الأحد، 30 أغسطس، 2009

نقد أزلية الكون


احتجاج "اللانهائية"، هو احتجاج الحادى معروف على أن الكون أزلى؛ أى أن الكون عمره لانهائى. هناك بيانات علمية تثبت أن الكون له بداية، مثل نظرية الانفجار العظيم. لكن وليام لين كريج، أستاذ الفلسفة المميز فى كلية تالبوت اللاهوتية، جامعة بيولا، قدم نقداً مميزاً لهذا الاحتجاج؛ مستخدماً فيه علم الكلام الذى طوره الفلاسفة المسلمين. قام كريج بتسمية هذه الحجة باسم "احتجاج الكلام"، نسبة إلى علم الكلام، و تقول:"كل ما له بداية، له مُسبب". الاحتجاج لا يقول أن كل "موجود" له مُسبب، بل "كل ما له بداية"، و الذى يمكن التعبير عنه بـ "لكل حادث علة"؛ أى لكل ما جاء إلى الوجود، مُسبب تسبب فى وجوده. و فى هذا رداً على السذاجة القائلة: إذن فمن أوجد الله؟ بينما المؤمنون لا يقولون أن الله له بداية، و بالتالى لا يمكن تطبيق هذا الاحتجاج عليه!

هذا الاحتجاج لا يمكن نفيه ولا يمكن دحضه، لأنه منطق عقلانى ثبت بالعقل أولاً a priori، و ثبت بالتجربة ثانيةً posteriori. فإذا أردنا أن نقول أن للكون مسبب، لابد أن يكون للكون بداية. هناك من الملحدين من يقول أن الكون أزلى، ليس له بداية، و ذلك لنفى وجود مُسبب (أى الخالق، باللغة الدينية) له. و من ضمن الاحتجاجات الكثيرة فى نقد هذا الادعاء، قدم وليام لين كريج نقداً رياضياً و فلسفياً لاحتجاج اللانهائية. فصّل كريج فى هذا الاحتجاج فى كتب كثيرة، و لكن أسهل و أبسط صيغة له وجدتها فى مناظرته مع والتر سينوت ارمسترونج، أستاذ الفلسفة فى كلية دارتموث، و هو ملحد، و سوف أقدمه هنا
[1].

ملخص الاحتجاج أن فكرة "اللانهائية" هى مجرد فكرة عقلية، لا وجود لها فى الواقع. فبحسب كلمات كريج فقد:"أدرك الرياضيين أن وجود عدد لانهائى فعلى من الأحداث، سوف يؤدى إلى تناقضات ذاتية"
[2]. ثم بعد ذلك يعطى مثالاً رياضياً، و هو: ما نتيجة طرح مالانهاية من مالانهاية؟ الإجابة سوف تكون متضاربة. مثلاً: ما نتيجة طرح الأرقام الفردية من الأرقام الطبيعية؟ النتيجة هى مالانهاية. حسناً، و ماذا عن طرح الأرقام الأكبر من 2 من الأرقام الطبيعية؟ النتيجة هى 3! هكذا توصلنا إلى نتائج متضاربة، رغم أننا فى هذين المثالين:"طرحنا كميات متاطبقة من كميات متطابقة، فخرجنا بإجابات متناقضة"[3]. و فى الحقيقة، نستطيع أن نحصل على نتائج من هذه العملية، من 0 إلى مالانهاية!

يقول كريج، أن ديفيد هيلبيرت أكبر متخصص فى الرياضيات أكد قائلاً:"المالانهاية غير موجودة أبداً فى الواقع. انها غير موجودة فى الطبيعة، ولا هى توفر أساساً مُقنناً للفكر العقلانى"
[4]. مشكلة المالانهاية مع عمر الكون لا تقف فقط عند الكون فى حد ذاته، بل تمتد إلى الأحداث التى تتم. معنى أن الكون أزلى، أننا لدينا أحداث لانهائية تمت فى الكون. و هذه معضلة أخرى تسببها المالانهاية؛ أنه كما لا يمكن أن تُوجد كوناً أزلياً، فلا يمكن أن يكون هناك عدد لانهائى من الأحداث تم فى الكون. و:"لأن أحداث الماضى واقعية و ليست مجرد أفكاراً، فإن عدد أحداث الماضى يجب أن يكون نهائياً"، أى يجب أن يكون له بداية. هذا الاحتجاج الفلسفى أيده الاحتجاج العلمى فى نظرية الانفجار العظيم، و التى تثبت أن الكون (الزمان – المكان) جاء للوجود قبل 15 مليار عام تقريباً.

نرتب الحقائق التى توصلنا لها الآن:

1- كل ما له بداية له مُسبب.
2- الكون له بداية.
3- إذن، الكون له مُسبب.

هذه النتيجة النهائية حقيقية، لأنها نتيجة الحقيقتين الأولى و الثانية.

و ربما يكون قول الفيزيائى الفلكى الشهير آرثر ادينجتون:"البداية (أى بداية الكون) تشتمل على مصاعب لا تُقهر، إلا لو اتفقنا أن ننظر لها أنها خارقة للطبيعة بصراحة"، هو الحل الوحيد لهذه المعضلات. فلقد كان هناك وقت ما، لم يكن فيه زمان ولا مكان.

هناك مُسبب لهذا الكون، و هذا المُسبب لا يمكن أن يكون له مُسبب (أى أن يكون له بداية)، غير متغير، أبدى، أزلى، غير محدود بمكان، و غير مادى. لا يُمكن أن يكون له مُسبب لأننا رأينا أنه لا يوجد شىء اسمه عدد لانهائى من المُسببات. لابد أن يكون فوق الزمان، لأنه هو الذى أوجد الزمان، فلا يحده الزمان، و لهذا فهو أبدى و أزلى و غير متغير (على الأقل، فيما يخص الكون). غير محدود بمكان لأنه هو الذى خلق المكان، أى هو الذى أوجد المكان. غير مادى لأنه هو الذى خلق المادة. بإختصار، لا يمكن للخالق أن يحده ما خلقه هو، لأن ما خلقه هو لم يكن له وجود قبل أن يُخلق.

بالإضافة إلى ذلك، فهذا الخالق شخص، و ليس مجرد قوة خارقة. الدليل على ذلك هو الذكاء و التعقيد و التخصص الذين نلاحظهما فى المواد المُصممة. و لو أن الانتخاب الطبيعى يستطيع محاولة تفسير هذا الذكاء، رغم أن أسبابه غير مقنعة أبداً، فلم يقدم تفسيراً لكيفية تطور الأنظمة المعقدة الغير قابلة للإختزال، ولا التعقيدات المتخصصة
[5].

ما هو النقد المُوجه لهذا التفسير لنشأة الكون؟

يُعدد وليام لين كريج بعض الاعتراضات التى عادةً ما تُوجه لهذا التفسير، و هى كالتالى:

1- فى نقد "كل ما له بداية له مُسبب"، يُقال ليس كل ما له بداية لابد له من مُسبب، و المثال على ذلك هو بعض الأحداث التى تحدث على المستويات الداخلية فى الذرة. هذه الأحداث يُقال أنها تحدث بدون سبب. و هناك بعض التفسيرات لنشأة الكون، تقول بأنه ظهر فجأة للوجود دون مُسبب فى الفراغ الكمى. و يرد كريج قائلاً، أنه رغم أن ليس كل علماء الفيزياء يوافقون على أن هذه الأحداث تحدث بدون مُسبب، فإنها لها سبب بالفعل؛ و هو أنها نتيجة تموجات عفوية من الطاقة الموجودة فى الفراغ الكمى. و يُعرف كريج "الفراغ الكمى"، أنه ليس كما تقول المجلات الشعبية بأنه "لاشىء"، و لكنه:"بحر من الطاقة المتموجة"
[6].
2- فى نقد "لا يوجد مالانهاية فى الواقع" يُقال هناك بالفعل لانهاية فى الرياضيات، فالأرقام الطبيعية كل رقم فيها هو "عضو" فى سلسلة لانهائية. و رد كريج قائلاً أنه حتى رغم أن الرياضيين مختلفين فى هذا الأمر، فإن وجود المالانهاية فى الرياضيات، لا يعنى وجود مالانهاية فى الواقع الكونى، و هو الأمر المطلوب اثباته ليكون هناك نقاش حول امكانية أزلية الكون فلسفياً. بالإضافة إلى ذلك، هناك فرق بين المالانهاية الفعلية و المالانهاية الممكنة، فالأولى هى التى يجب أن تكون موجودة فى الواقع، بينما الثانية هى مجرد إمكانية أو خيار موجود لكننا لا نصل له أبداً. فهؤلاء يقتربون من المالانهاية بإعتبارها حد معين، غير أنهم لا يصلون لها
[7].
3- بعض الملحدين قالوا أن الاستنتاج لا يتمتع بالتماسك المطلوب، لأن سبب الحادث لابد أن يسبق تأثير السبب (أى حدوث الحادث)، لكن فى حالة الانفجار العظيم لا يوجد فارق زمنى قبل حدوثه. رد كريج قائلاً أنه يوجد مسببات و تأثيرات كثيرة متزامنة. ببساطة، اللحظة التى سببّ الله فيها الانفجار، هى التى حدث فيها الانفجار. فالله قد يكون كائناً قبل الإنفجار فى زمان غير مادى، أو يكون بلا زمان ميتافيزيقى و دخل الزمان لحظة حدوث الانفجار
[8].

هذا بإختصار نقد وليام لين كريج لإحتجاج أزلية الكون، و تفسير نشأة الكون كدليل على وجود الله، مستخدماً زاويتين: حجة الكلام (فلسفياً)، و حجة العلم (فيزيائياً).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]William Lane Craig & Walter Sinnott-Armstrong, God? A Debate Between A Christian & An Atheist, Oxford University Press, 2004.
[2] Ibid, P. 4
[3] Ibid
[4] David Hillbert, On The Infinite, in: Philosophy of Mathematics, Edited By Paul Benacerraf & Hillary Putnam, P. 139. Cited in Craig, ibid, P. 4.
[5] هذا المقطع هو النتيجة النهائية لنظرية "التصميم الذكى"، بديل الدليل الغائى، و هى نظرية تقول بأننا نستطيع أن نلمح ذكاء فى تصميم الكائنات الحية و الطبيعة و الكون. صحيح أن رواد هذه النظرية مسيحيين، غير أن ملاحظة وجود عامل عقلى فى الكون ترجع لآباء الفلسفة اليونانية، مثل هيراكليتوس، افلاطون، و أرسطو. لم يتعرض أى مفكر مسيحى لوجود عامل عقلى فى الكون، بالتفصيل، قبل توما الأكوينى فى القرن الثالث عشر. و بالتالى، فهى لا تُبنى على أساس دينى. بالإضافة إلى ذلك، فهناك عدد متزايد من العلماء غير المسيحيين، بدأوا فى الإقتناع بهذه النظرية. راجع موقع معهد ديسكفرى للمزيد www.discovery.org . و يُمكنك مراجعة كتاب "القضية...الخالق"، لى ستروبل، و قد صدرت ترجمته العربية عن مكتبة دار الكلمة.
[6] God?, P. 6
[7] Ibid, P. 8
[8] Ibid, P. 9


البردية 126!


بردية جديدة للعهد الجديد، تم اكتشافها منذ أيام فى السويد! البردية تحتوى على أجزاء من الرسالة إلى العبرانيين، و هى عب 13 : 12 - 13 و 19 - 20. البردية فى طريقها للتسجيل فى معهد البحث النصى للعهد الجديد، مونستر، ألمانيا، تحت رقم 126 بحسب ترقيم جريجورى - آلاند: P126. بذلك أصبح لدينا 126 بردية. تزامن هذا الاكتشاف مع
تحديث المعهد لقائمة مخطوطات العهد الجديد، حيث وصل عدد البرديات فيه إلى 125 بردية (راجع تقرير بيتر هيد عن البردية 125، و التى تحتوى على أجزاء من رسالة بطرس الأولى، هنا)، و عدد مخطوطات الحروف الكبيرة 320، و مخطوطات الحروف الصغيرة 2897، و مخطوطات كتب القراءات الكنسية 2438. يصل بذلك عدد مخطوطات العهد الجديد اليونانية لـ 5780 مخطوطة! للمزيد عن البردية 126، راجع تقرير تومى ووسرمان هنا.

الخميس، 27 أغسطس، 2009

هل يحتوى الكتاب المقدس على أخطاء؟


"الراسخون فى العلم"
(4)
هل يحتوى الكتاب المقدس على أخطاء؟
بول د. فينبرج


هذا هو الجزء الرابع من سلسلة "الراسخون فى العلم"، و هو عبارة عن مقالة للعالم المميز بول د. فينبرج، حول عصمة الكتاب المقدس. مصطلح العصمة الذى تمت مناقشته فى هذه المقالة، هو Inerrancy، أى العصمة عن الخطأ التاريخى، الخطأ العلمى، أو الخطأ فى المعلومات الدنيوية بشكل عام. راجع مقالة لاهوت الكتاب المقدس للمزيد حول هذا المصطلح. تُرِجمت عن مرجع هذه السلسلة، الكتاب المقدس الدفاعى، ص 1412 – 1413. راجع الجزء الأول من السلسلة للمزيد عنها و عن مرجعها.


هل يحتوى الكتاب المقدس على أخطاء؟
بول د. فينبرج
أستاذ اللاهوت الكتابى و اللاهوت النظامى، كلية الثالوث الإنجيلية اللاهوتية، جامعة الثالوث العالمية، الينوى، الولايات المتحدة الأميركية


"لماذا تؤمن بالكتاب المقدس؟ أنه كتاب قديم ملىء بالأخطاء و التناقضات"، لقد سمعنا كلنا هذه العبارة مرات كثيرة. لكن غالبية المسيحيين الإنجيليين المحافظين يختلفون مع هذا الزعم. فهم يعتقدون فى عقيدة تُسمى: عصمة الكتاب المقدس.

يليق بنا أن نبدأ بتعريف العصمة و الخطأ. نحن نقصد بالعصمة، أنه اذا توفرت كل الحقائق، فإن الكتاب المقدس – فى مخطوطاته الأصلية، و بتفسيره بشكل مناسب – سوف يكون "حقيقى" فى كل ما يقوله، و لن يكون هناك به شىء خاطىء، سواء كان مرتبطاً بالعقيدة، الأخلاق، أو العلوم الاجتماعية، الفيزيائية، و الحياتية. هناك ثلاثة أشياء يجب ملاحظتهم فى هذا التعريف.

