الأربعاء، 1 يوليو، 2009

ذكريات مع المدخل


بالأمس، يكون قد مر عام كامل على إنتهائى من كتاب "المدخل إلى علم النقد النصى للعهد الجديد". ذكرياتى مع هذا الكتاب جميلة جداً، فقد إستغرقت كتابته حوالى عام و نصف أو أكثر. حينما بدأت فى كتاباته كان لدىّ خطة معينة أسير عليها، ليكون دفاعاً عن النص التقليدى، و حينما إنتهيت منه وجدته دفاعاً عن النص النقدى! مازلت محتفظ حتى الآن بالمسودة الأولى للكتاب، و هى حوالى 180 صفحة. مازلت محتفظ بها حتى أتذكر دائماً كيف بدأت و كيف إنتهيت؛ و كيف أن المسار سيختلف إذا سلمنا للرب فكرنا و طرقنا. كانت رحلة جميلة جداً، و شعرت بيد الرب تعمل معى فيها بوضوح.

المدخل يعتبر اول محاولة لوضع أساس مُنظم للنقد النصى للعهد الجديد باللغة العربية. لكن اليوم أنا لست راضى عنه إطلاقاً. هناك الكثير يحتاج إلى تصحيح و تنقيح؛ خاصةً أنه كان مازال لدىّ حنيناً للنص التقليدى. أعتقد أننى أصبحت مؤيد تام للنص النقدى بعد كتابة المدخل بعدة شهور. حتى اليوم مازلت أتعلم الجديد كل يوم، و سأظل كذلك طول حياتى.

أريد هنا أن أعرض لكم مرحلة شخصية جداً فى كتابتى للمدخل. تلك المرحلة كانت أعصب و أقسى المراحل الفكرية التى مررت بها فى دراستى العلمية للمسيحية. مرحلة الانتقال و التغيير فى إيمانى الشخصى حول الكتاب المقدس. هى مواجهة عنيفة دارت فى داخلى بين عقلى و إيمانى. بدأت تظهر ملامح هذه المرحلة حينما وجدت نفسى مقتنعاً عقلياً بالإحتجاجات المؤيدة للنص النقدى، فى الوقت الذى لا أعرف فيه كيف سأتعامل مع تأثير هذا التغير على وحى و عصمة الكتاب المقدس. كانت مرحلة قاسية جداً، تخطيتها بصعوبة مريرة و صلاوات و دموع أمام الرب لكى يرشدنى. كان أقسى شىء علىّ فى هذه المرحلة، أننى كنت مُطالب بالدفاع فى الوقت الذى كنت لا أعرف فيه كيف سأدافع. فى تلك اللحظة اتخذت قراراً حاسماً فى حياتى؛ أن أترك اللاهوت الدفاعى و ابدأ من الصفر. لا أريد أن تكون كتابتى فى النقد النصى مبنية على أساس دفاعى. قلت لنفسى: لو أن النقد النصى لا يهدم إيمانى، فسوف يدافع بنفسه عن إيمانى. عرض البيانات و الحقائق وحده، سوف يدافع عن إيمانى، و بدأت فى كتابة المدخل من أول و جديد، و أصبحت أقول أنى محققاً و لست مدافعاً!

ترأف الرب ضعفى فى ذلك الوقت، و أرسل لى من حيث لم أكن أعلم أو أتخيل من يساعدنى على فهم وحى العهد الجديد بشكل صحيح مضبوط، و فرحت جداً عندما استطعت التخلى عن الفكرة الوهمية التى خدعت نفسى بها، أن العهد الجديد تم إملاؤه و أن كل حرف فيه أملاه الله على الكتبة. تركت الدليل يشكل عقائدى، و إنفتحت السماوات و إنهالت علىّ بركات الرب الغنى، لأفهم لاهوته من جديد. أدركت بعد ذلك، أن تزامن دراستى اللاهوتية لكتابات الأب متى المسكين و د. بباوى، لم يكن مجرد صدفة. بل ساعدت هذه الدراسات اللاهوتية بشكل جوهرى، فى تأسيس لاهوت واضح مبنى على أساس راسخ عن علاقة الله بالإنسان فى اللاهوت المسيحى. تلك العلاقة التى إذا فهمناها بشكل صحيح، تنهار غالبية المشكلات التى يتحدانا بها النقد النصى، و النقد الكتابى بشكل عام. خرجت من هذه المرحلة فرحاً، سعيداً، راضياً، فأخيراً تصالحت مع نفسى!

