذه الطريقة على بعض الأسرار. أما قايين الهارب من أمام وجه الله، فإن القارىء الحصيف لا يلبث أن يتساءل عن وجه الله هذا، و عن السبيل إلى الهرب من أمامه. إلا أننا لا حاجة بنا لأن نسترسل فى ما نتطرق إليه، لأنه أمر يسير أن نقتطع لو شئنا أشياء مشابهة فى الأسفار، تُصور إلينا و كأنها جرت، غير أنه لا يمكن الاعتقاد اعتقاداً جائزاً و عاقلاً بأنها جرت على نحو تاريخى. إن هذا النوع من التعابير يُلاحظ بأعداد كبيرة و بوفرة فى الأناجيل نفسها، كما الحال عندما تقول إن إبليس مضى مضى بيسوع إلى جبل عالٍ، كى يريه ممالك الأرض كلها و مجدها. كيف قُيض لهذا أن يجرى حسب الحرف، و أنى أمكن يسوع أن يقوده إبليس إلى جبل عالٍ حتى تُعاين أمام عينيه الجسديتين ممالك الأرض كلها، مملكة الفرس و مملكة الإسكوتيين، و مملكة الهند، و كأنها تُعاين من على جبل واحد، و تقع على كثب منه، و تُعاين الطريقة كذلك التى يمجد بها الناس ولاتهم؟ من يقرأ بتمعن يجد تعابير أخرى مشابهة بأعداد كبيرة فى الأناجيل، و يُلاحظ أن عبارات لا يُسلم بها بمعناها التاريخى، و إنما يشفع بها الفهم الروحى، قد أُقحِمت و نُسِجت فى روايات الأخبار التى تظهر و كأنها وقعت حرفياً.

إلا أننا نجد فى المقاطع التشريعية الشىء نفسه. فقد رسم ناموس موسى أن يستأصل كل مولود ذكر لم يُختتن فى اليوم الثامن. إن هذا الأمر غير متماسك البتة، لأنه كان ينبغى على الناموس، لو أُخِذ به حسب التاريخ، أن يوصى بمعاقبة الأهلين الذين لم يختنوا أبنائهم، أو بمعاقبة الذين يربونهم. و لكن الكتاب يقول: الأقلف من الذكور، أى الذى لم يُختتن فى اليوم الثامن، يُقطع من الشعب. فلو جاء الكلام على رسوم غير ممكنة، لوجدنا الصَّدى و هو حيوان لا وجود له، و مع ذلك فإن موسى يأمر بأكله و كأنه حيوان طاهر، و الرّخم الذى لم تصده يد إنسان، أو قل لم يتذكر أحدنا أنه صاده بشر، بل لم يُسمع قط عن ذلك، فقد نهى المشرع أكله. و كُتِب فى شأن السبت و حفظه، و قد جاء فيه كلام غرير: فليقعد كل واحد فى مكانه، ولا يبرح أحد مكانه فى اليوم السابع. إن هذا غير ممكن حفظه بحسب الحرف، لأنه ليس فى وسع أى امرىء أن يلبث جالساً يومه كله دون أن يبرح مكان جلوسه. و فى هذا كله يقضى الذين هم من الختان (أى اليهود)، و جميع الذين لا ينوون أن يفقهوا من الكتب إلا ما استُدِل بالحرف عليه، أنه لا مدعاة لتطارح السؤال فى هذا الشأن، أى فى ما يختص بالصدى و الخم و العقاب. بل يتوهمون أيضاً خرافات جوفاء لا نفع منها، فيذكرون كذا و كذا من تقاليد فى موضوع السبت، و يقولون بمسافة ألفى غلوة تجوز لكل امرىء من أجل حلّه و ترحاله (عد 35 : 5). و لكن آخرين و منهم دوسيتاوس السامرى، يستهجنون مثل هذه التفاسير؛ إلا أنهم يُفتون بما هو أسخط منها أيضاً، كأن يلازم كل واحد الهيئة و الموضع و الوقفة التى انتهى إليها يوم السبت إلى ساعة العشاء، أى أن يستوى فى جلوسه بحر يومه لو كان جالساً، و أن يسترخى طيلة اليوم لو كان مضطجعاً. بيد أن ما قيل فى الاحتفاظ من حمل ثقلٍ فى يوم السبت يبدو لى عصياً. لهذا أكبّ علماء اليهود على خرافات لا نهاية لها فى هذا الخصوص، كما يقول الرسول القديس، موضحين أنه لا ينبغى أن تؤخذ نعال لا مسمار فيها مأخذ الأحملة، و إنما أحذية ذات مسامير. كذلك يزعمون أن من حمل شيئاً على منكب حمل حملاً، و ليس هو بحمل إن حمله على كلا منكبيه!