أولاً: ضرورة ادراك أننا لا نمتلك كل الحقائق لإثبات أن ما يحتويه الكتاب المقدس هو حقيقة. هناك بيانات كثيرة فُقِدت مع مرور الزمن، و غير موجودة الآن. و هناك بيانات أخرى مازالت منتظرة الكشف الأثرى عنها.

ثانياً: تم وضع تعريف العصمة فى ضوء مصطلح "الحقيقة" الذى يعتمده غالبية الفلاسفة اليوم، و هو أنها صفة جُمل و ليست صفة كلمات. هذا يعنى أن كل الجمل التى لها دلالات، أو التصريحات، الموجودة فى الكتاب المقدس، حقيقية. لهذا، و بحسب هذا التعريف، فإن وجود خطأ فى الكتاب المقدس يستلزم أن يكون الكتاب قد احتوى على تصريح خاطىء.

ثالثاً: كل المعلومات المذكورة فى الكتاب المقدس، أى كان موضوعها، حقيقية. بكلمات أخرى، الكتاب المقدس يسجل الأحداث و الحوارات بدقة، بما فيهم كذب الناس و الشيطان. و هو يعلم الحقيقة عن الله، الظروف الانسانية، و السماء و جهنم.

يرتكز الاعتقاد فى العصمة على أربعة خطوط من الاحتجاج على الأقل: الاحتجاج الكتابى، الاحتجاج التاريخى، الاحتجاج المعرفى، و الاحتجاج الانحدارى.

الاحتجاج الكتابى: مأخوذ عما يقوله الكتاب المقدس عن نفسه، و هو الاحتجاج الأكثر أهمية. و هذا الاحتجاج يمكن صياغته فى شكل استدلال دائرى و فى شكل استدلال غير دائرى
[1]. فهو استدلال دائرى حينما يزعم أى فرد أن الكتاب المقدس يقول عن نفسه أنه مُوحى به و معصوم و هذا حقيقى لأننا نجد ذلك فى الكتاب المقدس المُوحى به و المعصوم! لكنه استدلال غيرى دائرى، حينما تكون ادعاءات[2] الكتاب المقدس من الممكن اثباتها من خارج وثائقه. و هذا ممكن لأن الكتاب المقدس يحتوى على بيانات تاريخية و جغرافية، و التى من الممكن اثباتها باستقلالية عنه. تنبع العصمة مما يقوله الكتاب المقدس عن ماهية وحيه. أنه زفير نفسّ الله (2 تى 3 : 16) و هو نتيجة ارشاد الروح القدس للمؤلفين البشريين (2 بط 1 : 21).

انه كتاب إلهى – بشرى. بالإضافة إلى ذلك، فإن تصديق أى نبى فى العهد القديم، يتطلب الثقة به (تث 13 : 1 – 5؛ 18 : 20 – 22). هل يمكن أن يكون هناك معيار آخر لقياس كلمة الله المكتوبة؟ لكن يجب الإشارة أن سبل اتصال الله بالبشر، الشفوية و المكتوبة، تتضمن عنصراً بشرياً. و لكن هذا يبين أن وجود العنصر البشرى، لا يتضمن بالضرورة وجود أخطاء.

كذلك يعلم الكتاب المقدس عن سلطته الخاصة. متى 5 : 17 – 20 يُعلِم بأن السماء و الأرض قد تزولان قبل أن تسقط أصغر تفاصيل الناموس عن التمام. يوحنا 10 : 34 – 35 يعلم أنه لا يمكن كسر الكتاب المقدس.

بالإضافة إلى ذلك، الطريقة التى يستخدم بها أحد أسفار الكتاب المقدس أى سفر آخر، تدعم عصمة الكتاب المقدس. فى بعض الحالات فى الكتاب المقدس، نجد أن الاحتجاج يقوم على كلمة واحدة (مز 82 : 6؛ يو10 : 34 – 35)، او زمن الفعل (مت 22 : 32)، أو عدد اسم ما (غل 3 : 16).

أخيراً، فإن شخصية الله هى التى تقف وراء كلمته، و الله لا يمكن أن يكذب (عد 23 : 19؛ 1 صم 15 : 29؛ تى 1 : 2؛ عب 6 : 8).

الاحتجاج التاريخى: و هو الاحتجاج الثانى. بينما أن هناك من يختلفون فى ذلك، فإن العصمة كانت هى النظرة المسيحية المعيارية خلال التاريخ. كتب أغسطينوس قائلاً:"لقد تعلمت أن أوفر هذا الاحترام و التكريم فقط للكتب القانونية فى الكتاب المقدس؛ و فى هذه الكتب فقط أن اؤمن بحزم أن المؤلفين لم يخطأوا أبداً". و يقول لوثر:"كل شخص يعرف بالفعل، أنهم (الآباء) قد اخطأوا بالفعل كأى بشر؛ لذا فأنا مستعد أن أثق بهم، فقط حينما يثبتون آرائهم من الكتاب المقدس، الذى لم يخطأ أبداً". و عبرّ جون ويسلى عن رأى مشابه قائلاً:"إذا كان هناك أية أخطاء فى الكتاب المقدس، فربما يكونون ألف خطأ. و إذا كان هناك خطأ واحد فى الكتاب المقدس، فإنه لم يأتى من الله الحقيقى".

الاحتجاج المعرفى: و هو الاحتجاج الثالث، المبنى على ماذا و كيف يمكننا أن نعرف الأشياء. الطريقة السهلة لصياغة هذا الاحتجاج، هى ادراك أن الكتاب المقدس لو لم يكن حقيقى بكامله، فإن أى جزء فيه قد يكون خاطىء. و هذا قد يكون إشكالاً فى بعض الأوقات، حينما لا نستطيع اثبات بعض المعلومات الهامة، عن طريق حقائق مستقلة عن الكتاب المقدس. فالكتاب يعلم عن الله الغير مرئى، الملائكة، و السماء. و لكن العصمة تعنى أن ادعاءات الكتاب المقدس التى يمكن اختبارها عن طريق البيانات المستقلة المتوفرة، سوف تثبت حقيقتها حينما تكون كل المعلومات ذات الصلة بالموضوع متوفرة.

نقاد صحة الكتاب المقدس يُشيرون إلى الكثير من الأخطاء المزعومة. و لكن فى هذه الحالات، فإنه من الممكن أن المقطع محل التساؤل قد أساء الناقد تفسيره، أو أن كل الحقائق التى ذات صلة بالموضوع ليست موجودة. ففى خلال القرن العشرين، ثبت أن الكثير من الادعاءات الكتابية حقيقية فى ضوء المزيد من المعلومات الجديدة المكتشفة، و هى تلك التى أُعتِقدَ أنها تحتوى على أخطاء.

إذا كان كذلك، فلما على الفرد أن يؤمن فيما لا يمكن اثباته؟ أن يكون كتاب مقدس معصوم فقط، هو الذى يضمن لنا أن ما نقرأه حقيقى.

الاحتجاج الانحدارى: و هو ليس مغالطة فى هذه الحالة. الاحتجاج يقول بأن العصمة هى عقيدة تأصيلية حتى أن هؤلاء الذين يقرون بوجود أخطاء فى الكتاب المقدس، سوف يتنازلون قريباً عن عقائد أخرى مركزية، مثل إلوهية المسيح، و / أو، الفداء الكفارى. فرفض العصمة سوف يؤدى إلى خطأ عقيدى أكبر. هذا لا يحدث فى كل الحالات بالطبع، و لكن ثبت أنه اتجاه بالفعل.

كل احتجاج من هذه الاحتجاجات قد تم نقده من قبل. غير أن الاعتراض الأساسى و المشترك لهم، هو أن عقيدة العصمة لا معنى لها، حيث أنها حقيقية فقط للأصول الغير موجودة (المخطوطات الأصلية). و لكن هل ستصبح لا معنى لها بالفعل؟ لا إذا كان هناك شرطين:

1- أن نملك فى حوزتنا عدد كافى من مخطوطات عالية الجودة من المخطوطات الأصلية.
2- و أن يكون هناك منهجية حكيمة للنقد النصى، لاستخدام هذه النسخ فى تحديد ما الذى يجب أن تكون الأصول قد قالته.

هذين الشرطين متوفرين فى حالة الكتاب المقدس.

ان الموضوع الأساسى هو تعليم الكتاب المقدس عن عصمته. و لهؤلاء المتشككين، فإن البرهان من العلم، الآثار، و التاريخ، قد دعمّ هذا الادعاء أكثر و أكثر!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] الاستدلال الدائرى أو المنطق الدائرى، هو الاستدلال لأمر ما بناء على أمر آخر، و الاستدلال لذلك الأمر الآخر بناء على الأمر الأول. مثال: أنا اؤمن أن الكتاب المقدس مُوحى به من الله، و لماذا أؤمن بالله؟ لأن الكتاب المقدس يقول ذلك! هذا هو الاستدلال الدائرى (المترجم).
[2] حينما يستخدم العلماء لفظ "ادعاءات" أو "مزاعم" عما يحتويه الكتاب المقدس، فهم لا يقصدون أن ما به غير حقيقى. غاية الأمر، أى أن اى تصريح معرفى يظل زعماً حتى يتم اثباته، فيكون حقيقة. و حينما يستخدم العلماء هذه الألفاظ، يكونوا مازالوا يتحدثون فى مرحلة ما قبل الإثبات، مثل هذه الحالة (المترجم).

لقاء مع داريل بوك فى استراليا


العالم داريل بوك، و هو من أكبر خبراء العهد الجديد فى اميركا، أستاذ دراسات العهد الجديد فى معهد دالاس اللاهوتى، قام برحلة لأستراليا هذا الشهر للدفاع عن الإيمان هناك. هذه أحد البرامج التى ظهر فيها بوك فى أحد القنوات الدفاعية، و يتحدث فى عدة مجالات دفاعية: نص العهد الجديد، يسوع التاريخى، بولس..إلخ. (نقلاً عن موقع مركز المسيحية الشعبية، نقلاً عن داريل بوك فى موقع face book).












مشروعين جديدين


بعد قراءة متخصصة استمرت لما يقرب من عام كامل، و دراسة استمرت لأربعة سنوات، بدأت فى مشروعين جديدين. المشروع الأول هو وضع مُؤَلف ضخم حول النقد الكتابى، خاصةً النقد الأعلى، ليكون بمثابة تاريخ لهذا العلم و مقدمة مدرسية له لمنفعة القارىء العربى. و إذا كان النقد النصى هو علم مسيحى محافظ نقى، فالنقد الأعلى على النقيض تماماً من ذلك. النقد الأعلى هو ثمرة المدرسة الليبرالية الألمانية، قاده صفوة العقول الليبرالية فى القرن التاسع عشر و النصف الأول من القرن العشرين. و قد قصدت بتقديم "تاريخ" للنقد الكتابى، أن أقول بأنه أصبح "تراث"، و البحث العلمى فيه الآن لا يعدو القراءة التاريخية.

ان أكثر ما لفت نظرى، هو مدى حجية العلماء الليبراليين، و مدى تشويه المسلمين لهذه الحجية. هؤلاء العلماء الليبراليين حجيتهم هشة جداً، لذا أصبح التراث الليبرالى تراثاً! و لكن هذا أكثر ما صدمنى حقاً، أن المسلمين فى الشرق يشوهون هذه الحجة! يحملونها أكثر مما تقول، و يأولونها حتى بعكس ما أراد أصحاب هذه الحجج! بنعمة الرب خلال الشهور القليلة القادمة، سيخرج هذا الكتاب للنور. فى الكتاب أتبنى النظرة المحافظة، و هى التيار المعتدل ما بين الليبرالية و الأصولية. هذا يعنى للقارىء المسيحى، أنه لن يكون هناك ما قد يُستغل فى الكتاب. ستتم مناقشة كافة فروع النقد الأعلى من ثلاثة وجوه: تاريخ نشأة و تطور الفرع، بيان الرد المحافظ على النقد الرديكالى، و عرض الاجماع العلمى الحالى فى كل فرع.

المشروع الثانى هو وضع مُؤَلف علمى حول لاهوت المسيح. هذا الكتاب هو تأليف مشترك للأخ egoemi، اللاهوتى المشارك مع الأب زكريا بطرس، و شخص ما يُدعى فادى اليكساندر. و حينما نقول أننا سنتكلم عن لاهوت المسيح، فنعنى بذلك عدة أشياء: أننا سنضع كتاب يُصنف فى أعلى المستويات اللاهوتية، و أن الكتاب منهجه علمى خالص مُفعلين كافة الطرق البحثية فى كافة المعالجات (المنهج الاستدلالى، المنهج الاستقرائى، و المنهج الاستردادى). بالإضافة الى بعض الفصول الخاصة بالفلسفة الألمانية فى القرن الثامن عشر، الحداثة، ما بعد الحداثة، و العلاقة بين الإيمان و العقل.

ينقسم الكتاب بشكل عام إلى شقين: شق لاهوتى و شق تاريخى. يكتب الأخ ايجو الشق اللاهوتى بشكل عام، و يكتب شخص ما يُدعى فادى اليكساندر بشكل عام الشق التاريخى. و ذلك يتضمن وجود نظرتين رئيسيتين فى كريستولوجية الكتاب: نظرة لاهوتية و نظرة تاريخية. فى الشق اللاهوتى سيتم التعامل مع لاهوت المسيح فى الكتاب المقدس. و ذلك يتضمن فرعين: فرع ايجابى و فرع سلبى. الفرع الايجابى يضم مسح شامل للنصوص التى تثبت لاهوت المسيح فى الكتاب المقدس، و الفرع السلبى يضم مسح شامل للنصوص التى تدور حولها الشبهات التى تهدف الى استغلال هذه النصوص فى نفى لاهوت المسيح فى الكتاب المقدس. اما الشق التاريخى، فسيتم التعامل فيه مع لاهوت المسيح فى التاريخ. سيتم تقسيم هذا الشق إلى عدة فروع، أفضل أن تكون مفاجآة. لكن هذا الكتاب لا نتوقع أن ينتهى فى القريب، بل سيكون على المدى المتوسط.

صلوا لأجل هذه الأعمال، أن تكتمل لأجل استنارة انجيل المسيح، و امتداد ملكوت الله.

الأربعاء، 26 أغسطس، 2009

اكثوس


إليكم أيها الأحباء هذا الموقع الرائع، موقع "اكثوس" او "اخثوس". هذا الموقع هو موقع الأب الفاضل القمص اثناسيوس فهمى جورج. و اسم الموقع هو اسم موسوعة آبائية، تصدر بها سلسلتين، هما "آباء الكنيسة"، و "دراسات آبائية"، يصدرها أبينا الفاضل. هذا الإسم هو اختصار لـ "يسوع المسيح ابن الله المخلص"، فكل حرف فى الكلمة هو الحرف الأول من كل كلمة فى هذه الجملة.