تلقيت عروضاً و طلبات بنشر الكتاب، لكن المجتمع الشرقى غير مستعد حالياً لتلقى هذا العلم. لابد من تصحيح الأوضاع حول الإعتقاد فى الوحى و العصمة، ثم بعد ذلك ينتقل هذا الفكر للعامة. الثقافة المحيطة أثرت تأثيراً بالغاً فى فهم المسيحيين لطبيعة الكتاب المقدس. لكن دور الثقافة المحيطة لا ينبغى ان يُبالغ فيه؛ فهذه هى طبيعة الإنسان الذى يميل للظاهر و يترك الباطن، فيحتج للمادة و يبتعد عن المغزى.

لكن، و أشكر الرب لأجل ذلك، بدأت فى نقل هذا العلم إلى المجموعات المتخصصة فى الكنائس فى الإسكندرية و القاهرة. منذ حوالى عام و نصف، قمنا بتنظيم كورسات و مجموعات دراسية فى الكنائس الأرثوذكسية و الكنائس الإنجيلية فى المحافظتين، و لقينا اهتمام كبير، خاصةً من الشباب. و الآن أعمل فى التعليق النصى لتفسير علمى (غير روحى) للعهد الجديد، تصدره أحد الكنائس المشهورة فى الإسكندرية.

عام مر على نشر النقد النصى للعهد الجديد فى الأوساط العربية، و لم يخلو من المشاكل و العقبات. لكن أشكر الرب لأجل رحمته التى أظهرها؛ ففتح طاقات السماء لتنهمر بركاته على العمل المستمر. كان المدخل بمثابة نقطة تحول رئيسية فى حياتى و حياة آخرين. لذا كان من الطبيعى أن نجد هجوماً من عدة أطراف. ما كان يحزننى و مازال، هو أن أجد مسيحيين مهاجمين. فإذا لم أسير بحسب ما يريدون، أصبح مهرطقاً و فى بعض الأحيان "كافراً"، يستحق "الحرم". للأسف، هؤلاء لا يدركون أنهم وجدوا من ينقل لهم رؤى العلماء. فى أغلب الأحيان، لم تُتاح لى هذه الفرصة. فى كتابتى للمدخل، و فى مراحل أخرى متقدمة، لم يكن أمامى سوى أن أتصارع وجهاً لوجه مع المادة المعروضة. لكن الرب كان دائماً موجوداً يسندنى، و روحه القدس يشجعنى فى وقت الضيق و اليأس.

هناك شخصيات كثيرة أثرت فى حياتى بشكل رئيسى، و خاصةً فى كتابة المدخل و ما تلاه. الأستاذ و الصديق egoemi من البالتوك. هذا الشاب الجميل، الخادم الأمين، إستلمنى منذ أن كنت لا أعرف كم إنجيلاً لدينا فى العهد الجديد! لاهوتى بارع، و محاور محترف، أدين له بكل معرفة توصلت لها. إيجو هو صديق خمس سنوات مرت، و هو الذى دربنى اولاً فى اللاهوت الدفاعى، ثم شجعنى على دراسة النقد النصى. أتذكر أياماً جميلة، حينما كان يرسلنى إلى الغرف الإسلامية فى البالتوك، لأسمع شبهاتهم. ثم نجتمع فى غرفة خاصة ليناقش معى هذه الشبهات، ولا يتركنى أنصرف إلا و أنا مقتنع تماماً. و فى دراسة النقد النصى و كتابة المدخل، و بالتحديد فى لحظات تخبط رهيبة و مريرة، كانت أقسى مرحلة فكرية مررت بها، كان دائماً إلى جوارى. كنت أصرخ فى وجهه، سأكون ملحداً، فيضحك ضحكته المعروفة لكل من يعرفه، فأضحك أنا ايضاً و أذهب لأصلى فأجد راحة و سلام. لم يقتصر دوره فقط على الدفاعيات. إيجو خادماً روحياً من الطراز الأول. كان له الدور الرئيسى فى معرفتى الحقيقية لله. أعتقد أننى كنت معضلة رعوية بالفعل بالنسبة له! فأنا الباحث العقلى الذى يعرف سوى الدليل و النظرية فقط، كان مجهوداً شاقاً عليه حقاً، أن ينقل لى زاوية أخرى فى التعرف الحقيقى على الله. لذا أنا أدعوه حقاً والدى فى الإيمان!

