الثلاثاء، 7 يوليو، 2009

هل قام يسوع حقاً من الموت؟


"الراسخون فى العلم"
(2)
هل قام يسوع حقاً من الموت؟
وليام لين كريج


هذا هو الجزء الثانى من سلسلة "الراسخون فى العلم"، و التى بدأتها بمقالة لداريل بوك عن موثوقية العهد الجديد. و هذه المقالة عن قيامة يسوع تاريخياً، للعالم و الفيلسوف وليام لين كريج. تمثل هذه المقالة، الإحتجاج الرئيسى للعالم وليام لين كريج فى دفاعه عن قيامة المسيح تاريخياً، و هو تقريباً نفس منهج جارى هابيرماس و مايكل ليكونا و آخرين. تُرجِمت عن كتاب "الكتاب المقدس الدفاعى"، ص 1728 – 1730.


هل قام يسوع حقاً من الموت؟
وليام لين كريج
أستاذ الفلسفة بكلية تالبوت اللاهوتية، جامعة بيولا


لكى نجيب على هذا السؤال من وجهة نظر تاريخية، فيجب علينا اولاً أن نحدد الحقائق التى يمكن إرساؤها على أساس الدليل بثقة، ثم اختيار افضل تفسير لهذه الحقائق، حول نهاية حياة يسوع الناصرى. هناك على الأقل أربعة حقائق عن نهاية حياة يسوع التاريخى، مقبولين بشكل واسع بين مؤرخى العهد الجديد اليوم.

الحقيقة الأولى: دُفِن يسوع بعد صلبه بواسطة يوسف الرامى فى قبر.

هذه الحقيقة هامة جداً لأنها تعنى أن مكان قبر يسوع كان معروفاً فى اورشاليم لليهود و المسيحيين على حد سواء. أسَّس علماء العهد الجديد حقيقة دفن يسوع بناء على الأدلة التالية:

· دفن يسوع مُوثَق فى البيانات التى سلمها بولس و سجلها فى 1 كورنثوس 15 : 3 – 5 و التى تعود لما قبل عام 36 م.
· قصة الدفن مسجلة بشكل مستقل و موثقة فى المواد التى إستخدمها مرقس كمصادر لكتابة إنجيله.
· فى ضوء العداء بين الحركة المسيحية و قادة الأمة اليهودية، و هو العداء الذى نستطيع تفهمه، فإن وضع يوسف الرامى كعضو فى المحكمة اليهودية العليا التى أدانت يسوع، من غير المُرجح أن يكون من إختراع المسيحيين.
· لا يوجد أى رواية أخرى للدفن تنافس هذه القصة.

لأجل هذه الأسباب و أسباب أخرى، يعتمد غالبية نقاد العهد الجديد حقيقة أن يسوع دُفِن فى قبر بواسطة يوسف الرامى.

الحقيقة الثانية: فى صباح الأحد بعد الصلب، وجدت مجموعة من النساء التابعين ليسوع القبر فارغاً.

من ضمن الأسباب التى جعلت غالبية العلماء يصلوا لهذا الإستنتاج:

· بيان أن يسوع:"دُفِن، و قام فى اليوم الثالث"، تلك المعلومة القديمة التى ينقلها بولس فى 1 كورنثوس 15 : 3 – 5، تتضمن أن القبر كان فارغاً.
· قصة القبر الفارغ تم توثيقها فى مصادر متعددة و مستقلة، و هى مصادر مرقس، متى، و يوحنا، و البعض منها قديم جداً.
· قصة القبر الفارغ كما هى فى انجيل مرقس، و هو أقدم توثيق نمتلكه لها، قصة بسيطة جداً و تفتقد لأى من علامات التجميل الأسطورى.
· فى ضوء العرف اليهودى التقليدى، فإن شهادة النساء غير موثوق بها. و بالتالى، فحقيقة أن نساء كانوا هم الشهود الرئيسيين للقبر الفارغ و ليس رجالاً، لا يمكن تفسيرها بأفضل شكل إلا كونها حقيقية فعلاً.
· أقدم رد يهودى لإعلان قيامة المسيح، و هو أن:"التلاميذ جاءوا ليلاً و سرقوه بينما كنا نائمين" (مت 28 : 12 – 15)، كان عبارة عن محاولة تفسير سبب غياب الجسد، و هو الأمر الذى يفترض وجود القبر فارغاً.

لهذه الأسباب و غيرها، فإن غالبية العلماء يعتمدون بوضوح موثوقية الشهادة الكتابية لقبر يسوع الفارغ.

الحقيقة الثالثة: فى مواقف متعددة، و تحت ظروف مختلفة، كان هناك أفراد و مجموعات رأوا يسوع حياً بعد موته.

هذه الحقيقة مقبولة عالمياً لدى علماء العهد الجديد للأسباب التالية:

· قائمة شهود العيان لظهورات يسوع بعد القيامة التى يقتبسها بولس فى 1 كورنثوس 15 : 5 – 8، و التى ترجع لتاريخ قديم، بالإضافة إلى معرفة بولس لهؤلاء الناس بشكل شخصى، تضمن لنا أن هذه الظهورات حدثت بالفعل.
· قصص الظهور الموجودة فى الأناجيل، تزودنا بتوثيقات متعددة و مستقلة لهذه الظهورات.

حتى أكثر النقاد تشدداً، يعترفون بأن التلاميذ رأوا يسوع حياً بعد موته.