الموقع هو:


تجدون فى الموقع كافة كتب أبونا، بجانب مقالات و قداسات و ترانيم و صور...إلخ.

ابونا اثناسيوس هو أحد قلائل العلماء المتميزين فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث له أكثر من عشرين عاماً من الدراسة و البحث فى اللاهوت الآبائى Patristic Theology. بالإضافة إلى ذلك، فله دور مشهود له فى الحركة المسكونية. ذاعت شهرته من قبل الكهنوت، حيث كان الشاب انطون فهمى جورج، يرافق قداسة البابا و نيافة الأنبا بيشوى لإلقاء محاضرات حول اللاهوت الآبائى. بين اليونان و قبرص و لبنان و روما، حتى رُسِم كاهناً فى ايبارشية ايرلاند و سكوتلاند و شمال شرق انجلترا. حاز على العديد و الكثير من الجوائز، و من ضمنهم جائزة عالمية أهداها له البطريرك المسكونى (بطريرك القسطنطينية). يتمتع بصداقات عديدة مع بطاركة الكنائس الأرثوذكسية، و شكره علماء الآباء العالميين على سلسلة اكثوس التى يصدرها.

بالإضافة إلى ذلك، فابونا اثناسيوس هو خادم روحى من الطراز الأول. كان قبل كهنوته هو المسئول عن حركة الخدمة الشبابية فى كنائس الإسكندرية، و كان مساعد نيافة الأنبا بنيامين المتنيح، النائب البابوى فى الإسكندرية فى التسعينات. و حتى الآن، هو وكيل ايبارشية ايرلاند و سكوتلاند و شمال شرق انجلترا.

تشرفت بمعرفة أبينا الفاضل بشكل شخصى، منذ أربعة شهور، حيث يقضى أجازة فى مصر، على وشك أن تنتهى فى خلال ساعات. عيشت معه فترة رائعة، فتعلمت منه الكثير فى مدة وجيزة. عالم فى الآباء بشكل يعجز اللسان عن وصفه، و خادم روحى أمين، يسعى لخلاص شعبه و ابناءه و كل من هو على صلة به. بدأنا معاً مشروع مشترك، و بنعمة الرب يستمر و يمتد لمشروعات أخرى لنشر الثقافة اللاهوتية.

نصلى للرب أن يحفظ حياته و يديم زمان كهنوته سالماً و آمناً...

ترجمة الملك جيمس


هذه النُسخة الأولى لترجمة الملك جيمس King James Version، و التى تمت فى عام 1611. النسخة مأخوذة بالماسح الضوئى Scan و كاملة للكتاب المقدس بأكمله. بالإضافة إلى ذلك، تحتوى على على مقدمة المترجمين الذين قاموا بها، و أهدوها إلى الملك جيمس، ملك بريطانيا و فرنسا و ايرلاند (كان ذلك فى القرن السادس عشر و السابع عشر!)، حيث لقبوه بـ "المدافع عن الإيمان". النسخة موجودة هنا.

الاثنين، 24 أغسطس، 2009

الدافع اللاهوتى


الدافع اللاهوتى
فادى اليكساندر

هناك عدد متزايد من نقاد النص، يُؤكدون أنهم لا يرون "دافع لاهوتى" أو "غرض لاهوتى" خلف القراءات الموجودة فى العهد الجديد. ناقش ايرمان فى كتابه "الإفساد الأرثوذكسى"، ما يقرب من مائة و خمسين قراءة، هم كل القراءات التى أستطاع أن يرى فيهم "دافع لاهوتى". و مع ذلك، فقد هاجمه العديد من العلماء.

منطق هذا الموضوع كالتالى: نحن لا نستطيع أن نعرف ما هى أسباب القراءات قطعياً، لأننا فى عصر متقدم عن زمن ظهور هذه القراءات، فلم نرى النساخ و هم ينسخون، لنعرف لما وضعوا قراءات أخرى. لكن من المعطيات التى أمامنا، نحاول أن نصل إلى السبب الذى دفع الناسخ لتغيير النص. فى نقطة الدافع اللاهوتى، يضع ايرمان فى صفحات كتابه احتجاج مباشر و رئيسى على أن النساخ الأرثوذكس (أى المستقيمى العقيدة فى مقابل الهراطقة) قاموا بتغيير النص فى بعض الأحيان (و يلزم التشديد على نقطة "فى بعض الأحيان" لئلا يظن أحدهم أنه عمل منظم، و قد شدد ايرمان على ذلك كثيراً أيضاً)، لتوضيح نصوص كان يستخدمها الهراطقة لتدعيم أفكارهم. و لأننا لا يمكننا القطع بسبب التغيير، لأن هذا يتطلب أن نكون معاصرين للنساخ، نحاول البحث عن أفضل سبب قد يكون دفع بالناسخ للتغير.

المشكلة الرئيسية، و التى من أجلها يرفض هؤلاء العلماء الدافع اللاهوتى، هو أن هناك أسباب مكافئة للدافع اللاهوتى، قد تكون هى التى أدت إلى وجود هذه القراءات. بمعنى أن هؤلاء العلماء يرون أسباب لنشأة هذه القراءات، تقدم تفسير أفضل من الدافع اللاهوتى. هناك من القراءات ما يمكن أن يكون نشأ عن طريق خطأ غير مقصود، و لكن ايرمان يقول أن هذا الخطأ نشأ بشكل متعمد بواسطة النساخ الأرثوذكس. لكن إذا كان هناك احتمال واحد لنشأة القراءة بشكل عفوى، يكون هذا الاحتمال أقوى من أى احتمال يقول بأن القراءة نشأت بشكل متعمد. لذلك فإن قاعدة "القراءة الأقصر هى المفضلة"، لا تستخدم أبداً إذا كان هناك أى احتمال لنشأة القراءة بشكل عفوى. لذلك نجد الكثير من العلماء و نقاد النص نقدوا بعض النصوص فى الإصدارات النقدية، حيث تم تفعيل قاعدة القراءة الأقصر، رغم وجود احتمالية الخطأ العفوى.

و رغم أن عدد هؤلاء العلماء ليس كبير، إلا أنهم أكبر و أهم نقاد النص فى عصورهم. ويستكوت و هورت، بحسب ما كتب هورت فى مقدمتهما للعهد الجديد اليونانى، و هما أكبر عالمان فى النقد النصى فى عصرهما و مؤسسا النظرية النقدية، لا يعتقدان فى وجود قراءات لأسباب لاهوتية فى تاريخ انتقال نص العهد الجديد. بربارا آلاند، أكبر علماء النقد النصى فى عصرنا الحالى، لا تعتقد فى وجود قراءات نشأت بسبب أى دافع لاهوتى على الإطلاق. جوردون في (من أكبر العلماء المعتبرين فى النقد النصى)، تومى ووسرمان (العالم الوحيد الذى فحص التقليد النصى الكامل لسفر ما من العهد الجديد)، بيتر ويليامز (الأكاديمى الأعلى تخصصاً فى التقليد السيريانى للعهد الجديد) و غيرهم، هى أسماء لعلماء من أكبر و أرفع المكانات فى البحث النصى للعهد الجديد.

أنا لا أعنى بذلك نفى هذا المسبب، و لكن أقول بأنه مشكوك فيه و محل خلاف بين العلماء، بل إن أحد هذه الأسماء المذكورة، يعمل على إصدار تفنيد كامل و شامل لكتاب ايرمان المذكور. ليس هذا التفنيد سوى بيان أن كل قراءة قال ايرمان أنها تمت بسبب لاهوتى، لها سبب أفضل يفسر نشأتها بشكل أفضل.

نأخذ مثال مشهور لهذا الموضوع، و هو نص "الله ظهر فى الجسد" (1 تي 3 : 16). اِفترض مع ايرمان أن القراءة الأصلية هى "الذى"، فما السبب لظهور قراءة "الله؟ اختتم ايرمان مناقشته لقراءة "الله" قائلاً:"لذلك، هذه القراءة يمكن تفسيرها (أى تفسير نشأتها) بأفضل شكل، على أنها قراءة نشأت ضد التبنويين، لتشدد لاهوت المسيح"
[1].

ايرمان ناقش احتمالين و قارن بينهما: أن القراءة نشأت بشكل عفوى عن طريق الخلط بين "الذى" و الشكل المُختصر لـ "الله"، أو أن القراءة نشأت بشكل متعمد للتشديد على عقيدة لاهوت المسيح، لمواجهة هرطقة التبنويين
[2]. المشكلة الجوهرية فى هذا الطرح، أن كثير من العلماء لا يقولون بأن هذه القراءة نشأت بدافع لاهوتى، و هم يقولون ذلك لأن هناك احتمالات ثلاثة و ليس اثنين كما طرح ايرمان.

عن بروس ميتزجر و روجر اومانسون، هذه الاحتمالات الثلاثة هى كالتالى
[3]:

· أن القراءة نشأت بشكل عفوى نتيجة الخلط بين "الذى" و الشكل مختصر لـ "الله".
· أن القراءة نشأت بشكل متعمد لوضع "اسم" فى النص تعود عليه الأفعال المذكورة.
· أن القراءة نشأت بشكل متعمد لعمل "تدقيق عقيدى أكبر".

السبب الأول مُستبعد لعدة أسباب: نُساخ الإسكندرية مُدربين على استخدام اختصارات الأسماء المقدسة، من الصعب تخيل اجتماع مخطوطات القرن الرابع و الخامس كلها على نفس الخطأ، و القراءة الثالثة التى تترجم فى الإنجليزية Which أو That (أى "الذى" و لكن لغير العاقل)، هى قراءة غربية خالصة نشأت فى القرن الثانى و من الصعب تخيل كيفية نشأتها عن قراءة "الله".

السبب الثانى هو المُفضل لدى العلماء، لأن السبب الثالث "الدافع اللاهوتى"، لا يستقيم مع حال هذا النص. للأسف، لم يدرك المفسرين و اللاهوتيين العرب مدى تعقيد هذا النص، الذى يعرض اعترافاً للإيمان سابقاً على نص العهد الجديد. أى أنه كان شىء ما يشبه قانون للإيمان، لدى الجماعة المسيحية الأولى جداً. ايرمان نفسه لم ينكر ذلك، بل صرح به فى مناقشته للنص.

يقول النص:"وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ". النص ترجمته بهذا الشكل صحيحة، لكنها ترجمة حرفية لا توصل المعنى الكامل له. لأن كلمة "بالإجماع" تعنى "نعترف" Confess، و تعبير "سر التقوى"، يعنى "الدين" أو "الإيمان المسيحى" بأكمله. أى أن النص يقول:"نحن نعترف: عظيم بالفعل ديننا: هو ظهر فى الجسد، تبرر فى الروح..."
[4]. و بالتالى، فقد كان الدافع لتغيير "الذى" إلى "الله"، هو وضع إسم تعود عليه الأفعال الستة التالية:ظهر، تبرر، تراءى، كُرِز، أُومِن، رُفِع. لذلك وضع ناسخ ما فى القرن الثالث هذه القراءة "الله"، و من ثم انتشرت؛ و سبب انتشارها أنها الأسهل فِهماً. لهذه الأسباب لا يفضل نقاد النص الدافع اللاهوتى كعامل وقف خلف هذه القراءة. إذن، فحتى لو أن قراءة "الذى" هى الأصلية، فإن الناسخ الذى استحدث قراءة "الله" لم يفعل ذلك ليشدد على لاهوت المسيح. ناهيك عن أن الإدعاء بأن هذه القراءة تم استحداثها لـ "اختراع" لاهوت المسيح، هو خرافة بحتة فى عقول الجهلاء فقط. هناك حوالى ستة عشر نص فى العهد الجديد، أُطلِق على يسوع فيهم لفظ ثيؤس (الله باليونانية)، و تسعة من هذه النصوص ثابتة لا تقبل أى خلاف سواء خلاف نصى أو ترجمى أو تفسيرى، و اجمع العلماء على أنهم تصريح واضح بلاهوت المسيح فى العهد الجديد[5].

هذا مجرد مثال واحد، و لكن سأطرح مثال آخر لم يستخدمه ايرمان. لم يتطرق ايرمان فى كتابه "الإفساد الأرثوذكسى" للفاصلة اليوحناوية (1 يو 5 : 7 – 8) إلا بملاحظة هامشية يُسلم فيها بأنه لم يتناول النص لأنه غير مقتنع أنه دخل للمخطوطات لدافع لاهوتى
[6]. و القارىء المدقق لكتابه "سوء اقتباس يسوع"، و بالتحديد فى مناقشته للفاصلة، يلاحظ أن ايرمان لم يقل إطلاقاً أن هذا النص تم استحداثه لإختلاق أساس كتابى لعقيدة الثالوث؛ و لم يقل أن قراءة هذا النص استحدثت لدافع لاهوتى[7].

و فى الحقيقة، لا يوجد عالم واحد قال أن هذه القراءة قد نشأت لسبب لاهوتى أبداً. اتفق علماء النقد النصى جميعاً دون استثناء، على أن هذه القراءة نشأت بسبب عفوى غير مقصود.

ميتزجر يقدم لنا تاريخ انتقال هذا النص كالتالى:"واضح أن هذا التعليق ظهر حينما فُهِم المقطع الأصلى على أنه رمز للثالوث (عن طريق ذكر ثلاثة شهود: الروح، الماء، و الدم)، و هو التفسير الذى قد يكون كُتِب أولاً كملاحظة هامشية، ثم وجدت طريقها إلى متن النص. و فى القرن الخامس، اقتبس الآباء اللاتين هذا التعليق فى شمال افريقيا و ايطاليا كجزء من نص الرسالة، و من القرن السادس و ما يليه، وُجِد هذا النص أكثر و أكثر فى مخطوطات اللاتينية القديمة و الفلجاتا"
[8].

باختصار، هذه القراءة دخلت للنص بشكل عفوى غير مقصود. كانت القراءة عبارة عن تعليق أو تفسير للعدد الثامن (بحسب فانديك) فى المخطوطات اللاتينية، و من ثم دخلت لمتن النص. هذا هو اجماع العلماء على كيفية ظهور هذه القراءة، ولا يوجد ناقد نصى واحد يقول أن القراءة دخلت فى التقليد المخطوطى بهدف لاهوتى. حتى ايرمان، كما بينت سابقاً، يقول بذلك.

الدليل الذى دفع بالعلماء لهذا السبب، هو أن حوالى نصف المخطوطات اليونانية التى تحتوى على الفاصلة اليوحناوية، تضعها فى الهامش، و منها مخطوطات أقدم من تلك التى تضعها فى متن النص؛ مما يؤكد أن القراءة بدأت انتقالها فى هامش النص.