فإن نبحث الآن عن تعابير مشابهة فى الأناجيل ألا يبدو هراء أن نفقه فقهاً حرفيا "لا تسلموا على أحد فى الطريق" (لو 10 : 4)؟ و مع ذلك، فإن أبسط الناس يوقنون بأن الرب أوصى رسله بهذا. و كيف يُعقل أن يراعى النهى عن الاتشاح بوشاحين، أو عن حيازة حذاءين (مت 10 : 10)، فى أماكن يصاحب فيها صقيع جليدى شتاء قارس؟ أما الذى يُصفع على خده الأيمن و قد أتاه الأمر بأن يسلم الأيسر أيضاً، فإن كل إنسان يلطم بيده اليمنى يُدرك بالأحرى الخد الأيسر. و لكن يجب علينا أن نحدق فى ما ورد بين الأمور المستحيلة مدوناً فى الإنجيل: إن شككتك عينك اليمنى فاقلعها! إننا لو افترضنا أن هذا جاء ذكره عن عينى الجسد، كيف يبدو لنا أنه قول سليم فيما العينان قد نظرتا، و فيما يُنحى باللائمة على الواحدة منهما دون الأخرى، ثم على اليمنى بالتحديد؟ و من الذى يُعتبر أُعفى من إثم جسيم فيما يتطاول بيده على نفسه؟ و لكن لعل رسائل القديس بولس تبدو خالية من حالات مماثلة: أُدعى أحد و هو مختون؟ فلا يطلب قلفة (1 كو 7 : 18). إن أمعنا النظر فى هذا المقطع، بادىء الأمر، لا يبدو على صلة مع الموضوع المطروق: فالخوض جارٍ فى رسوم تتعلق بالزواج و العفة، بل يلوح أن هذين اللفظين منطوق بهما عن غير جدوى فى قرينة مثل هذه. ثم أين الحرج إن رغب أحدهم فى إستعادة قفلته من أجل أن يجتنب خزى الختان؟ من ناحية أخرى، إن السلوك على هذا النحو لا يدع أنه غير ممكن.

إنما قيل هذا كله لأجل إقامة الدليل على أن مرمى الروح القدس الذى ارتضى أن يهبنا الكتب الإلهية ليس فى الإجازة لنا بأن نرفع النفس عبر الحرف وحده فى المقاطع كلها، لأننا موقنون فى كثير من الأحيان بأنه غير ممكن و غير ذى كفء، و ذلك بأنه يعبر أحياناً لا عن معانى مخيفة و حسب، بل عن أمور لا يمكن حدوثها. فإن مرمى الروح القدس أن يحملنا على فهم أمور نُسِجَت فى رقعة هذا التاريخ المرئى، و هى تفصح عن ناموس يفيد البشر و يليق بالله، إذا رُصِدت و عُقِلت بطريقة داخلية. و لكن حذار أن يتهمنا أحد بأننا نقول أن أياً من روايات الكتاب ما هو، فى اعتقادنا، بتاريخى، إذ نعتقد بأن بعض الأحداث لم تقع، و بأن أياً من رسوم الناموس كذلك لا يستوى بحرفه إذا قلنا إن بضعة منها لا يمكنها أن يُؤخذ بها بحسب الحرف، لأنه لا العقل ولا جواز الفعل يسلمان بها، و بأنه لا ينبغى على نحو مماثل الاعتقاد بأن ما كُتِب عن المخلص قد تم بطريقة حسية، و بأن رسومه لم تكن لتُحفظ بحذافيرها. بل يجب أن نجيب بأنه يبدو لنا جلياً أن فى وسع المرء، فى أغلب الحالات، و من شأنه كذلك، أن يتمسك بالحقيقة التاريخية. فمن يمكنه بالواقع أن ينفى دفن إبراهيم فى حبرون فى مغارة من حجرتين، و إسحق و يعقوب و زوج كل منهما أيضاً؟ و من يمكنه أن يرتاب من منح شكيم نصيباً ليوسف، و من كون أورشاليم عاصمة اليهودية، و بناء سليمان هيكلاً فيها، و من أحداث أخرى لا عدد لها؟ فما يستوى صحيحاً حسب التاريخ، أعظم بالحقيقة عدداً مما يحتوى على معنى روحى ليس إلا. و من لا يجزم، من ثم، بأن الوصية "أكرم أباك و أمك حتى تصيب خيراً" يمكنها أن تكفى بدون تفسير روحى لها، و بأنها لابد منها للذين يأخذون بها، ولا سيما أن بولس قد ختم عليها مكرراً ذكرها بحرفه. و ماذا نقول فى: لا تزن، لا تقتل، لا تسرق، لا تحلف بالزور، و فى الوصايا التى تشبهها؟ زد على ذلك أنه ما من ريبة، فى شأن الوصايا الإنجيلية، أن معظمها ينبغى الأخد به بحرفه، هكذا: إنى أقول لكم لا تحلفوا البتة. و أيضاً عندما يقول: إن نظر أحد إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه. كذلك ما أوصى به بولس الرسول: أنبوا المتقلقلين، شجعوا صغيرى النفوس، أسندوا الضعفاء، تأنوا على الجميع. و وصايا أخرى عديدة غيرها.

بيد أن من يقرأ بإمعان لا يلبث أن يقع فى حيرة من أمره، حسب ظنى، إزاء عدد من المقاطع، فلا يدرى هل ينبغى أن يعتبر كذا و كذا من الروايات صادقاً بحسب الحرف، أو لا ينبغى هذا عليه، و أن يجب التقيد بكذا و كذا فى الرسوم، و بحسب الحرف أو عدم التقيد. لا فرار من الإكباب بعناية و جهد على المسألة لكى يعقل كل من يقرأ بوجل تام أنه يتناول أموراً إلهية و غير بشرية، حينما يتلو ما جاء ذكره فى الكتب المقدسة".

انتهى كلام أوريجانيوس (أوريجانوس فى المبادىء، تعريب الأب جورج خوام البولسى، منشورات المكتبة البولسية: الطبعة الأولى 2003، ص 397 – 403. للترجمة الإنجليزية، راجع: فيليب شاف، موسوعة آباء ما قبل نيقية، المجلد الرابع، إصدار دار نشر هيندرسكون، الولايات المتحدة: الطبعة الثانية 1995، ص 365 – 369، متوفر على الشبكة هنا، أو هنا).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!