الثلاثاء، 21 يوليو، 2009

مشكلة ايرمان!


أخيراً، توصلت إلى مشكلة ايرمان! لا أعرف كيف تاهت عنى كل هذه السنين و هى أمامى واضحة وضوح الشمس. لى ثلاث سنوات و انا اقرأ كتب بارت ايرمان، لأفهم فكره جيداً، و أستطيع تحديد ما هى المشكلة بالضبط مع كون الكتاب المقدس وحى إلهى رغم أننا نجد قراءات مختلفة لأسباب مختلفة فى شواهده. بحثت فى عدة اتجاهات: ضياع النص الأصلى من الشواهد المتوفرة، التغييرات لهدف لاهوتى، مفهوم النص الأصلى...إلخ من مشاكل النقد النصى و تحدياته. لكن ما إكتشفته خلال بحثى أنه ولا مشكلة من هذه المشكلات تمثل العقبة الرئيسية مع ايرمان. كنت موقناً فى داخلى أن كل هذه المشكلات لا تمثل أى خطر على إيمان أى باحث فى النقد النصى، فما بالنا بعالم من أكبر علماء العالم فى النقد النصى!

بدأت فى قراءة سوء اقتباس يسوع Misquoting Jesus للمرة الرابعة، خاصةً المقدمة التى تأملت كل فقرة فيها مرات عديدة. فى نفس الوقت، كان لدىّ استعجاب من مدى الثقل الذى يحمله ايرمان على عدد القراءات و الاختلافات. و أخيراً وجدتها! مشكلة ايرمان هى فى وجود القراءات نفسها؛ فهى ليست فى نوعيتها أو كميتها، إنما فى وجود الاختلاف نفسه، حتى لو كان اختلافاً واحداً. الآن أصبحت أفهم تصريحه جيداً:"استدللت قائلاً: حقيقة أننا لا نمتلك الكلمات (الأصلية)، تُشير بالتأكيد إلى أنه لم يحفظهم لنا. و إذا كان (الله) لم يقم بهذه المعجزة (أى حفظ الكلمات)، فيبدو أنه لا يوجد سبب للاعتقاد بأنه قام المعجزة الأولى: وحى هذه الكلمات" (ص 11). هذا السؤال الخطير، الذى سأله ايرمان كان دائماً أمام عينىّ، ليس لكى أجيب عليه، بل لكى أفهمه:"كنت دائم العودة إلى سؤالى الأساسى: كيف يُمكن أن يساعدنا أن نقول ان الكتاب المقدس هو كلمة الله المعصومة إذا كنا فى الحقيقة لا نمتلك الكلمات التى أوحى بها الله معصومةً، و لكن بدلاً منها الكلمات التى نسخها النُساخ، بعض الأوقات بشكل صحيح، و بعض الأوقات (مرات كثيرة!) بشكل خاطىء؟" (ص 7).

الآن فقط فهمت المشكلة. هى ليست مشكلة نصية ولا علاقة لها بعلم النقد النصى. بل هى مشكلة لاهوتية من الدرجة الأولى، حول مفهوم الكتاب المقدس، و مفهوم وحيه، و مفهوم عصمته، و مفهوم حفظه. دراسة مخطوطات العهد الجديد لم تكشف له سوى بعض الأدلة، و التى توصل بها إلى قناعته الحالية. لكن الحمل الأكبر و الأثقل يقع على عاتق لاهوت الكتاب المقدس. بالمناسبة، هذه الجملة "لاهوت الكتاب المقدس"، لا وجود لها فى عقيدة الكنيسة فى ضوء اللاهوت التاريخى. و لكن مناقشة ماهية الكتاب المقدس أصبحت لازمة فى هذا العصر، حيث أصبح الطريق إلى الله يخضع لمعايير الإنسان و العلوم الإنسانية، مما يترتب عليه إدعاء الإنسان انه قادر على الوصول إلى الله، و انعدام الاحتجاج الرئيسى للمسيحية: أن الله هو الذى كشف عن نفسه للإنسان.

