الجمعة، 16 أكتوبر، 2009

سيدنا مع عزازيل


لم أنشغل كثيراً برواية عزازيل، فقد سمعت عنها بعدما ثارت زوبعتها. عرفت بها أول الأمر من أبينا القمص عبد المسيح بسيط، حينما أخبرنى بأنه سيظهر على الهواء مع د. زيدان لمناقشة روايته عزازيل. و من هذا اللقاء و عدة لقاءات أخرى غيره، كونت فكرة عامة عن الرواية، و هى أنها تستغل التاريخ لوضع عمل أدبى. إلى ذلك الحد لم تبدو هامة فى نظرى، أو حتى تستحق الرد عليها. فوجئت بأن أبينا مهتم جداً بالرواية، ثم رأيت رد فعل حازم من نيافة الأنبا بيشوى واعداً بنشر كتاب مخصص للرد على هذه الرواية.

صدر كتاب أبينا منذ فترة، و فى الحقيقة لم أهتم بقراءته لأننى لم أكن مهتماً بالرواية من البداية (لمن أراد، يمكن قراءته هنا). و لكن منذ عدة أيام كنت فى إحدى مكتبات الكنائس الأرثوذكسية، و وجدت الكتاب الذى وعد به سيدنا، و رأيته عملاً ضخماً. ضخامة العمل إستفزتنى، فجعلتنى أفكر فى أنه بالتأكيد هناك ما يستحق هذا البحث الضخم جداً. بدأت اقرأ فى الكتاب الذى أعده سيدنا، و هو بعنوان "الرد على البهتان فى رواية يوسف زيدان: بحث وثائقى تاريخى و عقيدى لمواجهة عزازيل"، و صدر عن دار أنطون للنشر. و فى المقدمة وجدت ما لا لم أتخيله أبداً عن فكر زيدان، و بالذات من تصريحات د. زيدان فى بحثه المُقدم لمؤتمر القبطيات الدولى الذى إنعقد العام الماضى. هذه التصريحات تبين بالفعل النية التى بقصدها كتب د. زيدان روايته، فهو لديه أساس فكرى عام، تفرعت عنه رواية زيدان، و هذا الأساس هو ما يسميه "اللاهوت العربى". و قد أخبرنى أبونا بسيط أن د. زيدان نشر كتاباً بهذا العنوان بالفعل قريباً.

هذا الفكر الرئيسى، اللاهوت العربى، ما هو إلا محاولة لضم كافة الفرق الهرطوقية المحرومة من الكنيسة الجامعة، فى قالب لاهوتى مهد للإسلام فى العربية. و لهذا أسمى محاضرته "اللاهوت العربى قبل الإسلام و امتداده فى علم الكلام"، و يعرض سيدنا فى كتابه مقتطفات غاية فى البشاعة فى تشويه المسيحية التاريخية، خاصةً فى الصفحات 18 – 23. مثال على هذه التصريحات البشعة فى تشويه التاريخ، هو قوله:"صدم العرب المسيحية من قبل أن يصدمها الإسلام بقرون من الزمان، عن طريق هذه الرؤى اللاهوتية (يقصد الهرطقات) التى دارت من قريب أو بعيد حول محور وحيد هو رفض ألوهية الإنسان" (ص. 15 من محاضرته، نقلاً عن كتاب سيدنا، ص 21). و هذا الكلام يُصوِر المسيحية الأرثوذكسية على أنها تؤله إنسان بحق لا يستحقه الإنسان ولا تملكه الأرثوذكسية. و بالطبع، هذا الكلام عارى تماماً من الصحة، فنحن لا نؤمن أن المسيح فى أصله إنساناً ثم تأله، بل نؤمن به إلهاً حقاً واحد مع الآب فى الجوهر، و لكنه تجسد، أو تأنس، و هذا هو عكس ما يصوره د. زيدان بالفعل.

و قد قدم سيدنا معالجة شاملة للراوية، بحيث أن هذا الكتاب لا يُعتبر فقط مجرد "رد" على رواية عزازيل، بل هو فى الحقيقة مرجع لاهوتى شامل، إذ نجد فيه مناقشات خاصة بعدة قضايا لاهوتية. و أنا شخصياً أعتبر الأنبا بيشوى لاهوتى مقتدر، و الوحيد، مع د. موريس تاوضروس، الذى شرح مونارشية الآب و مفهوم وحدانية الجوهر فى الكنائس العربية، و ذلك بعيداً عن القضايا الخلافية. و لعل من أمتع القضايا اللاهوتية التى ناقشها سيدنا، هو قضية الثالوث. و فى تناوله لقضية الثالوث محورين رئيسيين لاحظتهما: الأول هو محاولة شرح الثالوث بحسب ما يمكن باللغة البشرية، و الثانى هو توضيح بعض النقاط التى تسببت فى خلاف لاهوتى بينه و بين بعض علماء اللاهوت.