الشخصية الثانية التى أثرت فى تكوينى الدفاعى، و لعب الدور الرئيسى فى كتابتى للمدخل، هو الأب القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير. حديثى عن علاقتى بالأب عبد المسيح بسيط يحتاج لكتاب كامل. فهو بالنسبة لى ليس فقط الكاهن و الراعى و الأستاذ، بل هو أب بكل ما تحمله الكلمة من معانى. كنت أهاجمه علانية لأنه يسير وراء ما كنت اسميه "نصاً سكندرياً هرطوقياً"، و هو تعامل مع حماسى بحكمة و حنكة. لا أتذكر يوماً أنه قسى علىّ، أو انه جرحنى رغم أننى المتعدى. على العكس، كنت دائماً أتعصب عليه، و هو بهدوء و تروى و حكمة يمتص غضبى. أنه رجلاً يعرف جيداً كيف يفصل بين الدليل و العقيدة. إيمانه راسخ لأبعد الحدود، و هو ما إستفزنى فى مرحلة التغير فى كتاباتى للمدخل. كان شاهداً على مرحلة التخبط الفكرى القاسية، و فى إحدى المرات بكى لأجلى! زودنى بكتب كثيرة، و كنا نسهر حتى الفجر نتناقش فى مشكلات النقد النصى و تحدياته. صلى لأجلى كثيراً، و مازال. و أتت بعد ذلك مرحلة الفرح و الإبتهاج؛ فكان شيخاً حكيماً يحاول بكل الطرق ضبط حماسة شاب صغير. مازلنا نشجع بعضنا البعض فى دراساتنا و أبحاثنا. و قبل نشر المدخل، كان هو أول من اطلع عليه...و أول من أخبرنى بردة الفعل السلبية التى سيتلقاها الكتاب!

الشخصية الثالثة هى Free Thinker_1، الذى أثر فىّ دون أن يعرف! هذا الخادم النشيط فى كنيسته، الذى يحترق قلبه غيرةً على الرب و الكنيسة. كان هذا الرجل هو العامل الرئيسى الذى استخدمه الرب فى مرحلة ما بعد المدخل. فى وسط الهجوم و النقد، كان دائماً يعزينى، و دائماً يقوينى، مؤمناً بالقضية و المنهج. كان حريصاً على إرسال كل كتاب و مرجع يُفيِد فى القضية، و قد أرسل لى كم مهول من الكتب بالفعل. أكثر شىء تعلمته من فرى، دون أن يعرف هو ذلك، هو الأمانة فى البحث العلمى؛ فلا أفرض عقيدتى على البحث، ولا أفرض نزعاتى على المنهج، و ألا أقوم بتوجيه الدليل، بل أدع الدليل هو الذى يوجهنى. إنساناً أميناً بحق! كما انه دارس للنقد النصى للعهد الجديد، و خاصةً النقد الأعلى. متميز فى الرد على مزاعم سيمينار يسوع، و هو امر يلاحظه كل من يسمع مشاركاته فى البالتوك!

الشخصية الرابعة، fancyhoney، رفيق الكفاح. فانسى صديق شخصى لى، و هو ناقد محترف. عقلية متميزة لا تعرف التقليدية ابداً. و فى كتابة المدخل، كان فانسى متابعاً باستمرار، و كتب كتابه كى يكون نقداً بعد الدفاع. كان فانسى يهدف إلى عرض بيانات موازية تلزم المحاور بقبول بيانات النقد النصى، و أعتقد انه كان بارعاً فى ذلك (حيث مر عام الآن، و رغم أننى طلبت بنفسى رداً عليه من كثيرين، لكن لم أرى رداً حتى الآن!). أجمل ما فى هذا الشاب هو ليبراليته الحرة الحقيقية، فهو لا يعرف الخداع فى العقيدة، ولا يجد إشكالاً فى إسقاط ما لا يثبت. عرفنا بعضنا البعض جيداً، فأصبح يعرف ما الذى أريده منه من مشاركاتى، و أصبحت أعرف ما الذى يريده منى من مشاركاته. شارك بدور رئيسى معى فى صياغة مصطلحات العصمة، فى المدخل و فيما تلاه، فكان بالحق رفيقاً للكفاح!

فى الذكرى الأولى لكتابة المدخل، أشكركم جميعاً لأجل كا ما قدمتموه لظهور هذا العمل بهذه الصورة. لولاكم و لولا دعمكم، لما كان له وجوداً الآن. و مازلتم مستمرين فى محبتكم الرائعة، فشكراً لكم!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!