الحقيقة الرابعة و الأخيرة: التلاميذ تحولوا بشكل مفاجىء و مخلص إلى الإعتقاد بأن يسوع قد قام من الموت، بدلاً من أن يكون لديهم إستعداد تام لقبول العكس.

أنظر إلى الموقف التالى الذى واجهه التلاميذ بعد صلب يسوع:

· لقد مات قائدهم، و التوقعات اليهودية المسيانية لم تنبأ بمسيحا يُعدَم عاراً بواسطة أعداء اسرائيل، بدلاً من أن ينتصر عليهم.
· بحسب شريعة العهد القديم، فقد كان إعدام يسوع بهذا الشكل يعنى أنه مهرطق، ملعون من الله.
· الإعتقاد اليهودى فى الحياة بعد الموت، يستقصى قيامة أى شخص من الموت إلى المجد و الخلود قبل القيامة العامة من الموت فى نهاية العالم.

و مع ذلك، أصبح التلاميذ معتقدين بقوة أن الله أقام يسوع من الموت، حتى أنهم كانوا مستعدين للموت عن هذا الاعتقاد.

نأتى الآن إلى القسم الثانى: ما هو أفضل تفسير لهذه الحقائق الأربعة؟ فى كتابه "الحكم فى الأوصاف التاريخية"، يضع المؤرخ س. ب. ماكولاغ الإختبارات التى يستخدمها المؤرخين لتحديد أفضل تفسير لأى هيكل من الحقائق التاريخية. و الفرضية التى يقدمها شهود العيان أن "الله أقام يسوع من الموت" تجتاز هذه الإختبارات كلها:

· أن يكون له فرصة عظيمة فى الشرح: و هى (القيامة) تشرح بالفعل لماذا كان القبر فارغاً، لماذا رأى التلاميذ ظهورات ليسوع بعد الوفاة، و لماذا أتى الإيمان المسيحى للوجود.
· أن يكون له قوة عظيمة فى الشرح: و هى تشرح سبب إختفاء جسد يسوع، و لماذا كرر الناس كثيراً أنهم رأوا يسوع حياً رغم إعدامه أمام الجميع...إلخ.
· أن يكون مناسباً: فى ضوء السياق التاريخى لحياة يسوع و إدعاءاته التى لا مثيل لها، فإن القيامة لها معنى كالتأكيد الإلهى لهذه الإدعاءات الجزرية.
· ألا يعتمد على غيره و ألا يكون مُخطط: و فرضية القيامة تتطلب فرضية واحدة أخرى فقط و هى "وجود الله".
· أن يكون فى إتفاق مع الإعتقادات المقبولة: و فرضية أن "الله أقام يسوع من الموت" لا تتعارض ابداً مع الاعتقاد المقبول بأن الناس لا يقومون من الموت بشكل طبيعى (لأن قيامة يسوع لا ترجع لأسباب طبيعية). و المسيحى يقبل هذا الاعتقاد تماماً كما يقبل فرضية أن الله أقام يسوع من الموت.
· أن يتحدى كل النظريات المنافسة فى النقاط 1 – 5: على مر التاريخ، قُدِمت تفاسير بديلة متنوعة للحقائق: نظرية المؤامرة، نظرية الموت الظاهرى، نظرية الهذيان، و هكذا. هذه الفرضيات تم رفضها عالمياً من البحث العلمى المعاصر. فى الحقيقة، لا يوجد أى نظرية طبيعية جذبت عدد كبير من العلماء.

لهذا، فإن أفضل تفسير للحقائق الثابتة، يبدو أنه أن الله أقام يسوع من الموت. لدينا خلفيات تاريخية واضحة لإجابة سؤالنا (هل قام يسوع حقاً من الموت؟) بالإيجاب. غير أن الإثبات التاريخى ليس هو الطريق الوحيد لمعرفة قيامة يسوع. غالبية المسيحيين، الذين لم يكن لديهم المصادر، التدريب اللازم، ولا الوقت لمواصلة البحث التاريخى لهذا الحدث (القيامة)، عرفوا قيامة يسوع عن طريق المقابلة الشخصية مع الرب الحى (رو 8 : 9 – 17).


إنتهى


ملاحظتين:

· مفهوم "الإجماع" و إستخدامه فى المسيحية، يختلف عن أى ديانة أخرى. نحن لا نؤمن بأن الكم هو الذى يحدد الإيمان، و إنما استخدام الكم و العدد يرجع إلى هدف واحد: ضمان عدم سيطرة النزعة الشخصية على القرار المُتَخذ. هذه الحقائق الأربعة، ثابتة لدى جميع علماء العهد الجديد، سواء مؤمنين أو متشككين أو لاأدريين أو ملحدين. هذا يعنى أن التوصل لثبات هذه الحقائق نتيجة بحث علمى و ليس نتيجة أيدولوجية أو توجيه للبحث العلمى.
· فى مناظرته مع بارت ايرمان، عرض وليام لين كريج هذه الحقائق الأربعة، و بعد تأكيده على أن جميع العلماء من كافة التوجهات الفكرية يؤكدون ثباتهم التاريخى، واجه ايرمان بإعترافه هو شخصياً بثبات هذه الحقائق، و طالبه بتقديم تفسير بديل يشرح هذه الحقائق و غيرها، فما كان من ايرمان سوى أنه تراجع عن تأييده لثبات هذه الحقائق! هذا التراجع كان وقتياً، و لم يقدم ايرمان أسباب له، مما يعنى انعدام وجود أى تفسير بديل لهذه الحقائق، و لم يبقى سوى الرفض!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!