السبت، 31 أكتوبر، 2009

الإرتداد الروحى


بحكم كونى باحثاً فى الهجوم على الإيمان المسيحى و كيفية التعامل معه، فقد أصبح من المعتاد لدىّ أن ألتقى بالمرتدين عن الإيمان المسيحى، و بشكل خاص من يتجه للإلحاد كبديل. و على المستوى الشخصى، فالعديد من أصدقائى منذ الطفولة تركوا الإيمان المسيحى للإلحاد. و فى الحقيقة، انا شخصياً كانت لى تجربة مثيرة فى هذا الموضوع. هناك عدة آليات و منهجيات للتعامل مع المرتدين، لكن ولا طريقة فلحت مع المرتد لأسباب غير عقيدية. المشكلة الحقيقية فى نظرى لا تكمن فى المرتد لسبب عقيدى، فهذا بحسب التجربة سهل التعامل معه. لكن المشكلة تكمن فى الإنسان الذى تحطمت نفسه، و أُستُعبِد لمغريات عالمية تصور أنها ستحل مشكلاته الدنيوية. هذا الإنسان حتى الآن لم أصل لحل معه. و لكنى مؤمن إيمان تام، بأن هذا الإنسان يحتاج إلى شفاء روحى. التعامل مع هذا الإنسان لا يحتاج فقط إلى توعية روحية، و إنما إلى شعور بحب افتقده طيلة حياته. و فى ذلك أنصح كل الذين لهم صلة بكتابين هامين جداً: الكتاب الأول هو كتاب أبينا الفاضل القمص أثناسيوس فهمى "لكى لا ننكر المسيح" (متوفر على الشبكة من موقع أبونا هنا)، و الكتاب الثانى هو "مشاعر جريحة تحتاج إلى شفاء"، الذى كتبه المتخصص فى علم النفس المسيحى ديفيد سيمندس (من إصدارات دار الثقافة لعام 2007). فالكتاب الأول هو دراسة روحية آبائية لها بعد سيكولوجى لأسباب فقدان الإيمان، و يعالج أبينا الفاضل موضوع الخطية كعامل رئيسى فى انهيار الإيمان. هذا المنظور هو أدق وصف للحظة البداية فى انهيار إيمان أى انسان، لأن الإنهيار لا يبدأ بإنكار المسيح بالفم، و إنما ينتهى به. لكن البداية الحقيقية، كما عينها أبينا حقيقةً، هى إنكار المسيح بالقلب، حينما يشتهى ضد المسيح. أما الكتاب الثانى فهو دراسة سيكولوجية متعمقة فى كيفية تحرر الإنسان من قيود الماضى الجريح. الإنسان فى حاجة ماسة لشفاء الماضى، و هذا هو نفس إسم الكتاب باللغة الإنجليزية Redeeming The Past. هذين الكتابين هما المنهج الذى أرشحه لكل خادم حقيقى فى خدمات الإرتداد فى كافة الكنائس. يجب أن يفكر القائمين على خدمات الإرتداد جدياً فى كيفية معالجة الحالات التى تنكر الإيمان عاطفياً و ليس عقلياً. هؤلاء هم التحدى الحقيقى، لأن العلاج العقيدى من السهل توفيره فى عصرنا الآن. الغالبية العظمى من المرتدين عن المسيحية لا يعتنقون عقيدة أخرى، و إنما يفضلون الإلحاد على المستوى الشعبى، و اللاأدرية على المستوى الثقافى. هؤلاء إفتقدوا رحمة القادة بهم، و راحوا يبحثون عن كيفية قيادتهم لأنفسهم. علينا أن نعرف كيف نقدم محبة حقيقية لإنسان نبذه المجتمع و كره ذاته و راح يبحث عن نفسه فى مكان آخر لعله يجد تقديراً و إحتراماً. كلمة للخادم: كن رحيماً محباً، أظهر لطفاً و رأفة!

الجمعة، 30 أكتوبر، 2009

بيان شيكاغو للعصمة الكتابية


بيان شيكاغو للعصمة الكتابية
ترجمة فادى اليكساندر


فى شهر أكتوبر من عام 1978، أى منذ أكثر من ثلاثين عاماً، تم تنظيم مؤتمر فى شيكاغو عن عصمة الكتاب المقدس، حضره مئات العلماء الإنجيليين من حول العالم. إستمر هذا المؤتمر لمدة ثلاثة أيام، و تم تحت رعاية المجلس العالمى للعصمة الكتابية. خرج عن هذا المؤتمر بيان يوضح عقيدة الإنجيليين فى عصمة الكتاب المقدس، و وقع عليه أكثر من ثلاثمائة عالم. يتكون البيان من أربعة أجزاء: مقدمة البيان، البيان القصير، بنود التأكيد و الرفض، و شرح البيان. ها هو البيان مُترجم للعربية لأول مرة، و إن كنا لسنا مضطرين لقبول كل ما فيه. تمت مراجعة البيان فى المراجع الرئيسية التى نشرته
[1]. و لأجل فِهم دقيق للبيان، سأوضح بعض المصطلحات الواردة فيه و كيف ترجمتها:

1- العصمة التعليمية: و هو المصطلح الذى رأيته مناسباً لترجمة اللفظ Infallibility، و يُقصد به أن الكتاب المقدس معصوم عن وجود أى خطأ تعليمى فيه.
2- العصمة الدنيوية: و هو المصطلح الذى رأيته مناسباً لترجمة لفظ Inerrancy، و يُقصد به أن الكتاب المقدس معصوم عن وجود أى خطأ يخص المعلومات التاريخية أو العلمية و ما إلى ذلك، أى ما يختص بالمعلومات الدنيوية.

و قد شرحت الفارق بينهما بالتفصيل فى دراسة سابقة
[2]. أتمنى أن نقرأ هذا البيان بعين فاحصة، و لسنا مُطالبين بالإعتقاد بكل ما فيه، و لكنه فى أغلبه نافع للمؤمنين.

مقدمة البيان

سلطة الكتاب المقدس هى موضوع رئيسى للكنيسة المسيحية فى هذا العصر و كل عصر. أولئك الذين يصرحون بالإيمان فى يسوع المسيح كرب و مخلص، مدعوون ليظهروا حقيقية تلمذتهم بطاعتهم لكلمة الله المكتوبة بتواضع و إيمان. التوهان عن الكتاب المقدس فى الإيمان أو السلوك هو عدم ولاء لسيدنا. إدراك الحقيقة الكاملة و صدق الكتاب المقدس هو أمر أساسى للتمسك الكامل و الإعتراف الملائم بسلطته.

البيان التالى يؤكد عصمة الكتاب المقدس هذه من جديد، واضعاً فِهمنا لها بوضوح، محذراً برفضها. نحن مقتنعين بأن رفضها هو وضع الشاهد ليسوع المسيح و شهادة الروح القدس على جانب، و هو رفض الخضوع لإدعاءات كلمة الله الخاصة التى تحدد الإيمان المسيحى الحقيقى. نحن نراها مهمتنا الآن أن نضع هذا التأكيد فى مواجهة السقطات حول حقيقة العصمة بين رفقائنا المسيحيين و سوء الفهم لهذه العقيدة فى العالم.

هذا البيان يتكون من ثلاثة أجزاء: البيان القصير، بنود التأكيد و الرفض، و الشرح المُلحق. تم تحضيره فى فترة إنعقاد مؤتمر لثلاثة أيام فى شيكاغو. أولئك الذين وقعوا على البيان القصير و البنود، يتمنون أن يؤكدوا قناعاتهم الخاصة لعصمة الكتاب المقدس، و ليشجعوا و يتحدوا مرة أخرى كل المسيحيين ليقدروا و يفهموا هذه العقيدة بنمو. نحن نعترف بمحدودية وثيقة تم تحضيرها بإختصار، مؤتمر مُكثف، ولا نهدف لهذا البيان أن يكون له أوزان قوانين الإيمان. غير أننا نتهلل بتعميق قناعاتنا الخاصة من خلال مناقشاتنا معاً، و نصلى أن البيان الذى وقعنا عليه يُستخدم لمجد إلهنا نحو إصلاح جديد للكنيسة فى إيمانها، حياتها، و إرساليتها.

نحن نقدم هذا البيان ليس فى روح جدلية و إنما فى روح التواضع و المحبة، و التى نبتغيها بنعمة الله لتّكر فى أى مناقشات مستقبلية تنبع مما قلناه. نحن نعترف بإبتهاج بأن الكثيرين ممن يرفضون عصمة الكتاب المقدس لا يظهرون تبعيات هذا الرفض فى بقية عقائدهم و سلوكياتهم، و نحن على وعى بأننا نحن الذين نعترف بهذه العقيدة، غالباً ما ننكرها فى الحياة بعدم قدرتنا على إحضار أفكارنا و أفعالنا، تقاليدنا و عاداتنا، إلى الخضوع الحقيقى للكلمة الإلهية.

نحن نرحب بالرد على هذا البيان من أى شخص يرى سبباً لتنقيح تأكيداته حول الكتاب المقدس عن طريق الكتاب المقدس نفسه، حيث نتكلم نحن تحت سلطته المعصومة. نحن لا ندعى أى عصمة شخصية للشهادة التى نحملها، و سوف نكون شاكرين لأى مساعدة تمكننا من تقوية هذه الشهادة لكلمة الله.

البيان القصير

· أولاً: الله الذى هو نفسه الحق و يتكلم بالحق فقط، أوحى بالكتاب المقدس بهدف أن يعلن عن نفسه للبشرية الضائعة من خلال يسوع المسيح كرب و خالق، فادى و ديان. الكتاب المقدس هو شهادة الله لنفسه.
· ثانياً: الكتاب المقدس بكونه كلمة الله الخاصة، كُتِب بواسطة رجال تم إعدادهم و أُشِرف عليهم من الروح القدس، له سلطة إلهية معصومة فى كل الأمور التى يلمسها، فيجب الإيمان به كتعليم الله فى كل ما يؤكده، و أن يُطاع كوصية الله فى كل ما يطلبه، و أن يُقبل كعربون الله فى كل ما يعد به.
· ثالثاً: الروح القدس، مؤلف الكتاب المقدس الإلهى، يثبت أصالته لنا بشهادته الداخلية و يفتح عقولنا لنفهم معناه.
· رابعاً: الكتاب المقدس بكونه كله و لفظه عطية الله، لا يحتوى على أى خطأ أو نقص فى كل تعليمه، و بالمثل ما يقوله عن عمل الله فى الخليقة، عن الأحداث فى تاريخ العالم، و عن أصوله الأدبية الخاصة تحت نظر الله، مثل شهادته تماماً لنعمة الله الخلاصية فى حياوات الأفراد.
· خامساً: سلطة الكتاب المقدس ستفسد لا مفر إذا كانت هذه العصمة الدنيوية بكاملها قد تم تحجيمها أو إهمالها، أو بجعلها نسبية إلى نظرة للحقيقة مخالفة لحقيقة الكتاب المقدس، و هذه السقطات تؤدى إلى ضياع تام لكل من الفرد و الكنيسة.