أما الخرافات و الخزعبلات التى يقولها البعض أن هذا النص هو الوحيد الذى يشهد للثالوث فى الكتاب المقدس، و أنه دخل نص العهد الجديد كى يختلق المسيحيين أساساً كتابياً للثالوث، فهو أضحوكة لطيفة! فبجانب أن هذا كلام خرافى لا أساس علمى له، ولا أساس وثائقى أو تاريخى له، فإنه يريد أن يقول لنا أن المسيحيين تذكروا بعد أربعة عشر قرن من تاريخ المسيحية، أنه لا يوجد لديهم أساس كتابى واحد للثالوث! بعد الف و ربعمائة سنة، اكتشف المسيحيين أنه لا يوجد لديهم نص واحد يشهد للنص، فقاموا بإضافته للنص. و حتى لو طبقت نفس الكلام على التقليد اللاتينى، سيظل لنا نفس النكتة: بعد سبعة قرون كاملة من نشأة المسيحية، تذكر المسيحيين أنهم لا يجدون أساس كتابى واحد للثالوث، فقاموا بإدخال هذا النص ليكون أساس كتابى لهم. دار ما دار من سجالات عقيدية رهيبة حول آريوس و مكدونيوس و نسطوريوس و غيرهم، و لم يقم ناسخ واحد باختلاق النص ليخترع أساساً كتابياً للثالوث، و تذكروا بعد انتهاء السجالات الكريستولوجية فى القرن السابع أنهم لا يمتلكون أساساً كتابياً للثالوث! و رغم أن كل هؤلاء الهراطقة من الشرق، يخرج النص من الغرب!

كوميديا حقاً!

هذين المثالين هما أشهر اثنين يُستخدمان بشكل خاطىء تماماً لدعم قضية "الدافع اللاهوتى". و أنا قد وقعت فى نفس الخطأ سابقاً فى كتاب "المدخل إلى علم النقد النصى للعهد الجديد"، و بنعمة الرب سيتم تنقيح هذا الخطأ فى الإصدار الثانى للكتاب.

نستخلص من هذه الدراسة ثلاثة نتائج جوهرية:

1- الدافع اللاهوتى مازال مُسبب مشكوك به لنشأة القراءات.
2- نص "الله ظهر فى الجسد" (1 تي 3 : 16) لم ينشأ نتيجة دافع لاهوتى، بحسب أفضل تفسير ممكن لنشأته.
3- نص الفاصلة اليوحناوية (1 يو 5 : 7 – 8) لم ينشأ نتيجة دافع لاهوتى، بل هو خطأ نسخى عفوى لا يشوبه أى شك.

الرسالة واضحة لمن يفهم فقط!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] Bart D. Ehrman, Orthodox Corruption of Scripture, P. 78
[2] هرطقة تقول بأن المسيح انسان عادى و لكن الله تبناه (فى المعمودية أو القيامة) فأصبح ابن الله "بالتبنى"؛ أى الضد المخالف تماماً لما يعلم به نص العهد الجديد فى كل أسفاره!
[3] Bruce M. Metzger, Textual Commentary on The Greek New Testament, 2nd Edition, P. 574; Omanson, Textual Guide To The Greek New Testament, P. 438.
أنظر أيضاً:
Philip W. Comfort, New Testament Text & Translation Commentary, P. 662-663; Daniel B. Wallace, NET Bible, P. 2321-2322
[4] لا أريد أن اخرج عن الموضوع الرئيسى "الدافع اللاهوتى"، لذا لن أخوض فى تفاصيل هذه الموضوع الواسع. أنظر المراجع التالية لدراسة هذا الموضوع بالتفصيل:
Daniel C. Arichea & Howard A. Hatton, A Handbook on Paul's First Letter to Timothy, P. 80-87; Walter Lock, Critical & Exegetical Commentary on The Pastoral Epistles, P. 44-46; I. Howard Marshall & Philip H. Towner, A Critical & Exegetical Commentary on The Pastoral Epistles, P. 521-528; George W. Knight, The Pastoral Epistles: A Commentary on The Greek Text (NIGTC), P. 182-186; Martin Dibelius & Hans Conzelmann, A Commentary on The Pastoral Epistles (Hermeneia), English Translation By Philip Buttolph & Adela Yarbro, P. 61-63; Daniel B. Wallace, Greek Grammar Beyond Basics: An Exegetical Syntax of The New Testament, P. 341-342.
و أنظر القواميس التالية للمعانى المعروضة للكلمات اليونانية:
Timothy Friberg, Barbara Friberg & Neva F. Miller, Analytical Lexicon of The Greek New Testament, P. 282; G. Kittel & G. Friedrich, Theological Dictionary of The New Testament, Vol 5, P. 207-213; Horst Balz & Gerhard Schneider, Exegetical Dictionary of The New Testament, Vol 2, P. 514-517; Barclay M. Newman, A Concise Greek-English Dictionary of The New Testament, P. 125; W. E. Vine, Complete Expository Dictionary of Old & New Testament Words, Vol 2, P. 128; Joseph H. Thayer, Greek-English Lexicon of The New Testament, P. 446
[5] أنظر البحث الموسع فى:
Murray J. Harris, Jesus As God: The New Testament Use of Theos in References to Jesus (Baker Academic, 1992).
المناقشة الخاصة بنص 1 تى 3 : 16 تقع فى الصفحات 267 – 268.
[6] Ehrman, Orthodox Corruption, P. 45
[7] مناقشات ايرمان للفاصلة اليوحناوية فى "سوء اقتباس يسوع"، تقع فى الصفحات: 81 – 82، 102، 113.
[8] Metzger, Textual Commentary, P. 648
لم أعرض سوى ميتزجر كممثل عن كافة العلماء، لأنى لا أعرف عالم واحد، أو تعليق نصى واحد، يختلف معه. اومانسون (ص. 513) و كومفورت (ص. 785) يتفقان معه فى تعليقيهما النصيين. و الأعمال التالية تتناول تاريخ مفصل حول انتقال النص و كيفية دخوله للهامش و منه لمتن النص، بجانب فحص شامل للتقليد اللاتينى. أنظر:
Canon A. Brooke, A Critical & Exegetical Commentary on The Johannine Epistles, P. 154-165; Raymond E. Brown, The Epistles of John: A New Translation with Introduction & Commentary, P. 775-787; Brooke F. Westcott, The Epistles os St. John: The Greek Text with Notes & Essays, P. 202-209.

الأحد، 23 أغسطس، 2009

رجاء


من فضلكم، أرجو أن تكون التعليقات الموضوعة فى الموضوعات المطروحة، تكون ذات صلة بالموضوع المطروح. لو أى شخص لديه أسئلة حول دراسات غير معروضة فى موضوعات فى المدونة، فيمكن أن يرسلها لى على الإيميل. أرجو الإلتزام بهذا، حتى نحافظ على المدونة، منظمة و مرتبة. فلا يعقل أن يكون السؤال المطروح لا علاقة له بالموضوع المطروح! الإيميل موجود فى أسفل المدونة فى كل صفحة، و هو
fadie@textual-criticism.com. شكراً لتفهمكم (f).

السبت، 22 أغسطس، 2009

الفاصلة اليوحناوية..مرة أخرى


هذه دراسة أعدها م. رفيق س. نصيف، أحد قراء الموقع، حول الفاصلة اليوحناوية (1 يو 5 : 7 - 8). الدراسة تتناول بشكل تحليلى، كافة الآراء التى ظهرت حول هذا النص. و أى كان موقفك من الفاصلة، فأعتقد أنك ستستفيد من هذه الدراسة المُقارنة. و سواء كنت تؤمن أن النص أصلى أم لا، فالآباء لم يبنوا عقيدة الثالوث على هذا النص أبداً، بل كان لديهم تراث ضخم فى الكتاب المقدس، يشهد بقوة و صراحة لعقيدة الثالوث. نشكر الأخ الفاضل م. رفيق على هذه الدراسة العلمية. لتحميلها بصيغة PDF، اضغط هنا.

حوار مع ايرمان


حوار جميل مع بارت ايرمان حول كتابه "المسيحيات المفقودة"، فى شبكة الإيمان. لاحظ فى الحوار حينما سأله المحاور حول هل كان هناك ارهاب بإستخدام القوة البشرية، فأجابه "لا". و حينما سأله المحاور عن كيفية إعلان المنتصر، أجاب ايرمان أن الإنتصار جاء بإقناع الغالبية بحجج الأرثوذكسية. بمعنى أن الأرثوذكسية أقنعت الغالبية بأنها هى الصواب. مؤكداً أنهم "أثبتوا قناعة بارعة". هذا يستحضر للذهن، سؤال والاس المتكرر له:"لماذا انتصرت الأرثوذكسية؟". فبحسب جواب ايرمان، لم يكن بسبب قوة سياسية، بل بسبب الحجة! لقراءة الحوار اضغط
هنا.

الجمعة، 21 أغسطس، 2009

ماذا عن أناجيل ليست فى العهد الجديد؟


"الراسخون فى العلم"
(3)
ماذا عن أناجيل ليست فى العهد الجديد؟
جراهام هـ. تويلفترى


هذا هو الجزء الثالث من سلسلة "الراسخون فى العلم"، و هو عبارة عن مقالة للعالم الأكاديمى الأسترالى رفيع المستوى، جراهام تويلفترى، أستاذ العهد الجديد المميز بكلية العلوم اللاهوتية، جامعة ريجينت، بولاية فيرجينا، الولايات المتحدة. يُجيب جراهام فى هذه المقالة حول السؤال عن الأناجيل المزورة التى لم تتضمن فى نص العهد الجديد. للمزيد عن هذه السلسلة و مرجعها، راجع الجزء الأول. وردت المقالة فى الكتاب المقدس الدفاعى، ص 1503.


ماذا عن أناجيل ليست فى العهد الجديد؟
جراهام هـ. تويلفترى
أستاذ العهد الجديد المميز، كلية العلوم اللاهوتية، جامعة ريجينت


الأربعة أناجيل الموجودة فى كتابنا المقدس، تمت كتابتهم كلهم قبل نهاية القرن الأول. و من الواضح أنه لا يُوجد أناجيل أخرى تمت كتابتها فى هذا الوقت. و مع العشرين سنة الأخيرة من القرن الثانى، حينما كان ايريناؤس أسقف ليون يكتب، كانت الأربعة أناجيل قد تم نشرهم و قبولهم بشدة كالأناجيل الوحيدة المقبولة بواسطة الإتجاه العام للمسيحية. رغم أن العديد من القطاعات الكنسية لم تستخدمهم كلهم.

احتج ايريناؤس ضد قبول أى أناجيل أخرى، مثل "إنجيل الحقيقة"، و الذى قال أنه قد كُتِب بواسطة فالانتينوس، المعلم الغنوسى. فقال أنه قد تمت كتابته حديثاً و:"لا يتفق بأى شكل مع أناجيل الرسل". هذا الإنجيل عبارة عن تأمل أو عظة ولا يشبه أناجيلنا الكتابية فى عرضها لتعاليم و نشاطات يسوع، بما فيهم ظهوراته بعد القيامة
[1].

نفس الأمر ينطبق على "إنجيل فيلبس"، فهو عبارة عن مقطتفات أدبية مختارة من عدة أقوال ترجع لمنتصف القرن الرابع. تماماً كإنجيل المصريين اليونانى الذى يرجع للقرن الثانى، و الذى لا نعرف عنه الكثير، غير أنه مجموعة من الأقوال.

إنجيل توما، و الذى يحتوى أيضاً على مجموعة من أقوال يسوع (حيث من المحتمل أن يكون البعض منهم أصيل تاريخياً)، بجانب بعض المادة القصصية الصغيرة،تم الإحتجاج لرجوعه لزمن مبكر. لكن لأنه يحتوى على مادة أدبية توازى الأدب المنتشر فى تلك الفترة، فإن الكثيرين يرجعونه إلى نهايات القرن الثانى. بالإضافة إلى أن هناك مجموعة من الأناجيل الخيالية، مثل إنجيل توما الطفولى، و الذى يحتوى على معجزات تتصل بالطفل يسوع، و تنتهى بقصة يسوع المذكورة فى إنجيل لوقا حينما كان عمره إثنى عشر عام فى الهيكل.

و هناك أناجيل أخرى تقترب من أناجيل العهد الجديد. كمثال، إنجيل بطرس الذى يرجع لمنتصف القرن الثانى، و المفقود حالياً إلا قصاصات منه. و فى هذا الجزء القصاصى، يسرد محاكمة يسوع، صلبه، ثم ظهوره لمجموعة من تابعيه. كذلك إنجيل الإبيونيين، الذى كُتِب فى سوريا فى نفس الفترة، هو إزائية لأناجيل متى، مرقس، و لوقا. و لاحقاً فى القرن الثانى، وضع تاتيان إزائية للأربعة أناجيل أُستُخدِمت بكثرة، و هو الدياتسرون، و الذى كان ذو قيمة عالية فى سوريا خاصةً.

و لدينا فى قصاصات من البردى، أدلة كثيرة على وجود أناجيل أخرى قديمة ترجع للقرن الثانى الميلادى. و هناك رسالة لكليمندس السكندرى (150 – 215 م.) أُكتِشفت فى عام 1958، تخبرنا عما يُسمى بـ "إنجيل مرقس السرى"، و الذى يُمكن أن يكون قطعة مزورة حديثاً
[2]!

أما انجيل العبرانيين، و الذى كُتِب قبل منتصف القرن الثانى، ربما فى مصر للمسيحيين الذين من أصل يهودى و يتحدثون اليونانية، كان هو الإنجيل الوحيد الذى كان يُعتبر جزء من الكتاب المقدس فى قطاعات من المسيحية الأرثوذكسية. الإقتباسات القليلة المتبقية منه، تبين أنه قد يكون بدأ بالوجود السابق ليسوع، و نزوله من السماء ثم ولادته. ثم يصف يسوع نفسه أنه ابن الروح القدس، و يسرد تجربته على الجبل. هناك أيضاً أمثلة لتعليمه. و فى العشاء الأخير، يقول يعقوب أخ يسوع أنه لن يأكل مرة أخرى حتى يرى يسوع القائم. و هناك قصة عن دفن يسوع، و أولئك الذين حرسوا القبر ربما شاهدوا القيامة. و هناك قصة، تجعل من يعقوب يسبق غيره، تقول أن يسوع ظهر ليعقوب، ليؤكد له بقوة أهميته لهذا الإنجيل.