المحور الثانى هو محور بليغ، يضع فيه سيدنا بعض العبارات الغير قابلة للنقاش، فيقول:"و ينبغى أن نلاحظ أنه طبقاً لتعاليم الآباء، فإن الكينونة أو الجوهر ليس قاصراً على الآب وحده، لأن الآب له كينونة حقيقية و هو الأصل فى الكينونة بالنسبة للإبن و الروح القدس، و الإبن له كينونة حقيقية بالولادة الأزلية، و الروح القدس له كينونة حقيقية بالإنبثاق الأزلى. و لكن ليس الواحد منهم منفصلاً فى كينونته أو جوهره عن الآخرين" (ص 226)، و أيضاً يقول:"من الخطورة أن ننسب الكينونة إلى الآب وحده، و العقل إلى الابن وحده، و الحياة إلى الروح القدس وحده، لأننا فى هذه الحالة نقسم الجوهر الإلهى الواحد إلى ثلاثة جواهر مختلف، أو ربما يؤدى الأمر إلى أن ننسب الجوهر إلى الآب وحده (طالما أن له وحده الكينونة) و بهذا ننفى الجوهر عن الابن و الروح القدس أو نلغى كينونتهما، و يتحولان بذلك إلى صفات لأقنوم إلهى وحيد هو أقنوم الآب" (ص 227).

و فى هذين المقطعين، يظهر بوضوح الرفض التام لفكرة إلصاق الجوهر بالآب فقط، و هى الفكرة التى أُتهِم بها. و لكن من الواضح فى هذه النصوص إيمانه العميق بتعميم الجوهر الإلهى الواحد فى الثلاث أقانيم، و ليس حصره فقط فى الآب. و فى موضع آخر، يشرح مفهوم "الصفات الجوهرية" بمفهوم مستقيم تماماً، نافياً فكرة أُلصقت به و هى أن الأقانيم مجرد صفات، فيقول:"الآب و الابن و الروح القدس يشتركون فى الجوهر الإلهى الواحد. و ما نسميه بـ "الصفات الجوهرية" التى يشترك فيها الأقانيم الثلاثة نعنى بها كمثال: الحكمة، الحق، المحبة، الحياة، الصلاح، العدل، الرحمة.. إلخ هذا بحسب الجوهر، و لكن بحسب الأقنوم هناك ثلاثة أقانيم لها ثلاث صفات نسميها "الصفات الأقنومية" و هذه ينفرد بها كل أقنوم على حدة، و هى الأبوة للآب و البنوة للإبن و الإنبثاق للروح القدس. فالآب لا يمكن أن يكون أباً و إبناً فى نفس الوقت و العكس صحيح، و نفس الأمر بالنسبة للروح القدس" (ص 224 – 225).

هذا الإيمان هو ذاته إيمان الآباء فى عقيدة الثالوث: الجوهر الإلهى الواحد، الثلاث أقانيم المتمايزة، الجوهر ليس خاصاً بالآب فقط، الآب هو أصل الإبن و الروح القدس (المونارشية)، الصفات الجوهرية هى صفات تتعلق بالثلاث أقانيم من ناحية الجوهر، و الصفات الأقنومية هى ثلاث صفات يخص كل واحدة منها أقنوم واحد فقط.

و أخيراً، لقد إختتم مناقشته للثالوث بتفسير كتابى آبائى مستقيم لسبب كينونة الله فى ثالوث، و سبب إعلان الله عن طبيعته لنا، فيقول:"أننا نؤمن بطبيعة إلهية واحدة غير منقسمة و لكن فى نفس الوقت فى إطار هذه الوحدانية توجد علاقة الحب التى تربط الثلاثة أقانيم ببعض، هذا الحب المتبادل بين الأقانيم يؤكد لنا أن "الله محبة"، و يعطينا المثل الأعلى الذى منه نستقى الحياة المسيحية الحقة.. كيف نكون نحن الكثيرون واحداً" (ص 233).

إجمالاً، هذا الكتاب يُعتبر مرجعاً لاهوتياً ثميناً، و أنصح كل القراء بإقتناء نسخة منه...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!