بنود التأكيد و الرفض

· البند الأول: نحن نؤكد أن الكتب المقدسة يجب أن تقبل ككلمة الله السلطوية. نحن نرفض أن الكتب المقدسة تستلم سلطتها من الكنيسة، التقليد، أو أى مصدر بشرى آخر
· البند الثانى: نحن نؤكد أن الكتب المقدسة هى المعيار المكتوب الأسمى و التى عن طريقها يقيد الله الضمير، و أن سلطة الكنيسة أقل من سلطة الكتاب المقدس. نحن نرفض أن يكون لقوانين الكنيسة، مجامعها، إعلاناتها، أى سلطة أعظم أو مساوية لسلطة الكتاب المقدس.
· البند الثالث: نحن نؤكد على أن الكلمة المكتوبة بكاملها هى الإعلان الذى أعطاه الله. نحن نرفض أن يكون الكتاب المقدس مجرد شاهد للإعلان، أو أن يصبح إعلاناً بالمقابلة، أو أنه يعتمد على رد فعل الإنسان ليستمد شرعيته.
· البند الرابع: نحن نؤكد أن الله الذى خلق البشرية على صورته إستخدم لغة لتكون وسيلة الإعلان. نحن نرفض أن تكون اللغة البشرية محدود جداً فى نظرنا كمخلوقين لدرجة أن تُعتبر غير مناسبة لتكون أداة نقل الإعلان الإلهى. كما أننا نرفض أيضاً أن يكون فساد الثقافة و اللغة البشرية بسبب الخطية قد أعاق عمل الله فى الوحى.
· البند الخامس: نحن نؤكد أن إعلان الله فى الكتب المقدسة كان متدرج. نحن نرفض أن الإعلان اللاحق الذى يتمم الإعلان الأول قد يصححه أو يتناقض معه. نحن نرفض أيضاً أن يكون هناك أى إعلان معيارى قد أُعطى بعد إكتمال كتابات العهد الجديد.
· البند السادس: نحن نؤكد على أن كل الكتاب المقدس و كل أجزاؤه، حتى إلى الكلمات فى الأصول، قد أُعطى بالوحى الإلهى. نحن نرفض أن يكون الوحى خاص بالكل دون الجزء، أو للجزء دون الكل.
· البند السابع: نحن نؤكد أن الوحى هو العمل الذى به الله بالروح القدس عن طريق الكتبة البشريين قد أعطانا كلمته. أصل الكتاب المقدس إلهى، لكن وسيلة الوحى الإلهى تبقى بشكل ضخم سراً غامضاً بالنسبة لنا. نحن نرفض أن الوحى يمكن أن يتم تقليصه للنظرة البشرية، أو لإبراز حالات الضمير بأى شكل.
· البند الثامن: نحن نؤكد أن الله فى عمله بالوحى قد إستخدم شخصيات مختلفة و أساليب الكتبة الأدبية الذين إختارهم و أعدهم. نحن نرفض أن يكون الله بتسبيبه لهؤلاء الكتبة أن يستخدموا نفس الكلمات التى إختارها، قد لغى شخصياتهم.
· البند التاسع: نحن نؤكد أن الوحى، رغم أنه لا يمنح المعرفة بكل شىء، ضُمِن على أنه حقيقى و كلام جدير بالثقة فى كل الشئون التى حُمِل المؤلفين الكتابيين للكلام و الكتابة عنها. نحن نرفض أن محدودية أو نقص هؤلاء الكتبة قد أدخل بالضرورة أو بأى شكل آخر التحريف و التزوير فى كلمة الله.
· البند العاشر: نحن نؤكد أن الوحى، باللغة الصارمة، ينطبق فقط على نص المخطوطات الأصلية للكتاب المقدس، و الذى بعناية الله الإلهية يمكن تحديده من المخطوطات المتوفرة بدقة كبيرة. نحن نؤكد أيضاً أن النُسخ و الترجمات للكتاب المقدس، هى كلمة الله للحد الذين يمثلون به الأصل بأمانة. نحن نرفض أن أى عنصر أساسى للإيمان المسيحى يتأثر بغياب الأصول. نحن نرفض أيضاً أن هذا الغياب يجعل العصمة الكتابية غير شرعية أو غير مناسبة.
· البند الحادى عشر: نحن نؤكد أن الكتاب المقدس بكونه أُعطى بالوحى الإلهى، هو معصوم تعليمياً، بحيث أنه بكونه بعيداً عن إضلالنا، فإنه حقيقى و جدير بالثقة فى كل الشئون التى يخاطبها. نحن نرفض أن يكون هناك إمكانية للكتاب المقدس أن يكون معصوماً تعليمياً و خاطىء فى تأكيداته فى نفس الوقت. العصمة التعليمية و العصمة الدنيوية يمكن تمييزهما، و لكن لا يمكن فصلهما عن بعض.
· البند الثانى عشر: نحن نؤكد أن الكتاب المقدس بكامله معصوم دنيوياً، لا يوجد به أى تزوير، أى خداع، أو أى غش. نحن نرفض أن تكون العصمة التعليمية أو العصمة الدنيوية مرتبطين فقط بالموضوعات الروحية، الدينية، أو الخلاصية، و إستثناء التأكيدات فى مجالات التاريخ و العلم منهما. نحن نرفض أيضاً أن الإفتراضات العلمية المتعلقة بتاريخ الأرض قد تُستخدم بشكل مناسب لإسقاط تعليم الكتاب المقدس بالخلق و الطوفان.
· البند الثالث عشر: نحن نؤكد على ملائمة إستخدام العصمة الدنيوية كمصطلح لاهوتى بالنسبة للصدق الكامل للكتاب المقدس. نحن نرفض أن يكون من المناسب تقييم الكتاب المقدس وفقاً لمعايير الحقيقة و الخطأ المغايرة لإستخدامهم و هدفهم. نحن أيضاً نرفض نفى العصمة الدنيوية عن طريق الظواهر الكتابية مثل فقدان الدقة التحليلية المعاصرة، عدم الإنتظام النحوى أو الإستهجائى، الأوصاف المتعلقة بالمشاهدة للطبيعة، التقرير عما هو خاطىء، إستخدام الأرقام المغالى فيها و الدائرية، ترتيب المواد موضوعياً، الإختيارات المتنوعة للمادة فى البيانات المتوازية، أو الإستخدام الحر فى الإقتباسات.
· البند الرابع عشر: نحن نؤكد على إنسجام الكتاب المقدس و تماسكه الداخلى. نحن نرفض أن الأخطاء المزعومة و التناقضات التى لم يتم حلها بعد تبطل حقيقة إدعاءات الكتاب المقدس.
· البند الخامس عشر: نحن نؤكد أن عقيدة العصمة الدنيوية تأسست على تعليم الكتاب المقدس بالوحى. نحن نرفض أن تعليم يسوع عن الكتاب المقدس يمكن الإنصراف عنه بالإستناد إلى التوفيق أو أى تحديد طبيعى لإنسانيته.
· البند السادس عشر: نحن نؤكد أن عقيدة العصمة الدنيوية كانت دائماً موجودة فى إيمان الكنيسة عبر تاريخها. نحن نرفض أن تكون العصمة الدنيوية قد أُخترِعت بواسطة البروتستانتية المدرسية، أو أنها موقف تفاعلى تم وضعه كرد على النقد الأعلى السلبى.
· البند السابع عشر: نحن نؤكد أن الروح القدس يشهد للكتاب المقدس، و يثبت المؤمنين بصدق كلمة الله المكتوبة. نحن نرفض أن شهادة الروح القدس تعمل بشكل منعزل عن الكتاب المقدس أو ضده.
· البند الثامن عشر: نحن نؤكد أن نص الكتاب المقدس يجب تفسيره بالتفسير النحوى التاريخى، آخذين فى الحسبان أشكاله و آلياته الأدبية، و أن الكتاب المقدس يفسر الكتاب المقدس. نحن نرفض شرعية أى معالجة للنص أو بحث عن مصادر تقع خلفه و تؤدى إلى جعل تعليمه نسبياً، غير تاريخياً، أو إهماله، أو رفض إدعاءاته حول مؤلفينه.
· البند التاسع عشر: نحن نؤكد أن الإعتراف بالسلطة الكاملة للكتاب المقدس و عصمته التعليمية و عصمته الدنيوية هو أمر حيوى لفِهم سليم للإيمان المسيحى بكامله. نحن نؤكد أيضاً أن هذا الإعتراف يجب أن يؤدى إلى زيادة الإمتثال لصورة المسيح. نحن نرفض أن هذا الإعتراف لازم للخلاص. غير أننا نرفض أيضاً أن العصمة الدنيوية يمكن رفضها دون وجود تبعيات مهلكة لكل من الفرد و الكنيسة.

شرح البيان

إن فهمنا لعقيدة العصمة يجب أن يُوضع فى سياق التعليم الأوسع للكتاب المقدس عن نفسه. هذا الشرح يعطى بياناً بالخط العام للعقيدة و الذى منه أُستُقِى البيان المُختصر و البنود.

الخليقة، الإعلان، و الوحى

الله الثالوثى الذى كون كل الأشياء بكلماته الخلاقة و يتحكم فى كل الأشياء بكلمة قضاؤه، خلق الإنسان على صورته الخاصة لحياة الشركة معه، على هيئة الرفقة الأبدية لشركة المحبة مع الإلوهية. و كحامل لصورة الله، كان على الإنسان أن يستمع لكلمة الله المُوجهة له، و أن يجيبها فى فرح عبودية الطاعة. و فوق كل إعلانات الله عن ذاته فى الخليقة و تتابع الأحداث بداخلها، فإن الكائن البشرى بدايةً من آدم و من أتى بعده إستلموا رسائل لفظية منه، سواء مباشرةً كما هو ثابت فى الكتاب المقدس، أو بشكل غير مباشر فى شكل جزء من الكتاب المقدس أو كامله.

و حينما سقط آدم، لم يطرد الله الإنسان للعقاب الأبدى، و لكنه وعد بالخلاص، و بدأ يعلن عن نفسه كفادى فى تتابع للأحداث التاريخية متمركزة فى نسل إبراهيم و تأجج فى الحياة، الموت، و القيامة، قائماً فى الخدمة السمائية، و وعد بعودة يسوع المسيح. و فى هذا النطاق، فإن الله قد تكلم من وقت لآخر بكلمات عدل و رحمة، وعد و وصية، لبنى الإنسان الخطاة ليأخذهم فى علاقة عهد لها تعهدات متعددة بينه و بينهم، بحيث يباركهم بعطايا نعمته و هم يباركونه بعبادتهم المستجيبة له. و موسى، الذى إستخدمه الله كوسيط ليحمل كلماته لشعبه فى وقت الخروج، يقف على قمة خط طويل من الأنبياء الذين وضع الله فى أفواههم و كتاباتهم كلماته التى يسلموها لشعب اسرائيل. هدف الله من هذه الرسائل المتعاقبة هو أن يذكر عهده بجعل شعبه يعرف إسمه – أى طبيعته – و إرادته من الوصية و الغاية فى الحاضر و المستقبل. و هذا الخط من الرجال المتكلمين بالنبوة يكتمل فى يسوع المسيح، كلمة الله المتجسد، و الذى كان هو نفسه نبياً – و أكثر من نبى، لكن ليس أقل – و فى رسل و أنبياء الجيل المسيحى الأول. و حينما تكلم هؤلاء الذين فى الدائرة الرسولية برسالة الله الأخيرة و الذروية، بكلمته للعالم عن يسوع المسيح، و شُرِحت، توقف تتابع الرسائل الإعلانية. و منذ ذلك الوقت فصاعداً، على الكنيسة أن تحيا و تعرف الله بما قد قاله، و ما قد قاله لكل الزمان.

و فى سيناء، كتب الله بنود عهده على ألواح من الحجارة، كشهادته الثابتة و سهولة المنال الباقية، و فى خلال فترة الإعلان النبوى و الرسولى، حرك رجالاً ليكتبوا الرسائل المُعطاة لهم و من خلالهم، بجانب تسجيلات إحتفالية لتعاملاته مع شعبه، بالإضافة إلى إنعكاسات أخلاقية على حياة العهد و أشكال من التمجيد و الصلاة لرحمة العهد. و الواقع اللاهوتى للوحى فى إنتاج الوثائق الكتابية يتوازى مع ذلك الذى للنبوات المنطوق بها: فرغم أن شخصيات الكُتاب البشريين قد عُبِر عنها فيما كتبوه، فالكلمات قد عُيِنت إلهياً. و هكذا، فما يقوله الكتاب المقدس، يقوله الله؛ فسلطة الكتاب المقدس هى سلطته، لأنه هو مؤلفه الأساسى قد أعطاه عن طريق عقول و كلمات رجال أُختيِروا و أُعِدوا، بحرية و إيمان:"تكلموا من الله كما حملهم الروح القدس" (1 بط 1 : 21). الكتاب المقدس يجب الإعتراف به ككلمة الله بفضل أصله الإلهى.

السلطة: المسيح و الكتاب المقدس

يسوع المسيح، إبن الله الذى هو الكلمة الظاهر فى الجسد، نبينا، كاهننا، و ملكنا، هو الوسيط الأساسى فى شركة الله بالإنسان، فهو الذى يمتلك كل مواهب نعمة الله. الإعلان الذى أعطاه كان أكثر من لفظى؛ لقد أعلن الآب بحضوره و أفعاله أيضاً. و كلماته كانت مهمة بشكل حاسم، لأنه كان الله، تكلم من الآب، و كلمته ستدين كل الناس فى اليوم الأخير.

كالمسيا المتنبىء، يسوع المسيح هو الموضوع المركزى فى الكتاب المقدس. العهد القديم نظر إليه، و العهد الجديد ينظر إليه بالخلف لمجيئه الأول، و للأمام لمجيئه الثانى. الكتاب المقدس القانونى هو الوحى الإلهى و لهذا فهو الشاهد المعيارى للمسيح. و لذلك لا يوجد تفسير ليس مركزه المسيح التاريخى و مقبول. الكتاب المقدس يجب معالجته بحسب طبيعته بشكل جوهرى؛ شهادة الآب للإبن المتجسد.

من الواضح أن قانون العهد القديم قد تثبت بعصر يسوع. قانون العهد الجديد مثله قد أُغلِق الآن للمدى الذى لا توجد فيه شهادة رسولية جديدة للمسيح التاريخى يُمكن أن تُولد. لا إعلان جديد يختلف عن عطية الروح بفِهم الإعلان الموجود سوف يُعطى حتى يأتى المسيح ثانيةً. لقد خُلِق القانون بالأساس عن طريق الوحى الإلهى. و مهمة الكنيسة كانت أن تكتشف القانون الذى خلقه الله، لا أن تخترع واحد من عندياتها.

كلمة "قانون"، التى تعنى القاعدة أو القياس، هى إشارة إلى للسلطة، و التى تعنى الحق فى الحكم و التحكم. السلطة فى المسيحية تعود إلى الله فى إعلانه، و الذى يعنى على الجانب الأول، يسوع المسيح الكلمة الحى، و على الجانب الآخر، الكتاب المقدس الكلمة المكتوبة. و لكن سلطة المسيح و سلطة الكتاب المقدس واحدة. فالمسيح كنبينا يشهد أن الكتاب المقدس لا يمكن أن يسقط. و ككاهننا و ملكنا، فقد كرس حياته على الأرض ليتمم الناموس و الأنبياء، حتى الموت فى طاعة لكلمات النبوة المسيانية. هكذا، كما رأى الكتاب المقدس يشهد له و لسلطته، كذلك بطاعته للكتاب المقدس يشهد لسلطته. كما إنحنى لتعليم أبيه المُعطى فى الكتاب المقدس، عهدنا القديم، كذلك طلب من تلاميذه أن يفعلوا، و لكن ليس فى معزل عن الشهادة الرسولية لنفسه التى حملها ليوحى بمواهبه التى للروح القدس، بل فى تواصل بها. كذلك المسيحيين يبرزون أنفسهم كخدام أمناء لربهم بالإنحناء لتعليمه الإلهى المُعطى فى الكتابات النبوية و الرسولية و التى تكون معاً كتابنا المقدس.

و بتوثيق كل منهما لسلطة الآخر، فإن المسيح و الكتاب المقدس يلتثمان معاً فى ينبوع واحد للسلطة. المسيح المُفسر كتابياً، و الكتاب المقدس المتمركز حول المسيح و الكارز بالمسيح هما من وجهة النظر هذه واحد. و كما أننا إنطلاقاً من حقيقة الوحى نستدل على أن ما يقوله الكتاب المقدس، يقوله الله، كذلك إنطلاقاً من العلاقة المُعلنة بين يسوع المسيح و الكتاب المقدس نستطيع أن نعلن أن ما يقوله الكتاب المقدس، يقوله المسيح.

العصمة التعليمية، العصمة الدنيوية، و التفسير

الكتاب المقدس ككلمة الله المُوحى به الشاهد سلطوياً ليسوع المسيح، يُمكن أن يُدعى بشكل مناسب: معصوم تعليمياً و معصوم دنيوياً. هذه المصطلحات السلبية لها قيمة خاصة، لأنهما يحميان بوضوح حقائق إيجابية حاسمة.

العصمة التعليمية تركز على خاصية إنعدام التضليل و إنعدام التضلل، و بذلك تحمى بشكل تصنيفى حقيقة أن الكتاب المقدس هو قاعدة و مرشد أكيد، آمن، و موثوق به فى كل الأمور.

و بالمثل، العصمة الدنيوية تركز على خاصية إنعدام أى تزوير أو خطأ و بذلك تحمى حقيقة أن الكتاب المقدس بالكامل حقيقى، و صادق فى كل ما تأكيداته.

نحن نؤكد على أن الكتاب المقدس القانونى يجب أن يُفسر دائماً على أساس أنه معصوم تعليمياً و معصوم دنيوياً. غير أن فى عملية تحديد ما الذى يؤكده الكاتب الذى تعلم من الله فى كل مقطع، يجب أن نعطى أقصى حرص فى إنتباهنا لإدعاءاته و شخصيته كإنتاج بشرى. ففى عملية الوحى، إستخدم الله الثقافة و الأعراف لبيئة كاتبه، و هى البيئة التى يتحكم الله بها بعنايته الإلهية السائدة؛ و هو تفسير خاطىء أن نتخيل العكس.

فالتاريخ إذن يجب أن يُعالج كتاريخ، و الشعر كشعر، و الغلو و المجاز كالغلو و المجاز، و التعميم و التقريب يُعاملان بحسبهما و هكذا. الإختلافات بين الأعراف الأدبية فى أزمنة الكتاب المقدس و فى زماننا يجب أيضاً أن تُلاحظ: فمثلاً، بما أن السرد الغير مُرتب حدثياً و الإقتباس الغير دقيق كانت أمور مقبولة و عرفية و لم تكن أمور شاذة فى هذه الأيام، لا يجب علينا أن نعتبر هذه الأشياء أخطاء حينما نجدهم عند كُتّاب الكتاب المقدس. حينما يكون التدقيق الكامل شىء غير مُتوقع ولا كان هو الهدف، فإنه ليس خطأ عدم تحقيقه. الكتاب المقدس معصوم دنيوياً، ليس بمعنى أنه دقيق بدقة مُطلقة بحسب المعايير المعاصرة، إنما بمعنى تقديم الحسن فى إدعاءاته و تحقيق هذا المعيار للحقيقة المُركز عليها التى يهدف لها المؤلفين.

