الخميس، 30 يوليو، 2009

الحقيقة و الدليل


الحقيقة مُطلقة، و لكن الإنسان لا يعرف الحقيقة المُطلقة إلا بحواسه الخمس فقط. ما هو ملموس، ما يراه، ما يسمعه الإنسان، هو الحقيقة المُطلقة بالنسبة له. فماذا عما لا يمكن للإنسان لمسه بالحواس؟ قد يكون حقيقة أيضاً، و لكن لأن الإنسان لا يستطيع لمسه بالحواس، يكون هناك شك فى كونها حقيقة مُطلقة أم لا. مثال: هل الله موجود؟ هناك احتمالين: أن الله موجود، أو الله موجود. الاحتمال الحقيقى منهما هو احتمال حقيقى مُطلق. لكن هل الإنسان يعرف أيهما هو الاحتمال الحقيقى؟ هذه هى المشكلة، لذلك لا يُوجد إنسان يمتلك الحقيقية المطلقة، ولا يوجد إنسان يستطيع أن يحددها. لكن ليس معنى عدم معرفة الإنسان للحقيقة المُطلقة، أنها ليست مطلقة. لأن معرفة الإنسان خاصة بالإنسان ولا تؤثر على حال الحقيقة. فما هو الوضع؟ كى نجيب على هذا التساؤل دعنى أعطيك هذا المثال النموذجى: حينما يحكم القاضى فى المحكمة على إنسان بالإعدام لأنه قتل إنسان آخر، فهذا القاضى لم يرى هذا الإنسان و هو يقتل. و بالتالى، غابت صفة الإطلاق للحقيقة عن معرفة القاضى. لكن هذا لا يعنى أن الصفة غابت عن الحقيقة نفسها، لأن الحقيقة مُطلقة فى ذاتها. لا يمكن أن تكون الحقيقة نسبية، لأن هذا قد يعنى أن ذلك الإنسان قد يكون قاتل و غير قاتل فى نفس الوقت. فما هى الآلية التى يستخدمها القاضى ليحدد موقف الإنسان من الجريمة المُتركبة؟ كيف سيحدد إذا كان الإنسان الذى أمامه قاتل أم لا؟ يتم هذا عن طريق الدليل.

أمام القاضى مجموعة من الأدلة و البيانات، و عليه أن يحدد ما إذا كانت الأدلة تشير إلى أن الإنسان الذى أمامه قاتل أم لا. تحديد ما إذا كان الإنسان قاتل أو لا، من خلال الدليل المتوفر، يُسمى تفسير الدليل. لكى يُحدد القاضى ما إذا كان الإنسان الذى أمامه قاتل أم لا، فعليه أن يقوم بتفسير الأدلة الموجودة أمامه بأفضل شكل ممكن، ليخرج بأفضل تفسير للدليل. أفضل تفسير للدليل يجب أن يكون هو الذى يُفسِر كافة الأدلة المتوفرة. مثلاً، إذا كانت بصمات الإنسان على سلاح الجريمة، فهذا دليل يجب على التفسير الذى يطرحه القاضى أن يفسره. كل التفاسير التى تُقدم للدليل و تترك جزء منه، تُستبعد، لأن أفضل تفسير دائماً يكون واحداً و ليس متعدداً.

الآن لنطبق هذا المنهج على البحث الكتابى. فى كل موضوع تبحثه يجب عليك أن ترتب الأدلة المتوفرة أولاً، و تنظيمها فى تصنيفات. بعد ذلك تقييم هذه الأدلة، و وضع كافة الاحتمالات الممكنة. ثم يأتى دور التفسير هنا، حيث عليك أن تبحث عن التفسير الوحيد الذى يفسر هذه الأدلة بأفضل شكل ممكن.

تذكر دائماً أن الإيمان هو أن تثق فيما لا ترى، أى أن تثق و تؤمن فيما لا يُمكنك أن تتأكد منه. لكن حتى و إن كنت لا ترى، فمازلت تستطيع أن تلمح خطاً رفيعاً يبدو من بعيد. هذا هو ما نحتاجه، ليس ثقة مُطلقة فى الأدلة، و لكن نسبة عالية من الثقة. فى ردهم على سيمينار يسوع، قال مجموعة كبيرة من علماء العهد الجديد:"قد لا تكون متأكداً بنسبة مئة فى المئة أنه أمر حقيقى، و لكن أن تؤمن بأمر ما، فأنت تقول بذلك أنك مقتنع بأنه أمر حقيقى أكثر من أنه زائف. بكلمات أخرى، الاعتقاد لا يتطلب ثقة كاملة، لكنه يتطلب أن تكون متأكداً منه بنسبة تفوق الخمسين بالمئة، و إلا فسيكون حكمك فى موضع شك، و لن تكون مؤمناً حقاً بهذا الإيمان محل التساؤل"( Jesus Under Fire, P. 8).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!