الخميس، 9 يوليو، 2009

الحدث و النص عند اغناطيوس


أحد النصوص المحيرة فى كتابات اغناطيوس الأنطاكى، هو قوله فى رسالته إلى أهل فيلادلفيا:

"أرجوكم ألا تأتوا عملاً بروح الخصام بل بحسب تعليم المسيح. سألنى بعضهم و قال: ما لا أجده فى الوثائق القديمة لا أقبله و لو كان فى الإنجيل. و حين قلت لهم: إن كل ما نعلم به موجود فى الكتب المقدسة، أجابوا: إن هذا يحتاج إلى برهان. أما أنا فوثائقى القديمة هى يسوع المسيح، و وثائقى التى لا تُدحَر هى صليبه و موته و قيامته و الإيمان الذى أعطاه...بكل هذا أتبرر بمعونة صلاواتكم"
[1].

هذا النص أحد النصوص التى حيرت علماء الباترولوجى كثيراً، ولا نعلم ما الذى قصده أغناطيوس على وجه التحديد. فعلى العكس من الترجمة المطروحة أعلاه، اختار عالم الباترولوجى الشهير فيليب شاف الترجمة التالية:

"حينما سمعت البعض يقولون: إذا كنت لا أجد هذا فى الكتب المقدسة Scriptures القديمة، فلن اؤمن بالإنجيل؛ و حينما قلت: أنه مكتوب، أجابونى قائلين أن هذا يحتاج إلى دليل. و لكن بالنسبة لى، يسوع المسيح موجود فى كل ما هو قديم: صليبه، و موته، و قيامته، و الإيمان به، كل هذه آثار قديمة باقية غير فاسدة، و التى أرغب أن أتبرر بها فى صلاواتكم"
[2].

غير أنه أكد على مدى شك العلماء فى كيفية ترجمة هذا النص و المغزى المُستنبط منه
[3]!

أحد التفسيرات الهامة و السائدة الآن، يلخصها جورج بباوى فى كتابه عن أغناطيوس الأنطاكى، قائلاً:

"فى الفصل الثامن من الرسالة إلى الفلادلفين نلمح الإختبار الحى عند اغناطيوس، إذ يتحدث عن جامعة تخاصمت معه حول أمور:"فى الوثائق القديمة" (8 : 20). و قد حاول بعض المترجمين أن يقولوا أن الوثائق القديمة هى العهد القديم و بذلك يصبح معنى العبارة: ما لا يُوجد فى العهد القديم لا أقبله و لو كان فى الإنجيل. و لكن معنى العبارة هكذا غامض جداً، و الدوسوتيين لهم أصل غنوسى، و الغنوسية ترفض الإيمان بالعهد القديم و لذلك فالإعتراض المُوجّه لأغناطيوس و هو أن غير الموجود فى العهد القديم لا يُقبَل و لو كان موجوداً فى الإنجيل...هذا فى الحقيقة يتعارض مع الغنوسية. و لذلك إتجه الرأى إلى أن الوثائق القديمة هى الخاصة بالتاريخ الكنسى و بالطقس و الصلاوات..و كأن السؤال الذى كان مُلحِاً هو ما تفعله الكنيسة و تمارسه و ليس له وجود، أى ما لم يُسجل فى الوثائق. و عندما قال أغناطيوس أن عقيدة الكنيسة موجودة فى الكتب المقدسة، هنا قال المعترضون أن هذا الموضوع يحتاج إلى برهنة و لكن اغناطيوس لم يقف لكى يبرهن، بل قال فى تعبير يبدو غريباً:"وثائقى القديمة هى يسوع المسيح، و الوثائق التى لا يرقى إليها الشك ولا يقدر أحد أن يعارضها هى صليبه و موته و قيامته..." (فيلادلفيا 8 : 2).

هنا ينتقل أغناطيوس من النص إلى الحدث، و من الوثائق إلى الحياة الواقعية الفعلية. و الأرشيف الذى يمكن أن يشير إليه و كل وثائقه هى يسوع المسيح و صليبه و موته و قيامته. هذا هو الإيمان...أنه مسجل فى حياة المسيح و ليس فى سطور أو كلمات. و بذلك تصبح الحياة المسيحية هى الشهادة، و هى الوثيقة الفعلية على صحة الإيمان و معناه و سلامته من التحريف. و هذا هو معنى التقليد و هو الحياة الكنسية الحياة فى أشخاص المعلمين الكنسيين. و قد صدق من قال: إن ضلال القلب البشرى لا تنفع معه الوثائق و الكتب"
[4].

رغم هذا التفسير الذى يطرحه بباوى مُلخِصاً رأى سائد بين العلماء، فإنه من المحتمل أن أغناطيوس يتكلم عن اليهود. فلو نظرنا إلى الترجمة التى يقدمها العالم فيليب شاف، سنرى أن المعترضين يطلبون إثباتات عن صلب و قيامة المسيح من العهد القديم، فالإنجيل بالنسبة لهم ليس تأكيداً كيهود على صحة مسيانية يسوع الناصرى. و بالتالى، فالدليل يكون من "الكتب المقدسة القديمة"، أى العهد القديم.

هذا تفسير ممكن، و رغم أننى أميل شخصياً له
[5]، فإن التفسير الذى تقدمه الترجمة الأخرى، مازال فى الحسبان. هذا الترجمة تمت لنص التنقيح الأطول لرسائل أغناطيوس و الذى يرجع للقرن الثالث أو الرابع. و بالتالى، كان هذا إيمان المسيحيين الأوائل فى ذلك العصر و غيره، الذين قاموا بهذا التنقيح الأطول.

لعل هذا الاختبار القديم و السحيق، يكون شهادة حية لنا حول مركزية الإيمان المسيحى. فأغناطيوس (أو المسيحيين الأوائل) لم يهتم بوثائق أو مخطوطات، او سطور و حروف، أو كلمات و نقاط، بل إهتم بالحياة ذاتها التى يمنحها المسيح للإنسان. و مادمنا واثقين فى ماهية شخص المسيح، و ماهية حياته، فمع احترامنا الكامل لقداسة هذا الكتاب، فالمسيح هو الذى سيصل بنا إلى الله، و ليس الكتاب.
والاس عبر عن هذا المفهوم بقوله، أن المسيح هو الذى سُمِر على الصليب، و ليس الكتاب المقدس. بكلمات أخرى، الحياة فى المسيح، و ليست فى النص. سنصل إلى الله و معرفة الحقيقة عنه من خلال المسيح، و ليس من خلال النص.

للمزيد راجع مقالة: الإيمان بين الحدث و النص.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] فيلادلفيا 8 : 2، أنظر: رسائل أغناطيوس الأنطاكى، جورج حبيب بباوى، سلسلة الآباء، الجزء الثالث، إصدار عام 1976، ص 52
[2] Ante-Nicene Fathers, Vol 1, reprint 1995, P. 84
[3] Ibid, note 7.
[4] رسائل أغناطيوس الأنطاكى، ص 18 – 19
[5] لأنه هو الوارد بالنص الأقصر الأكيد النسبة إلى أغناطيوس بعد عمل لايتفوت، زاهن، هارناك، فانك، و خاصةً عمل الكاردينال هنرى نيومان، عالم الآباء الشهير. أنظر: جون كواستن، علم الباترولوجى، المجلد الأول، ص 73.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!