إن صدق الكتاب المقدس لا يمكن نفيه بوجود عدم إنتظام للنحو و الإستهجاء، الأوصاف الظاهرية للطبيعة، توثيق بيانات كاذبة مثل كذب الشيطان، أو أنه يبدو يحتوى على تناقضات بين مقطع و آخر. ليس صحيحاً أن نضع ما يُسمى بـ "ظاهرة" الكتاب المقدس ضد تعليم الكتاب المقدس عن نفسه. عدم الإنسجام الظاهر لا يجب تجاهله. حينما نصل إلى حلهم بإقتناع، سوف يشجع ذلك إيماننا، و إذا كان لا يوجد فى الوقت الحاضر حل مقنع فى يدينا، فيجب أن نكرم الله بالثقة فى تأكيده على أن كلمته حقيقية، بخلاف كل هذه الظاهريات، و بذكر ثقتا فى أننا يوماً ما سيظهرون كأوهام.

بقدر ما أن الكتاب المقدس هو إنتاج عقلى إلهى واحد، فإن التفسير يجب أن يبقى بين دفتى المتشابهات الكتابية و يتجنب الإفتراضات التى ستصحح نص كتابى بآخر، سواء كان ذلك يتم تحت مُسمى الإعلان المتدرج أو التنوير الغير كامل لعقل الكاتب المُوحى له.

رغم أن الروح القدس لا يمكن أن يكون مُقيد بالثقافة بمعنى أن تعليمه يفتقد للشرعية العالمية، فإنه فى بعض الأحيان مُكيّف ثقافياً بالعادات و الآراء العرفية لوقت معين، بحيث أن تطبيق أساسياته اليوم يدعو إلى نوع مختلف من التصرف.

التشكك و النقد

منذ عصر النهضة، و بالتحديد منذ عصر التنوير، فإن الرؤى العالمية قد تطورت و تضمنت التشكك حول أساسيات العقائد المسيحية. مثل اللاأدرية التى ترفض أن الله قابل للمعرفة، العقلانية التى ترفض أنه مبهم، المثالية التى ترفض أنه فائق، و الوجودية التى ترفض العقلانية فى علاقاته بنا. حينما تتسلل هذه المبادىء الغير كتابية و المضادة للكتاب للاهوتيات الأفراد فى مستوى الفرضيات المُسبقة، كما يحدث اليوم بشكل متكرر، فإن التفسير الأمين للكتاب المقدس يصبح مستحيلاً.

الإنتقال و الترجمة

بما أن الله لم يعد بإنتقال معصوم للكتاب المقدس، فإنه من الضرورى التأكيد على أن نص المخطوطات الأصلية فقط للوثائق الأصلية هو المُوحى به و لابد من ذكر الحاجة للنقد النصى كوسيلة لتحديد أى زلات قد تكون طرأت على النص فى فترة إنتقاله. غير أن الحكم فى هذا العلم هو أن النص العبرى و اليونانى يظهر على أنه محفوظ جيداً بشكل يدعو للتعجب، حتى أننا مُبررين بقوة فى التأكيد مع اعتراف ويستمينستر بوجود عناية إلهية فريدة لله فى هذا الشأن، و فى إعلان أن سلطة الكتاب المقدس ليست بأى شكل فى خطر بحقيقة أن النُسخ التى نمتلكها ليس بكاملها خالية من الخطأ.

و بنفس الشكل، لا يوجد ترجمة ولا يمكن أن يوجد ترجمة كاملة، و كل الترجمات هى خطوة إضافية بعيداً عن النص الأصلى. غير أن حكم العلم اللغوى هو أن المسيحيين المتحدثين بالإنجليزية على الأقل قد خُدِموا جداً فى هذه الأيام بكمية من الترمات، ولا يوجد لديهم سبب فى الإستنتاج بأن كلمة الله الحقيقية فى منالهم. و فعلياً، فى ضوء التكرار المألوف فى الكتاب المقدس للموضوعات الرئيسية التى يتعامل معها، و أيضاً فى ضوء شهادة الروح القدس الثابتة للكلمة و من خلالها، فلا ترجمة جادة للكتاب المقدس ستدمر معناه فلا تكون قادرة جعل قارءها:"حكيم للخلاص فى الإيمان بيسوع المسيح" (2 تى 3 : 15).

العصمة و السلطة

فى تأكيدنا على سلطة الكتاب المقدس بما يتضمن حقيقته الكاملة، فأننا بذلك نقف واعين مع المسيح و رسله، و بالفعل نقف مع الكتاب المقدس بكامله و مع التيار العام لتاريخ الكنيسة من الأيام الأولى حتى العصر الحديث. نحن مهتمين بالطريقة العارضة، المهملة، و الطائشة، التى تم التعامل بها مع إعتقاد بهذه الأهمية الشاملة بواسطة الكثيرين فى يومنا هذا.

نحن نعى أيضاً أن إرتباك كبير و مميت سينتج عن التوقف عن ذكر الحقيقة الكاملة للكتاب المقدس الذى يجب أن يصرح الفرد بالإعتراف بها. نتيجة أخذ هذه الخطوة هو أن الكتاب المقدس الذى أعطاه الكتاب المقدس، سيفقد سلطته، و الذى سيمتلك السلطة بعد ذلك هو كتاب مقدس تم التقليل من محتوياته تبعاً لمتطلبات أسباب الفرد النقدية، و بشكل أساسى سيبقى التقليل مستمر بمجرد ما يبدأ الفرد فى ذلك. هذا يعنى الآن أن العقل المستقل أصبح له السلطة، بشكل مضاد مع تعليم الكتاب المقدس. إذا لم يُلاحظ ذلك، و إذا كانت العقائد الإنجيلية مازالت موجودة عند الفرد، فإن الأشخاص الذين يرفضون الحقيقة الكاملة للكتاب المقدس يمكن أن يدعوا هوية إنجيلية بينما منهجياً هم إبتعدوا عن القاعدة الإنجيلية فى المعرفة إلى الذاتية الغير ثابتة، و سيجدونه أمراً صعباً ألا يتحركوا لأبعد من ذلك.

نحن نؤكد أن ما يقوله الكتاب المقدس، يقوله الله. فليتمجد إسمه، آمين، آمين.

فادى اليكساندر
30 – 10 – 2009

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] The Chicago Statement on Biblical Inerrancy, Journal of The Evangelical Theological Society, Vol. 21, No. 4, 1978, P. 289-296; Norman L. Geisler, Inerrancy, Zondervan: USA 1980, P. 493-502; G. K. Beale, The Erosion of Inerrancy in Evangelicalism, CrossWay Books: USA 2008, P. 268-279; Carl F. H. Henry, God, Revelation And Authority, Vol. 4, Word Books: USA 1979, P. 211-219; Norman L. Geisler & William E. Nix, A General Introduction to The Bible, Revised Edition, Moody Press: USA 1986, P. 181-185.
[2] لاهوت الكتاب المقدس.

الخميس، 29 أكتوبر، 2009

تاريخ الإنتقال النصى


تاريخ الإنتقال النصى
فادى اليكساندر


مقدمة: تاريخ التاريخ

لكى نستطيع تحديد أهم و أفضل المخطوطات، لدينا وسيلتين. الوسيلة الأولى هى البرهان الداخلى، و الثانية هى تاريخ الإنتقال النصى. وسيلة البرهان الداخلى تعتمد على تفعيل البرهان الداخلى فقط على القراءات المتوفرة، و من ثم تحديد القراءة الأصلية عن طريق هذا البرهان فقط دون اللجوء إلى البرهان الخارجى. بعد ذلك، يتم فحص كافة المخطوطات المتوفرة لتحديد أى مخطوطات هى التى أثبتت القراءة التى توصلنا إلى أصوليتها. المخطوطات التى توافقت مع نتائج البرهان الداخلى، هى المخطوطات الأدق و الأفضل. أما الوسيلة الثانية، و هى محاولة تكوين "تاريخ الإنتقال النصى"، فهى وسيلة معقدة بعض الشىء، و لهذا ستكون هى محل هذا البحث.

و أنا دائماً أردد أن المفتاح لفهم علم النقد النصى، هو فهم ما يُسمى بـ "تاريخ الإنتقال النصى". و ليس من السهل أن نجد تعريفاً واضحاً محدداً لهذا المصطلح فى كتب النقد النصى، فهو مصطلح شائك يتشائك مع تعريفه منهج العالم فى تحرى القراءة الأصلية. و لكن بشكل ما، فإن هذا المُصطلح يُقصد به: محاولة التعرف على الأشكال المختلفة للنص الموجودة فى شواهد النص المتوفرة، و شرح حيثيات ظهورها، بهدف تحديد الشواهد الأكثر موثوقية، و التى على أساسها يتم إعادة تكوين النص الأصلى للعهد الجديد اليونانى. هذا التعريف قد يبدو للوهلة الأولى مُعقداً بعض الشىء، و لكنه التعريف المنهجى
[1]. و لكى نعرف المصطلح ببساطة، فهو محاولة تكوين تاريخ دقيق لكيفية انتقال نص العهد الجديد، أى كيفية سير عملية النسخ فى العصور السابقة على عصر الطباعة. الهدف من هذه العملية هو تتبع ظهور القراءات، أسباب ظهورها، كيفية ظهورها، و كيفية انتقالها فى التقليد النصى المتوفر. بهذا الشكل، نستطيع تحديد الشواهد الأكثر عرضةً للخطأ النسخى، و تحديد أقل الشواهد عرضةً للخطأ النسخى، مما يعنى معرفتنا بالشواهد الأكثر موثوقية، و بالتالى يسهل علينا عملية إعادة تكوين النص الأصلى للعهد الجديد اليونانى.

و يمكننا ملاحظة الوجود النظرى لمفهوم "تاريخ الإنتقال النصى" عند إيرازموس، ففى الحقيقة ايرازموس كان ناقداً نصياً. و لكن الآليات و الإمكانيات حالت بينه و بين التطبيق العملى، ذلك لأن العصر الذى عاش فيه إيرازموس لم يساعده كثيراً، و هو العصر الذى شهد اختراع الطباعة على يد جوتنبرج.

لكن البداية الحقيقية لترسيخ مفهوم تاريخ الإنتقال النصى، يبدأ فى حقيقته عملياً مع ظهور بينجل. ففى الحقيقة، بينجل هو المؤسس الحقيقى للنقد النصى، و لأنه أرسى مفهوم الإنتقال النصى، استحق بجدارة لقب الأب الروحى لهذا العلم. فما قام به بينجل بالفعل، هو تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب إتفاقها أو إختلافها. و لعل ما يلفت الإنتباه فى هذا هو كيف أن اللقب التصق به، فقط لأنه أرسى فكرة الإنتقال النصى و البحث فى تاريخه، و كأن النقد النصى هو تاريخ الإنتقال النصى، مما يؤكد ما قلته فى البداية؛ فأهم ما فى النقد النصى هو تاريخ الإنتقال النصى. هذا يذكرنا بمقولة هورت الشهيرة:"معرفة الوثائق يجب أن تسبق الحكم الأخير"
[2]. فلكى تحكم على أية قراءة هى الأصلية، لابد أن يكون لديك معرفة كافية و وافية بالوثائق، أى بالمخطوطات. و بهذا الشكل يستطيع الناقد النصى تطوير الآلية أو المنهجية التى سيتبعها فى بناء نص العهد الجديد اليونانى.

ما قام به بينجل كان بمثابة فتح الباب أمام الكثير من العلماء فى القرون التالية، فقد وضع بينجل الأساس الذى يجب أن نبنى عليه، و هو ضرورة وجود تاريخ لكيفية إنتقال نص العهد الجديد أثناء عملية النسخ حتى وصل إلينا فى الشواهد المتوفرة. و كان من بين أهم العلماء الذين قدموا الكثير من الأعمال و المساهمات الحقيقية و الفعالة فى هذا المضمار، العالم سيملر و تلميذه جريسباغ. بينجل و جريسباغ خاصةً، قاموا بتطويرات هامة فى نقطة تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب نقاط الإتفاق و الإختلاف. و من بعدهما، و مع مطلع القرن التاسع عشر، جاء العالم لاشمان الذى إنشغل بناحية أخرى فى بناء تاريخ الإنتقال النصى. كان عمل لاشمان يرتكز بشكل رئيسى على محاولة بناء شجرة عائلة للمخطوطات المتوفرة، و هو المنهج الذى تسمى فيما بعد بإسم "المنهج النَسبى"، أى الذى يبحث فى محاولة بناء علاقة تناسبية بين المخطوطات. و لاشمان كان يعرف و يدرك جيداً، أن ما يقوم به هو مجرد عمل نظرى فقط، يستحيل أن ينتقل إلى واقع. و لندرك أهمية تكوين شجرة العائلة فى نظر لاشمان، نحتاج أن نفهم الهدف من وراءها. تكوين شجرة العائلة يعنى أننا سنضع كل مخطوطة فى مكانها، و بالتالى كل قراءة فى مكانها، مما سيمكننا من معرفة أى قراءة سبقت الأخرى. هذا يعنى أننا سنصل فى مرحلة معينة إلى القراءة الأصلية!

و بالرغم من أن إمكانية تكوين شجرة عائلة للتقليد النصى بالكامل هى شبه مستحيلة بالفعل، إلا أن ذلك لم يمنع العلماء من تبنيها و محاولة بناءها. غير أن التفكير فيها بشكل تفصيلى، تأجل بعض الشىء مع نهاية القرن التاسع عشر، حينما جاء عمودى النقد النصى الحديث، ويستكوت و هورت. نجح هذين الإثنين فى دمج فرعى تاريخ الإنتقال النصى معاً: المجموعات و شجرة العائلة. أستطاع ويستكوت و هورت ببراعة، أن يقدما قاعدة منطقية فى كيفية عمل النقد النصى. فعملهما فى تقسيم المجموعات، ساعدهما جداً فى بناء شجرة عائلة للمجموعات، و ليس للمخطوطات!

لكى نفهم كيفية عمل كل هؤلاء العلماء بشكل صحيح، يجب أن نعرف أن النص السائد فى ذلك الزمان كان شىء ما يُسمى "النص المُستلم". النص المُستلم هو إسم عدة إصدارات من العهد الجديد، و رغم أن هذا الإسم أُطلِق على إصدار تلى عصر إيرازموس، إلا أن الإسم أصبح ملتصقاً بإيرازموس جداً. فما فعله إيرازموس، هو أنه أستطاع الوصول إلى ستة مخطوطات، أقدمهم يرجع للقرن الحادى عشر، لكى يقوم بتحرير طبعته الأولى للعهد الجديد اليونانى. هذه المخطوطات نُسِخت فى عصر كان فيه نص قياسى بشكل ما. و بالتالى، جاءت هذه المخطوطات ممثلة لنوعية من النصوص تُسمى "النص البيزنطى" حالياً. لم يكن الإختلاف بينهم و بين بقية مخطوطات هذا النص كبيرة جداً، لذلك أُعتُبِر نص إيرازموس هو النص المُستلم. و قد إستمر النص المُستلم فى الوجود حتى عام 1831 حينما قام لاشمان بتجاهله تماماً، و أصدر طبعة نقدية بعيدة كل البعد عن النص المُستلم.