لقد كشف عن عينىّ هذه المشكلة، العالم مايكل ج. كروجر، عميد المعهد اللاهوتى الإصلاحى بشمال كارولينا، فى مراجعته لكتاب ايرمان. يمكن تلخيص طرح كروجر فى خاتمة مراجعته، حيث قال:

"تلخيصاً لما قلناه، سوء اقتباس يسوع عبارة عن نظرة ممتعة لعلم النقد النصى بعين إنجيلى سابق إقتنع أنك لا تستطيع أن يكون لديك قراءات نصية و فى نفس الوقت كتاب مقدس سلطوى. و هذا يبدو صلب الموضوع بالنسبة لايرمان. أعتقد أنه ليس كمية القراءات هى المشكلة (رغم أنها جزء منها بالفعل)، بل وجود أى قراءة تماماً. يوضح ايرمان فى الخاتمة:"إذا كان (الله) يريد الناس حقاً أن يمتلكوا كلمته، فكان عليه بالتأكيد أن يحفظ هذه الكلمات بشكل إعجازى، تماماً كما أوحى بهم إعجازياً أولاً" (ص 211). بكلمات أخرى، إذا كان الله قد أوحى بالعهد الجديد حقاً، فلا يجب أن يكون هناك أى قراءات نصية على الإطلاق. هذا هو الإقرار الصادم من ايرمان الذى يكشف المشكلة الجوهرية فى سوء اقتباس يسوع. ايرمان يبنى على تعريف الوحى الذى حدده بنفسه و هو الأمر الذى يعنى أنه معيار إستبدادى و غير منطقى، لا يمكن الإلتقاء معه فى أى نقطة. هل يتطلب الوحى حقاً أنه بمجرد ان تمت كتابة كتب الكتاب المقدس، أن الله عليه أن يضمن بشكل إعجازى أنه لا أحد إطلاقاً سيكتبه بشكل خاطىء؟ هل يجب علينا أن نؤمن بأن الوحى يتطلب أنه لا يوجد أى رجل ناضج، ولا طفل، ولا ناسخ، ولا عالم، ولا أى شخص، يمكن أن يكتب أى نص من الكتاب المقدس و يسقط كلمة منه بطول التاريخ البشرى بأكمله؟ أم أن ايرمان قد حرًّم على الله أن يعطى وحياً للبشر حتى يخترع جوتنبرج الطباعة؟ مع ذلك، فحتى هذه بها أخطاء ايضاً. هل كان ايرمان سيكون راضياً إذا كان العهد الجديد قد نزل من السماء على ألواح ذهبية و ليس عن طريق مراحل تاريخية عادية؟ أعتقد انه كان سيبدى إعتراضه قائلاً أن العهد الجديد لا يحمل علامات المصداقية التاريخية. يبدو واضحاً أن ايرمان بحث وثائق العهد الجديد و هو لديه قناعة مسبقة أن الوحى يعنى إنعدام وجود القراءات النسخية، و هو المعيار الذى يستحيل أن نجده فى العالم التاريخى الواقعى فى القرن الأول. مما يدعو للسخرية، أنه رغم أن ايرمان يدعى حرصه على التاريخ الواقعى، فإن نظرته الخاصة للوحى، بحسب تعريفه، يمنع العهد الجديد من أن يكون من الله و فى نفس الوقت ذو صلة بالتاريخ الحقيقى. لهذا لا نستعجب من خاتمة كتاب ايرمان، أن العهد الجديد لا يمكن أن يكون مُوحى به. بل علينا أن نستعجب إذا كان هناك أى خاتمة أخرى ممكنة بهذا الشكل للوحى"
[1].

كل هذا لا يعنى سوى شيئاً واحداً: أن ايرمان حدد ما هو الوحى، و كيف يجب أن يكون، و ما هى معايير تحديده، ثم قام بتطبيقها على العهد الجديد. كان من ضمن هذه المعايير ألا يوجد شىء إسمه قراءات نصية على الإطلاق فى العهد الجديد، و لكن يوجد بشواهد العهد الجديد آلاف القراءات؛ لهذا لا يمكن أن يكون العهد الجديد مُوحى به من الله.

هذا المنهج هو فرض ما الذى يجب على الله أن يقوم به. لا يُمكن لأى إنسان أن يحدد ما الذى يجب على الله أن يقوم به، لأنه لا يُوجد من يعرف الله و من يعرف فكره و من يعرف عمق حكمته. بل إن هناك قطاعاً كبيراً من المسيحيين فى العالم، لم يكن ليؤمن أن الكتاب المقدس هو كلمة الله لولا أن هذه القراءات موجودة، و أنا واحد من هؤلاء. بهذا، الكتاب يضع نفسه بنفسه تحت طائلة النقد التاريخى. بهذا نستطيع فحص مصداقية الكتاب، فيما يقرره من أحداث و فعاليات و تصريحات.

