الثلاثاء، 13 أكتوبر، 2009

الإيمان و الدليل


ناقشت قبل ذلك علاقة الدليل بالحقيقة، و رأينا كيف أنه لا يُوجد حقيقة مُطلقة فى متناول الإنسان. و هنا سأناقش علاقة الإيمان بالدليل، لنكمل هذه السلسلة المعرفية.

هناك نوعية من الأسئلة تجعلنى أشمئز من السائل، و منها الأسئلة الخاصة بالغيبيات. مثلاً، سؤال يقول:"إثبت لى وجود الله"، أو "إثبت لى أن الكتاب المقدس هو كلمة الله"، أو "إثبت لى أن الله ثلاثة أقانيم حقاً". هذه الأسئلة تجعلنى أشفق على السائل الذى يربط أبديته بوهم إصطنعه و صدقه، و هو أن هناك سبيل لضمان كامل حول الغيبيات. و أحد أهم الأسباب التى تجعلنى أرفض أى ديانة أخرى أو أى نظام عقيدى آخر، هو المشكلة الفلسفية الخاصة بالضمان المُطلق فى الإلهيات. و هذا يرجع إلى خلط وهمى بين الإيمان و الحقيقة.

يعلمنا الكتاب المقدس قائلاً:"وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى" (عب 11 : 1). و هذا المفهوم حقيقى، لأن الإيمان فى مفهومه المجرد، هو أن تعتقد فيما لا تستطيع إثباته بشكل مُطلق. فما قلنا سابقاً، القابل للتصديق بشكل مُطلق نظرياً، و ضع ألف سطر تحتها، هو المادة فقط. و لكن ما يخرج عن إطار المادة، لا يوجد فيه ضمان مُطلق، بل ضمان نسبى بحت.

الحقيقة فى حد ذاتها مُطلقة، فبالتأكيد واحدة من إثنين حقيقية على الدوام: إما أن هناك إله، أو أنه لا يوجد إله. و لكن كافة الطرق و الوسائل التى تؤدى إلى ضمان الإنسان فى هذه الحقيقة المُطلقة، هى طرق و وسائل نسبية بحتة طالما إبتعدت عن نطاق الحواس الخمس. هذا لا يعنى أنه لا يوجد دليل، و لكن الدليل لن يسير طوال الرحلة. هناك نقطة معينة سيقف معها الدليل، و سيكمل الإيمان بقية المسيرة.

السؤال الذى يجب أن يسأله كل باحث لنفسه هو: إلى أى إتجاه يُشير إلى الدليل؟ مثال: لدينا عدة أدلة و بيانات حول مسألة وجود الإله، هذه الأدلة لا تثبت بشكل قطعى وجود الله، فلا يوجد فى قاموس المعرفة شىء إسمه "قطعى". و لكن إلى أين تُشير هذه الأدلة، إلى وجود إله أم عدم وجود إله؟ هنا يستكمل الإيمان الرحلة نحو الله، لأن الدليل يُشير إلى وجود الله، و أفضل تفسير للدليل هو وجود الله.

الإيمان فى هذه المرحلة ليس خطوة عمياء، أو كما يسميها والاس، ليس "وثبة فى الظلام"، و لكنه خطوة تسير فى نفس الإتجاه الذى توقف فيه الدليل. فالإيمان هو بطبيعته، الإستجابة الطبيعية للبرهان!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!