لقد قلنا أن العلماء نجحوا فى تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب نقاط الإتفاق و الإختلاف، و هذه المجموعات هى أربعة مجموعات فى عصرنا الحالى:

· النص السكندرى: و أهم شواهده السينائية، الفاتيكانية، البردية 66، البردية 75، بجانب الترجمة القبطية و ترجمات أخرى، مع الآباء السكندريين.
· النص البيزنطى: و يمثله غالبية مخطوطات العهد الجديد، و أول ظهور له فى المخطوطة السكندرية فى الأناجيل الأربعة فقط، بجانب الترجمات المتأخرة، و الآباء الكبادوكيين.
· النص الغربى: و أهم شواهده المخطوطة بيزا و اللاتينية القديمة و الفلجاتا و بعض الترجمات السيريانية، بجانب الآباء الغربيين.
· النص القيصرى: و تمثله عائلتين من المخطوطات هما العائلة الأولى و العائلة الثالثة عشر و بعض المخطوطات الأخرى. أهم شواهده من الآباء هما أوريجانيوس و كيرلس الأورشاليمى.

غير أن هذا التقسيم لم يبدأ فى الظهور كما هو هكذا، بل إحتاج إلى دراسات و أبحاث متعمقة جداً حتى يبدأ فى الظهور. و هذا هو ما عمل عليه العلماء بدايةً من بنجل، مروراً بجريسباغ، حتى نصل إلى ذروة الدراسات فيه عند ويستكوت و هورت. كانت مسألة النص البيزنطى هى المشكلة الرئيسية عند ويستكوت و هورت. فالفكر السائد فى هذا العصر كان أن النص المُستلم هو النص الأصلى. لم يقتنع ويستكوت و هورت بذلك، و أدركا أهمية تكوين تاريخ إنتقال نص العهد الجديد، حتى يستطيعا تكوين النص الأصلى. لعل العامل الأكثر إستفزازاً لهما، هو وجود الإصرار على أصولية قراءات معينة موجودة فى مخطوطات متأخرة، و لكنها لم تكن موجودة فى المخطوطات الأقدم.

لحسن حظهما، فقد شهد عصرهما إكتشافات كبيرة جداً، خاصةً فى وجود عمل تشيندورف الدؤوب. إكتشاف المخطوطة السينائية كان مساعداً لهما جداً فى تكوين نظريتهما. كما أن إستطاعة تشيندورف نشر المخطوطة الفاتيكانية لأول مرة بعد إكتشافها بخمسة قرون كاملة، وفر لهما الكثير من البيانات المطلوبة. و بعد ويستكوت و هورت، لم يكن هناك ما يشغل علماء النقد النصى فى النصف الأول من القرن العشرين سوى تكوين تاريخ الإنتقال النصى. و لكن مع حلول منتصف القرن العشرين، أُهمِل العمل قليلاً فى تاريخ الإنتقال النصى، لأجل العمل المضنى فى المنهجيات. إهتم العلماء فى هذه الفترة بمنهج النقد النصى، حتى يستطيعوا تكوين النص الأصلى. ثم فى العقود الأخيرة من القرن العشرين، بدأ الإهتمام بتكوين تاريخ الإنتقال النصى مرة أخرى. العالمين بويسمارد و لامويلى وضعا نظرية تاريخ الإنتقال النصى لأعمال الرسل، و معهد البحث النصى للعهد الجديد أسس نظرية الفساد المتماسك، و عمل إيب و كويستر على برديات القرن الثانى للوصول إلى طبيعة النص فى هذا القرن، و عمل أمفوكس و فاجانى فى تطوير نظرية أولية النص الغربى، و عمل كارول أوسبورن فى المشروع العالمى لنص أعمال الرسل، و عمل هودجز و فارستاد فى نظرية نص الأغلبية. كل هذه النظريات تتعلق بشكل أو بآخر بشكل رئيسى بعمل ويستكوت و هورت فى تقسيم المخطوطات إلى مجموعات، أو النصوص المحلية. هذه النظريات الكثيرة المتوفرة على الساحة الآن، و التى تتعرض لكل نوع نص بشكل أو بآخر، هى هدف هذه الدراسة.

هناك بعض الأسئلة التى تحتم علينا أن نبحث عن إجابتها: ما الذى تم تحقيقه فى بناء تاريخ لإنتقال نص العهد الجديد؟ ما هى المساهمات التى قدمها تاريخ الإنتقال النصى للنقد النصى للعهد الجديد؟ كيف يجب أن نفهم أدوار كل نص محلى فى عملية تكوين النص الأصلى؟ ما هى المشكلات و العقبات الموجودة أمام نُقاد النص الآن؟ و بالأكثر، هل يسمح لنا تاريخ الإنتقال النصى بتكوين النص الأصلى؟ هذه الاسئلة هى محل إهتمام هذه الدراسة.

ما قبل النصوص المحلية

نعلم أن النص الأصلى لبعض أجزاء العهد الجديد، وهى رسائل لبولس، إستمر فى الوجود حتى أواخر القرن الثانى. لم ترد إلينا أخبار أخرى عن بقية نصوص العهد الجديد، و لكن المُرجح بالأكثر أن المسيحيين قد إحتفظوا بها لفترة معينة، و ذلك واضح من وجود قرينة السعى للحفاظ على الأصول كما يرد الخبر عند ترتيليان و غيره. فإذا كانت الأصول قد حُفِظت حتى أواخر القرن الثانى، فالمرجح بالأكثر هو عمل نسخ عنها الكثير من المرات. هذه النقطة فى غاية الخطورة لسبب واحد: لو أن الأصول نُسِخ عنها نسخة واحدة فقط، فإن هذا يعنى أن هناك مكان ما فى العهد الجديد، لم تتوفر القراءة الأصلية له فى التقليد النصى المتوفر. لكن المرجح أكثر هو النسخ المتكرر عن الأصول، مما يعنى إنتهاء دور العناية الإلهية بالحفاظ على القراءة الأصلية فى التقليد النصى المتوفر، و يأتى دور الناقد النصى فى تحديدها.

النُسخ التى تمت عن النص الأصلى، بالتأكيد إحتوت على أخطاء عديدة، و لكن فى هذه المرحلة لا يمكننا تخيل وجود قراءات تتعدى مرحلة العفوية. ففى هذه المرحلة كانت عملية النسخ بدائية جداً، كان الشغل الشاغل هو التعرف على النص فقط، الإطلاع عليه، قراءته، فهمه، و محاولة تطبيقه. هذه المرحلة البدائية لا يمكن أن نرى فيها أثراً لوجود قراءات تتعدى الخطأ العفوى أثناء عملية النسخ. يبرز هذا الإحتجاج بأكثر قوة، حينما ندرك الروح التى سيطرت على مسيحية القرن الأول. لا نرى أثراً لأى فكر هرطوقى فى القرن الأول، ولا نرى حوارات لاهوتية، ولا نرى خلافات حول طبيعة و هدف المسيحية. على جانب آخر، من الوارد جداً وقوع الأخطاء النسخية العفوية حتى فى النسخ الأصلية نفسها. نحن نعرف أن بولس كان يقوم بإملاء بعض الكتبة ليكتبوا بعض رسائله. هل يمكن أن يكون الكاتب الذى يمليه بولس يكون قد وقع فى خطأ نسخى؟ نعم، هذا الإحتمال وارد. فى هذه الحالة، أى نص هو المُراد تكوينه بالضبط؟ النص الذى نطقه بولس أم النص الذى كتبه الكاتب؟ لا يقدم لنا العلماء إجابة، و لكن هذا الإحتمال يمكن تخيله فقط إذا كنا قادرين على تحديد ما يُشير إلى وقوع خطأ نسخى جعل القراءة الأصلية تحتوى على خطأ نسخى. هذا الخيار و إن كان إحتمال نظرى وارد، لكنه غير وارد فى الواقع العملى على الإطلاق، مما يجعلنا لا نحتاج للإهتمام به بإفراط.

السؤال عن طبيعة النص الأصلى فى تاريخ الإنتقال النصى، جعل ميتزجر و ايرمان يقولا:"الموقف أكثر تعقيداً فى الأناجيل خاصةً، لأنهم متأسسين على تقاليد شفهية و مصادر مكتوبة لا نستطيع الوصول لها الآن بشكل إستقلالى. مثلاً، ما معنى إعادة تكوين النسخة الأصلية لإنجيل يوحنا؟ هل على الناقد النصى أن يُعيد تكوين أقدم نسخة و التى لا تحتوى على الإصحاح الواحد و العشرين؟ من غير المحتمل ذلك، لأن كل مخطوطاتنا اليونانية الكاملة تحتوى على هذا الإصحاح. إذن، هل نقصد إعادة تكوين الإصدار الأخير من الإنجيل و الذى يحتوى على هذا الإصحاح؟ إذا كان كذلك، هل علينا أن نعتبر قصة المرأة التى أُمسِكت فى زنا (يو 7 : 53 – 8 : 11) جزء من الإصدار الأخير أم أن هذه القصة قد أُضِيفت متأخراً جداً حتى تُعتبر أصلية؟"
[3]. إن المشكلة الرئيسية فى هذه التساؤلات هى: فى أى وقت نستطيع أن نقول أن الوقت أصبح متأخراً جداً؟ أو كما وضعها أحدهم: متى يكون متأخراً جداً؟[4]

أحد أهم النظريات التى خرجت حول تاريخ انتقال النص فى مرحلة ما قبل النصوص المحلية، هى نظرية "النص الأولى"، و التى تقول بأن ما نستطيع تكوينه هو النص الذى منه ينحدر التقليد النصى المتوفر. السؤال هو هل النص الذى ينحدر منه التقليد النصى المتوفر هو النص الأصلى أم نص يختلف عنه؟ معهد البحث النصى للعهد الجديد يخبرنا حول هذه النظرية التالى:

"النص الأصلى للعهد الجديد لم يتوفر فى أى مخطوطة. كل المخطوطات تحتوى على قراءات تطورت خلاص التاريخ النصى فى عملية النسخ المستمرة. النص الأولي للتقليد (النصى) هو النص الذى يسبق عملية النسخ. و لأن هذا النص لم يتوفر فى أى مخطوطة، فيجب، على الجانب الأول، أن يتم إعادة تكوينه على أساس شواهد النص المتوفرة و الصورة الكاملة للتاريخ النصى التى نتجت عنه، و على الجانب الآخر على أساس ميزة كل ما يمكن معرفته حول هدف المؤلف. و هذا يؤدى إلى فرضية النص الأولي. بين نص المؤلف (أى النص الأصلى) و النص الأولي، قد يكون هناك تطورات لم تترك أثراً واحداً فى المخطوطات المتوفرة. و لهذا فالنص الأولي للتقليد (النصى) ليس بالضرورة متطابقاً مع نص المؤلف. و لكن، طالما أنه لا يوجد أى أسباب جوهرية تحتج عكس ذلك، فإن الفرضية العاملة الأبسط هى أن النص الأولى يتوافق بضخامة مع نص المؤلف، بجانب قراءات صغيرة كان يجب أن يتم التعامل معها أثناء عملية النسخ"
[5].

و بالتالى، فإننا لا نستطيع أن نفترض وجود أكثر من القراءات العفوية فى مرحلة ما قبل النص الاولى، لأنه لا يوجد سبب واحد يجعلنا نفكر فى ذلك. الإحتمالات النظرية كلها واردة، و لكن الدراسة العملية الواقعية، لا تقول بأنه هناك ما يجعلنا وجود أكثر من الأخطاء النسخية العفوية فى المرحلة المباشرة بعد نشر النص الأصلى مباشرةً.

النصوص المحلية

بما أن نسخ المخطوطات باليد يعنى إستحداث أخطاء و قراءات فى المخطوطات، فإن هذه المخطوطات بدأت فى الإختلاف و الإتفاق حول مواضع معينة مع زيادة النسخ مرة تلو الأخرى. هذا الإختلاف و الإتفاق تم عن طريق تأثر المخطوطات ببعضها البعض فى المجتمعات المسيحية. و هذا الإختلاف و الإتفاق لم يكن شىء عشوائى، فأنتج مجموعات أو عائلات من المخطوطات، كل عائلة تتسم مخطوطاتها بالقرب الشديد فى مواضع الإتفاق و الإختلاف. هذه المجموعات تُسمى "أنواع النصوص" أو "النصوص المحلية". و نشأة هذه النصوص المحلية يمكننا تشبيهها بالمثال التالى:

دعونا نفترض أن هناك أربعة نسخ تم عملهم عن النسخة الأصلية. هذه النُسخ تحتوى بداخلها على أخطاء. لكن الخطأ الموجود فى النسخة الأولى، لن يكون هو الخطأ الموجود فى بقية النسخ. كلما يتم عمل نسخ عن كل نسخة من الأربعة، ستحتفظ النسخ بخصائص النسخة التى تمت عنها النساخة من بين الأربعة. فلو أننا لدينا عشرة نُسخ نُسِخت عن النُسخة الأولى، و عشرة نُسخ نُسِخت عن الثانية، فإن العشرة نُسخ الأولى سيكونوا أقرب لبعضهم من العشرة نُسخ الأخرى. بهذا الشكل أصبح كل عشرة نُسخ هم عائلة. كل النسخ تحتوى على النص الأساسى، نفس النص بشكل عام، و لكن هناك أخطاء معينة خاصة بكل عائلة منهم. بالإضافة إلى ذلك، بداخل كل عشرة مخطوطات، قد نجد ثلاثة مخطوطات قريبين لبعض لدرجة أكبر من بقية المجموعة. هذا المثال هو نموذج مُصغر و مُبسط جداً للنصوص المحلية
[6].

و رغم أننا غير واثقين من بعض التفاصيل، و لكن من الواضح جداً أنه فى تاريخ قديم جداً، تم إنتشار نسخ كثيرة من نص العهد الجديد فى فلسطين، الإسكندرية، و روما. و فى كل مكان من هذه المجتمعات، تم عمل نسخ كثيرة عن النسخ التى توفرت فى كل مكان منهم. النسخ السكندرية كانت تحتوى على نفس النص الأساسى مثل النسخ الرومانية، و لكن كل منهما يحتوى على خصائصه المتمايزة عن الآخر (طبق الآن المثال المعروض بالأعلى على النصوص المحلية).

نتيجة لهذا، تكون لدينا أربعة نصوص محلية، أو أربعة أنواع من النص، أو أربعة أشكال من النص، و هى: النص السكندرى، النص الغربى، النص البيزنطى، و النص القيصرى. النص السكندرى نسبة للإسكندرية، النص الغربى نسبة لروما و شمال أفريقيا، النص البيزنطى نسبة إلى بيزنطة و هى القسطنطينية فيما بعد، و النص القيصرى نسبة إلى قيصرية فى فلسطين. و لكن هناك خلاف بين العلماء حول حقيقة وجود النص القيصرى كنص محلى قائم بذاته.