إن الخواص الغنوسية، الإنحراف عن الاناجيل الكتابية، و فقدان أى صلة أو ترابط بين هذه الأناجيل و أى من الرسل، هى أسباب إستبعاد هذه الاناجيل، أخيراً، من العهد الجديد، بواسطة التيار العام للمسيحية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] رغم أنه يذكر صلب المسيح صراحةً فى أكثر من موضع (المترجم).
[2] أثبت علماء النقد الكتابى مُؤخراً، أن ما يُسمى بـ "انجيل مرقس السرى"، هو خدعة قام بها مورتون سميث (مُكتشف المخطوط المزعوم)، فى منتصف القرن العشرين، و صدرت عدة دراسات و أبحاث تبين زيف هذا المخطوط، و أن مورتون سميث هو الذى لفق هذه الخدعة. سأضع ملخصاً لهذه القصة اللطيفة قريباً (المترجم).

الخميس، 20 أغسطس، 2009

قراءة التجسد فى المخطوطة البويرنارية


فى الحقيقة هذا ليس بحثاً ولا هو مقالة، بل هو عرض لفكرة و معلومة فقط. كان لى وقت طويل لم أتصفح مخطوطات بكثرة و كثفت كل دراستى فى المنهجيات. قررت اليوم أن أتصفح أى مخطوطة، فأخترت مخطوطة لم اقرأها من قبل. هذه المخطوطة هى التى تحمل رقم 012 و تُسمى Boernerianus، أى "البويرنارية"، نسبة إلى صاحبها "كريستيان فريدريك بويرنر Christian Frederick Boerner، و الذى كان أستاذاً للاهوت فى جامعة ليبزيج الألمانية. المخطوطة محفوظة الآن فى مكتبة ولاية ساكسون، فى عاصمتها دريسدين، ألمانيا. تحتوى المخطوطة على نص رسائل بولس، و ترجع للقرن التاسع. هذه المخطوطة تدمرت فى الحرب العالمية الثانية، و قراءتها أصبحت صعبة. لحسن الحظ، كان هناك إصدار مُصور للمخطوطة تم فى عام 1909، فأصبح هو أسهل وسيلة لقراءة هذه المخطوطة. نشر مركز دراسة مخطوطات العهد الجديد هذا الإصدار هنا، كما أن هناك أحد المواقع الألمانية، لا أتذكره، نشر الإصدار بصيغة PDF.

نص المخطوطة يحتوى على ما يشبه الـ Interlinear، أى أن يكون هناك نص بلغة ما، و فوقه أو تحته ترجمة حرفية لكل كلمة فى لغة أخرى. و هذا ما نجده فى المخطوطة، حيث تحتوى على النص باللغة اليونانية، و فوقه ترجمة حرفية لكل كلمة باللغة اللاتينية، مثل هذه:

(اضغط على الصور للتكبير)



ذهبت إلى نص 1 تى 3 : 16:"وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ"، و وجدت نصه به شىء عجيب. الناسخ اختصر وضع لفظ مُكون من حرفين، ثيتا و سيجما، و فوقه خط الإختصار! أنظر النص فى الصورة:


هذا النص اليونانى، لا هو "الله"، ولا هو "الذى". لكنه يعكس مدى شك الناسخ فى قراءة "الذى"، ذلك لأن فى نفس الوقت، النص فى اللاتينية هو "الذى" quod، و لكن بجواره علامة نقدية!

أعتقد أن هذا ربما يعنى شك الناسخ فى قراءة "الذى" رغم أننا لا نستطيع أن نجزم فى هذه الحالة أنه فضّلها بوضعها فى نص المخطوطة، بسبب النص اليونانى لها. لمراجعة صورة المخطوطة بالكامل، اضغط
هنا. ايضاً يمكن مراجعة دراسة سابقة عن النص فى المخطوطة السكندرية هنا. بذلك يكون هناك مخطوطتين من أهم مخطوطات هذه الرسالة، يوجد شك يشير إلى إمكانية دعمهما لقراءة "الله".

الثلاثاء، 18 أغسطس، 2009

ترجمة العهد الجديد


ترجمة العهد الجديد

هذه المقالة كتبتها منذ وقت طويل، و لا أتذكر لما لم أنشرها، و ربما يكون نشرها مناسباً الآن.

يُقسم علماء اللغة الترجمة الى: شكل و معنى. هذين المُصطلحين هما الأساس لدراسة ترجمة كلمة الله فى العهد الجديد عبر التاريخ , فمفهوم الشكل هو مدى حرفية الترجمة عن النص المُترجم عنها , و مفهوم المعنى هو مدى حرفية المعنى عن المُترجم عنها دون الإلتزام بالحرف.

من هذين المفهومين , ينتج لدينا عدة أنواع من أعمال الترجمة
[1]:

· الترجمة Translation
· الترجمة الحرفية Literal Translation
· نقل النُطق الحرفى Transliteration
· النُسخة Version
· النُسخة مُنقحة Revised Version
· المُراجعة النقدية Recension
· إعادة صياغة Paraphrase
· الإختصار Abridgement
· التعليق Commentary

الترجمة: عملية الترجمة ببساطة هى نقل المحتوى من لغة الى لغة أخرى. فلو تم نقل نص العهد الجديد اليونانى الى لغة أخرى كالإنجليزية , فهذه هى عملية الترجمة. و إذا تم ترجمة العهد الجديد للعربية عن الترجمة الإنجليزية التى تمت , فهذه ترجمة أخرى
[2]. فى عام 1516 حينما عزم إيرازموس على نشر نص العهد الجديد اليونانى , كان نص آخر ست أعداد سفر الرؤيا غير موجود فى أى مخطوطة يونانية معه , فنقل النص اللاتينى الى اليونانية. فى هذه الحالة فالنص اليونانى الذى أنتجه إيرازموس لهذه الإصحاحات ليس اصلاً ولا يُعتبر اصلاً يونانياً , بل هو ترجمة[3].

الترجمة الحرفية: و هى نوع خاص من الترجمة , يعتمد على النقل الحرفى للكلمة و نقل المعنى الحرفى للكلمة من لغة الى اخرى. هى الترجمة التى نستطيع ان نُطلق عليها "ترجمة كلمة بكلمة" , لهذا فهى تُقدم النص بأوضح معانيه افضل من أى ترجمة اخرى , لأنها تلتزم الحرفية النصية و الحرفية المعنوية. العيب الوحيد الذى قد يُوجد فى كهذه ترجمات , هى أنها تنقل العبارات الإصطلاحية كما هى من العبرية و اليونانية , مثل "يهوه" لا يُترجم فى الترجمات الحرفية الإنجليزية Jehouvah بل YHWA. من أشهر الترجمات الحرفية الإنجليزية التى تمت للعهد الجديد تلك التى قام بها روبرت يونج Young's Literal Translation Of The Holy Bible , و الترجمة الأميركية القياسية ASV و الترجمة الأميركية الحديثة NASB.

نقل النُطق اللغوى: هذا النوع من الترجمة , هو نقل نُطق الحرف الى الحرف المُقابل فى النطق للغة المُترجم إليها. مثل حرف N يُنقل الى العربية "ن" , و كلمة Egyptian نقل نُطقها اللغوى الى العربية هو "إجيبشيان". فى اليونانية نجد كلمة ملاك αγγελος يجب ان تُترجم للإنجليزية "رسول" , و لكن وجدت كلمة Angel طريقها للإنجليزية عن طريق نقل النُطق اللغوى اليونانى , لتأتى كأفضل تعبير عن كلمة "ملاك". تماماً كلمة Bible التى أُشتقت من نُطق الأحرف اليونانية لكلمة Βιβλος "بيبلوس".

النُسخة: النُسخة المُترجمة هى الترجمة التى تتم عن النص بلغته الأصلية التى كُتب بها العمل الأدبى , و لا تتم عن ترجمة أخرى تمت عن اللغة الأصلية للنص. مثلاً الترجمة التى قام بها وليام تيندل – و هى أول ترجمة إنجليزية عن النص اليونانى للعهد الجديد – يُطلق عليها "نُسخة" Version لأنها تُرجمت عن النص اليونانى الأصلى , بينما ترجمة جون ويكليف – و هى أول ترجمة إنجليزية للعهد الجديد فى التاريخ البشرى – لا يُطلق عليها "نُسخة" Version , لأنها تُرجمت عن الفلجاتا , التى بدورها ترجمة عن النص اليونانى. فى الحقيقة , ترجمة كينج جيمس King James Version لا تستحق ان يُطلق عليها لقب نسخة Version لأنها ليست سوى المُراجعة الخامسة للترجمة التى قام بها وليام تيندل.

النُسخة المُنقحة: و هى مُراجعة ترجمة معينة , و غالباً تكون "نُسخة" Version , بغرض تصحيح أخطاء الترجمة و الصرف و الألفاظ , و فى العصر الحديث إنضم لهذه الاهداف , عصرنة الألفاظ , أى جعل الألفاظ عصرية تتناسب مع إستخدامات العصر. فى عام 1534 صدر "الإصدار المُصحح بإتقان" Diligently Corrected Edition لترجمة تيندل. ترجمة الملك جيمس من هذه الفئة. هناك حادثة وقعت لمرة واحدة فى تاريخ ترجمة العهد الجديد فى العصر الحديث , و هى مُراجعة ترجمة ما بهدف التصحيح النصى , أى تعديل الإختيار بين القراءات النصية. هذه الحادثة هى فى صدور "النُسخة المُنقحة" Revised Version , و التى صدرت لتنقيح ترجمة الملك جيمس. هذه الحادثة تقع فى فئة "النُسخة المُنقحة" و "المُراجعة النقدية".

المُراجعة النقدية: و هو إعادة مُراجعة ترجمة ما , من وجهة نظر نقدية و نظامية. هذه العملية ليست إعادة ترجمة و لا تستهدف تنقيح الاخطاء اللغوية او الصرفية فى الترجمة , و إنما تستهدف تصحيح النص المُترجم من الناحية النقدية , مثل تصحيح القرارات المُتخذة بشأن الإختيار بين القراءات , و عمل المقدمات النقدية للأسفار...إلخ. أشهر الأمثلة لهذا النوع , كما ذكرنا , هى "النُسخة المُنقحة".

إعادة الصياغة: هذا النوع من الترجمات يُطلق عليه "الترجمة الحرة" , فهو لا يلتزم بحرفية النص بل و قد لا يلتزم إطلاقاً بنقل النص , بقدر ما يكون إهتمامه الاول بنقل المعنى. لذا , ففى هذا النوع قد تجد كلمات بل و عبارات لا وجود لها فى النص الأصلى , يُضيفها المُترجم لكى يُوضح المعنى بشكل تام. من هذه الترجمات فى عصرنا الحديث: The New Testament In Modern English , The Living Bible , و Good News for Modern Man. و فى مصر , صدرت ترجمة "كتاب الحياة" , و التى لا تلتزم بالنص الأصلى على الإطلاق , بقدر إلتزامها الكبير بتقديم معنى النص بحسب فهم المُترجم. لهذا السبب , يُطلق على هذا النوع من الترجمات" ترجمة تفسيرية" , ولا أنصح بقراءة نصها إلا كتفسير و ليس كنص مُقدس.

الإختصار: الإختصار فى الحقيقة لا يُقدم نصاً مُترجماً , و إنما يُقدم مُختارات و تقليصات للنص من ترجمة أخرى تمت. هذا النوع يُشبه الكتيبات التى تُوزع فى دار الكتاب المقدس , حيث تجد فيها مُختارات من نصوص الكتاب المقدس تتناسب مع الحالات النفسية للفرد , بشكل مُختصر. أشهر الترجمات الحديث التى تمت من هذا النوع فى العصر الحديث , هى تلك التى صدرت عن جمعية القارىء الرقمى: The Reader's Digest Bible.

التعليق: و هو ليس ترجمة , و لكن تعليق – شرح – تفصيل – نقد , للنص , و غالباً ما يُقدم الكاتب فيه ترجمته الشخصية للنص. أقدم صورة لهذا النوع , هو المدراشات التى كُتبت تعليقاً على نص العهد القديم. حديثاً , صدرت بعض الترجمات التى تتناول فى هامشها شرحاً لغوياً , نصياً , دراسياً للنص , مثل الترجمة الإنجليزية الحديثة NET Bible.

هذه هى بإختصار أقسام علم الترجمة...

طبقاً لإحصائية حديثة , قامت بها بربارا جريمس فى عام 2000 , يُوجد فى العالم 6809 لغة و لهجة
[4]. و تختلف هذه الأرقام بين عالم و آخر , و يعتمد الخلاف على تحديد كل عالم لمصطلحات: لغة – لهجة. فهناك من يعتبر لغة فصيلة معينة من شعب ما هى بالفعل "لغة" قائمة , و هناك من يعتبرها مجرد لهجة مُتفرعة.

و عن مركز الكتاب المقدس فى الترجمة , فمن المُلفت للنظر أن عدد اللغات التى تُرجم لها نص العهد الجديد , و بالتحديد الأربع اناجيل , هو عدد قليل حتى بداية القرن السابع الميلادى. ففى الغرب مثلاً , لا نجد سوى ترجمتين فقط , هما اللاتينية و القوطية!!

من المُمكن ان يكون أغسطينوس قام بترجمة الأناجيل الاربعة الى لغة البرابرة , و من المُمكن ان يكون ايريناؤس قام بترجمة الاناجيل الى اللهجة السلتية لهجة الغال فى ذلك الوقت , و لكن لا دليل نظرى او عملى على هذا الإفتراض.

و بعد إختراع الطباعة فى القرن الخامس عشر , و حتى القرن التاسع عشر , لا نجد نص العهد الجديد خارج 33 لغة و لهجة. ثم فى القرن التاسع عشر نجد إنتشار واسع فى نحو 400 لغة و لهجة. ثم فى النصف الأول من القرن العشرين يزيد العدد بنحو 500 لغة و لهجة , ليصل الى بداية القرن الحالى الى نحو 3000 لغة و لهجة حول العالم.

ينقسم تاريخ ترجمة العهد الجديد الى ثلاث مراحل رئيسية:

· المرحلة الأولى: و هى الترجمات القديمة حتى القرن الرابع و الخامس.
· المرحلة الثانية: و هى الترجمات المُتوسطة من القرن السادس الى منتصف القرن الثالث عشر.
· المرحلة الثالثة: و هى مرحلة الترجمات المطبوعة مع بداية حركة الإصلاح فى القرن الخامس عشر.

و تنقسم ترجمات العهد الجديد جُغرافياً الى:

· ترجمات شرقية: و هى الترجمات التى تمت فى العالم المسيحى الشرقى , مثل: مصر , سوريا , فلسطين , شمال افريقيا...إلخ. و منها خرجت الترجمات: القبطية , السيريانية , الأرمينية , الجيورجية , السلافية , و الإثيوبية.
· ترجمات غربية: و هى الترجمات التى تمت فى العالم المسيحى الغربى , و تُعتبر روما هى مركز الترجمات الغربية , مثل: اللاتينية القديمة , الفلجاتا , و القوطية.