أخيراً، عرفت مشكلة ايرمان. أعرف أن البعض سيعتقد أننى ساذج لأننى لم أفهم المشكلة طيلة هذا الوقت، لكن ربما كان قول الفنانة فانيسا ويليامز صحيحاً، أنه احياناً الشىء ذاته الذى تبحث عنه، قد يكون هو الوحيد الذى لا تراه!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]Michael J. Kruger, Review of Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed The Bible And Why, By Bart D. Ehrman, Journal Of The Evangelical Theological Society, Vol 49, No. 2, P. 391

هناك 7 تعليقات:

  1. لا أدري لماذا يجد المسيحي صعوبة في قضية ان الله عز وجل إذا أراد أن يحفظ كتابه سيحفظه بلا أدنى شك , هل وسيلة حفظ الكتب من الأخطاء هي الطباعة فقط ؟ ألا يوجد وسائل أخرى لحفظ الكتاب دون أي خطأ ؟ هذا الأمر يحتاج إلى تأمل , أنا أرى أن بارت إيرمان لا يطلب المستحيل لأنه لا يوجد مستحيل على الله , أريد منك يا فادي مقاله عن المفهوم المسيحي لعصمة الكتاب , وإن كنت كتبت بالفعل في هذا المجال فضع لي الرابط لأقرأه
    أريد أن أفهم ما هو المفهوم الـلاهوتي العقدي لعصمة الكتاب , بأدله كتابية أو بأدلة من أقوال الآباء , أريد أن أعرف ما إعتقادهم في حفظ الكتاب
    شكراً لك يا فادي , واسأل الله لك التوفيق والسداد

    ردحذف
  2. من قال أن هناك صعوبة فى حفظ حرف الكتاب اذا أراد الله؟ أنا لم أقل أن هذا صعباً على الله إذا أراد و إذا فعل. لكن هل أراد؟ و هل فعل؟ لا. لا يُوجد نص فى الكتاب المقدس يُشير إلى ضرورى حفظ الحرف. و إذا كان الإنسان قد إشترك مع الله من البداية فى التدوين، فلا مشكلة إطلاقاً أن يكون هناك قراءات و خلافات، لأنه أصبح شاهداً للتاريخ.

    كتبت كثيراً عن العصمة فى عدة دراسات، و أفكر فى كتابة دراسة جديدة بعنوان "لاهوت الكتاب المقدس"، و هو اللاهوت غير الموجود!

    ردحذف
  3. طيب منفضلك اعطيني عنوان الدراسات التي تناولت فيها فكر الآباء الأولين عن حفظ الكتاب المقدس , الموضوع ده انا عايز افهمه , الآباء الأوائل كانوا بيعتقدوا ايه في قضية حفظ العهد الجديد

    ردحذف
  4. الموضوع كبير لأنه لم يكن هناك شىء إسمه لاهوت الكتاب المقدس فى الكنيسة الأولى، أى لا لم يكن هناك إعتقاد معين فى الكتاب المقدس فى عصر الكنيسة الأولى. لكن ما هو أكيد هو أنه لم يكن هناك شىء إسمه عقيدة الحفظ فى كتابات الآباء، ولا نجد دليلاً واحداً على هذه العقيدة عند الآباء بل و فى اللاهوت التاريخى بأكمله حتى عصر الإصلاح. بل هناك من الآباء من لم يؤمن بشىء إسمه عصمة للكتاب اصلاً. أعتقد أننى تناولت الموضوع بالتفصيل فى سلسلة التحريف و العصمة فى ضوء النقد النصى. و بدأت فى كتابة مقالة لاهوت الكتاب المقدس اليوم، و ربما أنشرها هنا خلال هذا الإسبوع.

    ردحذف
  5. عزيزي فادي
    هل معنى كلامك أنك لا تؤمن بعصمة الكتاب المقدس من ناحية حفظه, هو أنك لا تؤمن بعصمته من الأخطاء أيضا كالأخطاء العلمية والتاريخية مثلا؟ وإذا كان كذلك هل لا وجود لهذه العقيدة في عصر الكنيسة الأولى؟
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    ردحذف
  6. راجع المقال الجديد فى الرابط التالى:

    http://scholarly-faith.blogspot.com/2009/07/blog-post_27.html

    ردحذف
  7. المشكله لو عملنا نقد نصي للقران ستكتشف ملايين الاخطاء

    ردحذف

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!