النص البيزنطى

النص البيزنطى هو النص الذى نشأ فى القسطنطينية، و تحديداً فى القرن الرابع، و هو متوفر فى الغالبية العظمى للمخطوطات اليونانية. له العديد من الأسماء مثل: النص السيريانى (بحسب ويستكوت و هورت)، النص الكوينى (بحسب فون سودين)، النص الكنسى (بحسب كيرسوب ليك)، و النص الأنطاكى (بحسب روبز)
[7]. و يقول غالبية العلماء أن هذا النص هو نص متدنى فى جودته و موثوقيته، نظراً لأنه نشأ فى القرن الرابع. قال ويستكوت و هورت أن هذا النص هو نتيجة تنقيح نقدى تم على يد لوسيان فى القرن الرابع، و لكن هذا الإحتجاج لم يعد مقبولاً بين العلماء الآن، فيقول ميتزجر و ايرمان:"تكشف الدراسات الحديثة للنص البيزنطى أنه موجود بشكل بدائى فى القرن الرابع فى كتابات آباء الكنيسة مثل باسيليوس الكبير و ذهبى الفم، و لكن شكله نهائى يمثل تقليد متطور بطىء، ليس النص الذى ظهر مرة واحدة فى وقت ما و مكان ما. بكلمات أخرى، لم يكن تنقيح نقدى نصى أُختُلِق عن طريق شخص واحد أو مجتمع واحد"[8].

و بشكل عام، لم يتغير الموقف العام الذى أسسه ويستكوت و هورت بأن موقف النص البيزنطى ضعيف جداً، ماعدا من مجموعة صغيرة من العلماء، مثل: زان هودجز، آرثر فارستاد، ويلبر بيكرينج، و فان بروجين. كل هؤلاء يقودهم إيمانهم حول نص الكتاب المقدس ككلمة الله، و ليس البرهان. و لكن هناك حالة شاذة واحدة، و هى حالة هارى ستورز. فى عام 1984، ظهر كتاب ستورز "نوع النص البيزنطى و النقد النصى للعهد الجديد". إحتجاج ستورز الرئيسى فى هذا الكتاب هو: وجود قراءات بيزنطية معينة أتفق العلماء على أنها قراءات متأخرة، ثم ظهرت للوجود فجأة فى البرديات القديمة جداً التى أكتشفها العلماء فى القرن العشرين، بما يعنى وجود النص البيزنطى فى القرن الثانى. غير أن ردود العلماء الكثيرة عليه إجتمعت على خط واحد فى الإجابة: النص المحلى ليس قراءة واحدة أو اثنين أو ثلاثة، بل هو نطاق واسع يجب توفره فى القرن الثانى حتى نستطيع التأكد من وجوده فى القرن الثانى. و كان الإحتجاج الرئيسى للعلماء، أن هذه القراءات تم تغطيتها بيزنطياً، و ليس أنها دليل وجود النص البيزنطى. بمعنى، أن هذه القراءات كانت موجود فى القرن الثانى، و حينما نشأ النص البيزنطى أُختيِرت كقراءة بيزنطية.

هذا لا يعنى أن عمل ستورز لم يكن له أهمية، بل كان له عظيم الفائدة فى تخفيف قسوة نظرية ويستكوت و هورت؛ فقد إعتقدا أن النص البيزنطى لا يحتوى على أى قراءة أصلية على الإطلاق. و قد كان تأثيرهما ممتد على نقاد النص فى زمانهما، و لكن الآن هو:"أمر مقبول عامةً أن القراءة الأصلية قد تكون متوفرة فقط فى النص البيزنطى"
[9]. و بشكل عام، لم يتغير موقف العلماء النقديين كثيراً من النص البيزنطى.

النص الغربى

إذا كان النص البيزنطى لا يوجد حوله الكثير من النقاشات، فإن النص الغربى أثار عدة مشكلات. نشأ النص الغربى، بحسب إعتقاد غالبية العلماء، فى القرن الثانى نتيجة ممارسات النسخ. و قد إعتبر ويستكوت و هورت هذا النص أنه نص فاسد، و لكنه يحتوى على القراءة الأصلية. و فى الحقيقة، كان هناك من العلماء من شكك فى وجود حقيقى للنص الغربى، و يذكر ميتزجر و إيرمان فى ذلك:"بعض العلماء شككوا فى وجوده كنوع من النص بسبب أن الشواهد التى توثقه لا تفعل ذلك بتماسك تام، و تفتقد التجانس الذى نجده فى أنواع النصوص الاخرى"
[10]. و على العكس من النص البيزنطى، فلا أحد يعتبر النص الغربى تم بترتيب منظم. يقول كرت و بربارا آلاند:"لو نظرنا فى أى مكان فى الغرب، لن نجد عقل لاهوتى واحد لديه القدرة على تطوير على تطوير و تحرير نص غربى مستقل، حتى لو أن الرسالة إلى العبرانيين كُتِبت فى إيطاليا، كما يُقترح، فهى لا توفر متطلبات هذا الشخص. فى الفترة المبكرة لم يكن هناك تقليد نصى فى الغرب غير موجود فى الشرق، لقد كان هناك نص واحد له خصائص فردية تنوعت من مخطوطة لأخرى؛ ففى القرن الثانى لم يكن نص العهد الجديد ثابت بحزم"[11]. و هذا نفس ما يقوله ميتزجر و ايرمان من أن:"غالبية العلماء لا يعتبرونه عملية خلق للنص بواسطة فرد واحد أو عدة أفراد بمراجعة نص أقدم، إنما هو نتيجة نمو غير مُنظم و جامح للتقليد المخطوطى فى القرن الثانى"[12].

و فى كل الأحوال، فإن الرأى الغالب هو أن النص الغربى نشأ فى القرن الثانى، و إستخدمه آباء الكنيسة و الهراطقة أيضاً. غير أن هناك مناظرة قوية حول مدى تأصيل النص الغربى!

يعتمد الإحتجاج الرئيسى لأصالة النص الغربى على محورين هامين:

· محور خارجى: و هو أن النص الغربى نص قديم جداً، نشأ فى القرن الثانى، و به دلائل عدم التحكم بالنص فى هذه الفترة.
· محور داخلى: و هو ينطبق على أعمال الرسل فى النص الغربى، حيث يغلب عليه الطابع اللوقانى أكثر من نص السفر فى بقية النصوص.

و نلاحظ أن كافة المشكلات المتعلقة بالنص الغربى، تتأجج فى قمتها حول نص أعمال الرسل فى هذا النص. فكما ذكرنا فى عدة بحوث سابقة، نص أعمال الرسل فى النص الغربى أكبر من النص التقليدى له بنحو 8.5 % بحسب الإحصائية الدقيقة التى قدمها ميتزجر
[13]. و يعتمد المحور الأول على توثيق النص فى غالبية كتابات الآباء المبكرين، بجانب أقدم الترجمات التى كانت بعيدة عن مصر مثل الترجمة السيريانية القديمة و الترجمة اللاتينية القديمة. هذا بالإضافة إلى وجود عدة برديات تنتمى للنص الغربى و كلهم لأعمال الرسل، مثل البردية 29، البردية 38، و البردية 48. و قد قام إيلدون إيب فى الستينات بدراسة أحد المخطوطات القبطية و تأكد أنها تشهد للنص الغربى أيضاً[14].

غير أن المشكلة الرئيسية فى الإدعاء بتأصيل النص الغربى، هى نفس المشكلة التى عرضها ميتزجر، و هى عدم التماسك التجانسى بين شواهد هذا النص. يقول بيتزر عن هذه المشكلة:"أنها حقيقة مُعترف بها بشكل عريض أن النص الغربى يختلف فى شواهده من واحد لآخر، ولا يستطيع الفرد أن يجد نفس الكفاءات و المعالم فى كل شواهده. فالقراءات الواردة فى بعض شواهده، محذوفة من البقية"
[15].

و ما لاحظه العلماء أن هذا التشوش الكبير موجود بقوة ليس فى الشواهد الأكثر تأخراً، و إنما فى الشواهد القديمة نفسها، لدرجة أن بربارا آلاند وصفت نمو هذا النص على أنه يبدأ من نطاق واسع يبدأ يتوحد، و ليس نطاق موحد يبدأ فى التفرع! و هذه الظاهرة لم يستطع المعتقدين فى أصالة النص الغربى تفسيرها، و من يقرأ كلام أمفوكس و فاجاناى، ناقدى النص المؤيدين للنص الغربى المشهورين، لا يجد فى إحتجاجتهما تفسيراً تاريخياً نصياً مقبولاً لهذه الظاهرة الحقيقية. أمفوكس مثلاً يرى أن النص المُقدم فى مخطوطة بيزا هو أفضل ممثل للنص الأصلى، فيقول:"فرضية أولية النص الغربى تعنى أن أنه بالرغم من كل الخلاف فى القراءات الموجودة فيه، فإنه هو الممثل للنص كما كان قبل أى تنقيحات نقدية"
[16]. و التفسير الذى قدمه أمفوكس هو تفسير نظرى بحت لا دليل واقعى عليه، و هو أن النص الغربى هو نص ما قبل التنقيح النقدى بكل أشكاله، و مع إنتشاره تعرض لأنواع متعددة من التغيير فى ظروف مختلفة، و تنقيحات نقدية، أدت إلى ظهور النص السكندرى و بقية أنواع النصوص[17].

هذه النظرية لا يوجد أى دليل عليها، فيقول بيتزر:"لا يوجد أى دليل صلب تم تقديمه على أن هذه العملية أخذت أى نطاق واسع فى تأثيرها على النص المخطوطى للعهد الجديد، ولا من العلماء القدامى ولا من أمفوكس"
[18]. ثم يسميها بيتزر بأنها شىء نظرى جداً، لا وجود عملى له و يحتاج إلى دليل لإثباته.

أما المحور الداخلى، فيعتمد بشكل رئيسى على أن إسلوب أعمال الرسل فى النص الغربى لوقانى أكثر من نص أعمال الرسل فى النص السكندرى، و بناء على ذلك قالوا بأن لوقا نشر إصدارين لكتاب أعمال الرسل. الإصدار الأول هو نص أعمال الرسل بحسب النص الغربى، ثم قام بعد ذلك بعمل نُسخة مصغرة من هذا الإصدار، و هى النسخة الموجودة فى النص السكندرى. أول من طرح هذه النظرية هو ليكلير، و الذى رفض نظريته لاحقاً
[19]. و من طوّر هذه النظرية بشكل ملحوظ هو الألمانى فريدريك بلاس. تتلخص رؤية بلاس فى أن لوقا كان قد أعد نسخته لأعمال الرسل، ثم أراد أن يرسل نسخة منه لصديقه ثيؤفيلوس. و لكن نظراً لأن لوقا لم يكن غنياً، فلم يمتلك المال اللازم لتأجير ناسخ، قام هو بنفسه بعمل نسخة. أثناء نسخه حذف بعض المقاطع و غير فى صياغات بعض المقاطع الأخرى. بعد ذلك إنتشرت النسختين و تم تداولهما، و تم عمل نسخ عن كل منهما. النسخة الأولى التى قام بها لوقا هى نص الاعمال بحسب النص الغربى، و النسخة الثانية هى نص الأعمال بحسب النص السكندرى[20]. و قد قدّم علماء كثيرين انتقادات كثيرة لهذه النظرية، أهمهم توماس جيير و روبيرت هال، رغم أنها جذبت عدد من العلماء المعروفين مثل ثيؤودور زاهن و ايبرهارد نيستل[21]. و يلخص بويسمارد موقف العلماء فى النصف الأول من القرن العشرين كالتالى:"و بشكل عام، فإن غالبية الدراسات الحديثة تفضل النص السكندرى عن النص الغربى، معتقدين أنه حتى لو أن النص الغربى يحتوى على بعض القراءات الأصلية القليلة، فإن بقية النص هو نتيجة مراجعة تمت فى النصف الأول من القرن الثانى و تميزت بالعادات اللاهوتية الواضحة"[22]. و تُعتبر دراسة عالم إيب فى المخطوطة بيزا التى أتمها فى الستينات، هى أفضل شاهد لهذا الإعتقاد العلمى. و فيما بعد، تأكد العلماء أن النص الغربى لم يكن وليد السيطرة أو التحكم، بل أنه نمو عشوائى كما أكد كولويل و آلاند و ميتزجر.

على الجانب الآخر، طوّر معهد الدراسات النصية للعهد الجديد بمونستر نظرية أخرى، قامت بربارا آلاند ببذل المجهود الأكبر فيها. يلخص بيتزر النظرية كما يلى:

"بتركيزها على محاولة إيجاد تفسير لعدم التجانس (بين شواهد النص الغربى)، ترى بربارا آلاند نشأة النص الغربى، و لعدة أسباب تسميه نص بيزا فى نظرية مونستر، كعملية تدريجية تصل إلى قمتها فى تنقيح نقدى رئيسى، أو تنقيح رئيسى، فى بدايات القرن الثالث أو أواخر القرن الثانى فى سوريا. هذا التنقيح الرئيسى يشهده بشكل رئيسى الدليل السيريانى، النسخة اللاتينية الإفريقية (القديمة)، المخطوطة بيزا، و مخطوطة الحروف الصغيرة رقم 614، و هى كل الشواهد التى تحتوى على نص غربى متجانس قليل أو كبير. و قبل بداية القرن الثالث، لم يكن هناك نصاً غربياً، و لكن فقط قراءات نشأت فى العملية الطبيعية لإنتقال نص العهد الجديد. هذه القراءات توسعت فيما يُسمى الآن بالتقليد الغربى حتى دخلوا إلى النص الغربى عن طريق ذاك الذى كان مسئولاً عن إنتاج هذا التنقيح الرئيسى"
[23].

بهذه النظرية، ترى بربارا آلاند أنه كان هناك فترة معينة تسبق وجود النص الغربى، و لكنها كانت تحتوى على القراءات الغربية بالفعل. هذه الفترة يشهد لها آباء القرن الثانى، و خاصةً ايريناؤس و يوستينوس. غير أنه هناك مشكلة فى هذه النظرية، و هى التماسك اللغوى و الإسلوبى فى نطاق هذا النص، و الذى من الصعب أن يكون نتيجة عملية عشوائية. فى نفس الوقت، من غير المقبول تماماً وجود فكرة التنقيح النقدى كأساس للنص الغربى، لأن هذا لا يحمل تفسيراً للخلاف الهائل فى شواهد النص الغربى التى تحمل مفارقات كبيرة و واسعة فى تجانسها. يبرز هذا العامل أكثر، كما يقول بيتزر، فى الشواهد الأكثر قدماً، مما يعنى أن فكرة وجود تنقيح نقدى لا تفسر الدليل المتوفر. فكيف يمكن أن يكون هناك تنقيح نقدى، أى نص قياسى واحد فى الشواهد، و مع ذلك نرى الشواهد الأقدم غير متجانسة فى إطار واحد؟ ميتزجر يعلق على ذلك قائلاً:"هذا الشكل من النص الموجود بإتساع فى الكنيسة الأولى، و أستخدمه ماركيون، تاتيان، ايريناؤس، و آخرين، لا يمكن إعتباره تنقيح نقدى، لأنه ليس مُوحد ولم يكن كذلك أبداً"
[24]، و يتفق معه ديفيد باركر فى نفس النتائج، فيقول:"بمقارنة النص اليونانى و اللاتينى، توصلت إلى أن شكل نص الأعمال الموجود فى هذه المخطوطة يرجع إلى النمو التطورى و ليس بسبب مراجعة واحدة شاملة"[25]. و سواء كانت نظرية مونستر أو نظرية العادات اللاهوتية التى لإيب[26]، ففى كل الأحوال يتفق غالبية العلماء على ثانوية النص الغربى، و أنه ليس أصلياً بأى حال[27].