من المُفيد ان نعرف ايضاً , ان حركة الترجمة لم تكن غريبة عن افراد المُجتمعات المسيحية. فاليهودية سبقت المسيحية فى حركة ترجمة الكتب المقدسة , و صدرت الترجمة السبعينية اليونانية لنص العهد القديم , و بعدها صدرت ترجمات اخرى مثل سيماخوس و اكويلا...إلخ.

يبدأ عصر ترجمة العهد الجديد الى لغات حية أخرى غير اليونانية مع بداية النصف الثانى من القرن الثانى الميلادى , مثل الترجمات اللاتينية و القبطية و السيريانية. الترجمات الاخرى مثل القوطية و السلافية , مُرتبطة بشكل كبير و مُباشر بحركات التبشير و الكرازة المسيحية فى العصور الاولى , و تتسم هذه الترجمات بتأخر مرحلة إتمامها و ذلك لتأخر حركة التبشير الكرازية فى البلاد التى أنتجت هذه الترجمات. أغلب هذه الترجمات المتأخرة وُجدت فى بلاد لا يُوجد بها أبجدية اساساً , و تُعتبر هذه الترجمات أولى الإنتاجات الأدبية لهذه اللغات.

الترجمات المُؤثرة بشكل مُباشر فى النقد النصى , أو تلك التى يُمكن إستخدامها فى النقد النصى , هى التى نستطيع إطلاق لقب "نُسخة" عليها , أى التى تمت عن الأصل اليونانى. أو تلك التى تمت مُراجعتها على النص اليونانى
[5].

فى عملية النقد النصى للعهد الجديد , فإن الترجمات أهميتها لا تكمن فقط فى أنها ترجمة , و لكنها أيضاً تقدم شهادة المخطوطات التى تُرجمت عنها فى زمنها , فى هذا يقول نيستل :"إن ترجمة لاتينية تعود للقرن الثانى مثلاً , سوف تُمثل بالتأكيد مخطوطة القرن الثانى التى تُرجمت عنها , حتى لو أن النسخة التى بين أيدينا اليوم لهذه الترجمة ليست أقدم من القرن السادس او ما بعده"
[6].

و لكن قبل إستخدام الترجمة فى عملية النقد النصى للعهد الجديد , يجب وضع عدة إعتبارات :

· لنُسخة الأصلية للترجمة غير موجودة: و ان ما بين أيدينا الآن هو مجرد نُسخ من النُسخة الأصلية , لذا فنحن فى حاجة اولاً الى وضع الترجمة تحت قواعد النقد النصى قبل إستخدامها للوصول الى النص الأصلى لها. هذا النص الأصلى الذى يصل له العالِم يستخدمه بعد ذلك فى التوصل الى النص الأصلى الذى كتبه كاتب السفر نفسه. لذا فإن علماء النقد النصى يرون ان الترجمة الأدبية قيمتها أقل قيمة من الترجمات التى تنقل التعبيرات اليونانية كما هى قدر المُستطاع.

· الفرق الأصيل بين اللغات: و هذا يجب ان يتم وضعه فى الإعتبار جيداً , فقواعد اللغات تفترق عن بعضها. مثال , اللغة اللاتينية لا يوجد بها أدوات التعريف , و اللغة اليونانية يوجد بها أدوات التعريف , لذا فالترجمة اللاتينية بأى حال لا يُمكنها الشهادة لنص يحتوى على أداة تعريف.

· مكان و زمن الترجمة: و هذا أمر واجب التحديد , أين تم عمل الترجمة؟ متى تُرجمت؟ لأن هذا يُساعد فى معرفة النص اليونانى الذى تمت الترجمة عنه.

· عدد الترجمات القديمة: فكلما زاد عدد الترجمات فكان هذا أفضل , و كلما زاد عدد الترجمات للغة واحدة فإن هذا أفضل فى معرفة القاسم المُشترك بينهم , النص اليونانى. تمت عدة دراسات لمعرفة نوع النص الذى تنتمى له الترجمات , و لكن مازال أمامنا الكثير فى هذا الفرع.

يتمتع العهد الجديد بالعديد من الترجمات التى تمت فى عصور قديمة جداً , الى عدة لغات. و هناك من الترجمات أكثر من ترجمة تمت الى لغة واحدة. فلدينا ترجمتين الى اللغة اللاتينية و هما: اللاتينية القديمة Itala و الفلجاتا Vulgate , و لدينا خمس ترجمات سيريانية للعهد الجديد هم: السيريانية القديمة , البسيطة Peshitta , الفيليكسونية , الهيراقلية و الفلسطينية.
[7] و لدينا كذلك أكثر من ترجمة للغة القبطية هم: الصعيدية , البحيرية و الأخميمية. و يوجد عدة ترجمات اخرى للغات اخرى مثل: الأرمينية , الجورجية , الإثيوبية , القوطية , العربية , الفارسية , السلافية و الفرنكشية Frankish [8]. عدد الترجمات الضخم هذا جعل بروس ميتزجر – صاحب أكبر كتاب عن الترجمات القديمة - يقول :" حتى لو لم يكن لدينا اليوم مخطوطات يونانية فإننا بتجميع المعلومات من هذه الترجمات من تواريخ قديمة نسبياً , يُمكننا ان نعيد إنتاج محتويات العهد الجديد حقاً"[9]!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



[1] هذه التعريفات مأخوذة بتصرف عن:
Geisler & Nix: A General Introduction To The Bible, Revised & Exbanded Edition (Mody Press: Chicago 1986) , P. 493 - 496
[2] الترجمة البيروتية تمت بهذا الشكل , فقد تُرجمت عن نُسخة الملك جيمس , المنقولة بدورها عن النص اليونانى لإيرازموس.
[3] أنظر كتابنا: المدخل الى علم النقد النصى , ص 225
[4] Cited By Metzger: The Bible In Translation, P. 8
[5] Aland: The Text Of The NT, P. 185
[6] Introduction to the textual criticism of the Greek New Testament, P. 31
[7] هناك من يضم دياترسون تاتيان للترجمات السيريانية.
[8] لغة فى غرب - وسط أوروبا
[9] القضية للمسيح (تحقيق صحفى شخصى للشهادة عن يسوع) , تأليف لى ستروبل , ترجمة الأستاذ سعد مقارى , إصدار مكتبة دار الكلمة LOGOS , الطبعة الاولى: القاهرة 2007 , الفصل الثالث , ص 75

الاثنين، 17 أغسطس، 2009

مدونة باركر


بيتر ويليامز فى النقد النصى الإنجيلى، أشار إلى أن مشروع العهد الجديد اليونانى العالمى، قام بإنشاء مدونة على الإنترنت لمتابعة أخبار إصدار إنجيل يوحنا الذى يعمل فيه المشروع مع معهد مونستر. الكاتب فى المدونة هو ديفيد باركر:



الخميس، 13 أغسطس، 2009

المخطوطة الفاتيكانية


المخطوطة الفاتيكانية، الإصدار الذى صدر فى عام 1968 بالألوان، النسخة الأصلية للعهد الجديد فقط بدون السبعينية، يمكن تحميلها من هنا. الملف بصيغة PDF بحجم 200 ميجا بايت. نقلاً عن فيلاند فيلكر فى مجموعة النقد النصى البريدية.

الأربعاء، 12 أغسطس، 2009

سوء تحليل النقد النصى


سوء تحليل النقد النصى

مراجعة لكتاب بارت ايرمان "سوء اقتباس يسوع"
بين ويزرنجتون و دانيال والاس
ترجمة: عاطف وجيه


كتب العالم بين ويزرنجتون الثالث، هذه المقالة رداً على كتاب بارت ايرمان "سوء اقتباس يسوع" Misquoting Jesus، فى عام 2006. و يقتبس فيها نص المسودة الأولى لمراجعة دانيال والاس لكتاب ايرمان، ثم يضع تعليقاته الخاصة بعدها. بين ويزرنجتون هو أستاذ العهد الجديد فى قسم الدكتوراه بمعهد أسبرى اللاهوتى، بالولايات المتحدة، و فى هيئة التدريس فى قسم الدكتوراه بجامعة القديس اندراوس بسكوتلاند، المملكة المتحدة. حصل على رسالة الدكتوراه من جامعة دورهام بانجلترا، و له أكثر من ثلاثين كتاب علمى، و هو حالياً من ضمن أكبر علماء العهد الجديد فى العالم. يُذكر أن بارت ايرمان وصف ردود دانيال والاس و بين ويزرنجتون بـ "النقد الأكثر من ذكى"، فى كتابه الأخير، يسوع أُعتِرض، ص 289.

قام بترجمة هذه المقالة الخادم الأمين الايبودياكون عاطف وجيه، أستراليا. نصلى أن يعوضه الرب تعب محبته، و يرى ثمرة عمله و تعبه و سهره على اتمام هذه الترجمة.

تمت الترجمة بتصريح خاص من العالم بين ويزرنجتون، نقلاً عن
مدونته.

فادى اليكساندر

+ + +


يُعتبر بارت ايرمان من الشخصيات المثيرة للإهتمام، تماماً كما أنه محاضر لبق. فهو يتكلم جيداً، يكتب جيداً، و واضح أنه موهوب فيما يفعله. أنا أحب بارت ايرمان بالرغم من أننى أجد رحلته الدينية مثيرة للقلق، و كخريج فى جامعة شمال كارولينا، فإنى حزين أن أراه خلفاً لبرنارد بويد Bernard Boyd فى كارولينا. فقد كان لبويد أثر ايجابى على أشخاص كثيرين، و منهم أنا، حينما كان فى كارولينا. و فى الحقيقة، فقد قِيل لى أن حوالى 500 شخصاً ذهبوا مبتدئين فيما يشبه الإرسالية، نتيجة لتدريس بويد Boyd الكتاب المقدس فى كارولينا لعقود كثيرة.

و بالرغم من ذلك، فأنا سعيد أن بارت أميناً بالنسبة لموضوع رحلته الإيمانية. و كنت حقاً أتمنى أن يكون بنفس الأمانة و يعترف أنه بمنهجه التعليمى هذا، فإنه يحاول اخراج المسيحية الأرثوذكسية من فكرة المعنى الواحد للنص، و هى الفكرة التى طالما دافع عنها فى يوم من الأيام، بدلاً من تقديم نقداً نصياً محايداً فى قيمته. (فكرة المعنى الواحد للنص هى أن النص المكتوب قُصِد به معنى واحد محدد، أما من ينكرون هذه النظرية، فينادون بأن النص ليه فكرة معينة، و إنما كل واحد بحسب فهمه و رؤيته).

و فى وجهة نظرى، فقد حاول بارت الخروج من فكرة المعنى الواحد للنص، إعتماداً على دليل هزيل، و هو القراءات المختلفة للنص، و التى لا تثبت ما يريد بارت إثباته أبداً.

كتابه الأخير "سوء إقتباس يسوع" قد نجح فى الوصول لقائمة أكثر الكتب مبيعاً فى نيويورك تايمز. و يظهر أن له جمهور كبير، إلا أنك لا تستطيع أن تتأكد إذا كان كل هؤلاء الناس يقرأون فعلاً الكتاب كله و يفهمونه. و يقدم بارت ايرمان فى أول أربعة فصول من كتابه، دليلاً مبسطاً للنقد النصى للعامة. و رغم أن البعض قد يجد صعوبةً فى فهم أمر أو آخر، فإن ايرمان يقدم لنا مفهوماً واضحاً للمبادىء المطبقة فى هذا المجال المعرفى.

و بالنسبة لى، فإنى استطيع أن اقدم هذا الجزء للطلاب الراغبين فى فهم قواعد النقد النصى، بسعادة و راحة، و ليس لدىّ أى مشكلة أو موقف من كمية المعلومات المقدمة من ايرمان هنا.

و لكن للأسف، فإن هذا الكتاب مثله مثل شفرة دافينشى، نجده يأخذ منعطفاً خطيراً فى منتصفه، و نجد أننا أمام نسخة مبسطة من الكتاب الذى كان قد ألفه ايرمان فى حقبته الدراسية الأولى، و هو "الإفساد الأرثوذكس للكتاب المقدس"، بجانب وجود بعض الاختبارات الشخصية له و التى أدت به إلى تحوله و تركه للمسيحية إلى اللاأدرية.

و لقد راجع دان والاس (و الذى يعرفه الكثيرين من خلال الترجمة الإنجليزية الحديثة NET Bible أو موقع www.bible.org)، و كتب تعليقاً على هذا الكتاب. و قد تفضل دان مشكوراً بالسماح لى بنشر تعليقه هنا، و يتبعه بعض التعليقات الشخصية لى. و شكر خاص للزملاء فى موقع Christusnexus.org لسماحهم لى بإعادة نشر تعليق دان والاس، و خاصةً إد كوموسيزويسكى.


مراجعة لكتاب بارت د. ايرمان، سوء اقتباس يسوع: القصة وراء من غيًّر الكتاب المقدس و لماذا (سان فرانسيسكو 2005)
دانيال ب. والاس
المدير التنفيذى، مركز دراسة مخطوطات العهد الجديد Csntm.org


يُعتبر بارت ايرمان اليوم، واحداً من أبرز نقاد النص فى أميركا الشمالية. و هو كمدرس و كاتب، فهو منطقى، بارع، مثير، و أحياناً يقوم بالمغالاة، تماماً كما يحتج بدون وضع فروقات دقيقية.

يُعتبر كتابه الأحدث "سوء اقتباس يسوع" بالنسبة لأغلب الناس، هو ببساطة تمهيد لعلم النقد النصى. و يحتوى الكتاب على سبعة فصول، بالإضافة إلى المقدمة و الخاتمة. و تُعد أغلب فصول الكتاب (من الفصل الأول للرابع) بمثابة مقدمة للمبتدئين فى هذا المجال.

و بحسب ايرمان، فإن هذا الكتاب هو أول كتاب كُتِب عن النقد النصى للعهد الجديد (و هو الفرع المعرفى الذى صار له أكثر من ثلاثمائة عام الآن) مُوجه للقراء المبتدئين.

عنوان الكتاب مستفز أزيد من اللازم، كما أنه مضلل أيضاً. ذلك لأنه لا يوجد تقريباً أى من القراءات المختلفة التى ناقشها ايرمان فى كتابه تتضمن أقوالاً ليسوع! و عليه، فإن هذا الكتاب ببساطة لا يقدم لنا ما يعدنا به العنوان.

و لكننا نلاحظ أن هذا الكتاب يُباع كثيراً، و منذ طبعته الأولى فى نوثمبر 2005، احتل مكاناً متقدماً جداً فى قائمة أمازون لأكثر الكتب مبيعاً. و منذ ظهور ايرمان فى برنامجين فى شبكة الإذاعة الوطنية العامة فى اسبوع واحد ( برنامج ديانا ريم و و الهواء النقى)، فقد أصبح الكتاب فى قائمة الخمسين كتاب الأكثر مبيعاً فى أمازون.

سوف أقوم بسرد بعض التعليقات بترتيب من أجل التعليق المختصر. بالنسبة للأربعة فصول الأولى، لا نجد أى شىء جوهرى مزلزل، بل على العكس، نرى فى المقدمة دوافع ايرمان، و فى الفصول الثلاثة الأخيرة نرى أجندته. و فى هذه الأماكن، كان ايرمان مثيراً جداً و مُغالى جداً و كلامه غير مُتوقع.

يتحدث ايرمان فى المقدمة عن خلفيته الإنجيلية (معهد مودى الكتابى، و كلية ويتون) و يتبعها حصوله على درجة الماجستير فى اللاهوت و الدكتوراه فى معهد برينسيتون. و قد كان فى معهد برينسيتون، أن بدأ ايرمان فى رفضه لبعض المبادىء الإنجيلية التى تربى عليها، خاصةً حينما كان يتصارع مع التفاصيل الخاصة بالنقد النصى للعهد الجديد.

و تُعتبر الفصول 5 - 6 - 7 هى قلب الكتاب. فهنا يناقش ايرمان النتائج الى توصل إليها فى كتابه الرئيسى الذى أورد فيه نتائج أبحاثه "الإفساد الأرثوذكسى للكتاب المقدس" (أكسفورد 1994). و ينتهى فصله الختامى عند النقطة التى كان يحاول ايرمان أن يسوقها فى هذه الفصول ( 5 - 6 - 7)، ألا و هى:"أنه من الخطأ...القول - كما يفعل الناس احياناً - أن التغييرات التى حدثت فى النصوص الموجودة لدينا لا تؤثر تأثيراً حقيقياً على ما تعنيه هذه النصوص، أو على النتائج اللاهوتية، التى يستخرجها الفرد من هذه النصوص. فقد رأينا، فى الحقيقة، أن هذا هو العكس تماماً فى هذه الحالة".

بعض أهم الأمثلة للإختلافات اللاهوتية الموجودة فى القراءات المختلفة التى اوردها ايرمان، تناقش الآتى:

1- المقطع الذى قِيل فيه عن يسوع أنه غضب (مرقس 1 : 41).
2- نص "ولا إبن الله نفسه يعرف متى ستأتى النهاية" (مت 24 : 36).
3- عبارة عن الثالوث (1 يو 5 : 7 - 8).

فبالنسبة للنص الأول، فإن بعض المخطوطات القديمة تتحدث عن يسوع أنه غضب فى مرقس 1 : 41، بينما الأغلبية تتحدث عنه على أنه "تحنن". و لكن فى مرقس 3 : 5، قِيل عن يسوع أنه غضب - بكلمات لا خلاف عليها أنها من النص الأصلى لإنجيل مرقس. لذا فإنه ليس إكتشافاً ثورياً أن نرى يسوع قد غضب فى موقع آخر (غير مرقس 3 : 5) فى هذا الإنجيل.

و بالنسبة للنص الوارد فى متى 24 : 36، فبالرغم من ان كثيراً من الشواهد تسجل كلام يسوع عن جهله النبوى "و لكن هذا اليوم و تلك الساعة فلا يعرفها أحد - ولا الملائكة الذين فى السماوات - ولا الإبن، إلا الآب وحده"، فإن كثيراً من الشواهد لا ترد فيها عبارة "ولا الإبن". و سواء كانت عبارة "ولا الإبن" أصلية أم لا فهو أمر مشكوك به، إلا أننا نجد أن العبارة الموازية الواردة فى مرقس 13 : 32 لا يوجد خلاف مُثار حول صحتها:"و لكن هذا اليوم و تلك الساعة، فلا يعرفها أحد ولا الملائكة الذين فى السماء، ولا الإبن إلا الآب". و لهذا فلا يوجد شك أن يسوع نفسه تكلم عن جهله النبوى فى عظته على جبل الزيتون.

و بالتالى، ما هى المشكلات العقيدية الموجودة هنا؟ لا يستطيع المرء أن يتقبل بسهولة أن الكلمات فى مت 24 : 26 تستطيع أن تغير القواعد اللاهوتية الأساسية عند شخص ما، و ذلك لأن نفس النص موجود أيضاً فى انجيل مرقس.

بكلمات أخرى، فكرة أن القراءات المختلفة لمخطوطات العهد الجديد تغير الحقائق اللاهوتية للعهد الجديد، هى فكرة مُغالى فيها فى أفضل حال. و للأسف، فمع كون ايرمان باحثاً مدققاً، فإن تعامله مع التعبيرات اللاهوتية الكبيرة فى نص العهد الجديد، يوجه إليه انتقادين: اما أن القراءات و النتائج التى توصل إليها من خلال نقده للنصوص هى قراءات و نتائج خاطئة، أو أن تفسيره للنصوص خاطىء.

هذه الانتقادات كانت قد وُجِهت قبلاً لبحثه القديم "الإفساد الأرثوذكسى للكتاب المقدس"، و هو الكتاب الذى أخذ منه كتاب "سوء اقتباس يسوع" أشياء كثيرة. و حتى النتائج التى قدمها ايرمان فى ذلك الكتاب، قد أعاد تقديمها فى كتابه الأخير، متغاضياَ عن العديد من الإنتقادات الحادة جداً التى وُجِهت لعمله الأول.

و بالنسبة لكتاب مُوجه للقارىء المبتدىء، فإن المرء يتوقع أن يناقش افكاره بإسلوب أسهل فى الفهم، و خاصةً مع كل هذا الثقل اللاهوتى الذى يحاول ايرمان وضعه فى كتابه. و هذا يجعل المرء يشعر تقريباً أنه يشجع "الأفراخ الصغيرة" فى المجتمع المسيحى إلى الفزع من معلومات، هم ببساطة غير مستعدين للتعامل معها و مناقشتها. و مرة بعد مرة فى هذا الكتاب، نجد عبارات ثقيلة جداً لا يستطيع الشخص الغير مدرب التعامل معها. و هذه الطريقة فى الوصول للقارىء، يمكن أن تعبر عن عقلية مثيرة للمخاوف، لا عن عقلية مدرس ناضج عاقل و قادر أن يقدم المعلومة بشكل صحيح.

أما بالنسبة للأدلة، فإنه يكفى أن نقول أنه إلى الآن لم يستطع أحد أن يقدم دلائل كافية أن القراءات المختلفة لنصوص العهد الجديد يمكن أن تغير عقيدة أساسية فى العهد الجديد.

أخيراً، بالنسبة لـ 1 يوحنا 5 : 7 - 8، فتقريباً لا يوجد أى ترجمة حديثة للكتاب المقدس نجدها تتضمن الصيغة الثالوثية، لأن العلماء، لقرون عديدة، تفهموا أن هذا الجزء قد أُضِيف لاحقاً. قلة قليلة من المخطوطات المتأخرة تحتوى على هذه الأعداد. و يحق لنا أن نستعجب: لماذا نُوقش هذا المقطع فى كتاب ايرمان. السبب الوحيد الذى أجده هو أنه استخدمها كوقود لزيادة الشكوك. فقد وجدت هذه القطعة طريقها إلى كتبنا المقدسة من خلال ضغوط سياسية، و قد ظهرت لأول مرة عام 1522. و مع هذا، فالعلماء آنذاك و الآن أيضاً يعرفون عدم أصالتها. فلم تعرف الكنيسة الأولى هذا النص، إلا أن مجمع خلقيدونية فى عام 451 م. قد أكد صراحةً على الثالوث القدوس. فكيف تكلموا آنذاك عن الثالوث بدون الإستدلال بنص لم يدخل النص اليونانى للعهد الجديد إلا بعد أكثر من ألف عام؟ قطعاً لم تأتى عبارات مجمع خلقيدونية و لم تُكتب من فراغ، فقد وضعت الكنيسة الأولى ما رأته فى العهد الجديد، فى صياغة لاهوتية ما.

و هنا يجب أن نميز أمراً هاماً: ليس لأن نص معين لا يؤيد عقيدة معينة، فذلك لا يعنى أن هذه العقيدة غير موجودة فى العهد الجديد. و فى هذه الحالة، فإن أى فرد لديه بعض المعرفة عن المباحثات الآبائية القوية عن ذات الله، يعرف أن الكنيسة الأولى وصلت إلى فهمها هذا من خلال دراستها لنصوص العهد الجديد. و عليه، فإن الصيغة الثالوثية لخصت فقط ما قد وجده آباء الكنيسة الأولى، و لكن لم تخبرهم بما يجب أن يؤمنوا به.

و الخلاصة أن كتاب ايرمان الأخير لا يخيب الآمال فى اثارته، و لكنه فشل فى تحقيق الجوهر الحقيقى لخلافه الأول. فالعلماء يتحملون مهمة مقدسة ألا و هى عدم ازعاج المبتدئين بأمور لا يفهمها المبتدئين جيداً. و للأسف، فبالنسبة للقارىء العادى، فسوف يترك هذا الكتاب و لديه شكوك كبيرة جداً فى داخله بخصوص كلمات و تعاليم العهد الجديد، أكثر من أى ناقد نصى. المدرس الجيد لا يكتفى بأن يشرح لتلاميذه كل الأمور، لكنه يعرف أيضاً كيف يجمع المعلومات جنباً إلى جنب لكى لا يدع مشاعر تلاميذه تقف فى طريق الحقائق. المدرس الناجح لا ينتج تلاميذاً ضعافاً.


+ + +


أتفق عامةً مع ما يقوله والاس فى نقده لايرمان، و هذا هو ما دفعنى لإعادة عرض نقده هنا. و ببساطة شديدة، فإنه لا توجد أى حقيقة لاهوتية نجدها تتأثر بالقراءات المختلفة للنصوص و التى يحاول ايرمان جعلها موضوعاً هاماً. و الحقيقة فأننى أتذكر قول بروس ميتزجر مرة (و بروس هو الذى دربنى و درب بارت فى هذه الأمور) أن اكثر من 90 % من العهد الجديد مُؤسس جيداً من ناحية نصه الأصلى، ولا شىء من الـ 10 % الباقية يمدنا ببيانات قد تقودنا إلى أى مراجعات صادمة لقانون الإيمان المسيحى أو العقيدة المسيحية. فإنه ليس حقيقياً أبداً أن نفترض أن الـ 10 % الباقية قد تكون بهذا التأثير السىء، بل على العكس، فمن الممكن أن نقول عكس هذا تماماً.

لنأخذ مثالاً على هذه المجادلات التى يعرضها ايرمان فى الفصل الخامس فى كتابه. هل عدم وجود الصيغة الثالوثية فى 1 يوحنا 5 يثبت بطريقة ما أن العهد الجديد لا يوجد به اشارة إلى ثلاثة أقانيم فى الله الواحد؟ قطعاً لا يثبت. فعندنا الكثير من النصوص الأخرى التى توجد بها هذه الفكرة (أنظر مثلاً متى 28). بالإضافة إلى هذا، فالأمر المهم ليس هو وجود صيغة ما هنا أو هناك، و لكن الأمر المهم هو ما إذا كانت هناك دلائل على الوهية يسوع، و ألوهية الروح القدس، مؤكدة فى مواضع مختلفة فى العهد الجديد، بالإضافة إلى ألوهية الآب. و فى الحقيقة، فإن هذه الدلائل موجودة و متكررة أيضاً. و حتى فى أقدم مخطوطات العهد الجديد زمنياً، فإننا نجد رسائل بولس واضحة تماماً فى هذه النقطة.

و لنأخذ مثالاً أخر. فإن ايرمان يُشير إلى حقيقة أنه فى نسخة متى من موضوع "عدم معرفة الإبن اليوم ولا الساعة" (قارن مر 13 : 32 مع متى 24 : 36)، نظهر كنوع من الإثبات أن يسوع لا ينبغى ان يُرى كإله، على الأقل فى انجيل متى. يمكننا ان نناظر فى مسألة القراءات المختلفة للنص، و لكن حتى لو قبلنا قراءة "ولا الإبن أيضاً"، و التى هى مؤكد وجودها فى مرقس 13 : 32، فإن هذا لا يثبت بأى طريقة أن متى يقدم يسوع على أنه بشراً مجرداً. فإننا نجد أن عمانوئيل (عقيدة الله معنا) و التى نجدها فى بداية و نهاية هذا الإنجيل تحكم هذا الدليل تماماً، و هكذا تفعل نصوص مختلفة كثيرة فى انجيل متى و التى فيها يقدم يسوع نفسه كحكمة الله الظاهر فى الجسد (أنظر تفسيرى القادم لإنجيل متى).

و الأكثر من هذا أن ايرمان لا يتعامل مع اللاهوت العميق للإخلاء الإلهى فى ترنيمة مثل فى 2 : 5 - 11، و التى تقدم فكرة أن ابن الله الموجود مسبقاً، أخلى "ذاته" لكى يستطيع أن يكون انساناً كاملاً مع احتفاظه بإلوهيته الكاملة. و أعنى بهذا أنه قَبِلَ حدودنا الطبيعية للزمان، المكان، المعرفة، و القوة لكى يكون إنساناً كاملاً. و لاحظ أنه كما يقول فى الرسالة إلى العبرانيين أنه شابهنا فى كل شىء ماعدا الخطية، و الخطية ليست صفة وراثية خلقها الله أساساً فى البشرية. و لكن ايرمان يكتب و كأنه لم يتعامل بجدية من قبل مع مبدأ حدود الذات الإلهية و التجسد، و هى فكرة نجدها فى العهد الجديد، من أول أقدم المصادر لرسائل بولس، و انتهاء بأحدث مصادر رسائل يوحنا. و الأكثر من هذا، فإنه من الخطأ القول بأن يسوع قد قُدِّم على أنه ليس إلهاً فى الأناجيل الإزائية عموماً، أو حتى فى مصادرهم الأولية الأقدم (L, M, Q)، بينما فى انجيل يوحنا تم تقديم يسوع على أنه إله. بالتأكيد، الإنجيل الرابع يقدم الجانب الإلهى فى يسوع بطريقة أوضح و أكثر علواً، إلا أن هذا لا يعنى بأى حال من الأحوال عدم وجود هذه الحقيقة فى الأناجيل الأخرى. بالإضافة إلى هذا، فإنه لا توجد أى قراءات نصية تقترح بأنه كان هناك انجيل أو مصدر من مصادر الأناجيل قدم يسوع على أنه مجرد انسان أو معلم أو نبى مسيانى فقط.