إنعدام التجانس بين شواهد النص الغربى هو العامل الخارجى لإعتباره ثانوياً، أما العامل الداخلى فهو إنعدام الإتساق اللغوى. أبرز العادات الداخلية للنص الغربى هى إنعدام وجود إتساق لغوى داخله، مثل التوفيقات المتكررة، تكرار أشكال النص، إعادة الصياغة، و خاصية الأشهر للنص الغربى و هى الإضافات. لهذا قال العالم الألمانى الشهير كونزيلمان:"نوع النص هذا لا يُوجد له ممثل بمثاء نقاء النص المصرى (السكندرى)"
[28]. و حينما قررت دراسة هذه التصريحات بنفسى، رجعت إلى كتاب روبز الذى وضع فيه نص أعمال الرسل فى بيزا بالمقابلة مع نص أعمال الرسل فى الفاتيكانية، و تأكدت بنفسى من صحة هذه التصريحات.

دافع أمفوكس و فاجاناى عن أولية النص الغربى بإستخدام نفس الإحتجاج اللغوى، قائلاً:"القراءات الغربية تحتوى غالباً على كلمات متكررة غير موجودة فى بقية أنواع النصوص. و من النظرة الأولى قد يبدو هذا كزلات غير مقصودة دخلت إلى نص لا يوجد به تكرارات و بقيت هناك لمدة من الوقت. و لكن هناك سبيل آخر للإستكشاف و هو الذى إقترحه مارسيل جوزيه، و هو أن ينظر الفرد لهذه التكرارات كواحدة من ضمن خصائص عديدة للإسلوب الشفوى، و هو عبارة عن مجموعة من الآليات البلاغية المُستخدمة للأغراض التعليمية فى مجتمعات الثقافة الشفهية"
[29].

و ما يقصده العالمان هنا، هو أن هذه التكرارات ليس زيادات على النص، بل هى نص أصيلاً؛ و السبب فى ذلك هو أن التكرار أحد العوامل البلاغية المُستخدمة فى الإلقاء فى المجتمع الذى خرجت منه هذه النصوص. و ما قاله أمفوكس هنا هو ثورة بالفعل كما وصفها بيتزر، إذ أنه يدعونا إلى النظر لكتابات العهد الجديد من منظور مختلف تماماً. يدعونا أمفوكس إلى التفريق بين "النحو" و "البلاغة"، فالإسلوب فى إستخدام المفردات و حروف الوصل و ما إلى ذلك، هو شىء يختص بالكاتب نفسه. و لكن الإسلوب البلاغى يرجع بنا إلى ما قبل عصر التدوين نفسه، لدراسة الكيفية التى وصلت بها الرسالة. أمفوكس يقول فى ذلك:"رسالة النص موجودة بالأكثر فى التكوين البلاغى لكل قصة و الترتيبات السردية أكثر من المفردات نفسها. و لكن هذا النوع المُعقد من الكتابة المُشفرة غير مناسب للنشر العام"
[30]. و لهذا كان يجب التعامل مع النص لجعله أقل يسراً فى الفِهم أثناء تداوله، فظهر النص السكندرى.

المشكلة الرئيسية فى هذا الإحتجاج أنه غير قائم على دليل! بالإضافة إلى ذلك، السؤال الهام يطرح نفسه بقوة: لماذا فى أعمال الرسل فقط؟! لم يطرح العلماء المعتقدين فى أصالة النص الغربى إجابة على هذا السؤال، ولا حتى أمفوكس فعل. و يجب أن نعى أننا نتكلم على أسبقية نصوص و ليس قراءات. بمعنى، نستطيع أن نجد قراءات أصلية فى النص الغربى، كما فى التقصيرات الغربية غير المُعتادة. لكن هذا لا يعنى أن النص الغربى بشكل عام أسبق فى أفضليته عن النص السكندرى الذى سنتكلم عنه الآن. و يبقى الحال كما عبر عنه بيتزر:"رغم أن هناك أدلة جديدة و نظريات دعمت أصالة النص الغربى فى العقد أو العقدين الماضيين، فهذه الأدلة و النظريات لم تنجح فى إقناع عَالم العلماء. ما نحتاجه هو نظرية شاملة تأخذ فى الحسبان كل أو أغلب المعالم و الظواهر المثبتة حول هذا النص. و حتى تخرج هذه النظرية للنور، يبقى من الأسهل رؤية هذا النص على أنه ثانوى المنشأ"
[31].

النص السكندرى

يفتتح ميتزجر و ايرمان مناقشتهما للنص السكندرى بقولهما:"سيكون من الخطأ تصور أن ممارسات عملية النسخ الغير مُتحكم بها التى أدت إلى تكوين التقليد الغربى النصى، تم إتباعها فى كل مكان يتم إنتاج نصوص به فى الإمبراطورية الرومانية"
[32]. و قد صدقا بالفعل، فالإجماع العام لعلماء النقد النصى للعهد الجديد، أن النص السكندرى هو نص حازم يقدم أفضل صورة ممكنة للنص الأصلى بإخلاص و نزاهة. هذا الحزم يسميه ميتزجر و ايرمان بـ "التحكم الواعى ذو الضمير الحى"[33]. و النص السكندرى له عدة أسماء، فهو النص المحايد عند ويستكوت و هورت، النص ما قبل السكندرى عند بروس ميتزجر، و هو النص الأصلى عند كرت و بربارا آلاند (أو القاسى فى تصنيفهما للبرديات). و يمثل هذا النص بشكل رئيسى: البردية 66، البردية 75، السينائية، و الفاتيكانية[34].

العوامل التى تجعل من النص السكندرى يحمل معالم الأصولية، إثنين
[35]:

· العامل الخارجى: و هو مدى جودة نص برديات القرن الثانى و الثالث.
· العامل الداخلى: و هو الإتساق المتماسك فى المعالم و الخصائص الرئيسية لهذا النص، خاصةً فى البرديات القديمة.

دافع ويستكوت و هورت عن أصولية النص السكندرى، الذى هو النص المحايد فى نظرهما، و قدم هورت أكبر أجزاء مقدمته دفاعاً عن أصولية هذا النص. كان إعتمادهما الرئيسى على السينائية و الفاتيكانية، فجاءت البرديات التى تم إكتشافها فى القرن العشرين لتقوى إحتجاجهما. معروف لكل باحث فى النقد النصى، أن ويستكوت و هورت فضلا المخطوطة الفاتيكانية عن السينائية فى تحرير إصدارهما لنص العهد الجديد. فكانت المفاجآة بإكتشاف البردية 75، و التى تسبق الفاتيكانية بقرن و نصف من الزمان، لتؤيد الفاتيكانية أكثر من السينائية. بجانب الترجمة القبطية الصعيدية، و بعض الآباء السكندريين الذين نجح العلماء فى إعادة تكوين نصهم للعهد الجديد، يصبح الدليل فى قمة تماسكه لبناء قضية صلبة لأصولية النص السكندرى. بيتزر يصف أمر النص السكندرى بقوله:"النص يجرى كخيط ذهبى فى أقدم المخطوطات كلها"
[36]، و يصفه ميتزجر و ايرمان:"ليس أمراً مفاجئاً أن نجد الشواهد النصية المرتبطة بالإسكندرية تشهد جودة عالية فى الإنتقال النصى من أقدم العصور. لقد كان هناك حيث يوجد خط قديم من النص نُسِخ و حُفِظ كما هو مُبرهن عليه فى كتابات كُتّاب الكنيسة من القرن الثالث و الرابع، مثل: أوريجانيوس، أثناسيوس، و ديديموس الضرير، و كما هو موجود فى هذه المخطوطات المُعتبرة مثل: البردية 66، البردية 75، المخطوطة الفاتيكانية، و المخطوطة السينائية، و فى مخطوطات من الترجمات القبطية"[37].

و هذا يرجع بالأساس للحقيقة التاريخية الهامة، و هى أن الإسكندرية مركز تجمع الثقافات و الكلاسيكيات و الفلسفات من حول العالم. كل دارس متعمق فى العصر اليونانى فى الإسكندرية، يعرف جيداً الحضارة العظيمة التى أسسها البطالمة فيها، منذ أن أسسها الإسكندر. بارت ايرمان يقول حول هذه الثقافة:"أدرك العلماء المعاصرين أن النُساخ فى الإسكندرية، و التى كانت مركزاً فكرياً رئيسياً فى العالم القديم، كانوا مدققين بشكل خاص، و حتى فى هذه القرون المبكرة، فهناك فى الإسكندرية، حُفِظ شكل نقى جداً للنص فى الكتابات المسيحية الأولى، لعقد بعد عقد، بواسطة نُساخ مسيحيين مُكرسين و مُدربين نسبياً"
[38].

رغم هذا، فقد كان ويستكوت و هورت معتقدين بشكل خطير فى أن النص السكندرى، أو نصهم المحايد، هو النص الأصلى بعينه. و لكن الموقف الآن تعدل بعض الشىء، فلا يعتقد العلماء أن هناك مخطوطة أو أن هناك نوع من النص لا يحمل خطأ نسخى على الإطلاق. و لذلك، سمح العلماء بإمكانية وجود الخطأ فى النص السكندرى. غير أن أكثر ما يجب أن ننتبه له، هو أن النص السكندرى الأقل عرضة تماماً للخطأ النسخى.

تكوين التاريخ

بناء على ذلك، تم تكوين تاريخ الإنتقال النصى فى النقاط التالية:

· كل مخطوطة، كل تيار نصى، كل نص محلى، كل عائلة، تحمل بداخلها برهان فسادها.
· عملية انتقال نص العهد الجديد، تشهد على نفسها، بأنها بدأت بشكل عشوائى غير مُدرب، و أنتقلت بعد ذلك لعدة مراحل من الحزم، الى ان وصلت لمرحلة الدقة المطلوبة.
· فى ضوء ما هو معروف و ثابت عن الثقافة الأدبية للعصور القديمة، فإن أغلب الخلافات المُتعمدة نشأت فى القرون المبكرة جداً للمسيحية.
· لا تحمل الفترة الأولى لإنتقال نص العهد الجديد، أى دليل او برهان علمى، على وجود تنقيح نقدى مُحملاً بأيديولوجيات لاهوتية، سواء أرثوذكسية او هرطوقية، بإستثناء ماركيون. إنما التغييرات نشأت نتيجة "التصحيح".
· مساحة و تأثير هذا "التصحيح"، تختلف بشكل ملحوظ: فمن المُمكن ان تكون عملية التصحيح هى مجرد مراجعة النسخة على المثال المنقول عنه، و قد يأتى هذا التصحيح من القارىء او ناسخ ما لتصحيح اخطاء ناسخ المخطوطة دون العودة الى المثال الذى نُقلت عنه هذه المخطوطة، و قد تُراجع النسخة على مخطوطة أخرى غير التى نُقلِت عنها.
· التيارات النصية السكندرية و البيزنطية، ليست إختلاقاً للقراءات، و إنما إختياراً بين القراءات.
· النسبة العامة الحالية لتدعيم قراءة ما فى المخطوطات المتوفرة، لا تعكس بالضرورة النسبة العامة لتدعيم نفس القراءة فى المراحل الأقدم فى تاريخ إنتقال النص.
· إنتقال نص العهد الجديد، تشكل و تأثر بشكل واضح و مباشر، بالظروف الخارجية المحيطة، التى أثرت جزرياً فى تاريخ الكنيسة المسيحية، مثل عصور الإضطهاد، سياسات الإمبراطورية البيزنطية، ظهور الإسلام، و الصراع الأرثوذكسى – الهرطوقى المُمتد ما امتدت الكنيسة المسيحية. بكلمات أخرى، لم يكن هناك "وضع طبيعى" تم فيه نِساخة العهد الجديد، بل قد تمت عملية الإنتقال تحت كل ظرف يمكن تخيله، إلا الظرف الطبيعى.
· هناك قلة من مخطوطات الحروف الصغيرة، ثبت انها مأخوذة عن إحدى مخطوطات الحروف الكبيرة القديمة، و بالتالى فهذه المخطوطات لا تُعامل بتاريخ كتابتها، و إنما بحسب جودة النص الذى تحتفظ به.
· من المُمكن إعادة تكوين تاريخ تكون بعض الأقسام الفرعية داخل النص المحلى الواحد، مثل العائلة 1 و العائلة 13، بشىء من الثقة. هذه المحاولات فى الأمثلة المُصغرة، تساعدنا بشكل كبير فى فهم تاريخ تكوين النصوص المحلية، و محاولة إعادة تكوينه.
· دراسة النصوص الآبائية و الكُتَّاب القدامى، تقدم لنا مساعدات فى إعادة تكوين وضع الإنتشار الجغرافى فى إحدى حقبات التاريخ.
· تاريخ الإنتقال النصى، يختلف بشكل جوهرى بإختلاف العامل الأدبى فى كتب العهد الجديد. فتاريخ انتقال نص الأناجيل يختلف عن تاريخ إنتقال نص الرسائل بشكل عام، و يختلف تاريخ انتقال نص الرسائل البولسية عن الرسائل الجامعة، و يختلف عنهم جميعاً سفر الرؤيا.

فادى اليكساندر
28 – 10 – 2009


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] Jacobus H. Petzer, The History of The New Testament Text: Its Reconstruction, Significance, And Use in New Testament Textual Criticism, In: New Testament Textual Criticism, Exegesis, And Church History: A Discussion of Methods, Edited By B. Aland & J. Dolbel, Pharos: Netherlands 1994, P. 11
[2] B. F. Westcott & F. A. Hort, The Greek New Testament With Dictionary, Foreword By Eldon Jay Epp, Hendrickson Publishers: USA 2007, P. xiii
[3] Bruce M. Metzger & Bart D. Ehrman, The Text of The New Testament: Its Transmission, Corruption & Restoration, 4th Edition: Oxford University Press 2005, P. 273-274.
[4] راجع بحثنا السابق "قراءة ثانية للخاتمة و الزانية" لأفكار حول هذا الموضوع.
[5] http://www.uni-muenster.de/INTF/Initial_text.html
[6] هذا المثال مأخوذ بتصرف عن العالم هارلود جرينلى، أنظر:
J. Harlod Greenlee. The Text of The New Testament: From Manuscript to Modern Edition, Hendrickson Publishers: USA 2008, P. 40; See also, Introduction To New Testament Textual Criticism, 2nd Revised Edition, Hendrickson Publishers: USA 1995, P. 52.
[7] Metzger & Ehrman, P. 279
[8] Ibid.
[9] Petzer, P. 17
[10] Metzger & Ehrman, P. 276
[11] K. Aland & B. Aland, The Text of The New Testament: An Introduction To The Critical Editions & To The Theory & Practice of Modern Textual Criticism, 2nd Edition, English Translation By Erroll F. Rhodes, Eerdmans: USA 1989 (Paper Back Edition: 1995), P. 54-55.
[12] Metzger & Ehrman, P. 276
[13] Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on The Greek New Testament, 2nd Edition: German Bible Society 1994, 5th Printing 2005, P. 223.
[14] Eldon J. Epp, Coptic Manuscript G67 & The Role of Codex Bezae As A Western Witness in Acts, In: Journal of Biblical Literature, Vol. 85, No. 1: 1966, P. 197-212.
[15] Petzer, P. 19
[16] Christian-Bernard Amphoux & Leon Vaganay, An Introduction To New Testament Textual Criticism, Cambridge University Press 1991, P. 94
[17] أنظر نظرية أمفوكس بالتفصيل فى المرجع السابق، ص 98 – 111، و خاصةً حديثه عن دور ماركيون فى ص 99 – 100.
[18] Petzer, P. 20
[19] Metzger, Textual Commentary, P. 223.
[20] M.-E. Boismard, The Texts of Acts: A Problem of Literary Criticism? In: New Testament Textual Criticism: Its Significance for Exegesis, Edited By Eldon J. Epp & Gordon D. Fee, Oxford University Press 1981, P. 147
[21] Metzger, Textual Commentary, P. 224.
و قد قدم ميتزجر نقداً واسعاً شمل آراء العلماء فى نظرية بلاس هذه فى ص 225 – 226.
[22] Boismard, The Texts of Acts, P. 148.
[23] Petzer, History, P. 22. See Also Metzger, Textual Commentary, P. 234.
[24] Metzger, Textual Commentary, P. 233.
[25] David C. Parker, An Introduction To The New Testament Manuscripts & Their Texts, Cambridge University Press 2008, P. 289
و يكرر ذلك قائلاً:"دراستى فى المخطوطة بيزا ولدت الدليل بأن نصها لأعمال الرسل هو نتيجة مراحل من النمو. فمقارنة بيزا مع البردية 38 تقترح بأنه لم يكن هناك شكل واحد مُراجع للأعداد، إنما أن كلاً من المخطوطتين يشهد لمراحل مختلفة فى عملية النمو"، ص 298.
[26] مع ملاحظة أن هناك علماء كثيرين إختلفوا مع إيب فى نظرية العادات اللاهوتية، مثل باريت، و لكن ما ينصف نظرية إيب هو ليس فقط وجود العادات المعادية لليهودية فى المخطوطة بيزا و التى أشار لها إيب، و إنما أيضاً وجود بعض العادات الكريستولوجية فى نفس المخطوطة و التى أشار لها ايرمان.
[27] نظرية بلاس و نظرية آلاند ليستا الوحيدتين، بل هناك نحو تسع أو عشر نظريات عرضهما ميتزجر و باريت، و لكن إخترت هاتين النظريتين فقط لأنهما الأكثر شهرةً. للمزيد حول بقية النظريات أنظر:
C. K. Barrett, A Critical & Exegetical Commentary on The Acts of The Apostles, Vol. 1, T&T Clark: USA - UK 1994, P. 20-26; Metzger, Textual Commentary, P. 223-231.
[28] Hans Conzelmann, Acts of The Apostles: A Commentary, (English Translation, Hermeneia Series), Fortress Press: USA 1987, P. xxxiv
[29] Amphoux & Vaganay, Introduction, P. 94
[30] Ibid, P. 95.
[31] Petzer, History, P. 25.
[32] Metzger & Ehrman, Text, P. 277
[33] Ibid, P. 277-278
[34] البعض يستثنى البردية 66 بسبب التصحيحات التى تحملها عند وجود خلاف بينها و بين الثلاث مخطوطات الأخرى.
[35] Petzer, History, P. 25
[36] Ibid, P. 26.
[37] Metzger & Ehrman, Text, P. 278
[38] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed The Bible & Why, Plus Edition, HarperSanFrancisco: USA 2007, P. 72; also the 2005 Edition, P. 72.


الأربعاء، 28 أكتوبر، 2009

الألف و الياء


أكتب هذا الجواب المُختصر، رداً لسؤال أصر عليه أحد الأخوة الأفاضل، عرضه عليه أحدهم. السائل يضع تساؤله حول نص رؤ 1 : 11 بحسب ترجمة سميث و فانديك:

"قَائِلاً: «أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ. وَالَّذِي تَرَاهُ اكْتُبْ فِي كِتَابٍ وَأَرْسِلْ إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا: إِلَى أَفَسُسَ، وَإِلَى سِمِيرْنَا، وَإِلَى بَرْغَامُسَ، وَإِلَى ثَِيَاتِيرَا، وَإِلَى سَارْدِسَ، وَإِلَى فِيلاَدَلْفِيَا، وَإِلَى لاَوُدِكِيَّةَ»". ففى الترجمة العربية المُشتركة، نقرأ النص:" يَقولُ:"أُكتُبْ ما تَراهُ في كِتابٍ وأرسِلْهُ إلى الكنائِسِ السَّبعِ في أفسُسَ وسِميرْنَةَ وبَرْغامُسَ وثياتيرَةَ وسارْديسَ وفيلادَلْفيةَ ولاوُدِكيَّةَ".

فالخلاف هو حول الكلمات:"أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ"، و لكن سؤال الصديق لا يقف عند هذا الحد. فبحسب كلماته، فإن التشكيك فى أصالة هذا النص، هو تشكيك فى كل النصوص التى تحمل نفس التعبير، عن يسوع المسيح!

التعليق على الشبهة المطروحة:

اولاً: فهذه العبارة فى هذا النص تختفى من الشواهد الأقدم و المتفرقة و ذات النصوص الأفضل، مثل
[1]: السينائية، السكندرية، الإفرايمية، و المخطوطات: 1006 1841 2050 2329 2351، و الترجمات: اللاتينية القديمة، الترجمات السيريانية، و القبطية الصعيدية، بالإضافة الى نص الأغلبية فى المخطوطات التى لا تحتوى على تفسير اندرياس. على الجانب الآخر، فالنص يُوجد فقط فى مخطوطات الأغلبية التى تتبع تفسير اندرياس، مما يُؤكد انه تفسير الرجل المُستمد من اكثر من نص يحمل نفس التعبير عبر صفحات سفر الرؤيا، خاصةً 22 : 13، كما ذهب العالم فيليب كومفورت.

ثانياً: هذا النص بكل تأكيد، مأخوذ من نصوص أخرى تكررت فى نفس السفر بل و فى نفس الإصحاح! فنقرأ فى العدد الثامن:" أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبَِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ"، مع ملاحظة ان قول النص:"البداية و النهاية"، هو تفسير لمفهوم:"الألف و الياء" فى ضوء بقية النصوص. بالإضافة الى النصوص:"قَدْ تَمَّ! أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ. أَنَا أُعْطِي الْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الْحَيَاةِ مَجَّاناً" (رؤ 21 : 6) ، "أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ" (رؤ 22 : 13)
[2]. و بالتالى، فيسوع المسيح هو هو الألف و الياء، البداية و النهاية، الأول و الآخر، حتى و ان لم يثبت هذا النص!

ثالثاً: القول بأن هذا التشكيك فى هذا النص هو تشكيك فى بقية النصوص، هو سخافة علمية عقيمة لا معنى لها! فنحن لدينا آلية و منهج نتبعه، لكل نص على حِدة، فهل طبقت هذا المنهج على كل النصوص التى تحمل هذه الدلالة، فوجدت انها كل لا يُمكن الوثوق بها؟! هذا كلام غير صحيح علمياً على الإطلاق، ولا يقوله أحد من العلماء أبداً!


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Comfort: New Testament Text & Translation Commentary, P. 812-813
Nestle-Aland: Novum Testamentum Graece, 27th edition, P. 633
يُلاحظ ان النص يختفى من التعليق النصى للعهد الجديد اليونانى لجمعيات الكتاب المقدس المتحدة، بإصداريه الثالث و الرابع، و يختفى من تعليق بروس ميتزجر بإصداريه الأول و الثانى، و يختفى من تعليق روجر أومانسون، و يختفى حتى من تعليقات دان والاس فى الترجمة الإنجليزية الحديثة!
[2] لعل هذا النص هو من أوضح هذه النصوص فى الدلالة على يسوع المسيح كـ "الألف و الياء، البداية و النهاية، الأول و الآخر"، لإستباق النص بقوله:" وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعاً وَأُجْرَتِي مَعِي لِأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ" (ع 12)، فى ضوء التأكيد المستمر و المُلح من السيد فى حياته على الأرض، بأنه هو الديان فى آخر الزمان، فى عدة نصوص، مثل قوله:" لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَداً بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلاِبْنِ" (يو 5 : 22).

الثلاثاء، 27 أكتوبر، 2009

تاريخ يسوع التاريخى


تاريخ يسوع التاريخى
كريج ل. بلومبيرج
أستاذ العهد الجديد المميز بمعهد دينفر اللاهوتى














الاثنين، 26 أكتوبر، 2009

هل المعجزات الكتابية أسطورية؟


"الراسخون فى العلم"
(6)
هل المعجزات الكتابية أسطورية؟
جارى ر. هابيرماس


هذه المقالة، هى الجزء السادس من سلسلتنا "الراسخون فى العلم"، حيث يطرح العلماء المتخصصين حول العالم، إجابات كثيرة على أسئلة متعددة. و فى هذه المقالة يجيب العالم الكبير جارى ر. هابيرماس، على سؤال هام و هو: هل المعجزات الكتابية أستقاها المؤلفين من الأساطير الوثنية القديمة؟ و يقوم هابيرماس بتسيلط مزيد من الضوء على قيامة المسيح بالتحديد. تمت ترجمة هذه المقالة عن مرجع السلسلة، الكتاب المقدس الدفاعى، ص 1430.


هل المعجزات الكتابية أسطورية؟
جارى ر. هابيرماس
رئيس قسم اللاهوت و الفلسفة بجامعة الحرية، فيرجينيا


هناك إدعاءات متكررة تقول أن المعجزات الكتابية، و خاصةً معجزات يسوع، إستوحاها المؤلفين و إستلهموها من القصص الوثنية فى العالم القديم. نسمع كثيراً أن معجزات الشفاء، اخراج الشياطين، الميلاد العذراوى، و القيامة من الموت، كانت كل هذه المعجزات مشتركة فى القصص الوثنية فى الأزمنة القديمة.

و بينما أنه صحيح أن عدد ضخم من قصص المعجزات كانت موجودة فى العالم القديم، فإن هذا لا يعنى أن الكتاب المقدس قام بتكرار نفس هذه القصص. و رغم أن هذا الإدعاء موجود بكثرة فى الدوائر الشعبية، فإن هذا الإفتراض خاطىء على عدة مستويات.

و هو أمر حقيقى أن بعض العلماء يؤكدون على التشابهات بين القصص الإعجازية فى الكتاب المقدس و الوثنية. و لكننا يجب أيضاً أن نؤكد على الإختلافات الرهيبة بينهما، و هى الإختلافات العامة و العميقة جداً. مثلاً، هناك فجوة فلسفية هائلة بين الخلفيات الكتابية و الوثنية لقصص المعجزات الخاصة بكل منهما.

العقلية الوثنية كانت مرتبطة جداً بالطبيعة على نحو دائرى فى نطاقات واحدة متكررة، و تتميز بإختلاف فصول السنة حسب الطبيعة. على العكس من ذلك، كانت الفلسفة اليهودية تسير فى نطاقات خطية واحدة، من حدث لآخر، تتأجج فى ذروة الله العظمى.

أكثر من ذلك، هذه القصص الوثنية غالباً تهتم بأشخاص معينين لم يكن لهم وجود حقيقى أصلاً فى التاريخ، مثل هيراقليطوس فى الأسطورة اليونانية القديمة. بينما يسوع و صانعى المعجزات الأخرى فى الكتاب المقدس كانوا أشخاص حقيقيين بلا أى شك. بالإضافة إلى ذلك، يلاحظ العلماء أن هذه القصص الوثنية لم يكن لها أى تأثير يُذكر فى منطقة فلسطين فى القرن الأول، حيث كان يوجد فى فلسطين وجهة نظر أخرى سائدة فى ذلك العصر.

الأمر المفاجىء حقاً، أنه لا يوجد أى من القصص الإعجازية فى العالم القديم، يمكن أن ترشح نفسها كالإلهام الحقيقى لقصص معجزات يسوع. فالقليل جداً من هذه القصص التى تتشابه مع معجزات يسوع يسبق عصر يسوع أصلاً، و لذلك من الصعب جداً إثبات وجود أى توازى بين القصص الوثنية و معجزات يسوع.

و بالنسبة لقيامة يسوع، فإن القول بأنها مُستقاة من القصص الوثنية، يصل إلى قمة عدم ملائمته للموقف و يظهر بشكل واضح جداً. فالكتابات التاريخية توضح أن المزاعم الخاصة بأبطال وثنيين أُعِيدوا للحياة مرة أخرى، ظهرت بعدما تم تدوين قصص المعجزات فى العهد الجديد. و العلماء يعرفون جيداً أن بعض التعاليم الدينية القديمة قد قامت بالنسخ المباشر عن المسيحية، و قيامة يسوع من الموت قد تكون مثال لما تم نسخه!

إذن، فهناك عدة أسباب حول لما أن قصص العهد الجديد لم تُؤخذ من النصوص الوثنية. و أكثر الإجابات الحاسمة هى ببساطة: لدينا أسباب كثيرة أن نعتقد بأن يسوع قام بالفعل بعمل معجزات كثيرة فى أثناء خدمته على الأرض. و فعلياً، كل العلماء النقديين حالياً تقريباً يتفقون على أن يسوع قام بصنع أعمال كثيرة تُسمى "معجزات" و "اخراج الشياطين".

و الأهم من بين كل هذا، هو أنه يوجد كمية ضخمة من الأدلة تقول بأن يسوع قد قام حقاً من الموت. مثلاً، لدينا تقارير موثوق فيها من عدة مؤلفين حول أناس إعتقدوا بالفعل أنهم رأوا يسوع القائم من الموت. و أكثر الشهود حسماً هو بولس، شاهد عيان أمدنا بشهادة قديمة جداً و واضحة.

إذن، لا يجب علينا أن نهمل النقطة الواضحة أن عدداً من الشهود الموثوق فيهم و القدامى، بما فيهم الإثنين المتشككين جداً بولس و يعقوب، كانوا يكرزون بقناعتهم أنهما رأوا يسوع القائم، و هى الكرازة التى كانوا مستعدين للموت من أجلها.

فبعيداً عن كونهم أستلهموا القصص الإعجازية من قصص وثنية بعيدة جداً عنهم، كان الكثيرين مستعدين للموت، و مات الكثيرين من أجل ايمانهم الأمين؛ أنهم رأوا بالفعل يسوع القائم من بين الأموات.

القصص الوثنية لا تفسر هذه القناعة!

الأحد، 25 أكتوبر، 2009

احصائيات


فى خلال شهر، قام بزيارة المدونة أكثر من ألف زائر، و تصفحوا أكثر من ألفى صفحة. هذا يحفزنى على العمل أكثر لتقديم خدمات أكبر و أوسع تخدم نطاق أكبر من المسيحيين. و يأتى الزوار من عدة بلاد حول العالم، و هى بحسب الترتيب: مصر - الولايات المتحدة - الإمارات - الأردن - استراليا - كندا - آيرلاند - السعودية - الدانمارك - ايطاليا - قطر - السويد - هولاند - الكويت - المانيا - المملكة المتحدة - اسرائيل - المغرب - الجزائر - اسبانيا - بلجيكا - ليبيا - اليونان - فلسطين - العراق - المكسيك - النرويج - النمسا - بيلاروسيا - سوريا - اندونيسيا - بيرو - تشيلى - فينزويلا - البحرين - فرنسا - تونس - لبنان - بلدان اوروبية أخرى. بنعمة الرب سيكون هناك نشاطات أخرى فى عدة مجالات متنوعة، لتؤدى هذه المدونة خدمتها للمسيحيين على أشمل وجه. و نظراً لسهولة النشر من خلال المدونة أكثر عن الموقع الرئيسى، فإهتمامى كله ينصب عليها، ولا أعتقد أننى سأستمر فى عمل الموقع الرئيسى.