تأمل مثلاً حقيقة أن أكثر جملتين استخدمهما يسوع هما "ابن الإنسان" (و هى إشارته عن نفسه) و "ملكوت الله" (الذى أحضره هو). و هذا يطرح سؤالاً هاماً: أين نجد فى العهد القديم هاتين الإشارتين، و تحديداً، أين نجدهما معاً؟ فى دانيال 7 : 13 - 14، حيث أخذ إبن الإنسان وعداً بأن يملك للأبد فى مملكة على الأرض. و هنا يتسائل المرء: أى شخص هذا هو الذى يستطيع أن يملك للأبد فى مملكة؟ لمن يعطى الله هذا الإستحقاق؟ و الإجابة هى أن الله سيعطيه لشخصى أزلى أبدى يكون أيضاً "إبناً للإنسان".

لقد وضعت إحتجاجاً مطولاً أن يسوع شرح نفسه و مهمته من دانيال 7 : 13 - 14 فى كتابى "كريستولوجية يسوع". و قد رأى يسوع نفسه كحكمة الله الظاهر فى الجسد، و هذا يعنى أن يسوع التاريخى رأى نفسه كإنسان و قطعاً أكثر من أنسان، فقد رأى نفسه كإله فى نفس الوقت. و عليه، فإن الكنيسة لم تكن مخطئة بأى حال حينما رأته على هذا النحو أيضاً. فالنغمة القديمة القائلة بأن الوهية يسوع كانت شيئاً أُختِرع مؤخراً فى القرن الأول بعد الميلاد، هى خطأ تاريخياً. و سواء رضينا أو لم نرضى، فإن يسوع كان هو الذى قدَّم هذا المفهوم بنفسه، و ما كان من الكنيسة إلا أنها قامت ببساطة بإيضاحه و توضيح هذه الأفكار.

على الجانب الآخر، أريد أن اذكر شيئاً واحداً كان ايرمان على حق فى الشكوى منه. ايرمان على حق حينما يقول أن النساخ المتأخرين، أفسدوا النص فى بعض الأحيان. ففى بعض الأحيان، قاموا بمراجعة النص لكى يلقوا الضوء على العقائد المسيحية، مثل الثالوث و بعض الحقائق الأخرى. إلا أن هذا فى الحقيقة غير مؤثر و ذلك لأن المرء حينما يزيل الإضافات المتأخرة، فإن صورة يسوع تتضمن:

1- الحبل و الميلاد العزراوى.
2- موت يسوع.
3- قيامة يسوع بالجسد.
4- الحقائق المجردة عن الثالوث و غيره.

و ما يقول عنه ايرمان أنه دليل على أن هذه الأفكار قد أُضِيفت مؤخراً على النص بواسطة إفسادات النساخ، هو ببساطة خطأ: تاريخياً خطأ...نصياً خطأ...و لاهوتياً خطأ.

و لنأخذ موضوع أخر. فإن ايرمان يجعل موضوعاً كبيراً من أن انجيل مرقس ينتهى عند 16 : 8. أو على الأقل نهايته الأصلية مفقودة، و لهذا فإننا ليس لدينا دليل على قيامة يسوع فى هذا الإنجيل. مبدأياً، ليس من الأرجح على الإطلاق أن مرقس 16 : 8 هى نهاية انجيل مرقس الأصلية، كما شرح كلايتون كروى ذلك بوفرة فى كتابه الأخير. المقطع اليونانى "لأنهن كن خائفات" ليس نهاية سليمة لأى كتاب، فهو مقطع ضعيف نحوياً ولا يصلح كخاتمة. و قد شرحت أنا أيضاً فى تعليقى على إنجيل مرقس بإستفاضة، أن الخاتمة الأصلية قد فُقِدت و أن المادة المضافة متأخراً فى مرقس 16 : 9 - 20 لا تمثل النص الأصلى. أظن أن ايرمان سوف يتفق معى فى هذه النقطة.

لكن لنأخذ الطريق الأصعب. فلنفترض أن انجيل مرقس ينتهى فعلاً فى مرقس 16 : 8، فهل معنى هذا أننا لا نجد أى دليل مبكر على قيامة يسوع من الأموات؟ قطعاً يوجد. نحن لدينا دليلاً اقدم بعقد من الزمان على الأقل. ففى 1 كو 15 يمدنا بولس بقائمة طويلة من الشهود على الرب القائم، بما فى ذلك بولس نفسه. فبولس هنا يشهد بصحة تقليد، ولا يخلق تقليداً جديداً. و هذا ما آمن به الكنيسة الأولى. سواء كان المؤمنون تلاميذ بولس أو بطرس أو يوحنا أو يعقوب. لاحظ مثلاً الصلاة الآرامية الموجودة فى نهاية 1 كو 16 "ماران آثا" (الرب قريب)، يسجل بولس هنا صلاة يرددها المسيحيين من أصل يهودى، المتكلمين بالآرامية. و هذه صلاة تُصلى ليسوع ليعود. لقد كان كل التلاميذ المبكرين جداً ليسوع من اليهود، و لهذا فقد كانوا يصلون ليسوع لكى يعود، فلم يكونوا يصلون لمعلم يهودى متوفى ليعود.

أنا سعيد بوجود كتاب مثل "سوء اقتباس يسوع" لكى يحفز عقولنا على التفكير، بالرغم من أن قليلاً جداً من هذا الكتاب له صلة بأى قول أو تعليم ليسوع نفسه. فالعنوان - مثله مثل الكتاب نفسه - محفزاً أكثر منه مقدماً لدليل حقيقى على "التلفيق الأرثوذكسى للإيمان المسيحى". أنا أقول للقارىء ببساطة وضوح: فليحترس القارىء. هذا الكاتب له فأس قوية للضرب. و الحقيقة أنه يضرب بها جيداً فى نثر سلس، يجعلها خادعة أكثر.

و كما تقول جدتى: لا تكن منفتح العقل لدرجة أن يسقط عقلك خارجاً عن رأسك.

الأحد، 9 أغسطس، 2009

تسجيل للمناظرة


بالإضافة إلى التسجيلات المتوفرة للمناظرة فى موضوع "المناظرة"، فهذا تسجيل آخر كامل للمناظرة بفترة الأسئلة و الأجوبة (ست ساعات) بجودته الأصلية، بصيغة mp3، حجمه 160 ميجا تقريباً، حمله من هنا. أرجو مراسلتى لو أن هناك أى مشكلات فى الروابط أو التسجيلات المعروضة. لمن يريد المشاركة فى مناقشة المناظرة، فيمكنه زيارة هذا الموضوع فى منتدى الكنيسة العربية.


فيما شكوا؟

"وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا"

فيما شكوا؟

هل عبد التلاميذ يسوع؟


"وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذاً فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ. وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا. فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ»" (مت 28 : 16 – 20).


يسرد النص مقتطفات من أحداث اللقاء الأخير بين يسوع و التلاميذ و هو على الأرض. كان يسوع قد أمرهم أن ينطلقوا إلى جبل الزيتون، و قد فعلوا. و بمجرد أن رأى التلاميذ الرب يسوع "سجدوا له". ثم يذكر البشير بعد ذلك نصاً مُكوناً من ثلاث كلمات فقط، و لكن لهم معنى كبير جداً.


لم يكن شك التلاميذ أن يسوع قد قام حقاً من الموت، لأن فى كل مرة كان التلاميذ يشكون فى قيامة يسوع، كان يدعوهم للتأكد بأنفسهم أنه جسد من لحم و دم، فأنظر كمثال لو 24 : 38 – 43 و يو 20 : 27. و لكن الربط بين سجود التلاميذ، و شكهم، و رد فعل يسوع لهذا الشك، يحمل الكثير ليخبرنا عن شك التلاميذ. فقد قام يسوع من الموت، و تأكدوا بذلك بأنفسهم مرات عديدة، و هذا هو لقاءهم الأخير معه. و بترتيب النقاط الثلاث فى ضوء ثقتهم أن يسوع قد قام من الموت:


1- سجود التلاميذ ليسوع.

2- شك البعض منهم.

3- رد فعل يسوع.


نستطيع أن نكون صورة واضحة. فسجود التلاميذ ليسوع لم يكن سوى إعتراف منهم بإلوهية السيد المسيح له المجد، و سيادته فوق الخليقة بأكملها. يظهر هذا بشكل واضح، خاصةً فى ضوء قول المتقدم بين الرسل القديس بطرس بعدما سجد له كرنيليوس:"وَلَمَّا دَخَلَ بُطْرُسُ اسْتَقْبَلَهُ كَرْنِيلِيُوسُ وَسَجَدَ وَاقِعاً عَلَى قَدَمَيْهِ. فَأَقَامَهُ بُطْرُسُ قَائِلاً: «قُمْ أَنَا أَيْضاً إِنْسَانٌ»" (أع 10 : 25 – 26). و نقرأ فى سفر الرؤيا أن حتى الملاك لا يُسجد له:"فَخَرَرْتُ أَمَامَ رِجْلَيْهِ لأَسْجُدَ لَهُ، فَقَالَ لِيَ: «انْظُرْ لاَ تَفْعَلْ! أَنَا عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ شَهَادَةُ يَسُوعَ. اسْجُدْ لِلَّهِ. فَإِنَّ شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ" (رؤ 19 : 10)، و أيضاً:"وَأَنَا يُوحَنَّا الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ وَيَسْمَعُ هَذَا. وَحِينَ سَمِعْتُ وَنَظَرْتُ، خَرَرْتُ لأَسْجُدَ أَمَامَ رِجْلَيِ الْمَلاَكِ الَّذِي كَانَ يُرِينِي هَذَا. فَقَالَ لِيَ: «انْظُرْ لاَ تَفْعَلْ! لأَنِّي عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الأَنْبِيَاءِ، وَالَّذِينَ يَحْفَظُونَ أَقْوَالَ هَذَا الْكِتَابِ. اسْجُدْ لِلَّهِ»". إذن، فإن تعليم العهد الجديد واضح كل الوضوح: لا سجود لإنسان قط، ولا لملاك، ولا لأى من كان؛ إنما السجود لله فقط. بل و يظهر بكل وضوح لكل من يدرس الخلفية اليهودية لمفهوم السجود. فسجود التلاميذ فى الحقيقة، هو عبادة ليسوع. بل إن كلمة "سجدوا" προσκυνέω فى العهد الجديد، لا تُشير إلا للعبادة. ففى ستين مرة وردت هذه الكلمة فى العهد الجديد، لم ترد إلا عن تقديم العبادة (1). لذلك، نجد كافة الترجمات الإنجليزية، ترجمت الفعل "سجدوا" إلى Worshiped، أى "عبدوا".


من هذا السياق، نفهم أن التلاميذ الذين شكوا، شكوا فى كون يسوع مستحق للعبادة! و هذا واضح تماماً بالقرينة. بذلك نستطيع فهم تصريح يسوع المباشر و القوى:"دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ"، على أنه رد فعل لشك بعض التلاميذ فى كونه مستحقاً للعبادة. فحينما رآهم قد شكوا، صرح لهم أنه هو الذى يملك السلطان على كل شىء فى السماء و على الأرض. بكلمات أخرى، ثبت إيمانهم، و أكد لهم أنه يستحق بالفعل العبادة و السجود.


فى هذا النص نصل إلى حقيقتين: أن يسوع أعلن عن لاهوته، و أن التلاميذ عبدوه.


لم تكن هذه هى المرة الوحيدة التى عبد فيها التلاميذ يسوع، بل فى أحداث كثيرة، و أوقات متعددة، قدم التلاميذ ليسوع العبادة. فيما يلى بعض النصوص التى عبد فيها التلاميذ يسوع، و التى تُرجِمت فى كافة الترجمات الإنجليزية إلى الفعل Worship "عَبد":


"وَالَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: «بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللَّهِ!»" (مت 14 : 33).

"وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لاَقَاهُمَا وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكُمَا». فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ" (مت 28 : 9).

"فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ" (لو 24 : 52).


فى كل هذه النصوص، أستُخدِمت نفس الكلمة اليونانية، و تُرجِم الفعل فى الإنجليزية إلى Worship بتصريفاته المختلفة.


هنا يجب أن نتذكر كلام يسوع للشيطان حينما جربه:"اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (مت 4 : 10). فمن هذا النص، يتبين لنا أن يسوع كان محافظاً على تقليد العهد القديم، أن السجود لا يكون سوى للرب الإله، و أنه هو وحده مستحق العبادة. و لكن حينما سجد التلاميذ ليسوع، لم يوبخهم، و لم ينتهرهم، و لم يمنعهم. لقد كان رد فعل يسوع هو قبول عبادتهم الحقيقية، بل و حينما شكّوا فيه، كان رد فعله أن شجعهم و ثبت إيمانهم، بتصريحه أنه هو الذى يملك كل سلطان فى السماء و الأرض! رغم أننا نلاحظ فى الأناجيل، أن يسوع كان دائم التوبيخ للتلاميذ حينما يخطأون، حتى أنه لم يتردد أن يلقب بطرس بـ "الشيطان" لأنه اخطأ (مت 16 : 23؛ مر 8 : 33). هذا يعنى أن صمت يسوع كان موافقة حقيقية، بل و حتى تأكيد و إثبات و تسليم بحقيقة سجودهم و عبادتهم له.


إذن، فنحن أمامنا عدة نقاط ثابتة و واضحة:


1- تعليم العهد الجديد ثابت و واضح: لا سجود إلا لله.

2- السجود فى العهد الجديد هو العبادة فقط.

3- التلاميذ سجدوا ليسوع فى العهد الجديد أكثر من مرة.

4- يسوع لم يوبخ التلاميذ لأنهم سجدوه و عبدوه.

5- يسوع شجع التلاميذ حينما شكو فى مدى إستحقاقه للسجود و العبادة، و أعلن لهم لاهوته.


إذن فنحن أمام حقيقة لا تقبل التشكيك موجودة فى العهد الجديد:


أن التلاميذ عبدوا الرب يسوع المسيح و سجدوا له...


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(1) أنظر:

فيرلين فيربروج، القاموس الموسوعى للعهد الجديد، ص 589 – 590

رهبان دير أنبا مقار، قاموس يونانى عربى، ص 113

Thayer, Greek-English Lexicon Of The New Testament, P. 548

Liddel & Scott, A Greek-English Lexicon, 9th ed., P. 1518

Lampe, A Patristic Greek Lexicon, P. 1174-1176