آفة التحيز


كلمنى أحد الأصدقاء بالأمس، و أخبرنى أنه قام بعمل تحليل لكتاباتى. فى الحقيقة كان شيئاً لذيذاً أن أرى محاولة لعمل "تحليل نفسى" لى عن طريق كتاباتى. قال صديقى هذا أننى أرتكن على العلماء و التاريخ، لأن عقيدتى لا دليل لها. أوضح بعد ذلك أنه يقصد أن وحى الكتاب المقدس لا يوجد دليل عليه، و لذلك أنا أرتكن إلى التاريخ. الغريب أنه ألح علىّ دراسة كتابه و عقيدته، لأننى سأكتشف حقهما. قلت ببساطة: لا يمكن، لأن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون وثيقة تاريخية. أعطيت مثالاً على ذلك: لو أن التاريخ يقول أن يسوع الناصرى صُلِب و مات على الصليب، و أنه دُفِن فى قبر معروف لليهود قبل تابعيه، و لو أنك يا صديقى تقول لى أغمض عينيك و آمن فقط بأنه لم يُصلب، فلماذا يجب أن أصدقك؟ رفض صديقى معاملة كل الكتب المقدسة على أنها مجرد وثائق تاريخية، و نرى أيهما يخبر الحق و أيهما يخبر الباطل. رفض ذلك لأنه لا يريد أن يطبق ذلك على كتابه، فى الوقت الذى يرتكن فيه على وحى كتابه.

المشكلة تكمن فى أن مسألة "الوحى" هذه مسألة غيبية. كل ما يتعلق بالإلهيات هو أمر غيبى، لا يمكن أن نحيط به إحاطة كاملة، و قبل كل ذلك هو مسألة إيمانية بحتة. معنى ذلك أنك لا تستطيع أن تقول لى: أنظر، هذا الكتاب هو وحى من الله و هذه هى الأدلة، التى تشتمل على كافة أنواع الإعجازات! هذا الإسلوب ليس صحيح، لأن فى الوقت الذى يعتقد فيه هو بأنه هناك أدلة إعجازية على صدق كتابه، يرد عليه أبناء ملته، بل و يؤلفون كتباً فى نقد ما يدعيه هو، بل و يعتبرونها "وهماً"! لكن ما هو قابل للفحص و الإستدلال، هو التاريخ فقط. هذا الكتاب يقول معلومة، و كتاب آخر يقول عكس هذه المعلومة. ما هو الحكم بينهما؟ التاريخ، و التاريخ فقط. و هذا يبين الإزدواجية فى معاملة النص الدينى، فهو يطالب بتفعيل كل نواحى النقد على كتابى، بينما يرفض تفعيل أى نوع من النقد على كتابه.

و هذه المشكلة لا تفق فقط على النقد التاريخى، بل كل أنواع النقد الكتابى. بل حينما قام بن خلف الله بوضع مؤلف موسوعى ضخم حول النقد القصصى لكتابه، راحوا يكيلون بمكيالين و رفضوا كل منهجياته و نتائجه. و حينما قام الشخص "القمنى" بتفعيل المنهج النقدى التاريخ، ليدرس عقيدة صديقى فى اطارها التاريخى و الموضوعى فى شبه الجزيرة، تم تكفيره و اعلان خروجه من الملة علناً.

كل هذا يتم فى الوقت الذى يسهر فيه صديقى حتى مطلع النهار يدرس فى النقد الكتابى للعهد الجديد، ليثبت أنه كتاب مزيف و مزور. فإذا كان المنهج التاريخى النقدى، و هو المسمى المعاصر للنقد الكتابى، هو منهج عادل و أمين و مدقق، فلما ترفض تطبيقه على كتابك يا صديقى؟ الأمانة العلمية تقتضى أن تجرد كل كتاب من كل قدسية، من كل هالة تضعها حوله، من كل وحى، من كل عصمة، من كل لاهوت، من كل ما له صلة بالإلهيات، فإذا صمد الكتاب كان يخبر حقاً، و إذا لم يثبت الكتاب أصبح يخبر باطلاً، مهما ادعيت من سند إلهى!

بالتأكيد هناك أدلة موجودة حول الوحى، و لكنها لا تكفى لضمانه. مثلاً، كتابى يحوى نبوات لا حصر لها فى العهد القديم، تحققت فى العهد الجديد. هذا يُشير إلى أنه من الله بالطبع، و لكن فلسفياً كل هذا قد يكون مجرد صدفة. و نفس الأمر ينطبق على كتابك أيضاً، مهما كان يحوى من إعجازاً، لو صح أصلاً، فقد يكون مجرد صدفة. مهما كانت احتمالية الصدفة ضئيلة، فلا يوجد نظرياً دليل على أن هذه النبوات و الإعجازات تشير إلى وجود عامل إلهى. بالإضافة إلى موضوعين أقر كانط، و هو نصير المؤمنين فى الوسط الفلسفى، أنهما لا يخضعان لأسس الإستدلال العقلى، موضوع ثالث هو الحديث عن الله و كل ما يتصل به.

فإذا كان الكتاب مجرد من كل علامات الحقائق التاريخية، فكيف تطلب منى يا صديقى أن اؤمن به، و أترك الكتاب الذى يشهد له كل ركن فى التاريخ؟ سامحنى يا صديقى، فأنت لا تخدع إلا نفسك. لا يستقيم منهجك الإستدلالى، لأنه يقف ضد التيار. و سواء شئت أو أبيت، فالآخر سيبدأ فى تطبيق نفس المنهج على كتابك. سأكون أنا الفائز، لأننى كنت صريحاً و أميناً مع نفسى، لكنك فضلت أن تستتر وراء غلاف وهمى. أنت تؤمن فى معلومات مضادة للتاريخ لأنك تؤمن أنه وحى معصوم. لكن أنا اؤمن بمعلومات دقيقة تاريخياً، لأن التاريخ إذا عارض الوحى لا يعود الوحى وحياً.

أو لست أنت الذى تقول ليل و نهار أن الكتاب متناقض و يخالف التاريخ و تجعلنى أمل من شبهاتك التى تخص تاريخ الكتاب المقدس؟ و مع ذلك، فى كل مرة تقول أنه هناك تناقض، يكون هناك تفسير آخر موازى للنص لا يفيد التناقض. لكنك تقول ذلك فى الوقت الذى ترفض أن يكون كتابك محل الإختبار تاريخياً.

إن لم يكن هذا هو التعصب، و التحيز، و النزعة إلى الإيمان الأعمى، فما هو بالضبط التحيز يا صديقى؟ عليك و علينا جميعاً أن نكون منفتحى العقل، يكون الضمير هو الرقيب علينا، نكون أمناء للدليل، أينما يأخذنا نسير خلفه. و هذا هو منهجى الشخصى، حيثما يقود الدليل أسير. علينا أن نترك الدليل يشكل عقائدنا، مهما كانت التغيرات، و مهما كانت قيمتها. أفضل لنا أن نخسر موقف نحبه لكنه زائف و نعرف الموقف الحقيقى حتى لو كنا نبغضه، من أن نعيش حياتنا فى مجرد وهم لا معنى له ولا قيمة له.

أما حول كتابى، فقد ازداد إيمانى به بسبب المنهج التاريخى النقدى. هذا المنهج يقول لى أننى أعرف الصورة الحقيقية ليسوع الناصرى، و أعرف الإطار التاريخى الذى عاش فيه يسوع الناصرى. هذا المنهج النقدى أثبت لى صحة إدعاءات يسوع عن لاهوته، من خلال النقد النصى، و أثبت لى صحة أحداث حياة يسوع تاريخياً، عن طريق النقد التاريخى، و أثبت لى أن الكتب الموضوعة فى العهد الجديد هى أفضل الكتب التى تقدم حياة يسوع تاريخياً بشكل صحيح، عن طريق نقد القانون. و هذا المنهج هو الذى أثبت لى صحة المعجزات التى قام بها يسوع، و صحة القصص التاريخية التى أثبتها العهد الجديد عنه، عن طريق النقد القصصى. لقد انتصر التاريخ على مدرسة نقد الشكل، فذهبت مع الريح و أصبحت تراثاً فقط لا وجود حقيقى لها.

لماذا ترفض كل هذه الأدلة و البراهين، التى أنت نفسك لا تنكرها، ولا تجرؤ أن تنكرها؟ لماذا تبيع يسوع؟ هل الثمن يستحق؟ هل لديك دليل يستند عليه كتابك أعظم من هذا؟ لا، لا يوجد مثل كتابى فى التاريخ البشرى بأكمله.

عليك أن تسأل نفسك يا صديقى: ماذا لو لم يكن كتابك وحياً؟ ماذا لو كان كتابى وحياً؟ فكر قبل أن تخسر حياتك الأبدية..

السبت، 24 أكتوبر، 2009

نورمان جايزلر


علماء العهد الجديد
(2)


نورمان جايزلر Norman L. Geisler

نورمان جايزلر هو أكبر علماء اللاهوت الدفاعى فى القرن العشرين، و هو حالياً عميد المعهد الإنجيلى اللاهوتى الجنوبى، بشمال كارولينا، و الأستاذ المميز للاهوت الدفاعى فى معهد فيرتاس اللاهوتى، بكندا.

وُلِد نورمان جايزلر فى عام 1932، و حصل على درجة البكاليريوس فى الفلسفة من كلية ويتون الإنجيلية للعلوم اللاهوتية فى عام 1958، ثم درجة الماجستير فى اللاهوت من نفس الكلية فى عام 1960. بعد ذلك حاز على درجة الماجستير فى الفلسفة من جامعة ديتروات فى عام 1966. ثم فى عام 1970، حاز على درجة الدكتوراه فى الفلسفة من جامعة لويولا بشيكاغو.

تولى جايزلر الكثير من المناصب العلمية فى كليات و معاهد اللاهوت فى الولايات المتحدة، و منها:

1- أستاذ مساعد للكتاب المقدس و الفلسفة فى قسم ما دون التخرج بكلية ويتون فى عام 1959.
2- محاضر للكتاب المقدس فى جامعة ديتروات بين الأعوام 1959 – 1962.
3- أستاذ مساعد للكتاب المقدس و اللاهوت الدفاعى فى جامعة ديتروات بين الأعوام 1963 – 1966.
4- أستاذ مشارك للفلسفة فى كلية الثالوث اللاهوتية بجامعة الثالوث العالمية، بين الأعوام 1970 – 1971.
5- رئيس قسم فلسفة الدين بكلية الثالوث اللاهوتية بين الاعوام 1970 – 1979.
6- أستاذ للاهوت النظامى بمعهد دالاس اللاهوتى، بين الأعوام 1979 – 1988.
7- مدير مركز الحرية للبحث العلمى، بين الاعوام 1989 – 1991.
8- قام بتأسيس المعهد الإنجيلى اللاهوتى الجنوبى فى عام 1992، و شغل منصب رئيس المعهد منذ عام 1999.
9- أستاذ مميز للاهوت الدفاعى بمعهد فيرتاس اللاهوتى بكندا، حالياً.

قام جايزلر بتأليف أكثر من سبعين كتاب متخصص فى اللاهوت الدفاعى، و خاصةً حول مفاهيم وحى و عصمة الكتاب المقدس. و كان أحد واضعى فكرة المؤتمر العالمى للعصمة الكتابية الذى أنعقد فى شيكاغو فى نهاية السبعينات. بشكل عام، يُعتبر جايزلر أكبر مدافع عرفته المسيحية التاريخية حول عقيدة عصمة الكتاب المقدس Inerrancy. و من أهم كتبه، تأتى أولاً مجموعة كتبه: حينما يسأل النقاد، حينما يسأل المتشككين، و حينما يسأل المتثاقفين. هذه الكتب هى عبارة عن مجلدات ضخمة يضم كل واحد منها ردود حول شبهات كل فئة حول الكتاب المقدس بالكامل. و تُعتبر هذه المجموعة هى أكبر المراجع الرئيسية فيما يُسمى بـ "صعوبات الكتاب المقدس" Bible Difficulties، و هو الفرع المعرفى الذى يرد على شبهات التناقضات المزعومة فى الكتاب المقدس.

بعد ذلك يأتى كتابه الأروع تماماً، موسوعة بيكر للاهوت الدفاعى. هذه الموسوعة التى صدرت عن دار نشر بيكر فى عام 1999، هى معالجة منطقية فلسفية لكافة التيارات الفكرية و الموضوعات المطروحة على الساحة العلمية و التى لها علاقة بالعقائد اللاهوتية فى الكتاب المقدس. هذا الكتاب الكبير لا يهتم بشبهات التناقضات و ما إلى ذلك، بقدر ما يهتم بمعالجة الموضوعات فى إطارها العام و بشكل الرئيسى الجزرى. فهو فى حقيقته موسوعة مرتبة أبجدياً تتناول كافة الموضوعات التى يمكن تخيلها و لها علاقة باللاهوت الدفاعى.

بالإضافة إلى ذلك، فهناك موسوعة اللاهوت النظامى، التى وضعها فى أربعة مجلدات، و كتابه الذى اشترك فيه مع نيكس: مقدمة عامة للكتاب المقدس. و بجانب دراساته فى اللاهوت، فهو فيلسوف من الطراز الأول، فكتب عدة كتب حول الفلسفة منها: مقدمة للفلسفة من وجهة نظر مسيحية، و كتابه الرائع مقدمة لفلسفة الدين.

جايزلر، كعالم مسيحى انجيلى محافظ، دافع عن عقيدة العصمة التاريخية للكتاب المقدس، أكثر من أى شخص آخر عرفه التاريخ. تصادم مع عدد من العلماء الكتابيين الأعضاء فى الجمعية الإنجيلية اللاهوتية، كان أشهرها خلافه مع جندرى فى الثمانينات، و الذى أدى إلى فصل جندرى من الجمعية، ثم خلافه مع بينوك فى الأعوام القليلة الماضية، و الذى أدى إلى إستقالة جايزلر من الجمعية لعدم فصلها بينوك.

غير أن جايزلر يبقى رمزاً للاهوت الدفاعى فى تاريخ المسيحية، و بطلاً دافع عن الإيمان بالكتاب المقدس فى صحة وحيه و عصمته، و صد هجمات شرسة عبر نصف قرن من الزمان. فقد زار جايزلر كل ولايات أميركا مدافعاً عن الإيمان، و أكثر من خمسة و عشرين دولة فى القارات الستة مثبتاً المسيحيين بردوده على مختلف الأطياف المهاجمة.

جايزلر تعدى الثمانين من عمره الآن، و هذا العام الدراسى هو العام الخمسين له فى تدريس اللاهوت الدفاعى فى كليات و معاهد اللاهوت العالمية. تستطيع زيارة موقعه الرسمى هنا لتقرأ مقالاته و تعرف المزيد من المعلومات عنه!